في حوارمع عبـد الســلام مصبـــاح بمناسبة صدور عمله الجديد

(حورية) الشعر تخلت عنه فسرقته (جنيات) الترجمة حوار: نعيمة النوري

قال الشاعر والمترجم عبد السلام مصباح أن، موضحاً أن التجربتين متجانستين معاُ، متجانستين في إبداعاته، وأضاف في حوار مع "المغربية" أنه يتطلع لمشروع جديد سيصدر هذه السنة، بعنوان "عزف منفرد على وتر الحاء"، سيكون ارتباطاً طبيعياً لديوانه السابق "حاءات متمردة، لأنه سيبقى وفيّاً لكل "الحاءات" التي تمثل الحب، حواء، الحلم...وأشار إلى أن المبدع هو الذي ورط الشعر فيما نعيشه الآن، لأنه هرب من الشعر الذي يخاطب الوجدان واتجه إلى الضبابيات، مؤكداً أن القارئ بدأ يتخلى عن الشعر، كما أن الشاعر تنازل كثيراً عن حقوقه ومبادئه، وبدأ يلهث وراء عصره

-  يتوزع إبداعك ما بين الكتابة الشعرية والترجمة، قربنا إلى خصوصيات هذين العالمين في تجربتك؟
- هما عالمان متجانسان بالنسبة لي، رغم أن حورية الشعر العربي تخلت عني لتسرقني جنيات الترجمة.
في الحقيقة الترجمة كانت أولى اهتماماتي، انطلاقا من اطلاعي على كتابات عدة لشعراء إسبان، ساعدني في ذلك تتلمذي على يد أساتذة إسبانيين، بحكم انتمائي إلى المنطقة الشمالية، ما جعلني أتأثر بالأدب الإسباني باكرا، وأحسست بميل شديد نحو بعض مبدعيه أمثال خوان رامون خيمينس، وغارسيا لوركا وأنطونيو ماتشانو وغيرهم، فكان أن ترجمت لهذا الأخير أول نص بعنوان "الوردة.

بعد ذلك أهملت نوعا ما الترجمة، واتجهت لكتابة الشعر باللغة العربية، غير أن كتاباتي لم تلق الترحيب الذي كنت أنتظره، وأحسست بالتهميش من طرف جهات معينة، وهذا ما جعلني أقول في بداية كلامي أن حورية الشعر العربي تخلت عني، فسرقتني جنيات الترجمة.

عدت للترجمة من جديد، وبدأت أترجم للوركا وغيره، إلى أن تعرفت على الشاعر الشيلي سيرخيو ماثيياس ، الذي أحسست بأن هناك تقارب بيني وبينه، نصوص مست أعماقي، خصوصا وأنه كان يكتب باللغة العربية، هذا الشاعر عاش كثيرا في الدول العربية، وعشقها، وكتب حول أدبائها، أمثال البياتي، والمعتمد بن عباد، وكتب حول الأدب الفسطيني، بل إن له كتاب حول المغرب في أدب أميركا اللاتينية، صدر بالمغرب، في عهد وزير الاتصال السابق العربي المساري، وكانت المناسبة أن التقيت به، فأهداني بعض أعماله، التي ازددت من خلالها عشقا لهذا الكاتب الذي بدأت أترجم له فيما بعد.

وحين صدر له كتاب حول المعتمد بن عباد، حرك في أعماقي ووجداني أشياء كثيرة، لأن المعتمد كان شاعرا، وعاشقا، وملكا، الكتاب نشر في 2004 في إسبانيا، إلا أن القارئ العربي لم يطلع عليه، ما جعلني أقرر نشره في المغرب.

لسيرخيو ماثيياس، أعمال أخرى عن المغرب، من بينها ديوان كامل بعنوان "تطوان في أحلام انديزي" وديوان "سحر ابن زيدون"، إلى جانب دراسات حول الأدب المغربي والأدب العربي عموما.

-  وما حال الشعر معك؟
- مازال موجودا، ولا أعتقد أنه سينضب، وأنا أتطلع لمشروع جديد سيصدر هذه السنة، قبل انعقاد مؤتمر اتحاد كتاب المغرب في نونبر المقبل بعنوان "عزف منفرد على وتر حاء"، الذي سيكون ارتباطا طبيعيا لديواني الذي أصدرته عام 1999، "حاءات متمردة"، انطلاقا من ارتباطي الوثيق بـ "الحاء"، التي تمثل الحب، وحواء، والحلم، والحب، وهي كلها متمردة، حواء متمردة، كما الحلم والحب اللذين لايمكن أن يخضعان أبدا لمنطق القيود.

- إذن أنت مصر على أن تكون شاعر "الحاءات"؟
- نعم، وأنا أفتخر بذلك، وأعتقد أنني تأثرت كثيرا بالشاعر نزار قباني، الذي تجمعني به ذكريات جميلة، تبادلنا خلالها الرسائل، وأهداني بعضا من أعماله، لقد كان حقا أول شاعر قرأت له وأنا في المرحلة الإعدادية، فخرجت من معطفه.

- هل تعتقد أن من خصوصيات الشعر أن يبقى وفيا للوجدان؟
- بكل تأكيد، لأنه يخاطب تلك الكنوز المدفونة في أعماقنا، والتي لا يعرفها إلا الراسخون في العشق، فالشعر له دور كبير في تحريك الوجدان، الشعر هو عاطفة، يهتم طبعا بالقضايا الإنسانية، لكن بدرجة أولى هو وجداني.

- وهل ما زلنا في حاجة إلى الشعر؟
- مادام هناك عاشق فهناك شعر، ومادام هناك ربيع فهناك شعر، ومادامت الشمس تشرق فهناك شعر، لا يمكن أن نتنكر إلى ذلك.

-  ولو في ظل ما نعيشه من إكراهات وصراعات؟
- المبدع هو الذي ورط الشعر في ما نعيشه الآن، لقد هرب الشاعر من الشعر الذي يخاطب الوجدان واتجه إلى الضبابيات، وأعتقد أن أغلب النصوص التي نقرأها حاليا، هي عبارة عن طلاسم، وأنا أحمل المسؤولية للشاعر، لأننا لو فتحنا قلوبنا للقارئ لما فر منا.

- هل يمكن أن يكون الشاعر والمثقف عموما فاعلا في المجتمع ويساهم في التغيير؟
- الشاعر مازال له ذلك الدور الرائد، الذي كان له قديما، ولا يمكن أن يتخلى عنه، كما لايمكن أن نتجاهل دور وأهمية الشعر في حياتنا.

فالحلم هو إكسير الحياة، وإذا توقفنا عن الحلم توقفت الحياة، وهنا أتساءل لماذا نحاول دائما أن نجعل كل شيء عقليا؟ نحن في حاجة إلى العاطفة.

-  كيف ترى حال الشعر والشعراء اليوم؟
- في الحقيقة هناك مأساة، لأن القارئ بدأ يتخلى عن الشعر، كما أن الشاعر تنازل كثيرا عن حقوقه، ومبادئه، وبدأ يلهث وراء عصره، ربما لأن الظروف فرضت عليه ذلك، لكن الأكيد أننا في حاجة إلى تجاوز كل من شأنه أن يجردنا من وجدادنا وعاطفتنا.