الخميس ١٩ آذار (مارس) ٢٠٠٩
بقلم يحيى ولد أحمد الهادي

تصفيق

متعب جدا ورأسي يدور ويدور(من الصفعات التي وجهها لي الزمن) ويفرز أفكارا قذرة نتنة، أرشف ملعقة من الوهم كل صباح لأواصل الحياة، وأمشي بين الناس مخدرا، لم أستطع انجاز شيء يذكر في السنوات الماضية فتركت أحلامي تنزف ورحت أنظر إلى تقرحات الآخرين وأضحك.

في زمن مضى كنت أبحث عما يناسب توجهاتي، عشت على التناقضات ردحا من الزمن. كنت أعتبر مصدر رزقي ثانويا بعد الحقيقة التي كنت لا أتردد في قذفها في وجوه رؤسائي، أحد ألئك الرؤساء مرّر ورقة إلى زميلي في القسم ليوقعها نيابة عني حين رفضت التوقيع عليها لأسباب أخلاقية ولكزني بكلمات جارحة رددت عليها بصفعة له دوت عاليا وأحالتني الى عاطل عن العمل لمدة تسعة أشهر. كنت أنصت دائما إلى نداءاتي الداخلية.

ولكي أحصل على خبزي، تعلمت ألا أجادل وأن أميز الألوان بأعين الآخرين حيث الأبيض يصبح رماديا. وفي جمعية الاحتيال باسم الأعمال الخيرية حصلت على وظيفة يزداد أجرها كلما كان التصفيق حارا.

أنا من يكتب ولا يقرأ ما يكتبه، أنا من يفكر عن الآخرين لأنهم أكثر كسلا من أن يفكروا لأنفسهم، أنتظر بفارغ الصبر أن أجلس أمام التلفزيون عند نشرة أخبار المساء وأحدهم يقرأ خطابا أنا من كتبه.

أكره ألئك الملاعين أصحاب الكروش اللذين يتجشئون وهم يقرؤون الخطابات التي أكتبها لهم، المحترم الذي تعْتَع بالجملة: سننجح بمساعداتُُكم.. وتابع، بمساعداتُكم!

هذه المرة لن أكون مضطّرا لانتظار نشرة المساء، سأكون حاضرا للحفل الذي يتوجب على مديرنا الجديد أن يقنع فيه الوزير وضيوفه الأجانب بتخصيص مبالغ مالية للهيأة سنويا.

كنت قد كتبت خطابا لنفس المناسبة في السنة الماضية، وكنت أنوي تسليمه بعد التعديل عليه، إلا أن صحوة مفاجئة من زمن مضى انتابتني فسهرت حتى وقت متأخر في محاولة لصياغة الحقيقة بصورة لا تقبل الجدال. كانت الفكرة تكبر كلما تذكرت تقاسيم وجه المدير الجديد وجديته المفرطة.

وفي اليوم التالي اتجهت إلى مكتبه وسلّمته عصارة حقدي على سلفه في ورقتين، وليوهمني أنه مشغول كان يمسك سماعة الهاتف ويهز رأسه الصغير، أشار لي بيده أن أضع الأوراق على طرف طاولة مكتبه، وخرجت وأنا أراهن على صرامته.

تأخر الوزير نصف ساعة، وعند وصوله بدأت مراسم الحفل، كان الوزير أول المتقدمين إلى المنصة وكانت ثلاث دقائق كافية ليعيد نفس الخطاب الذي تلاه في مناسبات عدة، انتظر صاحبي ثواني إلى حين ينهي الحضور التصفيق لسيادة الوزير وتقدم إلى المنصة.

نظر إلي وهو ينظم أوراقه، وسكت لبرهة، أجال بصره في الحاضرين ثم استل ورقة من جيبه ووضع الأوراق الأخرى جانبا.

وحين ازدرد ريقه شبكت ساعدي ورحت أتفرس وجوه الحاضرين وأنتظر وقع جملي عليهم، وكنت أتوقع أن تبدو لهم تلك الجمل التي كتبتها - عن حق الآخرين في العيش بكرامة- تافهة وتدفعهم إلى التثاؤب.

بدأ يخطب فينا بكلمات منتقاة بعناية وممحصة عن آخرها كان يقف عند كل حرف على حدة، كان يحرك يده وهو يشرح بلغة الأرقام ويستعرض منجزات الهيأة طيلة السنوات الماضية ويثني على عمل سلفه. كان بارعا، والورقة التي يقرأ منها ليست تلك التي سلمته.

طنين جمله الأولى أعادني إلى الواقع، وتيقنت أن الخطاب الذي كتبته لا يليق بالمناسبة، وهو عائد إلى مقعده اعترضت طريقه وصفعته في مشهد مسرحي، كان ذلك طبعا في خيالي، وفي الواقع كنت أول المصفقين. إلا أن التصفيق الحار الذي أعددت راحتي له أجّلته إلى صحوة أخرى.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى