احتفالية (ديوان العرب) في ضيافة (أدب ونقد) الرصاصة الأخيرة صمود غزة

الصفحة الأساسية > أقلام الديوان > حيدر محمود في التجربة الشعرية الأردنية المعاصرة

انشغل بالوحدة العربية وكتب لها أشعاره

حيدر محمود في التجربة الشعرية الأردنية المعاصرة

١٥ نيسان (أبريل) ٢٠٠٩بقلم محمود فهمي عامر

لقد نالت قصائد حيدر محمود القبول والاستحسان عند كثير من الشعراء والنقاد، ومن ذلك ما استطرده (عدنان حماد) على قصيدة حيدر الموسومة بـ (نامي على جمر الغرام يا أمة العرب الكرام)، ومطلعها في الأعمال الكاملة ص196:

نامي بأحضان السلام
ترعاك أسراب الحمام
وتصون حلمك أن تعكر
صفوه سحب الظلام
قال عدنان حماد في هذا المضمون في الرأي الأردنية يوم الأحد 9-2-1986م:
نمنا وقد هتف القصيد بأمتي
(نامي بأحضان السلام)
وغفوت في من قد غفا
ما دام بيرق أمتي أضحى يزين كل هام!
هدهدتني يا (حيدر) الشعراء
وقال إبراهيم السامرائي بعد أن قرأ قصيدة (الشاهد الأخير) في الأعمال الكاملة ص145:
على من تنادي أيهذا المكابد
ولم يبق في الصحراء غيرك شاهد
لقد أقفرت إلا من الذل أرضها
فكل نبات يطلع الرمد فاسد
وكل هواء هب من جنباتها
مراء وفي ذراته الحقد راقد
على من تنادي موسم النخوة انتهى
وسوق عكاظ بالبضاعة كاسد
فلا قول إلا قول رابين داويا
ولا فعل إلا فعله يتصاعد

إن هذا لهو الشعر الجديد، وليس ما يشقى به جمهرة شبابنا وغيرهم، قرأت قصيدتك فحفزتني أن أسعى إليك فأبدي رضاي واستحساني، ولا أحسب أن كلمة (أحسنت) تفي بما أريد(في الرأي الأردنية يوم الأحد 24 – 11- 1985م).
ونظم إبراهيم العجلوني في الرأي الأردنية يوم الإثنين: 11- 11 – 1985م على منوالها قصيدة بعنوان (المكابد)، واستوحى محمود الزعبي من الشاهد الأخير والمكابد قصيدة عنونها بقوله: (إلى الشاعرين المبدعين حيدر محمود وإبراهيم العجلوني)، ونشرت في الرأي الأردنية يوم الأحد: 22- 12- 1985م، وأهدى الشاعر رشيد محمد نزال في الرأي الأردنية يوم الأحد: 22- 12 – 1985م إلى حيدر محمود قصيدة بعنوان (الكرمل المجاهد) المستوحاة من الشاهد الأخير، وقامت الكاتبة زليخة أبو ريشة بتقديم رؤية نقدية عن الشاهد الأخير قالت فيها: (وهذه القصيدة الشاهد الأخير حارة المناسبة، وهي أيضا حارة البناء، فهي متصلة بواقعه، تتصل بالوجدان الجمعي، وما ينبغي لها أن تكون غير ذلك الرأي الأردنية يوم الجمعة: 8 – 11 – 1985م).

وشغلت قصيدة (نشيد الصعاليك) الرأي العام، هذه القصيدة التي كانت من الممنوعات، ولاقى الشاعر منها ما يكفيه من تعب البال، وجاء فيها كما ورد في الأعمال الكاملة ص113:

عفا الصفا وانتفى يا مصطفى وعلت
ظهور خير المطايا شر فرسان
فلا تلم شعبك المقهور إن وقعت
عيناك فيه على مليون سكران
قد حكموا فيه أفاقين ما وقفوا
يوما بإربد أو طافوا بشيحان
يا شاعر الشعب
صار الشعب مزرعة
لحفنة من عكاريت وزعران
لا يخجلون وقد باعوا شواربنا
من أن يبيعوا اللحى في أي دكان
وبعد نشر (مقاطع من قصيدة الضد) التي بعثها من تونس عندما كان سفيرا هناك للملكة الأردنية الهاشمية، ونشرت في الرأي الأردنية يوم الأربعاء: 10 – 7 – 1996:
قضى الأمر وانتهى كل شيء
فوداعا يا كل شيء وداعا
كان وهما كل الذي مر من عمري
وكل السنين كانت خداعا
لم أجدني يوما معي في مكان
فكأنا ضدان نأبى اجتماعا

نشرت جريدة (الرأي) الأردنية يوم الجمعة 23- 8- 11996م قصيدة للشاعر علي البتيري بعنوان (هوامش على قصيدة الضد):

هل صحيح أن دربك وهم
ونجوم الليل كانت خداعا
وخطى الحكم لم تكن غير حلم
داعب الروح ليلة ثم ضاعا؟
يا صديقي هي الحياة لقاء
وانتظار يود منا وداعا

والمتتبع لأعمال حيدر محمود يتضح له مدى تأثره بشعر الصعاليك، ويبدو ذلك في قصائده المعنونة بهم كـ (نشيد الصعاليك) و (في انتظار تأبط شرا) و (وجه آخر للصعلكة) إضافة إلى ما ورد في ثنايا قصائده.

ولاعتبارات الصعلكة وطبيعته المتمردة الرافضة انحاز حيدر محمود إلى شعر مصطفى وهبي التل (عرار)، وتمثل تجربته الشعرية، والتقى معه في أكثر من مسلك حياتي وتجاربي، ولو عدنا إلى قصيدة الصعاليك (نشيد الصعاليك) السابقة سنجد ذلك واضحا عند قراءتنا لأبيات عرار الواردة في ديوان (عشيات وادي اليابس) ص35:

سيمت بلادي ضروب الخسف وانتهكت
حظائري واستباح الذئب قطعاني
فإن تكن منصفا فاعذر إذا وقعت
عيناك فينا على مليون سكران

وعن تأثر حيدر محمود بعرار قال صدر الدين الماغوط في دراسة له بعنوان(حول القصيدة الحديثة في الأردن) في الرأي الأردنية يوم الجمعة:20 – 11 – 1987م: (إن حيدر يمتاز بتماثله وفي مواقف عديدة في أنه تمثل تجربة عرار التل، والتقى معه في أكثر من مسلك حياتي وتجاربي).

ولعل الموضوع الرئيسي الذي شغل مساحة واسعة في شعرحيدر محمود ، ووظف مضامينه وأدواته الفنية في خدمته هو القضية الفلسطينية، الأمر الذي جعله لا يترك مناسبة إلا ويذكر فيها الجرح الفلسطيني الذي كتب من وحيه، كما أرى، معظم قصائده (موال للغربة - الأعمال الكاملة ص422):

أحبائي
رفاق الليل والغربة
أقول لكم لماذا كانت النكبة
لأنا حين كنا نزرع الزيتون
كنا نجهل التربة

وجاءت المدن الفلسطينية والأردنية جنبا إلى جنب في قصيدته، مؤكدا على لفظة (التوأمان) حتى بدت هذه المدن في خارطته الشعرية مدينة واحدة يصعب على الباحث أن يحدد موقف الشاعر من واحدة دون الأخرى، مما يجعلنا نقول، إن جاز التعبير، إن حيدر محمود يستحق بذلك لقب: شاعر الضفتين.

وانشغل الشاعر بموضوع الوحدة، وخصص لها قصائد كاملة من مثل: (قصيدة الوحدة) و (والضفتان توأمان)، وكان يستقبل بالفرح كل شمعة تضاء في ليل العرب الطويل، ويتبادل الحلوى، كما قال، لمجرد سماع النشيد الذي يذكره ولو بالكلمات اسم الوحدة، ولهذا تغنى بالوحدة العربية في ديوان المنازلة بـ(قصيدة الوحدة) التي جمعت الأردن ومصر والعراق واليمن ص64:

مرحى لوحدتنا الكبرى وأويها
وبارك الله مسعى من سيحييها
يا قادمين بها من ليل غربتها
سفينة العشق ها ألقت مراسيها

وتوجه انطلاقا من همه الوطني وشعوره القومي وإيمانه بضرورة الوحدة إلى هموم وقضايا الوطن العربي، وقصيدة (الشاهد الأخير) في ديوانه (من أقوال الشاهد الأخير ص22) التي كتبها إثر الغارات الإسرائيلية على تونس، وقصيدته (صفحة من كتاب النخيل) التي ألقاها في مهرجان المربد الثامن ببغداد أثناء الحرب العراقية الإيرانية، وديوان (المنازلة) الذي صدر بعد حرب الخليج مباشرة وصور في كل قصائده ما حدث للأمة العربية بشكل عام وللعراق بشكل خاص جراء هذه الحرب ذخيرتنا على ذلك.

وفي كلا الشكلين الشعريين (القديم والحديث) نظم حيدر محمود قصائده بأسلوب فني متقن لا يتميز فيه أحدهما عن الآخر، واستغل معظم بحور الشعر العربي، وكان متدارك الأخفش أكثرها انتشارا.

وتمتعت قصائده بإيقاعية عالية، انسجمت الحروف فيها ضمن الكلمة الواحدة، وتناغمت الكلمات ضمن جملته الشعرية، وتآلفت الجمل ضمن البيت أو المقطع الشعري، مستعينا بالزينة اللفظية، واختيار أصلح الألفاظ المعبرة عن معانيه المقصودة.
كما حافظت قصائده على سلامة اللغة ومستواها الفني، وحققت بعفويتها وانسجام عناصر الشعر فيها حاجة من حاجات النفس تدفعها إلى متابعة كل جديد؛ ولعل كل ذلك رشح قصائده للغناء، وجعل روكس بن زائد العزيزي يقول في ديوانه من أقوال الشاهد الأخير في مقالة نشرتها مجلة أفكار ص6-16 في عددها (82): (هذا ديوان جديد من شعر الشاعر المبدع الدكتور حيدر محمود، لقد أسرني لما فيه من رومانيكية ساحرة وصوفية حالمة ورمزية غائمة أحيانا استطردت هذا الاستطراد لِأقول في النهاية إن ديوان الأستاذ حيدر محمود هذا من عيون الشعر الأردني).

ولا نتجاهل هنا مقالات حيدر محمود الأدبية والاجتماعية والسياسية التي نشرت في معظم المجلات والصحف العربية وخصوصا مجلة (الأسبوع العربي) التي كانت تصدر في بيروت، ولن ننسى زاويته الأسبوعية (سبعة أيام) في جريدة (الرأي) الأردنية التي تناول فيها موضوعات شتى عبرت عن واقعه وتجربته.

هذا هو بإيجاز الشاعر حيدر محمود، شاعر الضفتين، وصاحب الحضور المدهش في التجربة الأردنية المعاصرة، الذي نال العديد من الجوائز والأوسمة كوسام الاستقلال من الدرجة الأولى، وجائزة ابن خفاجة الأندلسي الشعرية العالمية.

والحديث عنه يطول في دواونيه ومناصبه ووطنيته وعلاقاته الشخصية ومن غنى له كنجاة الصغيرة وماجدة الرومي، ولكن لا بد من الإشارة في نهاية المطاف إلى تلك العوامل التي ساهمت في رفد تجربته الشعرية التي كان من أبرزها تقلبه في العمل الإداري والصحفي والإذاعي والتلفزيوني والدبلوماسي والسياسي.

فائدة:

• ولد حيدر محمود في طيرة حيفا المعروفة بطيرة الكرمل عام 1938م، وعاش فيها حتى عام 1948م، ونقل الشاعر صورة تلك الفترة في (صوت الجيل العدد:16، ص68، 1992م) بقوله: (كان الكرمل أمي التي تحممني بماء الأبيض المتوسط، وتغطيني بأشجار السنديان المنتشرة بكثرة على صخورذلك الجبل العظيم؛ فكان الأهل في حيفا مغنيين شعبيين يغنون للحياة، ويغنون للموت، ذلك أن الموت عندهم كان في معظمه استشهادا، وكانوا يرفضون الموت المجاني، وكانوا يموتون شبابا).

• ثم نزحت أسرته ولجأت إلى الأردن، وأقامت في مخيم الكرامة، وهناك تلقى بداية تعليمه، وِأخذت تظهر موهبته الشعرية كما قال في (صوت الجيل العدد:16، ص87): (ثم بدأت الهجرة إلى التوأم الذي أيقظ بما قدمه من خبز وعطر وظلال القصيدة... وبدأت الكتابة، واستغرق ذلك خمس سنوات، ففي الخامسة عشرة كان الشعر مزيجا من الاحتجاج على اغتيال الفرح ومحاولة رجولية لتخطي المسافة بين الجرح وبين البندقية التي كانت بعيدة جدا عني، ولكنها كانت النغمة التي ألح عليها لتجيء وتكمل عجز البيت).

• ولمتابعة تعليمه الإعدادي والثانوي الذي لم يكن متاحا في الكرامة انتقلت أسرته إلى مدينة عمان، وهناك واصل تعليمه في (كلية الحسين) إلى أن حصل على شهادة الثانوية العامة.

• شارك حيدر محمود في معظم المناسبات الوطنية والدينية؛ مما جعل بعضهم يطلق عليه اسم (شاعر المناسبات) وآخر ينعته بـ (شاعر السلطة)، وثالث بـ (شاعر القوات المسلحة)، ورد على بعضهم في صوت الجيل العدد(16) ص88: (إن مفهومي للسلطة يختلف كثيرا عن السائد بين الناس، يمكن أن تكون الوظيفة سلطة، الحياة سلطة، البيت سلطة، الحزب سلطة، الولاء لأي فكرة مهما كانت نبيلة وأصيلة هي سلطة، إن الأردن الدولة بالذات وبشكل عام عام ليست السلطة التي هي في بال بعض المنتظرين (القريبة جدا من نفسي كشاعر) وهي سلطة الشعر والثقافة).

الرد على هذا المقال

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

نلفت انتباه زوارنا الكرام الى اننا لن ننشر:
- أى مداخلات تتهجم على اشخاص لا دخل لهم بموضوع المقال وتستخدم ألفاظاً غير لائقة.
- أي مداخلة غير مكتوبة باللغة العربية الفصحى.

من أنت؟
مشاركتك
  • لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.