احتفالية (ديوان العرب) في ضيافة (أدب ونقد) الرصاصة الأخيرة التاريخ المصور لمدينة حيفا

الصفحة الأساسية > أقلام الديوان > حكيمان والشاعر البحتري

حكيمان والشاعر البحتري

٢٥ آذار (مارس) ٢٠٠٩بقلم أسامة عبد المالك عثمان

مَن مِن ذواقة الشعر لم يُدْمن شعر أبي الطيب، بما ينطوي عليه من حكمة بالغة، ولغة صقيلة، وسَيْرُورة شعرية، لا يكاد يدانيه فيها شاعر على مر عصور الأدب العربي؟! لقد ملأ الدنيا، وشغل الناس، وما زال، فلمَ حظي المتنبي بتلك المنزلة؟ ولم خَلَد شعره هذا الخلود؟ أَلِكونه مشحونا بالمعنى، إلى أبعد حد، على رأي الشاعر والناقد الأمريكي إزرا باوند؟ إذ رأى أنّ (الأدب العظيم ببساطة، لغةٌ مشحونة بالمعنى، إلى أعلى درجة ممكنة). أم لكونه شاعرا رائيا، يحاكي المعاني الإنسانية الدائمة، ويحاول اكتناه أزمة الإنسان في هذا الوجود؟

لقد خلب ألبابَ العامة والخاصة قديما وحديثا، وأما القديم فغنيٌّ عن الإفاضة؛ إذ سُودت في شعره ألوف الصفحات، وشرح ديوانَه كبارُ العلماء والشعراء، من أمثال ابن جني العالم والفيلسوف اللغوي الشهير، ومن الشعراء أبو العلاء المعري الذي أطلق على شرحه اسم (معجز أحمد) وهو اسم الشاعر الذي غطى عليه لقبُه، وكنيته!

وفي العصر الحديث ما زال العامة والخاصة والنقاد والشعراء يحتفلون بأبي الطيب أيما احتفال، ويتناصُّون مع شعره، ويقدرونه عاليا، حتى إن الشاعر محمود درويش قد بلغ به الإعجاب بشعر أبي الطيب أن قال: "إن المتنبي أعظم شاعر في تاريخ اللغة العربية، وهو كما يبدو لي تلخيص كل الشعر العربي الذي سبقه، وتأسيس لكل ما لحقه".أنا كل ما أردت أن أقوله قاله هو في نصف بيت: على قلق كأن الريح تحتي"

وليس هنا مقام الإفاضة في عرض أشعاره، ففي ديوانه مغنى عن ذلك، ولكن اقرأ قوله:

وَوَضْعُ النَّدَى فِي مَوْضِعِ السَّيْفِ بِالعُلا
مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ في مَوْضِعِ النَّدَى

وهو من قصيدته المشهورة التي يمدح فيها سيفَ الدولة الحمْداني، وهي من أعذب قصائده، وأغناها بالحكمة، ومطلعها:

لِكُلِّ امْرِىءٍ مِنْ دَهْرِهِ مَا تَعَوَّدَا
وَعَاداتُ سَيْفِ الدَوْلَةِ الطَّعْنُ فِي العِدَا

والبيتُ يخبر عن معنى دقيق، خلاصتُه أنّ الأفعال لا تُمدح أو تُذم مجردةً عن ظروفها وملابساتها؛ فلِلشدة مواطنُها التي لا ينفع فيها الرفقُ واللين، والعكس صحيحٌ أيضاً.

وكما اشتهر المتنبي بالحكمة التي طبعت ديوانه، ومطالع قصائده، كذلك كان أبو تمام الذي عُرف بالغوص على المعاني، واستقصائها، والتجديد فيها، إلا أنه لم ينل من المكانة مثل التي نالها المتنبي، ولربما عابوا عليه كثرة تعقيداته اللغوية، وصعوبة تراكيبه، وولعه بالبديع، والاستعارات التي لا يقبلها الذوق العربي.
ومن جميل شعره قوله:

نَقِّل فؤادَكَ حيثُ شئتَ مِن الهوى ما الحبُّ إلا للحبيبِ الأولِ
كَمْ منزلٍ في الأرضِ يَأْلُفُهُ الفتى وحنينُه أبداً لأولِ مَنزلِ

ومن حِكَمه قوله:

بَصُرتَ بالراحةِ الكبرى فلمْ ترَها تُنالُ إلاّ على جسرٍ منِ التعبِ
وكذا قوله: وإذا أرادَ اللهُ نشرَ فضيلةٍ طُويتْ أَتاحَ لها لسانَ حسودِ

وأما البحتري، تلميذُ أبي تمام فهو الشاعرُ، في رأي المتنبي؛ إذ قال عن نفسه وعن أبي تمام: (حكيمان والشاعر البحتري)، ويُنسب هذا القول إلى حكيم المعرَّة، أبو العلاء حين سئل عن أبي تمام والبحتري والمتنبي.

فالبحتري قويُّ الطبع، سَلِسُ العبارة، وفي شعره مَاويّةٌ، وعذوبة، وموسيقى تتغلغل في جمله الشعرية، وقد لخص ابن الأثير هذا في قوله:(وأما أبو عبادة، البحتري، فإنه أحسن في سبك اللفظ على المعنى، وأراد أن يشعر فغَنَّى، ولقد حاز طرفي الرقة والجزالة على الإطلاق). وليس هذا بمستغرب على شاعر بدوي النشأة، وفاقا لرأي الناقد محمد مندور الذي بين أن الشعر يكون أقرب بقدر قرب قائله من سذاجة البداوة، وأنه من الثابت لدى معظم النقاد أن خير أشعار الشعوب هو ما قالته أيام بداوتها الأولى

ولك أن تطرب بقصيدته التي يصف فيها إيوان كسرى، ومطلعها:

صُنْتُ نَفْسِي عمَّا يُدَنِّسُ نَفْسِي
وترفَّعْتُ عن جَدا كلِّ جِبْسِ

وإنك لا تعدم في أبياته أشعارا يكثر الاستشهاد بها، كما في قوله:

إذا احْتَربَتْ يوماً ففاضتْ دماؤُها
تذكرتِ القُرْبى ففاضتْ دموعُها

فمَنْ مِن الشعراء أشعر؟ ذلك يعود إلى الزاوية التي تنظر منها إلى الشعر، وإلى الذائقة الشعرية لديك؛ فإن كنت ممن يستهويه المعنى، فأبو تمام الشاعر، وإن كنت من طلاب الطرب فشاعرك البحتري، وإن كنت ممن تأسرك الحكمة، والعظمة والفخامة، في الأسلوب، وفي الصورة؛ فلا شاعر إلا المتنبي!

الرد على هذا المقال

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

نلفت انتباه زوارنا الكرام الى اننا لن ننشر:
- أى مداخلات تتهجم على اشخاص لا دخل لهم بموضوع المقال وتستخدم ألفاظاً غير لائقة.
- أي مداخلة غير مكتوبة باللغة العربية الفصحى.

من أنت؟
مشاركتك
  • لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

٦ مشاركة منتدى

  • فقرة عن الحكمين المتنبى وابو تمام والشعر الللللبحتري

  • اجراء مفاضلة بين ابو تمام و البحتري و المتنبي

  • اريد تعبير عن المتنبي وأبو تمام حكيمان وإنما الشاعر هو البحتري

  • ١-التعريف بأبي تمام :
    ولد أبو تمام حبيب بن أوس الطائي في قرية (جاسم) بالقرب من دمشق سنة ١٨٨هـ ، التحق بكُتَّاب القرية ليتعلم القراءة والكتابة، ولكنه كان يعمل بمهنة الخياطة، ليساعد أباه وفي غمرة انشغاله بالعمل لم ينس أبدًا حبه للعلم والتعلم، فكان يتردد عقب انتهائه من العمل على حلقات الدرس في مساجد مدينة دمشق بعد فقد كان أبو تمام يهوى الشعر والأدب..
    رحل إلى مصر، فأقام في مسجد عمرو بن العاص، وقضى بها خمس سنوات، كان يعمل خلالها في سقاية الماء، كما كان يتعلم من خلال استماعه للدروس التي تعقد في المسجد، فألمَّ بالفقه والتاريخ والشعر والحديث والفلسفة، ولكنه كان يميل إلى الأدب والشعر.
    وتفتحت موهبة أبي تمام في نظم الشعر، فأخذ يتكسب به، لكنه مع ذلك لم يحقق ما كان يرجوه من تحسين أحوال معيشته، فانصرف أبو تمام إلى الرحلات، وأخذ ينشد الشعر في شتى البلاد، فذاع شعره وانتشر، حتى سمع به الخليفة المعتصم، فاستدعاه وقربه منه، فكان ذلك فاتحة خير عليه وتحسنت حالته، وأخيرا استقر به المقام في الموصل؛ فظل بها حتى توفي بها في عام ٢٣١هـ .
    ٢- التعريف بالبحتري:
    هو أبو عبادة الوليد بن عبيد البحتري الطائي، عربي من قبيلة طيء، ولد في "منبج" قرب حلب عام ٢٠٦ هـ. ونشأ نشأة عربية خالصة؛ فقد كانت عشيرته "بحتر" تعيش بين البداوة والحضارة، ثم ذهب إلى حلب، وتنقل بين مدن الشام وقراه يمدح العامة والأمراء الصغار تكسباً بشعره. وفي حمص التقى بأبي تمام، وكان لقاؤه به نقطة تحول في حياته، إذ أولاه أبو تمام رعايته وعنايته لما لمس فيه من شاعرية، ولأنه ينتمي إلى طيء قبيلة أبى تمام، ولذلك قال له أبو تمام: أنت والله يا بنيّ أمير الشعراء من بعدي.
    وقد ظل البحتري وفياً لأستاذه أبي تمام رغم ما قيل عنه من التقلب وعدم الوفاء، حتى إنه رد على من قال له: أنت أشعر من أبي تمام بقوله: ما ينفعني هذا القول ولا يضر أبا تمام، والهّ ما أكلت الخبز إلا به، ولوددت أن الأمر كما قالوا، ولكني والله تابع له آخذ منه، لائذ به، نسيمي يركد عند هوائه، وأرضي تنخفض عند سمائه.
    وبعد أن أصبح له شهرة في سماء الشعر اتصل بالخليفة العباسي المتوكل ووزيره الفتح بن خاقان ولازمهما حتى قتلا معاً في سامراء عام ٢٤٧ هـ. وبعد ذلك ظل يمدح الخلفاء والوزراء والقادة، ويأخذ منهم الجوائز والصلات حتى جمع ثروة طائلة، وفي آخر أيامه عاد إلى قريته "منبج"، وأقام بها إلى أن توفي عام ٢٨٤هـ.
    ٣- التعريف بالمتنبي
    هو أحمد بن الحسين الملقب بالمتنبي، وكنيته أبو الطيب، ولد بالكوفة سنة ٣٠٣هـ لأب كان يسقي الماء لأهلها ، وفيها نشأ نشأته الأولى وترعرع ، حيث تعلم القراءة في الكتاب ،وكان ذكياً محباً للاستزادة فلازم الوراقين يطالع دفاترهم ، وحضر حلقات العلماء ، وخالط الأدباء .و كان طمحاً متوثب النفس ..
    بدأ المتنبي قول الشعر صغيراً منذ أن كان في الكتاب حتى بدأ اتصاله بسيف الدولةالحمداني ، ونال عنده الحظوة والرعاية الخاصة ، يصفه بأعظم مدائحه ، ويسعد بما يناله من جاه ومال وفير ، حتى دب خلاف بينهما بسبب الحساد ، فغادر حلب متجهاً إلى مصر ، حيث مدح واليها كافوراً الأخشيدي ؛طمعاً في أن يوليه ولاية ، ولكن كفوراً خيب ظنه ، فاضطر إلى الهرب من مصر بعد أن هجاه ، ورجع إلى الكوفة سنة ٣٥١هـ وتنقل في فارس ثم عاد إلى الكوفة ، وفي طريقة اعترضه فاتك الأسدي قريباً من بغداد ، وقتله سنة ٣٥٤ ومعه ابنه وبعض رفاقه.
    وقد برع في جميع أغراض الشعر وبخاصة الفخر والحكمة والمدح .
    ٤- من حكم أبي تمام :
    إذا جاريت في خلق دنيئ ،،، فأنت و من تجاريه سواءُ
    رأيت الحر يجتنب المخازي ،،، و يحميه عن الغدر الوفاءُ
    وما من شدة إلا سيأتي ،،، لها من بعد شدتها رخاءُ
    لقد جربت هذا الدهر حتى ،،، أفادتني التجارب و العناءُ
    يعيش المرء ما استحيا بخيرٍ ،،، و يبقى العود ما بقي اللحاءُ
    فلا و الله ما في العيش خيرٌ ،،، و لا الدنيا إذا ذهب الحياءُ
    إذا لم تخشَ عاقبة الليالي ،،، و لم تستحْيِ فاصنع ما تشاء
    من حكم المتنبي :
    ٥-من حكم المتنبي
    ١-إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ****** و إن أنت أكرمت اللئيم تمردا
    ٢-و إذا لم يكن من الموت بدً ******** فمن العجز أن تموت جبانا
    ٣-و إذا كانت النفوس كباراً ******* تعبت في مرادها الأجسام
    ٤-من يهن يسهل الهوان عليه ****** ما لجرح بميت إيلام
    ٥-ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى **** عدواً له ما من صداقتـــه بــــدُ
    ٦-ومن ينفق الساعات في جمع ماله *** مخافة الفقر فالذي فعل الفقـــــــرُ
    ٧-ما كل ما يتمنى المرء يدركــــــــه *** تجري الرياح بما لا تشتهي السفنُ
    ٨-وهاجي نفســهِ مـــن لم يميــــــز *** كلامي من كلامهـــم الهُــراءِ
    ٦-شاعرية البحتري
    أجمع نقاد الشعر القدماء على وصف البحتري بسلاسة العبارة حسن الديباجة ، كأنه سيل ينحدر إلى الأسماع ولذلك أعتبره كثير من أهل الأدب الشاعر الحقيقي واعتبروا أمثال أبي تمام والمتنبي حكماء .
    قال الثعالبي يصف شعر البحتري (( أن كلامه يجمع الجزالة ، والحلاوة ، والفصاحة والسلاسة ))
    ووصفه أبن الأثير : (( فإن مكانه من الشعراء لا يجهل ، وشعره هو السهل الممتنع الذي تراه كالشمس قريباً ضوءها بعيداً مكانها)) .
    من شعره في الوصف :
    فإذا ما رأيت صــورة انطاكيـة *** ارتعـت بيــن روم وفـــرس
    والمنايــا مواثل وانوشـــــر*** وان يزجى الصفوف تحت الدرفـس
    في اخضرار من اللباس على اصف***ر يختــال في صبيغـــة ورس
    وعراك الرجال بين يديــــــه*** في خفوت منهم واغمـاض جـرس
    تصف العين انهم جد أحيــــــا*** ء لهم بينهـــم اشــارة خرس
    يغتلي فيهم ارتيابــي حتـــــى*** تتقراهــم يداي بلمـــــس

  • شغل موضوع المفاضلة بين الشعراء حيزا كبيرا لدى القدامى و المتأخرين فألفت فيه التصانيف الكثيرة و لعل أشهرها الكتاب "الموازنة بين الطائيين و يعني بهما أبا التمام و البحتري و هناك كتاب اخر للمؤلف نفسه "الوسائط بين التنبي و خصومه " و سئل المتنبي عنه و عن ابي التمام فقال. انا و ابو التمام حكيمان و الشاعر البحتري