الثلاثاء ٩ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٨
بقلم عمر يوسف سليمان

سارة تيسدال وأغاني الحب

ليس العنوان اقتباساً من اسم أحد أهم كتب الشاعرة الأمريكية سارة تيسدال
فحسب، وإنما من كل ماكتبته وأنجزته في حياتها التي لم تستمر سوى ثمانية وأربعين عاماً.على أنني أثناء بحثي عما كُتب عن الشاعرة في العربية، وسؤالي المثقفين والمترجمين عنها، لم أجد من يعرفها، كما لم أجد سوى مقطوعة قصيرة مترجمة لها، ولم يرد ذكر لسيرتها في العربية إلا بسطرين كانا عبارة عن خبر لذكرى وفاتها في موقع إحدى القنوات الفضائية.


في سيرة سارة تيسدال الذاتية شيء من الغموض ولا تتوفر معلومات كثيرة حول حياتها الشخصية.

نشأت في الولايات المتحدة، في مدينة سانت لويس، وقد بدأت هذه النشأة عام (1884)، وهي ثمرة جون تيسدال الذي كان رجل أعمال بارز وماري إليزابيث التي كانت سيدة اجتماعية معروفة.

عندما بلغت سارة التاسعة انتسبت إلى مدرسةٍ لتعليم البنات، وعُرفت بقراءتها النهمة منذ حداثتها، وبميلها إلى الهدوء والتأمل والطبيعة، وبالرومانسية وتوقد العاطفة، وفي الوقت ذاته بحديثها عن الموت والإكثار من ذكره، وقد بقيت في مدينتها حتى بلغت العشرين، حيث تنقلت بين الولايات المتحدة وأوروبا.
مرت سارة بتجربة زواج فاشل ظهرت نتائجه في بعض أشعارها المليئة بالقوة والمعاناة، والتعبير عن مدى ألمها لكونها لم تحصل على حلمها بالرجل المثالي، ولكن لا نجد فيه يأساً، كما أنها ارتبطت لمدة سبع سنين بعلاقة مثلية مع (مارغريت كونلن)، التي كتبت عنها: (هناك هدوءٌ في قلب الحب، وقد ثقبتُ الألم ليبقى السلام).

وهذا يجعلها إحدى خليفات شاعرة الحب والجمال(سافو)المشهورة بشعر السحاق، والتي لم تضاهها شاعرةٌ منذ القرن السادس قبل الميلاد حتى اليوم، ولكن ما أدهشني هو أنني أثناء ترجمتي لشعر سارة وجدته مليئاً بشعر الحب الذي يحدث بين الرجل والمرأة، بل إنها ذكرت أسماء العديد من الرجال الذي أحبتهم، فهل كانت سحاقية؟، سوى أن كتابها(هيلين من طروادة وقصائد أخرى)يشي بعلاقتها المثلية وإن لم تصرح بها، فقد كانت لغتها مليئة بكبرياء المرأة تجاه الرجل، وشعورها أن رجلاً لا يستحقها، بل عبرت فيه عن استهزاءها بالعلاقة معه، وربما يُردُّ هذا إلى فشل علاقتها الزوجية، ولعل الأخير بسبب مثليتها، والعكس أيضاً، كما أنه لم يكن لها تجارب كثيرة مع الرجال، وجميع الرجال الذين كتبت عنهم كانوا عبارةً عن حلم لم يتحقق.

وسواء كانت سارة تيسدال سحاقية أو لا، فإن شعرها الساحر كان غنائياً بامتياز، وذاتياً، مبتعداً عن الرمزية والغموض بخلاف سيرتها الذاتية، على الرغم من أنها عاشت في فترة انتشار الرمزية التي وضعها بودلير في منتصف القرن التاسع عشر، ثم امتدت إلى أمريكا، وقامت بما قام به الكثير من الشاعرات والشعراء المجايلين لها، وهو الانعزال عن العالم، والابتعاد عن الأحداث التي كانت تضج بعصرها، وعن الحياة الصاخبة، ولعل مرضها وزواجها الفاشل كانا سببين رئيسين لهذه العزلة.

ما يميز سارة تيسدال بحق هو الطرافة والسخرية والدهشة التي تتقنها بشكل بارع في نصوصها، منذ بدايتها في كتابة الشعر عام 1907، ثم إصدارها لكتاب(هيلين من طروادة وقصائد أخرى)عام 1911، و(اللهب والظل)عام 1920، وحتى حصول كتابها(أغاني الحب)على جائزة بوليتزير للشعر عام 1918.

فهي لم تعش تجربة التجاهل في حياتها كما عاشت سافو تجربتها المرة بسبب الحروب والتطاحن السياسي الذين كانت بمنأى عنهما، شأن سارة تيسدال أيضاً.

أكثر شعر سارة كان عبارة عن مقطوعات قصيرة، والطويلة منها لم تُنشر إلا في (هيلين من طروادة وقصائد أخرى)، ونشعر في كل ما كتبته بصوتها الخاص البعيد عن أي انتماء شعري سوى نفسها، وعواطفها الذاتية بعفوية وإتقانٍ عليين.

هذا ما يظهر في شعر سارة، والذي ظهر جلياً في ما ترجمت لها من نصوص، داعياً المترجمين والمترجمات إلى نقل المزيد من شعرها إلى العربية.

كان آخر إنجاز قامت به سارة تيسدال هو انتحارها عام 1933.

 [1]
 
"النظرة"
قبَّلني ستيفون في الربيع
وروبن في الخريف
ولكن كولن نظر إلي فقط، ولم يقبِّلني.
فُقدت قبلة سيفون أثناء الدعابة
وقبلة روبن أثناء الممارسة
ولكن قُبلة نظرة كولن
تزورني ليل نهار.
 
"الأغنية لكولن"
غنيتُ في وقتٍ معتمٍ تحت نجمة المساء،
فترك تيرينس إيقاعه المقفى
ليصله رجع الأغنية من بعيد.
 
ألقى المهرج عوده وراح يبكي
تنهَّد:إنها تغني لأجلي
ولكن كولن كان ينامُ بلامبالاةٍ تحت شجرة التفاح.
 
"أود أن أحيا بحبك"
أود أن أحيا بحبك كما تحيا أعشاب البحر بالبحر،
ترفعني كل موجة في اضطرابها، تهبط بي عندما تنحسر،
أود أن أفرغ روحي من الأحلام المزدحمةِ بي،
أنبض مع نبضات قلبك،
أود أن أتبعَ روحك حيث تمضي.
 
"بماذا أهتم؟"
بماذا أهتم أثناء أحلامي وعند إعياء الربيع؟
بأن أغنياتي لا تريني أي شيءٍ مطلقاً؟
لأغانيَّ العطر، وأنا صوانٌ ونار
أنا جواب، وأغنياتي النداء.
لكن بماذا أهتم لأحب بسرعة؟
أترك قلبي يقول ما يريد، وعقلي يقف متكاسلاً،
ليصبح عقلي فخوراً وقوياً بما فيه الكفاية ليصمت،
إن قلبي من يصنع أغنياتي، ليس أنا.
 
"نصيحة الفتاة"
لا أحد يستحق الامتلاك يمكن أن يُمتلك
احفظ ذلك بقلبكَ جيداً ياعزيزي الغاضب الصغير
هذه الحقيقة، وهذا الأمر الصعب والحجر الكريم
ضعه على خدك المحمر لتخفي به دمعتك
تمسك به عندما تكون وحدك كما تمسك بالبللور
وتذكره كما تتذكر النظرة إلى أعماق الحجارة المتجمدة
تأمَّل طويلاً طويلاً لتكون عارفاً بهذا:
لا أحدَ يستحق الامتلاك...يُمكن أن يُمتلك.
 
"مقايضة"
الحياة تملك الحُسنَ ليُباع
كل الأشياء الجميلة والرائعة:
الأمواجُ الزرقاء التي تبيضُّ على المنحدر
النار المرتفعة التي تضطربُ وتغني
ووجوه الأطفال التي تتطلع إلى الأعلى لتقبض الأعاجيب كما يُقبض الكأس
 
الحياة تملك الحسن ليُباع
الموسيقى التي تبدو كمنحدرٍ من الذهب
رائحة أشجار الصنوبر أثناء المطر
العيونُ التي تحبك، الأسلحة التي تُحملُ لتبقي روحك المبتهجة.
الأفكار المقدسة التي هي نجمة الليل
 
أنفق كل ما لديكَ لأجلِ الحسن
اشترِهِ ولا تقم بحسابِ ثمن ساعةِ غناءٍ أبيضٍ واحدٍ في سبيلِ السلام
بل أحصِ سنواتِ الحربِ التي سوفَ تُفقد نهائياً
لكي تتنفسَ بنشوة...أعطِ كل ما كان لديك وما يمكن أن يكون.
 
"القبلة"
تمنيتُ أن يحبني
ويقبِّل فمي
لكنني كالطائر مكسور الجناح
لا يستطيع أن يغادر إلى الجنوب.
 
على الرغم من ذلك أعرف أنه يحبني
في ليل قلبي الحزين
قُبلته كانت جميلة جداً
كجميع أحلامي.
 
"ليلة شتاء"
لوح زجاج نافذتي مرصَّع بالصقيع،
العالم في برودة مرة هذه الليلة،
القمرُ قاسٍ، والريح تضرب كأنها سيفٌ بحدين.
 
شفقة الله حيث كل مُشَرد
حيث الشحاذون يخطون ذهاباً وإياباً
شفقة الله: حيث فقراء الليل
والذي يمشي ومعه المصباح ليضيءَ شوارع الثلج.
 
غرفتي قطعةٌ من حزيران،
دافئةٌ والستارة مغلقةٌ وطياتها مصفدة،
ولكن في مكانٍ ما
وكالطفل المشرد
يبكي قلبي من البرد.
 
"البكاء"
أوه، هاهي العيون التي أستطيع بها الرؤية
وهاتانِ يداي اللتان تبهجان يديه
لكن علي بالنسبة لحبيبي
أن أكون مجرد صوت.
 
أوه، هناك نهودٌ لتحتوي رأسه
وشفاهٌ حيث تستطيع شفاهه أن تتمدد
لكن علي أن أبكي حتى أموت.
 
"الضريح"
لا يوجد سيدٌ لقلبي
قلبي الأيسر صامتٌ مثل ضريحٍ فارغ
حيث تتشابك الوردة مع الآس
ضمن مكانٍ واحد.
 
لا إله هناك في حجارة كارفن
ليراقب أسرار العيون
أفكاري مثل بخور متصاعد
أحلم وأبكي وحدي.
 
لكن إذا أبقيت على مذبحي الناري
سأرفع رأسي في الصباح من إكليل الورد
لأجد الإله هناك.
 
"لكن ليس بالنسبة لي"
لم يزل ليل أبريل بارداً في زهور الشجيرات
يجيء السلام إلى الأزهار عبر الخطوات الخافتة
ولكن هذا ليس بالنسبة لي.
.
سلامي مخفيٌّ في صدره
حيث لا يجب أن أكون،
الحب يأتي في الليل إلى الجميع
ولكن لا يأتيني.
 
"ربما ريح"
قلت:يجب أن أغلق قلبي كما يُغْلَق الباب المفتوح.
لأن الحب قد يجوِّع قلبي
ويزيد من مشكلاتي.
 
لكن تجولت رياح مايو الرطبة فوق السقوف
وهب اللحن من القيد
حيث آلات البيانو كانت تعزف في الشارع.
 
كانت غرفتي بيضاء تغمرها الشمس
والحب يبكي خارجي:
(أنا قوي، وسأحطم قلبكِ إذا لم تجلسيني حيث أريد).
 
"أربعة رياح"
أربعة رياح تهب في السماء
إنكِ رأيتِ عذارى فقيراتٍ يمتن.
خبريني إذاً:ماذا عليَّ فعلهُ ليكونَ حبيبي صادقاً؟
قالت ريح الجنوب:
(قبليه في فمه)
وريح الغرب:
(اجرحي قلبه)
وريح الشرق:
(لا تمتِّعيه)
وريح الشمال:
(ادفعيهِ في العاصفة واستمري بدفعه
حين يكونُ فنُّكِ معه أكثر قسوةً من فنه
سيكون حبكِ نوعاً منك).
 
"مدّ"
كان الحب بقلبي يتدفق كالمدِّ العذب
حيث البحر ساطع كالنجوم والنوارس ترتفع
كانت الشمس رائعة والزبد مرتفعاً على صخور الشاطئ.
 
لكن الآن في الغسق يتراجع المدّ
نوارس البحر المرتفعة أكثر انخفاضاً
والموجات التي علت في حنينٍ لا يُقاوم
انخفضت إلى الأبد.

[1ملاحظة:النصوص المترجمة مأخوذة من كتاب (أغاني الحب)


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى