احتفالية (ديوان العرب) في ضيافة (أدب ونقد) الرصاصة الأخيرة مجازر الاحتلال الصهيوني في غزة ٢٠١٤

الصفحة الأساسية > أقلام الديوان > (ظاهرة الشعر الحديث) للدكتور أحمد المجاطي

دراسة كتاب

(ظاهرة الشعر الحديث) للدكتور أحمد المجاطي

بقلم: محمد رشد

٢٧ شباط (فبراير) ٢٠٠٩

مداخل لدراسة المؤَلف:
- المدخل الأول:
النقد من حيث هومفهوم
يعتبر النقد عملية وصفية تنطلق مباشرة بعد الإبداع، وتكون غايتها قراءة
الأثر الأدبي، ومقاربته بهد ف استقصاء مواطن الجودة والنقص فيه.
ويرتبط النقد في الغالب بالوصف والتفسير والتأويل والكشف والتحليل
والتقويم، وينصب كل ذلك على النص أوالأثر المنقود.
ويمر العمل النقدي عبر مجموعة من الخطوات والمراحل، يمكن ترتيبها مثل ما يلي:
- قراءة النص أوالأثر المنقود وملاحظته.
- تحليل مضمونه وشكله.
- تقويمه إيجابا وسلبا.
- توجيه المبدع من خلال عملية تغذية راجعة (feed back)، يمده بها العمل النقدي.
ومن أهم وظائف النقد توجيه دفة الإبداع، وإضاءة الطريق للمبدعين
المبتدئين ولكبار الكتاب على حد سواء. وكشف مواطن القوة والضعف في
الأثر الإبداعي، والتمييز بين الجودة والرداءة، والطبع والتكلف، والصنعة والتصنع. كما يعرف النقد المبدعين بما وصل إليه الإبداع من تطور،
في النظرية والممارسة، ويجلي لهم طرائق التجديد ومدارسه وتصوراته
الجمالية والفلسفية والفنية، قصد إبعادهم عن التقليد.

- المدخل الثاني:
المسار النقدي الأدبي في المغرب في القرن العشرين
إذا كان النقد الأدبي فاعلية قرائية بعدية تتطلب مادة إبداعية قبلية
تقرأها وتشتغل عليها وتستولد منها وحولها أسئلتها وتأملاتها وإشكالاتها البانية لخطابها والمحركة لوتائرها، وهويتطلب (وعيا) نظريا
ومنهجيا، يضبط صنيعه ويجعله على بينة كافية بالصنيع الأدبي الذي
يتعامل معه، فإنه لم يكن بالإمكان، قبل ستينيات القرن العشرين، الحديث
عن (مشهد نقدي) في المغرب، وإنما كانت هناك كتابات لبعض الأدباء المغاربة
هي عبارة عن ردود عفوية وملاحظات انطباعية تقييمية، أكثر منها كتابات
نقدية. ومن هؤلاء الأدباء نذكر: عبد الله كنون، وأحمد زياد، وعبد
الرحمان الفاسي، ومحمد بلعباس القباج. . .

كانت ستينيات ق20، نقطة انطلاق (الوعي) النقدي الحديث في المغرب، وكانت
وراء هذه الانطلاقة عوامل وملابسات سوسيوثقافية، يمكن تلخيصها في الآتي
:
1/ حصول المغرب على استقلاله السياسي وتفرغه لمشاكله الداخلية.
2/ انطلاقة الجامعة المغربية، وتأسيس كلية الآداب والعلوم الإنسانية.
3/ ظهور أعمال أدبية تنتمي لأجناس أدبية حديثة.
4/ الازدهار النسبي للصحافة الأدبية ( ملاحق ثقافية، مجلات أدبية متخصصة)
5/ انفتاح المغرب على لحركة الثقافية والأدبية في المشرق العربي
(القاهرة، بيروت، بغداد).
6/ تأسيس اتحاد كتاب المغرب، ومساهمته في التحسيس بسؤال الثقافة والأدب.
تضافر هذه العوامل وغيرها، كان حافزا للوعي النقدي الحديث في المغرب، وكان صدور بعض الأعمال الروائية والشعرة على الخصوص، أوائل ستينيات ق
20، فرصة سانحة أطلقت النقد المغربي الحديث، ولعل أبرز من مثل هذه
الحقبة هم: محمد برادة، وأحمد اليابوري، ومحمد السرغيني، وأحمد
المجاطي، وحسن المنيعي، وإبراهيم
السولامي.

لقد تخرج على أيدي هؤلاء الأساتذة وغيرهم، مع طلائع سبعينيات ق 20، جيل
جديد من النقاد والمبدعين هم الذين سيؤثثون المشهد النقدي المغربي
بعطائهم، وهم الذين سيملأون فضاءه بأصواتهم وأفكارهم، وستتفرع معهم
الأنحاء التي انتحاها النقد في المغرب بعد ذلك، من نقد شفوي، وصحفي، وجمعوي، وجامعي، وسجالي. . .
وقد ساهمت هذه الجهود، بلا شك، في التأسيس لوعي نقدي جديد، يتوخى إعادة
النظر في شروط القراءة وأدبية النص المقروء، لكنها لم تخل من هنات
أجملها ذ. نجيب العوفي في أربع هي:
1/ المنهاجوية: ويقصد بها ارتهان الناقد غير المشروط للمنهج على حساب
النص المقروء. فيستعاض عن المبدإ المعروف( النص ولا شئ غير
النص) بمبدإ مضاد ( المنهج ولا شئ سوى المنهج). فتكون النتيجة الحتمية
آخر المطاف هي اغتراب النص، والمنهج، والناقد، والمتلقي.

2/ الارتحال السريع بين المناهج والنماذج: الذي تحول عند البعض إلى
قطيعة قسرية بين المحطات المنهجية، وإلى سلسلة من النواسخ
والمنسوخات.

3/ غياب النقد عن النقد: وهيمنة النزعة الوصفية التحليلية على النزعة
التقييمية التأويلية، مما يجعلنا، في آخر التحليل، تجاه خطاب علموي
شكلاني متعال، غايته الأولى ة الأخيرة، أن يعيد كتابة النص ويفكك أجزاءه
وعناصره، ثم يعيدها إلى أماكنها أويتركها لحما على وضح. ومن تم
تتساوى النصوص المقروءة وتوضع في سلة واحدة.

4/ غياب شخصية الناقد في قراءته وارتباك لغته النقدية، معجما ومصطلحا.
وقد استمر النقد العربي في المغرب، على عواهنه، يصارع كل أشكال
النقص فيه، ويحاول أن يؤسس هويته العربية المغربية، لكن طريقه لتحقيق
ذلك لا زال يبدوطويلا، ومليئا بالأشواك، والمطبات، التي نتمنى أن
يتجاوزها من سيأتي في هذا القرن الواحد والعشرين.

- المدخل الثالث:
صـاحــب المــــؤَلــــف
جمع أحمد المجاطي بين خاصيتي الإبداع والنقد لذلك جاءت كتاباته مفيدة
ومقنعة في آن معا. وكان قد ولد في الدار البيضاء سنة 1936، تلقى دراسته
بين الدار البيضاء والرباط ودمشق. ودرس بكل من جامعة محمد بن عبد الله
بفاس وجامعة محمد الخامس بالرباط. اعتبر من المؤسسين لحركة الحداثة
الشعرية بالمغرب. فاز بجائزة ابن زيدون للشعر التي يمنحها المعهد
الإسباني/ العربي للثقافة بمدريد عام 1985، كما فاز بجائزة المغرب الكبرى
للشعر سنة1987.
توفي أحمد المجاطي سنة 1995، مخلفا وراءه عطاءً متميزا في الشعر والنقد
والتدريس.

- المدخل الرابع:
طبــــيعــة المــؤَلَف
يعتبر كتاب (ظاهرة الشعر الحديث) دراسة نقدية تتبع مسار تطور الشعر
العربي الحديث، والبحث في العوامل التي جعلت الشاعر العربي الحديث ينتقل
من مرحلة الإحياء والذات إلى مرحلة التحرر من قيود التقليد، مع رصد
العوامل والتجارب التي غذت التجديد في الشعر العربي:
- على مستوى المضمون: من خلال تجربة الغربة والضياع، وتجربة الموت، مع
ما ميز كل تجربة من
مظاهر وخصوصيات.
- على مستوى الشكل والبناء الفني: في اللغة والسياق وآليات التعبير وخاصة الصورة الشعرية والأسس الموسيقية.

دراســـــة الـــكـــتـــاب
الـقراءة الـمضمونــيـة:
الفصـــــــل الأول: التطور التدريجي في الشعر الحدـيث.

القسم الأول: نحومضمون ذاتي.
-  الشعر العربي القديم:
أمران مهمان يحددان التطور في الشعر العربي، عند أحمد
المجاطي، هما: الحرية والاحتكاك بالثقافة الأجنبية.
وفي الشعر العربي القديم لم يتحقق هذا التطور إلا جزئيا، في مرحلتين:

◄ في العصر العباسي، مع شعراء رفعوا لواء الحداثة الشعرية والتحول، أمثال: أبي نواس،
وأبي تمام، والمتنبئ.

◄ في شعر الموشحات الأندلسية خاصة على مستوى الإيقاع العروضي.

ومع هيمنة معايير القصيدة العمودية التي كان يدافع عنها نقاد
اللغة ظل هذا التجديد محدودا وضئيلا.
نستنتج أن الشعر العربي القديم ظل – في مجمله - ثابتا ومحافظا على
الأصول، ولم يحقق تطورا ملحوظا بسبب انعدام الحرية الإبداعية وضعف
الاحتكاك بالثقافات والآداب الأجنبية.

-  التيار الإحيائي:
كانت العودة إلى التراث الشعري العربي في مراحل إشراقه، أهم مرتكز يقوم
عليه التيار الإحيائي قصد
تجاوز ركود عصر الانحطاط ومخلفات كساد شعره والخروج من الأزمة الشعرية
التي عاشها شعراء عصر النهضة.
ويعتبر محمود سامي البارودي أهم زعماء هذا التيار، إذ نظم شعره متوسلا
بالبيان الشعري القديم، مما جعل هذا التيار حركة تقليدية محافظة جراء
مجاراتها طرائق التعبير عند الشعراء القدامى، ووضعف اطلاع أصحابه على
الآداب الأجنبية.

-  التيار الذاتي:
تداخلت عدة عوامل سياسية واجتماعية وتاريخية، للدفع نحوتجاوز شعار
العودة إلى التراث، والأخذ بشعار البحث عن الذات الفردية والإعلاء من
شأنها، مما أنتج تيارا ذاتيا في الكتابة الشعرية العربية الحديثة، تشكل
عبر الجماعات الأدبية الآتية:

(أ)جماعة الديوان:
وتضم كلا من العقاد وشكري والمازني، الذين آمنوا بأن الشعر وجدان،
لكنهم اختلفوا في التعبير عن هذا الإيمان، مما أعطى تمايزا في مضامين
إبداعهم الشعري، يمكن تجسيده كالآتي:

العقاد
شكري المازني
- (مفكر قبل أن يكون شاعرا)
- غلب التفكير على الوجدان والشعور
- قصيدة"الحبيب" غلب فيها المنطق العقلي على ما هووجداني داخلي.
- من طبيعة الشعر عنده أن ينطلق من النفس بصورة طبيعية.
- تعامل مع الأشياء تعاملا مباشرا أساسه الانفعال المباشر دون تدخل من
العقل أوتوغل في أعماق النفس
- تأمل في أعماق الذات، وانصرف عن الاهتمام بالعقل الخالص.
- المعاني جزء من النفس تدرك بالقلب لا بالعقل، مما أنتج لديه شعر
الاستبطان واستكناه أغوار الذات

نصل مما سبق إلى أن ميزة الشعر الذاتي عند جماعة الديوان هي التمايز والتفرد والتغني بشعر الشخصية، وليس دعوة لإبداع شعر متشابه الوسائل والغايات. ولعل مرجع اهتمام الجماعة بالعنصر الذاتي أمران:
إعادة الاعتبار للذات المصرية التي كانت تعاني من الانهيار التام.
انتشار الفكر الحر بين مثقفي ومبدعي مصر، فعبروا عن أنفسهم باعتبارها
قيما إنسانية ذات وزن.

(ب) تيار الرابطة القلمية:
تجاوز مفهوم الوجدان مع شعراء الرابطة القلمية، الذات ليشمل الحياة و
الكون في إطار وحدة الوجود الصوفية، فقالوا بوجود روابط خفية، تشد الكائن
الفرد إلى الكون جملة، وأن من شأن هذه الروابط الرفع من مكانة الفرد، وتقريبه من الذات الإلهية حتى تغدوالعودة إلى الذات عبارة عن تفتح العالم
بكلياته وجزئياته، وقد اختلفت سبل العودة إلى الذات عند كل من جبران
خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وإيليا أبي ماضي.

جبران نعيمة أبوماضي
- انقطع إلى التأمل في نفسه، مؤمنا بأن ملكوت الله في داخل الإنسان.
- لا مجال لمحاولة التحرر من الفساد
- الصلاح والطلاح شيء واحد، ووجودهما ضروري كوجود الليل والنهار.
- آثر حياة الفطرة على تعقد الحضارة.
- هرب بأحلامه إلى الغاب.
- قدم عن المجتمع المتحضر صورة حافلة بالضجيج والاحتجاج والخصومة.
- استعصم بالخيال وركن إلى القناعة والرضى.
- فر من الحضارة المعقدة إلى القفر أوإلى الغاب.
- عاد إلى نفسه ليتأسى روحيا.

رغم معاصرة شاعر الرابطة القلمية للمد القومي العربي، إلا أنه ظل حبيس
الذات والمضامين السلبية مثل اليأس والخنوع والاستسلام والقناعة، مخالفا حقيقة الوعي القومي المستلزم للأفعال الإيجابية والتغيير الثوري وترجمة المشاعر إلى الواقع العملي.

(ج) جماعة أبوللو:
أسسها الدكتور أحمد زكي أبوشادي سنة 1932، ارتكزت في مفهومها للشعر على
التغني بالذات والوجدان، إذ رأت في ذات الشاعر مصدر ما ينتج من شعره،
بشكل يسمح بتعرف هذه الذات من خلال النظر في شعر صاحبها. يرى أحمد
المجاطي أن معاني الشعر عند أصحاب هذه الجماعة تتميز بالسلبية نظرا
لتعاطيهم مع مواضيع الطبيعة والهروب من الحياة الواقعية إلى الذات
المنكمشة، ومن المدينة نحوالغاب، واصطباغ شعرهم بالخيبة والحرمان واليأس بالمرارة والمعاناة من الاغتراب.
انتهت جماعة أبوللوبالانفصال والتمزق والهجرة والفرار، فتعددت
الاتجاهات المختلفة التفاصيل، والمتحدة عند انفصال الشاعر المصري عن
مجتمعه.

القسم الثاني: نحوشكل جديد.
اتخذ تطور القصيدة العربية منحى متكاملا، ارتكز على مبدإ العودة إلى
الذات، إذ أدرك الشاعر الوجداني أن كل تجربة جديدة لا تعبر عنها إلا لغة
تستوفي صيغتها التعبيرية وصورها البيانية وإيقاعاتها الموسيقية من
التجربة نفسها. ومن تم راح يعتمد للتعبير عن تجربته الذاتية أشكالا
تختلف في خصائصها عما ألفه التيار التقليدي من أشكال كان مصدرها امتلاء
الذاكرة وتقليد النموذج.

ويمكن إجمال خصائص الشكل في القصيدة الوجدانية في ما يلي:
- سهولة التعبير: راح الشاعر الوجداني الحديث يقترب من أحاديث الناس،
موظفا لغة الحديث المألوف ولغة الشارع كما عند العقاد في
قصيدة"أصداء الشارع" من ديوان (عابر سبيل)، إذ أصبحت السهولة صفة أساسية
في أسلوبه.
- الصورة البيانية: صارت تعبيرية وانفعالية وذاتية ملتصقة بتجربة
الشاعر الرومانسي، يريد بها شرح عاطفة أوبيان حالة، بعد أن كانت عند
الإحيائيين زخارف وأصباغا تراد لذاتها.
- الوحدة العضوية: ابتغى الشاعر الوجداني ربط العواطف والأحاسيس والأفكار ببعضها ربطا يظهر القصيدة بمظهر الكائن الحي، لكل عضومن أعضائه
دور هام يحدده مكانه من الجسد، فربط القافية والوزن، مثلا، بالأفكار والعواطف الجزئية لا بموضوع القصيدة بوصفه كلا موحدا، فنظموا قصائد ذات
موضوع واحد وقواف متعددة وأوزان مختلفة.

هذه المحاولات التجديدية انحصرت على مستوى الشكل بفعل
الحملة التي شنها النقاد المحافظون على هذه الحركة التجديدية النامية ومحاولاتها المستهدفة للغة والأوزان والقوافي والصور البيانية.
اصطبغت نهاية هذه التيارات التجديدية بالحزن إن على صعيد المضمون أوالشكل:
فعلى صعيد المضمون: انحدر إلى مستوى البكاء والأنين والتفجع والشكوى، وهي معان ممعنة
في الضعف وتكشف عما وراءها من مرض وخذلان.
وعلى صعيد الشكـــل: فشل في مسيرته نحوالوصول إلى
صورة تعبيرية ذات مقومات خاصة
ومميزات مكتملة ناضجة، وكان فشله بفعل النقد المحافظ
الذي استمد قوته مما كان الوجود العربي التقليدي يتمتع به
من تماسك ومناعة قبل
نكبة فلسطين، والذي سيتغير بعد النكبة.
الفصـــــــــل الثاني: تجربة الغربة والضياع.

لم يكنِ الشاعر العربي الحديث بمعزل عن المؤثرات العامة المحيطة به،
بدءاً بواقع الهزيمة الأسود مع نكبة فلسطين عام، مرورا بالمد القومي
الوليد، وصولا إلى انهيار الواقع العربي وما أحدثه من زرع الشكوك في
نفوس المثقفين والمبدعين، وإسقاط كل الوثوقيات العربية التقليدية والثوابت المقدسة والطابوهات. لقد مكنت كل هذه الاهتزازات الشاعر العربي
الحديث من خلخلة الثوابت، والانفتاح على ثقافات العالم، شرقه وغربه، وكذا على التراث العربي، فكان:
1/ استيعاب الروافد الروافد الفكرية القادمة من الشرق، (مذاهب
صوفية، تعاليم متحدرة من الديانات
الهندية والفارسية والصابئة. . .)
2/ الاستفادة من الفلسفات الغربية الحديثة، من وجودية واشتراكية. . .
3/ التفاعل مع أشعار: بابلونيرودا، وبول ايليوار، ولويس أراكون،
وكارسيا لوركا،
وماياكوفسكي، وناظم حكمت، وتوماس إليوت. . . .
4/ التأثر بأشعار جلال الدين الرومي، وعمر الخيام، وفريد العطار،
وطاغور. . . .
5/ الانفتاح على الثقافات الشعبية (سيرة عنترة بن شداد، سيرة سيف
بن ذي يزن، سيرة
أبي زيد الهلالي، كتاب ألف ليلة وليلة. . . .)
6/ التعمق في القرآن الكريم، وفي الحديث النبوي الشريف.
7/ التمعن في الشعر العربي القديم.

بكل ذلك غدا الشعر العربي الحديث وسيلة لاستكشاف الإنسان والعالم تعبر
عن ثمار الرؤيا الحضارية الجديدة التي استقرت عند بعض الشعراء المحدثين
الكبار، من أمثال السياب ونازك الملائكة والبياتي وصلاح عبد الصبور وخليل حاوي وأدونيس وغيرهم.

ومن الموضوعات التي تسجل حضورها بكثرة في الشعر العربي الحديث، تجربة
الغربة والضياع التي يرجع الدارسون عوامل بروزها إلى ثلاثة هي:
- (أ) التأثر بشعر توماس إليوت، خاصة في قصيدته (الأرض الخراب)
- (ب) التأثر بأعمال بعض المسرحيين والروائيين الوجوديين أمثال: ألبير
كامو، وجون بول سارتر،
وبعض النقاد مثل: كولن ولسون، خاصة في دراسته عن اللامنتمي، وهي أعمال
ترجمت إلى اللغة العربية وساعدت في تبني الشباب موجة من القلق والضجر انعكست في أشعارهم
- (ج) عامل المعرفة، باعتبار المعرفة سلاح الشاعر الحديث.

إلا أن أحمد المجاطي لا يقر بكون هذه المصادر هي الوحيدة التي شكلت سبب
نغمة الكآبة والضياع والتمزق، بل هويرى أن هناك جذورا لهذه النغمة
تتمثل في تربة الواقع العربي الذي حولته النكبة إلى خرائب وأطلال، ذلك
أن النكبة في نظره أهم عامل في الدفع نحوآفاق الضياع والغربة بالشعر
العربي الحديث، فليس الأمر مجرد نغمة سوداء استقدمها الشعراء بقدر ما هو
مأساة حقيقية مصدرها هذا الواقع المنحل وذلك التاريخ الملوث اللذين قدر
على الشاعر العربي الحديث أن يحمل لعنتهما مما يؤكد أصالة هذه التجربة وضرورة البحث عن جذورها في الواقع، وتصوير أهم مظاهرها البارزة في
القصيدة العربية الحديثة، والتي نذكر منها:

1. الغربة في الكون:

حين حلت النكبة، وطرد العربي الفلسطيني من أرضه، ونفي من أمجاده
وتاريخه، وحاصرته المهانة والذل، وانفصل عما حوله من أشياءَ وقيمٍ،
مال إلى الشك في كل شيءٍ، وكان الشاعر بفعل حساسيته المفرطةِ، أبلغ من
جسد هذا الميل حين جرب أن يحس بوحدته وتفرده في الكون، وتولى أمر نفسه
بنفسه، فشكك في الحقائق ومال إلى التفلسف الوجودي ( الأنطولوجي )، وتفسير الكون عقلا ومنطقا، بفعل إحساسه بالعبث والقلق والمرارة المظلمة،
وممن جسد هذا الميل نذكر: صلاح عبد الصبور، والسياب، وأدونيس، ويوسف الخال.

2. الغربة في المدينة:

آمن الشاعر العربي الحديث بأن هدف الشعر هوتفسير العالم وتغييره، لذا وجد في المدينة المجال الأنسب لتحقيق هدفه، على اعتبار أنها
تمثل الوجه الحضاري للأمة بكل أبعاده الذاتية والموضوعية، وتتخذ قناعا
سياسيا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا.
لكن المدينة العربية فقدت كثيرا من مظاهر أصالتها، حين غزتها المدينة
الأوربية، فأضحت بمصانعها الحديثة
وعماراتها الشاهقة وطرقاتها الفسيحة، قالبا لا يناسب واقع الأمة
العربية المهزومة مما غذى إحساس الشاعر العربي الحديث بالغربة في علاقته
بالمدينة مكانا وناسا وقيما وأشياءَ، فكان أن سلك في تصوير هذه المدينة
طرقا متعددة، فقد صورها في ثوبها المادي وحقيقتها المفرغة من كل محتوى
إنساني، كما فعل أحمد عبد المعطي حجازي في ديوانه (مدينة بلا قلب). كما
اهتم الشاعر العربي الحديث بالناس في المدينة، فقدمهم صامتين يثقلهم
الإحساس بالزمن، مشغولين بأنفسهم، لا يكاد يلتفت الواحد منهم إلى الآخر.
ورغم هذه المواقف السلبية من المدينة فإن الشاعر الحديث لم
يستطع الهروب منها إلى الريف أوالغاب، كما فعل الرومانسيون، فقد وجد أن
المدينة تحاصره، كما عند السياب مع بغداد، إذ وجد أن الخلاص منها يكمن في
الموت، كما عند صلاح عبد الصبور في قصيدة (الخروج).

3. الغربة في الحب:

فَشَلٌ ثالث يضاف إلى فشل الشاعر العربي الحديث في فهم أسرار الكون
وفي التأقلم مع المدينة، إنه فشله في الحب الذي بات زيفا مصطنعا وبريقا
واهما، ذلك أن هموم الشاعر العربي الحديث كثيرة متنوعة، وتركيبته
النفسية معقدة لا ينفع معها ترياق الحب بمفهومه الروحي أوالمادي، فلم
تعد المرأة بجسدها وأنوثتها ورقتها وجمالها قادرة على تخليصه من همه
القاتل، بل إن العلاقة بين الزوجين تحولت إلى عداوة وقتال كما عند خليل
حاوي في قصيدته (الجروح السود) من ديوانه (نهر الرماد)، والحب يموت كما
عند عبد المعطي حجازي، أويصاب بالاختناق كما عند صلاح عبد الصبور.

4. الغربة في الكلمة:

كانت رغبة الشاعر العربي الحديث أن تكون كلمته قوة وحركة وفعلا،
غير أن الزمن لم يلبث أن حول الكلمة على لسانه إلى حجر كما قال أدونيس في
قصيدة (السماء الثامنة) من ديوان (المسرح والمرايا)، فعاشت الكلمة بذلك
غربتها الذاتية في واقع لا يربي سوى الصدى وخنق الجهر، وقتل الكلام
الصارخ، مما جعل الشاعر يلوذ بالصمت، كما فعل البياتي في قصيدة (إلى
أسماء) من ديوان (سفر الفقر والثورة) رغم كونه عذاب وسكون وحزن، حين
اكتشف أن نضاله بالكلمة لن يتجاوز تصوير الواقع البشع الذي خلقته الهزيمة
وحكمت عليه بمعاناته والاكتواء بناره، دون أن تمتلك الكلمة ميزة الحركة
والفعل.

خلاصة الفصل:

هكذا شكلت هذه التنويعات الأربعة الأبعاد المختلفة لتجربة الغربة
لدى الشاعر العربي الحديث والتي تبلورت في مفهوم دال واحد هو: الغربة
في الواقع الحضاري، سواء تمظهرت من خلال جانب واحد أوأكثر، فقد كان هدفه
الأساس هوالبحث عن الخلاص الكلي إيمانا منه أن وراء كل ظلمة نوراً، وأن
الموت نفسه وسيلة إلى الحياة حين لا تبقى أية وسيلة أخرى، فكان هناك
ارتباط وثيق بين معاني الضياع والغربة ومعاني اليقظة والتجدد والبعث،
وحصل تداخل بين بين المعاني جميعها في قصائد الشعراء المحدثين.

_ الفصل الثالث: تجربة الحياة والموت

لم يكن حال الأمة العربية كله مدعاة لليأس والغربة والضياع والسأم الحزن، ذلك أن العشرين سنة التي تلت النكبة قد شهدت هزات عنيفة وتغيرات
واسعة شملت العالم العربي كله، مما ولد حالا آخر ممثلا في إيقاع الأمل والحياة واليقظة والتجدد، بسبب ما تم إنجازه واقعيا وسياسيا بدءاً
بثورة مصر سنة مرورا بتأميم قناة السويس ورد العدوان الثلاثي وصولا إلى
استقلال أقطار العالم العربي. . . الشيء الذي انعكس في أشعار بعض شعراء هذه
المرحلة، ذكر منهم أحمد المجاطي أربعة هم: بدر شاكر السياب وخليل حاوي
وأدونيس 1952 وعبد الوهاب البياتي.

لقد رفض الشاعر من هؤلاء الموت، موت الحياة الذي ليس بعده بعث، وقَبلَ
بموت تكون معه الحياة، فعانق بذلك الرفض والثورة والنضال، والتجدد والأمل والتحول والحياة.
يرى المجاطي أن هؤلاء الشعراء هم أفضل من يمثل هذا الاتجاه، ويعدد
الخصائص التي توحد بينهم في ما يلي:
- ارتباط تجربتهم بالحياة والموت.
- ارتباط تجربتهم بالواقع الحضاري للأمة.
- رغبتهم في الانتصار على جميع التحديات التي تواجه الذات والكون والزمن والجماعة.
- استخدامهم للمنهج الأسطوري.
- استشراف المستقبل.

لقد استفاد الشاعر الحديث من مجموعة من الأساطير والرموز الدالة على
البعث والتجدد، استلهمها من الوثنية البابلية واليونانية والفينيقية والعربية، ومن المعتقدات المسيحية ومن الفكر الإنساني عامة، ومن هذه
الأساطير نذكر: تموز، وعشتار، وأورفيوس، وطائر الفينيق، ومهيار
الدمشقي، والعنقاء، والسندباد، وعمر الخيام، والحلاج. . . مما
أرز منهجا نقديا وأدبيا وفلسفيا يسمى بالمنهج الأسطوري، يصوغ فيه
الشاعر مشاعره ورؤاه، ومجمل تجربته في صور رمزية، يتم بواسطتها
التواصل عن طريق التغلغل إلى اللاشعور حيث تكمن رواسب المعتقدات و
الأفكار المشتركة.

أدونيس:

ركز الكاتب في دراسته لأدونيس على ديوانيه(كتاب التحولات والهجرة في أقاليم النهار والليل) و(المسرح والمرايا )، فلاحظ
أن ما يميز تجربة الحياة والموت عند أدونيس، من خلالهما، هوصدورها عن
ذات محتقنة بفحولة التاريخ العربي، في واقع يفتقر إلى الفحولة والخصب، ومحتقنة بجموح الحضارة العربية قبل أن يسلط سيف الاستعمار على عنقها.

كان موقف أدونيس من الواقع العربي المنهار هوموقف الرافض
للموت، لذلك كان في شعره اتجاهان:
- اتجاه ينطلق من الحيرة والتساؤل، والبحث عن وسيلة للبعث.
- اتجاه ينطلق من اكتشاف مفهوم التحول بصفته وسيلة لدفع الواقع العربي
نحوالبعث والتجدد.

والاتجاهان معا متكاملان منسجمان مع موقف احتقان الذات بفحول التاريخ
العربي وإمكانية البعث، وبإمكانية التحول التي تدور حولها معاني الحياة
والموت عند أدونيس.

لقد كان المنهج الأسطوري بارزا جليا في شعر أدونيس، عكس مفهوم التحول
الذي انفلت من إطار هذا المنهج أحيانا، ليؤسس عالما شعريا لا نهاية فيه
للعمليات الكيميائية بين عناصر الذات والأشياء، والروح والمادة والحياة والحصاد، من أجل أن يتحقق النصر الكامل للحياة، مما جعل شعر
أدونيس أقل ارتباطا بحركة التاريخ العربي، إذ أمعن في تخطيها وتجاوزها
طمعا في إقامة حوار غريب مع زمن لم يجئ بعد.

خليل حاوي:

عبر خليل حاوي في دواوينه الثلاثة (نهر الرماد) و( الناي والريح) وبيادر الجوع)، عن مبدإ آخر غير مبدإ التحول، هومبدأ
المعاناة، الحاضر في مقدمات قصائده وفي شعره، معاناة الموت ومعاناة
البعث، على إيقاع من الأمل واليأس بصور الخراب والدمار والجفاف والعقم، وقد وظف في شعره أسطورة تموز وأسطورة العنقاء، دلالة على
الخراب الحضاري والتجدد مع العنقاء.

ويرى أحمد المجاطي في تجربة الشاعر خليل حاوي، تجربة عظيمة قائمة
على التوافق بينها وبين حركة الواقع في حقبة من تاريخ الأمة العربية، وعلى قدرته على تجاوز ذلك الواقع وتخطيه، وعلى معاينة ملامح الواقع
المرعب المنتظر.

بدر شاكر السياب:

تناول السياب في الكثير من قصائده معاني الموت والبعث، فعبر عن
طبيعة الفداء في الموت، معتقدا أن الخلاص لا يكون إلا بالموت، بمزيد من
الأموات والضحايا كما في قصيدة " النهر والموت"
لقد عمل السياب على استثمار الإطار الأسطوري ليحول الموت إلى
فداء، ليجعل الفداء ثمنا للموت، كما فعل في قصيدة " المسيح بعد الصلب "
مثلا حين استخدم رمز المسيح للتعبير عن فكرة الخلاص.
ويرى الكاتب أن إدراك السياب لجدلية الحياة والموت، وتحويل الموت
إلى فداء، قد يكون له علاقة بمزاجه، أوالتركيب الغريب لعقله الباطن، و
يقر الكاتب أن السياب عرف كيف يفيد من ذلك في تتبع معاني الحياة والموت
على مستوى الواقع الذاتي والحضاري.

عبد الوهاب البياتي:

تحمل أشعار البياتي قضية الصراع بين الذات وموت الحضارة وبعثهما،
من خلال جدلية الأمل واليأس، وقد تمت صياغة هذه القضية في أشعار
البياتي من خلال ثلاثة منحنيات هي:
1. منحنى الأمل: وفيه انتصار ساحق للحياة على الموت، وتمثله الأعمال
الشعرية التالية: (كلمات لا تموت / النار والكلمات / سفر الفقر والثورة )، إذ يظهر الشاعر مناضلا يعيش الأمل لصالح الحياة، فيغدو السقوط
حياةً والهزيمة انتصارا والموت حياةً.

2. منحنى الانتظار: وفيه تتكافأ الحياة مع الموت ويمثله ديوان (الذي
يأتي ولا يأتي)وفيه أربعة خطوط هي: خط الحياة وخط الموت وخط
الاستفهام وخط الرجاء والتمني.

3. منحنى الشك: يتم فيه انتصار الموت على الحياة، ويمثله ديوان (الموت و
الحياة)، وهويكشف زيف النضال العربي، لأنه لا موت بدون نضال ولا بعث
بدون موت.

يصل الكاتب إلى حكم مفاده أن قدرة البياتي على كشف الواقع هي سبب
اهتمامه بالموت، وأن اهتمامه بالحياة مصدره إيمانه بالثورة، والصراع
بين الحياة والموت. وأنه من كل ذلك تفجرت صور الأمل واليأس وصور
القلق والانتظار.

خلاصة الفصل:

لم يغفل المجاطي، وهوينهي مقاربته هذه التجربة، التنويه بإضافتها
النوعية المتمثلة في المضامين وكشف الواقع واستشراف المستقبل، مما
جعل منها تجربة مرتبطة بحركة التاريخ خلال العشرين سنة الفاصلة بين
النكبة والنكسة، رغم كونها لم تأت أكلها، ويحدد الكاتب العوامل التي
حالت دون وصول هذه التجربة للجماهير العربية في:

1. عامل ديني قومي: الخوف مما يمكن أن تمثله هذه التجربة من تطاول على
التراث باسم الشعر.

2. عامل ثقافي: وقوف جماعة من الشعراء والنقاد في وجه ما هوجديد.

3. خوف الحكام من المضامين الثورية لهذه التجربة، مما جعلهم يلجأون إلى
المصادرة والمنع والسجن والنفي.


الفصل الرابع الشـكـــل الجـــديـــد

تقديـــــــــــــــم:
إذا كان لكل تجربة شعرية إطارها السوسيوتاريخي، فإن لها كذلك
أدواتها التعبيرية ووسائلها الفنية التي تمدها بالقيمة الجمالية لتجعل
منها تجربة متميزة متكاملة في البناء العام للقصيدة واللغة وطريقة
التعبير وتوظيف الصور البيانية والرموز والأساطير.

ولأن الشكل الفني ليس قالبا أونموذجا أوقانونا، بل هوحياة
تتحرك أوتتغير، فقد حرص الشاعر العربي الحديث على تجاوز الشكل القديم،
فأقام بناءً من التحولات التي خلخلت العناصر الأساسية للشكل الشعري، مثل
اللغة والإيقاع والتصوير. . . وهي تحولات كان لها أثر كبير على سياق
القصيدة وبنائها العام أيضا.

فما التحولات التي رأى المجاطي أنها أصابت عناصر الشكل
الشعري في القصيدة العربية الحديثة ؟.

1/ تطور اللغة في الشعر الحديث:
يرى أحمد المجاطي أن لغة الشعر الحديث تتصف بكثير من الخصائص التي
لايمكن أن تظهر من دراسة ديوان واحد، بل تحتاج لكثير من التأمل والبحث
في لغة الشعر الحديث، وهي الخصائص التي يسميها الناقد ب ( المميزات
الثورية للغة الشعر الجديد) ومنها:

• النفس التقليدي في لغة الشعر الحديث: لغة جزلة وعبارة فخمة وسبك
متين، على غرار الشعر القديم، وتبدوهذه الخاصية عند السياب في
دواوينه القديمة والمتأخرة، خاصة قصيدته " مدينة بلا مطر"
وقصيدة " منزل الأقنان".

• البعد عن لغة الحديث اليومية: كما عند أدونيس والبياتي ومحمد عفيفي
مطر وصلاح عبد الصبور. . .، إذ تبتعد لغة الشعر عندهم عن لغة الحديث الحية
بعدا يمنح مفرداتها قيما ودلالات مغايرة لما تحمله في الاستعمال الشائع.

• السياق الدرامي للغة الشعر الحديث: كما نجد عند محمد مفتاح الفيتوري في
قصيدته " معزوفة لدرويش متجول" إذ يشغل لغة درامية متوترة نابعة من صوت
داخلي منبثق من أعماق الذات، ومتجها إليها.

2/ التعبير بالصورة في الشعر الحديث:

لقد تجاوز الشاعر الحديث الصور البيانية المرتبطة بالذاكرة
التراثية عند الشعراء الإحيائيين، والصور المرتبطة بالتجارب الذاتية عند
الرومانسيين، إلى صور تقوم على توسيع مدلول الكلمات من خلال تحريك
الخيال والتخييل وتشغيل الانزياح والرموز والأساطير وتوظيف
الصورة/ الرؤيا وتجاوز اللغة التقريرية المباشرة إلى لغة الإيحاء.
ولعل تجاوز الشاعر للصورة البيانية قد ساهم في إبعاد تجاربه
الشعرية عن دوق عامة الناس، مما منحهم نوعا من التبرير لوصف الشعر الحديث
بالغموض.

3/ تطور الأسس الموسيقية للشعر الحديث:

إن الشاعر الحديث وهويسعى إلى بناء نظام موسيقي جديد، لم يكن
يهدف إلى هدم الأصول الموسيقية الموروثة، بل كان غرضه أن يتحرر من بعض
القيود بالقدر الذي يمنح له من الحرية ما يسعفه في التعبير عن عواطفه و
أحاسيسه وفكره. . . ولاشك في أن ذلك القدر من الحرية الذي تمتع به قد
أتاح له أن يطوع تلك القوانين وأن يطورها، وأن يضيف إلى الخصائص
الجمالية للبحور التقليدية، خصائص جمالية أخرى تستمد أصولها من التطور
الذي أصاب المضامين الشعرية نفسها.

لقد وجد الشاعر نفسه، قديما، متقبلا خاضعا لقيود صرامة البيت و
سياقه الهندسي، مما عطل تطور نظام موسيقى الشعر حتى أواخر العقد الخامس
من القرن العشرين، حيث تحققت تطورات في الإطار الموسيقي للقصيدة العربية
منها:
- تجاوز نظام الشطرين لصالح السطر الشعري.
- السطر الشعري قد يطول وقد يقصر بحسب ما يتضمن من نسق شعوري أوفكري.
- طول ذلك السطر قد يتراوح ما بين تفعيلة واحدة وتسع تفعيلات.
- إذا كان عدد التفعيلات في أية قصيدة تراثية محدداً ومحصوراً تتوزعه
الأعجاز والصدور، فإن التفعيلات في القصيدة الحديثة تمثل عدداً لا يحيط
به الحصر.
- ينظم الشاعر الحديث على ستة بحور هي المعروفة بالصافية وهي: الهزج
(مفاعيلن)، والرمل (فاعلاتن)، والمتقارب (فعولن)، والمتدارك
(فاعلن)، والرجز (مستفعلن)، والكامل (متفاعلن).
- أصبح بمقدور الشاعر أن يستخرج من البحر الواحد أكثر من بناءٍ موسيقي واحدٍ.
- امتاز نظام التفعيلة بالمرونة والطواعية.
- - الخلط بين البحور داخل قصيدة واحدة، في محاولة لتفتيت وحدة البيت فيها،
كما عند السياب في قصائده من ديوان " شناشيل ابنة الجلبي"، وأدونيس في
قصيدة" مرآة لخالدة" من ديوان " المسرح والمرايا".

يرى أحمد المجاطي أن البحور المختلطة رغم ما تتوفر عليه من طاقات موسيقية
كبيرة فهي لم تستغل لأسباب منها:

1. مسألة الزحاف: تولد إحساسٌ بالرتابة والملل ناتج عن اعتماد التفعيلة
كوحدة إيقاعية ثابتة، ولتكسير حد القافية ومنحها مزيدا من التنوع و
التلوين، لجأ الشاعر الحديث إلى الإكثار من استعمال الزحاف، فكان أن حصل
الشاعر على أكثر من إيقاع من دون أن يلجأ إلى البحور المختلطة.

2. تنويع الأضرب: بهدف التنويع في الإيقاع والتلوين في النغم، عمد
الشاعر الحديث إلى:
- توظيف تفعيلات تعود إلى أصل واحدٍ، كما في أبيات عبد الصبور (مستفعلن).
- تنويع الأضرب دون الاكتراث بقيود القافية.
- إدماج بعض البحور المتشابهة في بحر واحدٍ، مثل: الرجز والسريع.

3. فاعل في حشوالخبب: تظل مسألة تنويع الأضرب والقافية تلوينات مقبولة
وملتزمة بقوانين علم
العروض، إلا أن الخروج عن هذه القوانين يتمثل في استعمال (فاعل) بدل
(فاعلن) في حشوبعض
أبيات الشعر الحديث، وهوخروج أصبح متفشيا في كثير من قصائد الشعر
المعاصر الجديد، ومستساغا من قبل " الرأي العام" على حد تعبير كل من
محمد النويهي وعز الدين إسماعيل.

4. مسألة التدوير: إن حركة المشاعر والأفكار والأخيلة قد تأخذ شكل
دفقة تتجاوز، في اندفاعها،
حدود الشطر أوالبيت الشعريين، مما نتج عنه نتيجتين:
- الأولى: تبرز في التعبير عن الدفقة دون الوقوع في التدوير، وبالتالي
اللجوء إلى استعمال تفعيلة خماسية أوتساعية كما ورد عند نازك الملائكة و
خليل حاوي.
- الثانية: وتظهر في اتساع الدفقة الشعورية وبالتالي الوقوع في التدوير
الذي يتخلص من صرامة البيت ذي الشطرين ومن انتظامه في نسق هندسي رتيب.

4/ نظام القافية في الشعر الحديث:
يمكن تلخيص التغييرات التي مست القافية باعتبارها جزءاً من
البناء العام للقصيدة في ما يلي:
- الالتزام بالقافية باعتبارها نظاما إيقاعيا دون الالتزام بحرف روي واحدٍ.
- الربط بين إيقاع البيت وإيقاع القافية.
- التخلي عن القافية باعتبارها المرمى الأفقي النهائي للجمل المختلفة، و
جعلها محطة وقوف اختيارية تستجمع فيها الدفقة الشعورية أنفاسها.
- جعل القافية لبنة حية في البناء الموسيقي العام للقصيدة.
- إخضاع البناء الموسيقي لحركة المشاعر والأفكار.
- الابتعاد عن النزعة الهندسية الحادة التي عُرفت بها القوالب الموسيقية
التقليدية.

ويرى الكاتب في آخر الكتاب أن الحداثة من العوامل التي كانت وراء وصف
الشعر العربي الحديث بالغموض، إلى جانب ما تتطلبه القصيدة الحديثة من
إعمال للجهد واستلزام لذوق قرائي جديد، ثم انفصال هذا الشعر عن
الجماهير ما دام لا ينزل معها إلى ساحة المقاتلة والنضال والصراع ضد
قوى الاستغلال والبطش ولا يشاركها في معاركها الحضارية.

القضايا النقدية في كتاب " ظاهرة الشعر الحديث"

إن قراءة كتاب أحمد المجاطي تجعلنا نقف على جملة قضايا نقدية عمل
الكاتب على طرحها ومناقشتها وإبداء رأيه وفيها، ويمكن إجمال أهم هذه
القضايا في ما يلي:

1. دور التجربة الذاتية:
يخلص المجاطي إلى أن تطور الشعر عموما يتنج عن تحقق عاملين
يتمثلان في الاحتكاك بالثقافات والآداب الأجنبية، وتوفر مقدار من
الحرية للشعراء يمكنهم من التعبير عن تجاربهم. وقد أدى تفاعل هذين
العاملين في الشعر العربي الحديث إلى ظهور تيارات مختلفة في الخصائص و
متفقة في الهدف (إخراج الشعر العربي من إطار التقليد إلى حدود التعبير
عن التجربة الذاتية كما يعيشها الشاعر)، منها الديوان وأبوللووالرابطة
القلمية. . . وقد أرجع المجاطي سبب الاهتمام بقضية الذات في الشعر العربي
إلى:
- ظهور البورجوازية الصغيرة على مسرح الأحداث في مصر، والالتحام بيم
الأجيال الصاعدة وبين الحضارة الحديثة.
- معاناة شخصية الفرد المصري من انهيار تام، ومحاولة إعادة الاعتبار
إلى ذاته المسحوقة.
- تشبع شعراء هذه التيارات بالفكر الحر، مما مكنهم من فرص التعبير عن
أنفسهم بكل حرية.
وإذا كان شعراء هذه التيارات قد استطاعوا التمرد على بنية القصيدة
التقليدية وموضوعاتها، فإنهم قد ظلوا حبيسي معاني اليأس والتردد و
القناعة والاستسلام، رافضين الانفتاح على الحياة المتجددة، حتى أثروا في
من جاء بعدهم، فتشابهت التجارب، وكثر الاجترار، وقلت فرص الجِدة و
الطرافة.

2. الاغتـــراب:
يرى بعض الدارسين أن قضية الاغتراب في شعرنا الحديث ليست إلا نوعا من
التأثر بأحزان الشاعر الأوروبي الحديث(شعر ت. س. إليوت)، إلا أن المجاطي
ينظر إلى هذه القضية في شموليتها وكليتها، ذلك أن الشاعر العربي الحديث
إذا كان قد تأثر بهذه الرؤية الوافدة، فإنه قد استجاب لها لأن الواقع
العربي يتوفر على مشيرات كافية تسمح له بذلك.

إن أبعاد قضية الاغتراب والحزن في شعرنا العربي الحديث تدور كلها
حول موقف الذات الواعية من الكون ومن المجتمع ومن نفسها. وهي في
محاولتها التوازن تبحث عن كل وسيلة، تبحث عن الموت نفسه، كما تبحث عن
الجنون، فإن عز منالها فإنها تبحث عن الحب، ولكن الحب نفسه يكون قد مات
مع فقدان القدرة عليه، فلا يبقى إلا الضياع.

والحق أن نزعة الاغتراب والحزن في شعرنا الحديث قد أضافت إلى
التجربة الشعرية بعامة آفاقا جديدة زادتها ثراءً وخصباً، كما أنها ولدت
طاقات تعبيرية لها أصالتها وقيمتها.

3. اللغة في الشعر الوجداني:
يرى المجاطي أن سهولة اللغة تعتبر من خصائص الشكل في القصيدة الوجدانية
الحديثة، والمقصود بالسهولة الاقتراب من لغة الحديث المألوف. وأن
الشاعر الوجداني لم يكن يلجأ إليها للتعبير عن همومه اليومية الصغيرة
فحسب، بل عبر بها عن تجارب أعمق وأشد تجريدا.

كانت بواعث الشعراء الوجدانيين في هذا السياق تتمثل في التحرر من
الرؤية التقليدية في التعامل مع اللغة العربية بالتراث الشعري والنثري.

فإذا كانت بواعث الإحياء موضوعية مرتبطة بالبحث عن مخرج من وهاد التخلف
التي آل إليها الأدب العربي عموما في عصور الانحطاط، فإن بواعث الشعراء
الوجدانيين ذاتية تهم اختيار أنسب الوسائل اللغوية للتعبير عن حقيقة
الذات وجوهرها دون تكلف أوتقليد.

4. موضوعة الحياة والموت:
اقتنع العديد من الشعراء العرب بأن موت الحضارة العربية ليس موتا نهائيا،
بل هوالمرحلة الضرورية التي تسبق البعث والانبعاث، وهوفاتحة لعصر
جديد. وقد وجدوا في الأساطير والرموز الحضارية التي تعتبر أن الانبعاث
يأتي بعد الموت (أساطير: الفينيق أوعشتار أوالخضر. . .)، مجالا واسعا
لتأكيد تصورهم ذاك، إلا أن تعامل شعراء الحداثة مع هذا الموضوع تم بطرق
مختلفة: (أدونيس: التحول عبر الموت)، (خليل حاوي: معاناة الموت والحياة)، (السياب: الفداء في الموت)، (البياتي: جدلية اليأس والأمل).

5. الشعر الحديث رؤيا:
يقدم مضمون الشعر العربي الحديث رؤى استشرافية متراوحة بين الأمل واليأس
حسب طبيعة الشعراء وخلفياتهم، وكيفية تفاعلهم مع الواقع. وقد دافع
المجاطي عن رؤيا شعراء الحداثة ورفض تحميلهم جزءاً من أسباب النكبة.
وتبدوقضية الرؤيا مرتبطة بمدى تأثير القصيدة الحديثة على المتلقي
العربي، هذا التأثير الذي كان ضعيفا لأن الصلة بين هذا الشعر والقارئ
العربي لم تكن موصولة لدواعٍ سياسية ودينية وقومية.

6. الغموض في الشعر الحديث:
يرى المجاطي أن هذا الشعر ليس غامضا في ذاته، وأن مرد هذا الغموض
المفترض إلى تجديد شكل القصيدة والتغيير في نظامها الإيقاعي وتطوير
صورها وكذا توظيف الرموز والأساطير والانفتاح على الثقافة الإنسانية
مع ما يتطلبه الأمر من وجود قارئ مؤهل وملم بهذه المرجعيات، إضافة إلى
عدم تواصل الجماهير مع هذا الشعر لأسباب دينية وسياسية وقومية. كل هذه
الأسباب وغيرها أدى إلى الحكم علي هذا الشعر بالغموض.

7. الشعر الحديث والثورة والجماهير:
يعتقد المجاطي أن الثورية الموجودة في الشعر العربي الحديث كانت واحدة من
العوامل التي دفعت الحاكمين إلى التخوف منه، والعمل على خلق فجوة بينه
وبين الجماهير. يضاف إلى ذلك التخوف القومي والديني الذي اعتبر أن هذا
الشعر يعمل على تحطيم المرتكزات الأساسية للأمة، والتخوفات السياسية
المرتبطة بالخوف من المضامين الثورية لهذا الشعر، المتماهية مع مفهوم
الالتزام الذي ساعد في توجيه حركة الحداثة الشعرية في بداياتها، وجعلها
تبحث عن التفاعل مع القضايا العامة، وتبحث عن مقومات تساعد على تطوير
المكونات الفنية.

8. مقومات التطوير في القصيدة الحديثة:
ينطلق تصور الكاتب من أن التجديد ينبغي أن يكون كليا، وإلا فإنه ليس
تجديداً. ولذلك نجده ينتصر للقصائد التي طورت المضامين والأشكال واللغة والصور، على حساب تلك التي جددت المضامين واللغة وأهملت الجوانب
الأخرى.

لقد دافع المجاطي عن التطوير الشامل، لكنه ظل معتدلا في تناوله
لبعض الجوانب مثل:
- اللغة الشعريــة: التي أكد أنها لا ينبغي أن تكون مماثلة للغة اليومية،
لأن ذلك سيجعلها أكثر اقترابا من السطحية.
- موسيقى الشعر: رفض المجاطي اعتبار الشعر الحديث ظاهرة عروضية، وأكد
أن ما أصبح يتحكم في هذه الموسيقى هوالدفقة الشعورية التي توجه الجمل
الشعرية والأسطر الشعرية والأبيات.
- الصور البيانية: عرفت تطورا مهما باعتمادها الرموز والأساطير، ولم
تعد مجرد صور جزئية متفرقة، بل غدت صورا مرتبطة بالقصيدة كلها، وبشعر
الشاعر ككل.

القراءة الهيكلية الجهاز المفاهيمي المعتمد في الكتاب
تـــقــديـــم:
تعتمد كل دراسة نقدية كل جهاز مفاهيمي يوظفه الكاتب في
مقاربة موضوعه، وهذا الجهاز يتميز بوجود شكل من أشكال التطابق والانسجام بين الموضوع المدروس والأدوات والوسائل المنهجية المعتمدة.

ولأن الجهاز المفاهيمي في كتاب (ظاهرة الشعر الحديث)
للأستاذ أحمد المجاطي، جهاز متشعب، يستحيل جرد كافة مفاهيمه، في مقاربة
مثل هاته، فسنكتفي باستخراج المفاهيم المحورية والأكثر إفادة في دراسة
الكتاب، والتي يمكن أن نذكر منها:

1. الشكل الجديد:
يقصد به الكاتب الحالة الجديدة التي أصبحت عليها القصيدة
العربية الحديثة إثر تغير مضامينها ومحتوياتها، مما يثبت العلاقة
الجدلية بين الشكل والمضمون في الإبداع الأدبي، فكلما تحول مجال اهتمام
المضامين، وتغيرت طبيعة القضايا الصادرة عنها، كلما تحول الشكل التعبيري
والصياغة الفنية والجمالية التي تعرض من خلالها هذه المضامين. وتتمثل المكونات البنائية التي مسها التحول والتغيير في:
- لغة القصيدة.
- صور القصيدة.
- بناء القصيدة.
- موسيقى القصيدة.

2. الغربة / الاغتراب:
يعتبر هذا المفهوم من أكثر المفاهيم تداولا في الكتابات التي
تطرح مشاكل المجتمع الحديث. ورغم تعدد وتباين تعاريف هذا المفهوم، فإن
هناك عناصر مشتركة بينها هي: الانسلاخ عن المجتمع/ العزلة أوالانعزال/
العجزعن التلاؤم / الإخفاق في التكيف مع الأوضاع السائدة/ اللامبالاة/
عدم الشعور بالانتماء/ عدم الشعور بمغزى الحياة.

إن الغربة التي أحس بها الشاعر الحديث ناتجة عن إحساسه بأنه يعيش
وسط أبناء جنسه غريبا عنهم، إنه اغتراب عن مجتمع انعدمت فيه القيم. والشاعر الحديث، إذ يشعر بالاغتراب عن منابع ذاته الحقيقية، يشعر في الوقت
نفسه بالخيبة والألم، فينمولديه شعور حاد برفض النظام الذي يسير عليه
العالم، وبرفض نفاق العصر ومجتمع الحياد واللامبالاة، مجتمع
الأوهام والحقائق المزيفة والعلم الميت. ومن تم يجد الشاعر نفسه عاجزا
عن توكيد ذاته في الديمومة أوالتاريخ. إنه يتحرك في زمن جزئي متقطع
يسحقه ويبعثره. لذلك فالشعر عنده يبقى خيمة مسكونة بالحسرات، وفضاءً
مملوءاً بالتجاويف وصدإِ الغيثِ.

3. اللاشعور الجمعي:
وهومفهوم صاغه كارل غوستاف يونغ، ويعني أن اللاشعور يستمد
تجاربه من الموروث الإنساني العام، وليس من تجارب الفرد الشخصية فقط. وهذا ما جعل الحديث عن هذا المفهوم برتبط بالحديث عن الرموز التي كررها
الإنسان في كل زمان ومكان، وشكلت النماذج الأصلية التي كثيرا ما توجه
السلوكات والتمثلات البشرية شأنها في ذلك شأن الأساطير التي تشكل خلاصة
التجربة البشرية عبر كل الأزمنة، لذلك لم يكن مستغربا أن يجد القارئ
تشابها بين مضامين الكثير من الأساطير والرموز.

4. لغة الشعر:
مصطلح يطلق على اللغة التي تمنح الإبداع ما يميزه عن الكلام
اليومي والمتداول، فرغم أن المواد التي يعتمدها الشاعر هي نفسها التي
يستعملها كل متكلم، إلا أن الوظائف التي تؤديها لغة القصيدة تختلف عن
غيرها. ذلك أن المواد الصوتية والمعجمية والتركيبية والدلالية توظف
بطريقة تمنح للوظيفة الشعرية الأولوية على غيرها من الوظائف الأخرى، وذلك
بخلقها أثرا جماليا يجعلها منزاحة عن اللغة اليومية أواللغة العلمية أو
غيرها من اللغات التي تبحث عن تواصل مباشر وشفاف.

5. الرؤيا:
يقصد بشعر الرؤيا ذلك النمط من الإبداع الشعري القائم على إنتاج
نصوص بوعي مسبق يرفض محاكاة النماذج الشعرية السابقة، ويؤمن بأن الإبداع
يقع خارج المتداول والمألوف، وأنه ليس تصويرا للواقع، بل هوكشف جديد
لعلاقاته الضمنية وغير المباشرة، وأن الأشياء المادية والمحسوسة والمعيشة ليست سوى تفاصيل وجزئيات يتجاوزها شاعر الرؤيا بتشييده لرؤياه
التي تغوص في أعماق الحقائق غير المرئية مستحضرة تجربة الذات في تفاعلها
مع التجربة المجتمعية والإنسانية وهوما يفسر توظيفه للرموز
والأساطير

الرد على هذا المقال

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

نلفت انتباه زوارنا الكرام الى اننا لن ننشر:
- أى مداخلات تتهجم على اشخاص لا دخل لهم بموضوع المقال وتستخدم ألفاظاً غير لائقة.
- أي مداخلة غير مكتوبة باللغة العربية الفصحى.

من أنت؟
مشاركتك
  • لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

١ مشاركة منتدى

  • تحية ثقافيّة طيبة
    نشكر مجهودكم الكبير في قراءة الكتاب(ظاهرة الشعر الحديث) ولا ريب في أنّ الملاحظات القليلة التي أطلقها حول عملكم لا تقلل من مجهودكم الفكريّ الرائع . ومن أبرز هذه الملاحظات:
    - عدم الإشارة إلى أنّ عنوان الكتاب هو نفسه لدراسة قام بها الدكتور محمد بنيس.
    - الاكتفاء بالوصف من دون المعالجة النقدية ، أو تصويب بعض الآراء التي تحتاج إلى نقاش (سنوردها في بعض الملاحظات اللاحقة)

    - عدم الاستناد في الملاحظات حول الكتاب إلى أمثلة شعريّة .
    - عدم تحديد مجال الدراسة: مكانها وزمانها، ولكنها تظهر ، كما نراها في بعض العناوين ، شاملة للشعر المغربي والمشرقيّ.
    - عدم الإشارة في الملاحظات حول الكتاب إلى استهلاك الرموز الشعرية المشهورة، وبخس وجوه أخرى الكثير من حقها في البحث والدراسة.

    ومع الإشادة مجدداً بعمل الباحث في ملاحظاته نتمنى لكم وللمنتدى دوام الازدهار خدمة للثقافة العربية من المحيط إلى الخليج وتفضلوا بقبول أسمى درجات التقدير والسلام عليكم...