الحب في زمن الفروسية بقلم: د.عادل عزام سقف الحيط

أظننت حقا أنني لم أعرفك؟ أم تدّعين اليوم أنك فتاة مختلفة غيرها صخب المدينة؟!

أنت من التقيتها في مدينة الأنباط وأنشدتها شعراً في مكة، وأنت من أسرَجت جوادي يوم بدر ومؤتة، وسقتني في كربلاء يوم عز السقاء، وداوتني في حطين. جمع بيننا الحب والحرب.. كنا نلتقي عند النبع قرب مضاربك نتبادل تباريح الحب والغرام.. وكنت تعدين لي السلاح وتمسحين على جراحي فتبرأ.

وفي يوم عدت والرفاق من غزو، فلما بلغنا ديارك وجدناها قفراً خالية هجرها الأهل والخلان، وما من أثر يدلني عليك.. بحثت عنك في كل البلدان.. مررت بكل المدن والقبائل دون جدوى.. سألت الأعراب عن قبيلتك فلم يعرفك أحد.. وهمتُ طويلا في البراري والوديان حتى ألفتني الظباء والوحوش.. وكنت إذا غلبني الشوق أعود فأغشى رسمك عند جبل التوباد، وأسأل ريح الصبا بين جبلي نَعمان عن أثار الصغيرة.. فما من مجيب..

تمكن حبك من قلبي وأضرمت فيه النار واللهب.. أشتاق إلى جمالك في نهارات الحب القصيرة.. إلى عينيك الوادعتين.. إلى ابتسامتك ومرحك.. وإلى نحيبك ومعاناتك وأحلامك.. وجدائلك الطويلة..

ترى أين كنت طيلة هذه السنين؟ ومن قص جدائلك؟ لماذا تتخفين في تلك الأزياء الغريبة، وتغيرين اسمك وعناوينك؟ أنسيت معاركنا عبر التاريخ؟! كانت المعاناة خبزنا اليومي، والعدالة مطلبنا، فخضنا الحروب إلى جانب المستضعفين، نقاتل الظالمين فنقتُل أو نصلب ونقتَل في سجون الطغاة.. وكنت في كل مرة تختبئين بين العصور ثم تعودين من أروقة الزمان لنجدد الحب والعهد.. ونجاهد في سبيل الله فترتفع راية الخير فوق حطام القتلة وتشتعل عيناك الحالمتان من جديد.

لا شيء تغير اليوم.. وكتائب الجهاد باقية أبداً تقارع الكفر في المدن والجبال.. تكتب بالدم قصة الكفاح من أجل الحرية، وتزرع في أرضنا الرصاص والأمل لتنبت سنابلاً ومهجاً وأرواحاً تروى تراب الوطن الجريح.. أحس بوجودك معنا في ساح القتال، وصوتك لم يضع في أتون المعارك.. ما زلت أسمعه بين دوي القنابل وصليل الرصاص وصرخات الألم فتتملكني تلك العذوبة الدافئة.

بالأمس تأملتك مليّاً وأنت تدونين الملاحظات في دفترك، وأحسست باضطرابك عندما انتبهت لي.. هكذا أنت كلما التقينا لا يفارقك حياؤك الأنثوي الجميل. اليوم مررت بك وأنت تحادثين أترابك، فخيل إلي أنك تمزجين أحاديثك بالسحر؛ وكان لديك دائما الكثير لترويه وتختالي به، لكنك لم ترويه، فأنت لا تحدثين أحداً عن أمجادك. كل يوم تجالسين صديقاتك، وتحديثهن في كل شيء.. كل شيء تقريبا إلا تاريخك، فأنت لا تحدثين أحدا عن مدنك وأسلحتك ومعاركك.. حتى أنا لا تحدثيني بها.. وإذا ذكّرتك، أخفيت ابتسامتك وأطرقت حياءً، ثم نظرت لي متساءلة مستغربة.. يا لتواضعك يا فتاتي..

قارئة الفنجان: ارتحلت في عيني محبوبتك طويلا.. صحبتها في رحلة عبر العصور وخضتما معاً غمار المعارك، أنت تنسج من الخيال عالماً مثالياً... لكن الواقع لا يشبه عالمك.. وسوف تصدمك الحقيقة ببرودها وقسوتها. أنت وصديقك، التمثال الصامت، تنتميان إلى عالم آخر..