حكاية الطفلة العجوز الترجمة الأولى إلى العربية للأديبة الألمانية جيني إربنيك

، بقلم حسن سلمان

أقامت دار قدمس بدمشق مؤخرا حفل توقيع رواية (حكاية الطفلة العجوز) للأديبة الألمانية جيني إربنيك بمناسبة صدور الترجمة العربية للرواية.

وقال الدكتور زياد منى مدير دار قدمس إن ترجمة الرواية تأتي في إطار مشروع دار قدمس لتعريف الجمهور العربي بعدد من الأدباء الشباب غير المعروفين في تركيا وأوروبا وعدد من البلدان الآسيوية.

وأضاف: "قمنا بترجمة مجموعة قصصية للكاتبة الألمانية زيلكشار، كما أصدرنا 10 روايات لعدد من الكتاب الأتراك أبرزهم أصلي أردوغان ومينا سيوت وغيرهم وقريبا ستصدر رواية للكاتبة الهندية بيبي هالدر عنوانها "حياة أقل من عادية."

من جانبها قالت الأديبة جيني إربنيك في تقديمها لروايتها: "أهدي كتابي الأول هذا، باللغة العربية إلى والدتي دورِس كيلياس التي أفنت عمرها في ترجمة الأدب العربي إلى اللغة الألمانية، حيث شاءت الأقدار أن أفقدها إلى الأبد في العام ذاته الذي صدر فيه أول أعمالي بالعربية، إني آمل أن تبقى ذكراها حية في روابط هاتين اللغتين."

وتتحدث الرواية عن امرأة ثلاثينية تجوب الشوارع مع دلوها الفارغ، وتتظاهر بأنها طفلة في الرابعة عشر، وتساعدها ملامحها الطفولية على إقناع الشرطة بذلك، إلى أن ينتهي بها الأمر إلى أحد الملاجئ، غير أن خدعتها لا تلبث أن تنكشف بعد تبدل ملامح وجهها مع الزمن.

وقالت إربنيك إنها استمدت أحداث روايتها من قصة واقعية أخبرتها بها والدتها وتتحدث عن فتاة تبدو في الرابعة عشرة لكن الاختبارات الطبية بينت أنها امرأة في الثلاثين من عمرها.

واستدركت: "لا يمكن القول إن الرواية واقعية تماما، لأني حين بدأت بكتابتها أجريت عددا من الأبحاث على بعض الفتيات في إحدى المدارس، لكي أصل إلى الأوصاف التي أريدها لبطلة الرواية."

وأوضحت إربنيك أن الحالة التي تقدمها في روايتها ليست فريدة من نوعها، بل هي حالة نفسية معروفة، رغم ندرتها، "فهناك أحيانا بعض النساء اللواتي لا يعرفن كيف يتصرفن مع عمر معين بلغنه، فيقدمن أنفسهن على أنهن في مرحلة الطفولة."

وأضافت: "في الولايات المتحدة الأمريكية ثمة امرأة في الثلاثين من عمرها خرجت في ليلة عيد الميلاد من الباص وتوقفت عند المحطة، وقدمت نفسها على أنها فتى في التاسعة من عمره طرده أهله من البيت، وهو لا يعرف أين سيقضي احتفال عيد الميلاد، فبهذه الطريقة دخلت لدى إحدى العائلات واحتفلت بعيد الميلاد."

وقالت إربنيك إنها كتبت روايتها عقب سقوط جدار برلين، مشيرة إلى أن الحبكة في الرواية والطريقة التي كتبت بها تشبه إلى حد كبير الوضع في ألمانيا الشرقية في ذلك الوقت "حيث كان الإنسان (قبل سقوط الجدار) لا يريد أن يكبر أو أن يتحمل المسؤولية، ولكن في الوقت نفسه كانت هناك الكثير من الأمور الجيدة، ولكن رغم ذلك لا يستطيع الإنسان السفر إلى الخارج بإرادته."

وأضافت: "ولكن فجأة سقط الجدار ورُفعت الحدود وأصبح بإمكان الإنسان أن يسافر إلى جميع دول العالم، ولكن بعد سقوط الجدار لم يعد بوسع الناس أن يدفعوا أجرة المنازل التي يسكنون بها، فعلى من تقع المسؤولية؟"

وردا على سؤال حول الجهل بنشأة الفتاة في بداية الرواية قالت إربنيك: "كان يمكن أن أبدأ بمقطع معين من هذه الرواية، وأنتهي في اللحظة التي تتوقف فيها هذه الفتاة في الشارع وهي تحمل سطل وتزعم أنها في الرابعة عشرة، ولكن الأكثر إثارة في الكتابة أن تترك هذه النقطة السوداء الغامضة في الوسط وتدور حولها بين أمر وآخر."

وأضافت: "لم تكن تروقني الحكاية المسبقة لهذه الطفلة أو نشأتها، وإنما ما لفت نظري وأردت أن أتابعه هو هذا الخضوع المطلق لهذه الفتاة في الميتم، ومن ثم هذا التبدّل الطارئ الذي حوّلها إلى اندفاع كبير في نشاطها."

وعن طريقتها في الكتابة قالت إربنيك: "المرعب عند البدء بالكتابة بالنسبة للكاتب هو أن المؤلَّف غير موجود على الإطلاق، ولكن عندما ينتهي الكاتب من كتابته يبدو له، وكأنه يجب أن يكون على ما هو عليه الآن، وكأنه قد خطط له."

وأضافت: "في البداية قد توجد بعض الأفكار الجوهرية لكنها ليست متبلورة، فقط مجرد أفكار، والكاتب عندما يبدأ بالكتابة يجد نفسه يتابع الشخصيات ماذا تفعل، ليس هو ما يقودها بل هي تقوده أحيانا."

وحول نظرتها للزمان كروائية قالت إربنيك: "لا أستطيع أن أقدم تعريفا للزمن ولكن أعتقد أن شعور الإنسان بالزمن يبدو أنه يسير بسرعة كبيرة أو ببطء كبير، وعندما يتقدم الإنسان في العمر لا يشعر بأنه يكبر فعلا، وفي أحيان كثيرة يشعر المرء بأن الزمن لا يتغير، فعندما يرافق الإنسان أمكنة بذاتها حدثت فيها أشياء كثيرة، تبدو هذه الأمكنة وكأنها تكثّف كل هذه الأحداث في لحظة معينة."

يذكر أن إربنيك التي ترجمت أعمالها إلى 13 لغة عالمية تعد من أهم الأدباء الشباب في ألمانيا، وهي تنحدر من أسرة أدبية بامتياز، حيث كان جدها وجدتها من أهم الروائيين الألمان، فيما كان والدها جون إرنبيك فيزيائيا شهيرا وفيلسوفا وعالم نفس وروائيا، في حين عرفت والدتها دوريس إلياس كإحدى أهم المترجمين من العربية إلى الألمانية، حيث ترجمت 16 عملا روائيا للروائي المصري الراحل نجيب محفوظ.

وقامت إربنيك، إضافة إلى عملها الروائي، بإخراج عددا من الأعمال المسرحية الموسيقية، كما أصدرت عددا من المجموعات القصصية منها "زخارف الدنيا البراقة" عام 2001 و "قاموس" عام 2004 التي رشحت لجائزة الأدب الخيالي الأجنبي المستقل عام 2007، و"الثوب الإلهي" التي رشحت لجائزة معرض لايبزغ للكتاب في فئة الأدب الخيالي.


حسن سلمان

كاتب سوري

من نفس المؤلف