الكريما البيضاء

، بقلم أكرم سلمان حسن

تعالت الزغاريد في منزل سعيد وأمينة احتفالاً بولادة نمر.. الذكر المنتظر.. تحقق الحلم.. الحلم الذي تأخر خمسة عشر عاماً، بعد خمس ولادات.. خمس خيبات أمل.. وعند كل ولادة جديدة.. مصيبة جديدة، أكبر من سابقتها، وأكثر قسوة، وأمينة و سعيد أقل قدرة على احتمالها.

تكبر البنات ولابد لهن أن يدفعن ثمن الخيبات المتلاحقة.. وعقل أمينة الباطن يصور لها أنهن منعن نمر من المجيء، ومشاعرها تبدأ بالتحجر وتضيق مساحة الأمومة داخلها.. قصف الله أعماركن.. يا وجوه النحس..
تغيب الابتسامة عن وجهها وتصبح عصبية المزاج.. وتسوء علاقتها بسعيد، فهو يخرج إلى عمله ويترك الشقا على من بقى.. عليها التعامل مع اللعنات الخمس.

حتى مجيء نمر المتأخر لا يغير من علاقتهما.. سنة بعد سنة، يزداد الشقاق.. جو المنزل لا يطاق.. فالوالد أصبح بلا عمل، الشتائم والاتهامات المتبادلة بينهما تصبح أغنية يومية.. ينام الأولاد ويفيقون عليها.

نمر لا يزال مدللاً.. وبرغم أن الله حباه بوسامة فائقة، فهو طويل القامة، أبيض البشرة، أزرق العينين، ويزيد من وسامته لثغة خفيفة بحرف الراء.. لكن مسحة من الحزن تعلو وجهه.. فالوسامة واللثغة كانت نعمة عند الفتيات اللاتي كن يقطعن طريقه بكل أنواع الحجج، ونقمة مع أصحابه.. يسخر بعضهم منه، يدفعه ذلك لتعلم فنون القتال.. يختار الكاراتيه.. تمر السنون ويستمر بالتدريب..يتدرج في الحصول على الأحزمة حتى يحصل على الحزام الأسود،يصبح مهاباً من أقرانه.. يتوقفون عن السخرية، يبتلعون ريقهم خوفاً حين يغضب، فمن يجرؤ على ممازحته!!

الزغاريد عادت اليوم استثنائياً إلى المنزل، حصل نمر على شهادة الثانوية العامة، وهاهي الفرصة أتت للتخلص من سجن المنزل والتوتر الدائم.
- سألتحق بالكلية الحربية.. قال نمر
ينخلع قلب أمينة من هذا الخبر.. وحيدها لن يلعب بعد اليوم في أزقة الحارة، ببندقيته المطاطية، ستكون حديدية!! تلد ناراً بدل الماء !!يقنعها نمر.. أن لا لزوم للخوف.. فالحرب بعيدة جداً.. بانتظار التوازن الاستراتيجي!! تتردد كثيراً، لكنها حين تتخيله في بزة الضباط.، يشرق وجهها.. سيكون أجمل الضباط.. وهو قوي وذكي.. سيكون له شأن.. سيخرجني من هذا الشقاء.. توافق بعد تردد..
- من أنت؟
- أنا نمر سعيد عثمان.. يصفعه المدرب صارخاً:
- من أنت؟
- أنا المستجد تلميذ الضابط نمر سع.. يقاطعه بركله على قفاه.
- غبي.. قل أنا وحش
- أنا وحش.. يزعق نمر ويغطس في الماء البارد شتاءاً.. أنا وحش.. يصرخ ويتمرغ في الوحل.. أنا وحش.. يهدر ويتدحرج على رمل الصحراء الحارق صيفاً.. أنا وحش..يمسك أفعى يقطع رأسها بأسنانه.. أنهى دورة الصاعقة.. ثلاث سنوات مرت.. علق نمر نجمتين على كتفيه، وعاد إلى المنزل ببزة الضباط.

الدنيا لا تتسع لأبو نمر.. أينما ذهب وأينما حل.. حديث نمر وبطولاته على لسانه.. سيكون له شأن كبير.. سيكون من الضباط القادة في هذا البلد. يستطيع صرع خمسة رجال دفعة واحدة، وتأتيه الفرصة لرد إهانة عمرها عشره أعوام إلى نحر جاره، ولما لا يرد الإهانة مع الفائدة عليها!! فهاهو نمر الضابط القوي سيتكفل بحمايته!!

بطول قامته وقوته وتدريبه الجيد، لم يجد نمر صعوبة بفرزه للخدمة في الوحدات الخاصة، تمر السنون، ويصبح نمر من الضباط المميزين في الثكنة.
- عجيب أمرك.. كلنا نقفز فرحاً عند حصولنا على الإجازة، إلا أنت وكأنك تذهب إلى سجن، ما بالك نمر ؟
- هو سجن يا خالد.. بل أسوء.. هناك تنتظرني المشاكل المتراكمة.. فكلاهما يعتقد أنني سأكون إلى جانبه.. ينهشان بعضهما وأنا ممزق بينهما.. أخشى أن أفقد صوابي ذات يوم و أصفعهما بالحقيقة.. بت أكرهكما!! لا أطيق تواجدي هنا..يسكت قليلاً ثم يضيف:
- الأدهى من ذلك أنني أرجع إلى الثكنة مفلساً.. بعد أن أترك القسم الأعظم من راتبي هناك وأنا أتساءل، كيف لي أن أتزوج يوماً ما.. أعود مكدراً متوتراً أركل ذات اليمين وذات الشمال.. بت مكروها من العسكر.. منذ يومين ضربت المجند زيدان وشتمته.. أتصدق إن قلت لك.. للحظة تخيلته أبي!! لقد ندمت! لكن لا أستطيع أن أشعره بهذا..يجب أن لا يلمحوا بنا ضعفاً.
- ليس ذنبنا يا نمر!! علمونا أن نكون وحوشاً كاسرة لا أن نكون قادة محبوبين.. أتذكر كيف وبخك العميد عندما علم أنك أنهيت عقوبة عسكري قبل الوقت المحدد لانتهائها..
- أشفقت عليه خالد.. سقط أرضاً.. وسمت الشمس الحارقة وجهه إلى الأبد، ثم أقول لك شيئاً أرجو أن يبقى بيننا.. (مال على أذنه هامساً) أخشى بحال نشوب المعركة إن يوجه جندي ما بندقيته نحونا..!! ولم لا ؟! هل يأتي الشاب إلى الخدمة العسكرية كي يهان ويضرب!!؟ ألا يكفي أن راتبه خلال الخدمة الإجبارية لا يوازي أجر ثلاثة أيام في حياته المدنية، لا بل إن بعضنا يسرق طعامه.. انظر العميد أحمد، ضابط الشؤون الإدارية.. بنى منزلاً في القرية يشبه القصر.. أتستطيع أن تقول لي من أين، لو ادخر رواتبه منذ أن دخل الجيش ولم يصرف قرشاً منها.. لما وفر ما يبني به السور المحيط بالفيلا.
- لكن إذا لم نكن أشداء نفقد احترام العسكر.. لابد من ركل بعض المؤخرات.
- هو خوف يا حسين وليس احتراماً.. أتظن أن قادة المقاومة اللبنانية حرروا الجنوب بركل مؤخرات المقاومين؟ !! أقول لك جازماً.. لو كان الأمر كذلك، لما حرروا شتلة تبغ واحدة!!
- ربما، لكننا جيش نظامي.. وحدات خاصة.. نحن النخبة، ثم..بدون القسوة والهيبة، لا تحلم أن تستلم مركزاً مهماً.. بل يرمونك في مكتب تقضي حياتك بين الأوراق.. لم أختر الكلية الحربية كي أدفن في غبار السجلات، وأعود إلى بيتي مغبراً، فتظنني زوجتي صبي الفران..هاها.
- لا فائدة منك، ستبقى بغلاً.. والآن تصبح على خير، فأنا بغاية التعب و النعاس..
- أبق عندي اليوم، مالذي يعجبك بتلك البراكة النائية.
- نائية فليكن، لكن العقارب لا تتسلق الهضبة، ثم أن الجو هنا حار وهناك أنسى أننا في آب اللهاب كما تسميه أم نمر.
- متى تغادر؟!
- غداً بعد الاجتماع الصباحي، وأضاف: غدا يصادف عيد ميلادي، وأم نمر كل عام، تعد لي كعكة كبيرة تغرقها بالكريما البيضاء، ستزرعها بثلاث وعشرين شمعه.. أتعرف خالد بهذه المناسبة، واستثنائياً، سأطلب زيدان وأطيب خاطره، وربما حصلت له على إجازة، تصبح على خير.

- تصبح على خير يااا..هر، وعيد ميلاد سعيد، ولا تنس حصتي من الكعكة.

يضحك نمر من التشبيه، ويمضي متسلقاً الهضبة، يصل البراكة التي حصل من قائد اللواء على إذن خاص لبنائها.. جدران من حجر الخفان وسقف من الصفيح.. الحر لا يطاق.. يفتح الباب والشباك الوحيد.. يتعرى من ثيابه محتفظاً بالسروال القصير فقط.

في الرابعة صباحاً، دوت أصوات طلقات بندقية لم يعرف مصدرها بالضبط، دعي الجميع إلى اجتماع طارئ، تأخر نمر بالحضور.. ذهب خالد لإيقاظه، (ربما لم يسمع لبعد البراكة، ينام كالدببة، حسناً سأوقظه بركلة على المؤخرة ودلواً من الماء) حدث نفسه.

تعالت صرخات خالد، حينما شاهد نمر نائماً كعادته على بطنه، متوسداً يده اليمنى.. وفي ظهره الأبيض.. كالكريما.. زرعت سبع طلقات..


أكرم سلمان حسن

كاتب سوري

من نفس المؤلف