الأربعاء ١١ شباط (فبراير) ٢٠٠٩
بقلم محمد الحريشي

حكاية المعمل

كان الصباح يبدأ باكرا في عالم هؤلاء العمال البسطاء، يستيقظون قبل طلوع الفجر ويتوجهون دون إفطار إلى المعمل وقد عم السخط الوجوه وتكررت أهات المرارة كل يوم دون أن تغير من رتابة واقعهم شيئا، كانوا يعيشون حياة كلها حرمان وقهر.

في غرفة صغيرة بائسة كانوا يتناولون فطورهم مستعجلين قبل أن تصل الساعة السابعة موعد حضور المسئول،

قبل أن تدق الساعة السابعة كنت تجدهم وقد أخد كل مكانه بعضهم يعمل وبعضهم الأخر يدعي العمل حتى لا يسمع كلاما جارحا ينغص عليه بقية يومه.

كانوا يرقبون دخوله في أسوار الحائط العاكسة ويقفون الواحد تلو الأخر يحيونه في تراتبية غريبة أشبه ببيعة يومية أما ثرثرا تهم وسؤالهم عن الحال فغالبا ما كان لا يعيرها اهتماما، تنتهي المراسم بسرعة ويدخل "السبع"كما يسمونه إلى مكتبه ، يعم الصمت المكان حتى تصبح لا تسمع إلا صوت عقارب المنبه أو حركة الرياح وهي تلاعب نوافذ المشغل.

لحظات ويرن الهاتف، يسرع أحدهم وقد عرف المتصل، فيما يتكاسل الآخرون حتى في النظر إلى جهة الهاتف.

يتحرك العامل إلى مكتب المسئول، يدق الباب بلطف ويدخل، فيما يتمتم الآخرون من غيظهم وقد عرفوا أو تعودوا فهم هده الحكاية.

يخرج العامل وبيده ظرف وبعض الأوراق، يشير إليهم انه سيده بالى المدينة لقضاء بعض الأغراض ( أغراض شخصية للسبع طبعا)، وربما لن يعود في المساء.

تمر ساعة النهار الأولى هكذا.

يرن الهاتف مرة أخرى، يتبادلون النظرات فيما بينهم يتطوع احدهم رغما عنه ويقوم للرد على الهاتف، كان يعرف أن المتصل هو (الشاف)، وكان قد حان وقت فطوره، وكان على احدهم أن يلعب للحظات دور الطباخة، رغما عن رجولته وحفاظا على لقمة العيش في هده البقعة السوداء من العالم، يخرج صامتا غير قادر على النظر إلى وجوه زملائه رغم أن الذل ذل لهم جميعا

يتناول المسئول فطوره بهدوء، ويبدأ في قراءة البريد وتوقيع الفواتير، والرد على المكالمات من داخل المدينة وخارجها،

ينظر إلى ساعته الذهبية ويفتح باب مكتبه وينظر نظرة استكبار إلى العمال المرتبين في القاعة كقطع الشطرنج، يقترب من احدهم يمرر أصبعه على الزجاج أمامه ويشرع في السب، كيف لكم أن تعيش في كل هدا الغبار، يحاول احد العمال التهدئة من روعه دون فائدة، يتحرك إلى قاعة أخرى، يقف للحظة فوق رأس احد العاملات يرقب حركاتها وهي تعد فاتورة وقد بالغت في العناية بحركة أصبعيها وهي ترقب عيناه تلاحق الحروف على الورق، يتمتم بلغة مستهجنة وينسحب.

تقترب الساعة من العاشرة والنصف يعود إلى مكتبه ينظر إليه من أدناه إلى أدناه وينادي احدهم، أريد هدا المكتب أنقى من وجهك في المساء، يرمي له بالمفاتيح وينسحب، أههه ربما لن احضر في المساء


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى