احتفالية (ديوان العرب) في ضيافة (أدب ونقد) الرصاصة الأخيرة مجازر الاحتلال الصهيوني في غزة ٢٠١٤

الصفحة الأساسية > أقلام الديوان > أدب نسائي في عالم عربي

أدب نسائي في عالم عربي

يمنى العيد ـ الحياة

١ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٤

أميل الى الاعتقاد بأن مصطلح الأدب النسائى يفيد عن معنى الاهتمام وإعادة الاعتبار الى نتاج المرأة العربية الأدبي وليس عن مفهوم ثنائي, أنثوي - ذكوري, يضع هذه النتاج في علاقة اختلاف ضدّي - تناقضي, مع نتاج الرجل الأدبي.

والمصطلح, بهذا المعنى, يحيلنا على تاريخ للأدب العربي ساهمت فيه المرأة منذ عهود قديمة, تعود الى ما قبل الفتح الإسلامي (مثل الشاعرة سلمى بنت مالك بن حذيفة), الا ان مساهمتها أُهملت بسبب من معايير قيميّة ربطت بين الفنون والآداب وثقافاتهما وبين نظام قبلي قوامه القوّة, أو سلطة على رأسها رجل ينزع الى التسلّط.

هكذا جرى تفضيل شعر الفخر والمديح والهجاء (بصفته, اي الهجاء, الوجه الآخر للمديح) على شعر الرثاء, اي تفضيل ما يعبّر عن القوة ويخدم السلطة على شعر "الضعف والضعفاء".

ولئن كانت المرأة معتبرة, في نظام القيم الاجتماعي, من جنس الضعفاء, فقد أُهمل امرأة وفتاة بريشة ماتيس. شعرها وسقط ذكر الشاعرات اللواتي بلغ عددهن 242 شاعرة, من الخنساء الى ولادة بنت المستكفي.

كما أُهملت فنون النساء كالتهويدات التي تغنيها الامهات لأطفالهن, لأنها ليست من الفنون التي ترتبط بالسلطة, او تندرج في مسرات البلاط.

اما الخنساء التي برزت دون نظيراتها من امثال ليلى الاخيلية, ورابعة العدوية (المتصوفة), والفارعة بنت طريف, وعائشة بنت المهدي, والسيدة زبيدة بنت جعفر (زوجة الخليفة هارون الرشيد وأم ولده الأمين), ودنانير, ومحبوبة... فإن شعرها الرثائي لأخيها صخر لم يقوّم الا بتخليها عن الدمع والانتقال الى الفخر منشدة:

"وإن صخراً لوالينا وسيّدنا / كأنه علم في رأسه نار".

ويمكن القول إن استعمال مصطلح "الأدب النسائي" يعود, في العالم العربي, الى مرحلة النهضة التي أدرك فيها المتنورون أهمية دور المرأة في نهوض المجتمع, وهو ما استدعى تعليمها وأفسح لها, من ثم, إمكان المشاركة في النشاطات الاجتماعية والثقافية والانتاج الأدبي.

في هذه المرحلة - مرحلة النهضة - عرفت اللغة العربية مجموعة من المفردات تخص نشاطات المرأة وتشير الى ما يبذل من اجلها, مثل:

- تعليم النساء (سنة 1881 أسست السيدتان إملي سرسق ولبيبة جهشان اول معهد علم للفتيات) - الجمعيات النسائية (لقد انشأت سيدات بيروت سنة 1880 جمعية "زهرة الاحسان, وسنة 1914 جمعية "يقظة الفتاة العربية") - المجلات النسائية (أصدرت هند نوفل مجلة "الفتاة" سنة 1892 في الاسكندرية, ومديحة الصابوني مجلة "المرأة" سنة 1893 في حلب, ولبيبة هاشم مجلة "فتاة الشرق" سنة 1906, وعفيفة كرم مجلة "المرأة السورية" سنة 1911 - الصالونات الأدبية النسائية (صالون مريانا مراش في حلب, وصالون الأميرة نازلي فاضل, وصالون مي زيادة في القاهرة)...

مثل هذه النشاطات وسمت بـ"النسائية", وإن شارك فيها الرجل (فقد عمل الطهطاوي (1801-1873) على إقامة مدرسة لتعليم البنات, وخصص قاسم أمين (1864-1980) كتابين هما: "تحرير المرأة" و"المرأة الجديدة").

وعليه فإن "النسائي" يشير, وفي شكل اساس, الى حيز دال على حضور المرأة ونشاطها في الحياة الاجتماعية والثقافية والأدبية.

وبالنظر في خطاب المرأة الأدبي ففي إمكان القارئ, او الباحث, ان يلاحظ أنه ليس خطاباً نسوياً بمعنى الثنائية الضدية بين خطاب أنثوي وخطاب ذكوري. ولئن كان من ضدية, فإن لها, وبحسب لسان العرب, معنى الخلافية الندية (فقد جاء في "لسان العرب" واستناداً الى "ابن سيدة" في إحالته على ثعلب: "ضد الشيء خلافه, وضده, ايضاً, مثله"... وجاء استناداً الى الأخفش: "الند الضد والشبه". أو, حسب ابن الاعرابي: "ند الشيء مثله وضده خلافه".

ويقال (والكلام لابن الأعرابي): "لقي القوم أضدادهم وأندادهم اي أقرانهم"), اي معنى الخطاب القرين. ما يعني ان المرأة بهذا الخطاب الضدّي, او الخلافي, تعلن عن وجودها ككائن مبدع, شأن الرجل إذ يعلن, في خطابه, عن وجوده ككائن مبدع.

ان خطاب المرأة, الموصوف بالنسائي, هو خطاب يؤكد حضورها الذاتي ويميزه.

يضمر "النسائي" في الخطاب الأدبي العربي معنى الدفاع عن الـأنا الأنثوية, بما هي ذات لها هويتها المجتمعية والانسانية. ومن موقع الندية, يواجه "النسائي", لا الرجل بصفته الانسانية, بل آخر هو, تاريخياً, قامع ومتسلّط.

ففي رواية "أنا أحيا" (1956) لليلى بعلبكي (لبنانية) تتمرد لينا, بطلة الرواية, على الرجل بصفته في مواقع السلطة في المجتمع (أب, ورئيس شركة, واستاذ جامعي, وحزبي) ويمارس, من هذه المواقع قمعه عليها. لينا, ومن خلفها المؤلفة الضمنية, ضد هذا القمع وليست ضد رجل تودّ, كما تقول, ان تشبك بذراعه ذراعها. وفي "حجر الضحك" (1990) لهدى بركات (لبنانية) يحيل خليل, بطل الرواية, عنف الحرب الاهلية في لبنان, على وعي ثقافي - اجتماعي, وليس على تكوين فيزيولوجي - جيني. ذلك ان خليل, وبأثر من هذا الوعي السائد, يرفض الجينات الانثوية فيه النازعة به الى الهدوء والسلام لينخرط في ممارسة العنف الذكوري. لم تكتب المرأة ضد الرجل الانسان حين تناولت في كتاباتها الابداعية العلاقة بين الأنوثة والذكورة, بل كتبت ضد ايديولوجيا السلطة الذكورية, وضد وعي ذكوري سائد غير مدرك, شأن سامح, بطل رواية "باب الساحة" (1990) لسحر خليفة (فلسطينية) بأن التحرر لا يتحقق لمجتمع يعاقب المرأة حيث يسامح الرجل. تكتب المرأة لتعبر عن سبل تستعيد بها الانثى ثقتها بذاتها المفقودة, فتحكي لنا مدى, بطلة رواية "شجرة الحب غابة الاحزان" (2000) لأسيمة درويش (سعودية من أصل سوري), عن غربتها في وطنها الذي يتسيد فيه الرجل, وعن استعادتها لذاتها في بلاد الغربة التي وفّرت لها العلم والحب والحرية. يُفصح ما تكتبه المرأة عن قدراتها الابداعية في مواجهة ما لحق بها من ظلم على مدى تاريخ طويل: فتواجه عاليه ممدوح (روائية عراقية) ظلم الرجل بمنح النساء حيزاً واسعاً من عوالم رواياتها: ففي "الولع" (1995), كما في "المحبوبات" (2003) تنسج الشخصيات النسائية عالماً رحباً قوامه الالفة بينهن, وسمته التعالي على الألم, بحيث تبدو النساء مشفقات على الرجل, هازئات, بكبرياء, من ظلم يبدو فيه التاريخ اكثر ذكورية من الرجل نفسه.

يسعى خطاب العلاقة الضدية بين الانوثة والذكورة, في ادب المرأة العربية - اي خطاب الضدية التي لها معنى القرين - الى تثمين الانوثة بإضاءة دلالاه المرتبطة بالهوية واللغة والحياة.

هكذا, فلئن كان الشعر ينسب, غالباً, الى ضمير الأنا, وبالتالي يمكننا اعتبار ما تكتبه المرأة من شعر هو, وفي شكل عام, تثمين لأنوثتها, فإننا, وبالنظر في ما تكتبه سرداً, نعثر على أعمال تستهدف, دون غيرها, مثل هذا التثمين. ففي رواية "شجرة الفهود" (2002) لسميحة خريس (أردنية) تبدو الذات الانثوية (شخصية فريدة الرامز اسمها الى فرادتها) هي الوريث لسلالة الفهود. فهي, فريدة, التي تحمل البذرة, وهي التي - بحسب منظور الرواية - تجسد الانتماء وتكفل ديمومة الهوية. وتنيط علوية صبح (لبنانية) عودة المنطوق الحي الى السرد الروائي العربي بالانثى, مريم, بطلة روايتها التي تحمل اسمها "مريم الحكايا" (2002). كذلك تنيط بهذه الانثى نمطاً حكائياً يتوالد شأن الكلان في توالده على لسان ربّته التراثية شهرزاد.

وفي "غرناطة" (1994), و"مريمة والرحيل" (1995) لرضوى عاشور (مصرية), تبرز الانثى بصفتها حافظة للغة العربية ولتراثها الذي أحرق. قد يكون علي, ومن منطلق منهجي, ان افترض امكان اعتبار ما سبق وذكرته من أمثلة, أدباً نسائياً, وذلك - وخلافاً لما ذهبت اليه - على اساس من هذه العلاقة نفسها بين الذكورة والانوثة, ومن هذا التثمين نفسه. لذا أجدني معنية بالاشارة الى بعض ما قدمته المرأة من اعمال أدبية, بخاصة في مرحلة الريادة, ومما هو لا ينبني على اساس من هذه العلاقة, او من هذا التثمين, ومع هذا يوضع تحت يافطة "الأدب النسائي": فرواية "حسن العواقب" (1899) لزينب فواز (1846-1914), مثلاً, تنبني على اساس من الصراع بين الامراء الاقطاعيين على السلطة, وليس على اساس من علاقة بين الأنوثة والذكــورة.

كذلك تتركز الحكاية في رواية "قلب الرجل" (1904) للبيبة هاشم (1882-1952) على ما جرّته احداث سنة 1860, او النكبة بحسب تعبير الرواية, من ويلات على اللبنانيين, ذكوراً وإناثاً, وذلك على حد انتماءاتهم الطائفية. ومع تقدم كتابة المرأة الروائية تبرز رواية "الباب المفتوح" (1960) للطيفة الزيات (مصرية) كعلامة على علاقة وثيقة بين ما هو ذاتي, او أنا أنثوي, وما هو مجتمعي تحرري مشترك.

كما تبرز, في ما بعد, رواية "ذاكرة الجسد" (1993) لأحلام مستغانمي (جزائرية) التي تتمارى فيها المرأة بالوطن, ويبرز العشق وثيق الصلة بالشهداء الذين يخلصون ويضحون من اجل أوطانهم, في مقابل الذين يبيعون بالمال هذه الاوطان. كما تستوقفنا, في هذا الصدد, روايات وقصص عدة منها: رواية "مراتيج" (1985) لعروسية النالوتي (تونسية) التي تقدّم صورة جيل يعيش قلق الاسئلة الصعبة. ورواية "الاقلاع عكس الزمن" (1980) لإميلي نصرالله (لبنانية) التي تحكي عن الحرب والغربة والتعلق بالجذور.

ورواية "ليل نهار" (1997) لسلوى بكر (مصرية), ورواية "بيروت 2002" (2003) لرينيه الحايك (لبنانية). ومجموعة غادة السمان (سورية) القصصية, "رحيل المرافئ القديمة" (1973), ومجموعة هاديا السعيد (لبنانية) القصصية "رحيل" (1989). ففي هذه الاعمال السردية يمتزج الخاص بالعام, ويتداخل الذاتي والاجتماعي على نحو فني يدعو الى نسبتها الى الابداع اكثر مما يحمل على نسبتها الى أدب نسائي.

ويبدو الذهاب في هذا الاتجاه - اي نسبة أدب المرأة العربية الى الابداع - اكثر إلحاحاً مع انخراط انتاجها في ما يمكن تسميته: "مشروع الرواية العربية". ففي اطار هذا المشروع مارست المرأة الروائية التجريب, وتوسلت عناصر من التاريخ مضمِرة سؤالاً حول معنى الحقيقة وعلاقة المتخيل الروائي بالسرد التاريخي, كما تجاوزت القواعد التقليدية وداخلت بين الشهادة والوثيقة والرسالة منوعة في السرد وأساليبه, شأن رضوى عاشور (مصرية) في روايتها "قطعة من أوروبا" (2003). وشأن نجوى بركات (لبنانية) في عودتها الى التراث في روايتها "لغة السر" (2004) وطرح أسئلتها المضمرة على المقدّس في رموزه اللغوية. وشأن رجاء عالم (سعودية) في روايتها "سيدي وحدانه" (1998) التي تستعيد فيها فصاحة العرب وتحيي ثراء لغتهم.

لقد قدمت المرأة العربية الكاتبة أنماطاً من البناء تحدثن بها السرد العربي على خلفية منظور فكري يقول بالاختلاف على أساس التعدد والتنوع, وليس على أساس من معايير قيمية تضم الانوثة ضد الذكورة او دونها. فقدمت مي التلمساني (مصرية) في روايتها "دنيا زاد" (1997) بناء فنياً يجاور بين صوتين سرديين (الأم والأب) يشتركان في مشاعر الفقدان. وقدمت نجوى بركات في روايتها "باص الأوادم" (1996) بناء تميز بمونتاج سينمائي وبطابع حركي بصري, وبشخصيات تنوعت سلوكاتها على اساس انتماءاتها الاجتماعية لا الذكورية او الانثوية. وكما في تحديث السرد, ساهمت المرأة, بصفتها شاعرة, في تحديث القصيدة العربية شأن نازك الملائكة التي كان لها, بقدر ما كان للشاعر بدر شاكر السياب, فضل الريادة في نقل القصيدة العربية من شعرية الوزن والقافية الى شعرية التفعيلة والايقاع.

وعندما نتكلم عن الشعرية - شعرية الشعر وشعرية السرد - ت Poژtique, فإننا نتكلم على أدب يتطور بتغير قواعد تخصه ولا علاقة لها بذكورة او أنوثة.

ان الثورات الادبية التحديثية التي كان يمارسها الخطاب الادبي العربي, كانت ثورات معنية بعلاقة هذا الخطاب بالحياة, وبرؤية الكاتب / الكاتبة الذي يعيش فيه, كما كان يشترط كسر تقاليد البنى الأدبية وقواعدها, ويستدعي تجديد اللغة, وتفكيك تراكيبها البلاغية الجامدة. وهو ما كان يمارسه المبدع / المبدعة, بغض النظر عن جنسه.

وبالنظر الى الاجناس الأدبية, فقد يعلل البعض إقبال المرأة على النثر وسردياته, او على النثر الشعري اكثر من إقبالها على القصيدة العمودية, بالأنوثة: فالأنوثة, كما يقال, كلام شفوي يحكي, والذكورة عقل يفكر ويكتب.

ولكن بالعودة الى الواقع والتاريخ, ندرك أن قلة عدد الشاعرات, بخاصة في مرحلة سيادة القصيدة العمودية وكثرة الشعراء, يرجع الى حرمان المرأة من التعليم, كما ان استمرار عدم اقبال المرأة على قول الشعر العمودي, او كتابته, حتى بعد ان ارتادت المدرسة, في الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين - فترة ازدهار الشعر وبروز الشعراء الرومنطيقيين - يجد سببه في نظام تعليمي لا يدرس عروض الشعر وبحوره وما يتعلق بقواعده الشعرية الجمالية في مدارس البنات, ولا يجد سببه في أنوثة المرأة او في طبيعتها الانثوية.

وعليه, فإن وردة اليازجي (1838-1924), وزينب فواز, وعائشة تيمور (1840-1904), وفدوى طوقان (1917-2004), لسن, بصفتهن شاعرات, استثناء يثبت القاعدة التي تربط بين الانوثة والكلام, بل يشرن بأنسابهن المعروفة, الى نخب عائلية, او الى بيوت علم, وفّرت لبناتها العلم في خدورهن وأعانت مواهبهن الشعرية على النضج والظهور.

الرد على هذا المقال

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

نلفت انتباه زوارنا الكرام الى اننا لن ننشر:
- أى مداخلات تتهجم على اشخاص لا دخل لهم بموضوع المقال وتستخدم ألفاظاً غير لائقة.
- أي مداخلة غير مكتوبة باللغة العربية الفصحى.

من أنت؟
مشاركتك
  • لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

١ مشاركة منتدى