امرأة بقلم: رمضان حينوني

استرخى على أريكته، وأطلق لذاكرته العنان تتجول من محطة لأخرى بحرية الطيور، لتقف فجأة عند ذلك الصديق الذي غاب عنه والتهمته دهاليز الغربة في أوربا.. هاهو يذكر يوما ضحك فيه كثيرا منه، عندما أبلغه بتفكيره في الزواج. لم يكن أمر الزواج هو المضحك، بل إصراره الزواج بأصغر فتاة بالغة وجميلة يقع نظره عليها.. كأنه أمير من أمراء ألف ليلة و ليلة في قصر الملك، يأمر فتجرجر الجواري الحسان إلى قصره كخراف تنتظر سكين جزارها.

وكم حاول إقناعه بأن الصغر لا يعصم من مشاكل الحياة الزوجية، وأن الجمال لن يصمد طويلا أمام آلة الزمن العجيبة، لكنه ركب رأسه، وعض على أحلامه بنواجده..

وتمضي الأيام، ويجد نفسه غارقا في التفكير.. فقد طرق باب قلبه طيف حب، ترجمته أعصابه رغبة في الزواج. كم ليلة قضاها في رسم ملامح المرأة التي سيدخل معها الحياة المشتركة، وكان منطقيا وقد أشبعته رغبة صديقه ضحكا، أن لا يقع في مثل سخافته؛ فأقنع نفسه أنه رجل بالغ عاقل، ولا بد له من امرأة بالغة وعاقلة وكفى! أما أن تكون أصغر أو أكبر فأمر لا يهم.

كان عليه أن يسعى وحيدا في إيجاد المرأة المناسبة، وكم من صورة أدخلها نفسه حينا من الزمن دون أن يتم التصويت عليها.. لقد كانت جوارحه شديدة التحفظ، ولا تتردد في رفع " فيتو" ضد أية صورة تخالف رغبته الغريبة. إلى أن وجد نفسه بعد جهد جهيد أمام إحداها، لم ترفع في وجهها ورقة الرفض.. إنها تختلف عن مثيلاتها دون شك، وتحقق شرطا خفيا ما..

وهكذا، تعرف إليها وهو يقدم لها خدمة بسيطة.. أعجبت هي بمعاملته وخفة خاطره، وعبر لها هو عن رغبته في التقرب منها، وكان من حسن حظه أنها مطلقة منذ عام زواجها الأول الذي حدث قبل خمس عشرة سنة...

وراح يعد هو سنوات عمره: واحد،اثنان، عشر، عشرون.. خمس وعشرون سنة..! أي أنها عندما تزوجت كان طفلا بريئا بعشر سنين.. ثم كثرت تساؤلاته، وكأن الأمر بلغ درجة خطيرة من الغرابة، ولكنه عاد واقتنع بأن ثمة آلاف الرجال في هذا العالم الفسيح تزوجوا بمن تفقنهم سنا، فما المانع في أن يكون واحدا منهم؟

تردد كثيرا في اتخاذ القرار النهائي.. كان ثمة وسواس يختبئ في ركن ما من نفسه، يحاول تنفيره منها ورسمها في أسوء صورة، كأن يجعلها بأنياب ومخالب بارزة وأذنين طويلتين ! ومن حسن حظه أنه جُبل على الاعتراف بالحسن، وإن شوه أحيانا بقبح عابر. وبعد مد وجزر، وحديث وسكون، وتشويش وصفاء أحبها بإجماع جوارحه، فأصبح لا يتوقف عن عرض صفاتها ومميزاتها حين يختلي بنفسه.. لقد كانت جميلة بالطبيعة، لم ير في ملامحها شيئا مصطنعا، ولم يكن من طبعها التظاهر.

وفهم من ترددها في قبول الزواج به، أنها تمنحه فرصة للتفكير.. كأنها لا تريد أن يغتر بالظاهر، وأن ينتبه إلى أن الزواج الأول ليس سهلا، لكنه عمي عن ذلك كله، وأكدت له إرادته أن الرجل إذا اتخذ مبدأ تمسك به.. وكان عليه أن يكون قويا لا بعضلات ساعديه أو طول شاربيه، بل بإيمانه وعزمه.

وتم الزواج.. وسط همسات الأهل، وغمزات الأصدقاء.. كان يعرف ما يدور بخلدهم، وما كان من الأشخاص الذين ينظرون إلى رغبات الناس ويتجاهل رغبته.. إنهم يرونه مثل طفل بجانب أم، أما هو فيرى نفسه زوجا مقتنعا بقراره الحكيم، بجانب زوجة مستعدة لأن تثبت له أن فارق السن ليس مشكلة، بقدر ما هو ظاهرة لم يألفها المجتمع.. وربما ليس مستعدا لقبولها.

وعلى امتداد الشهور الأولى لزواجه كانت حياته سعيدة بما يجده منها من الحب والدلال يطمئنه إلى سلامة اختياره، أما الاستفهامات الكثيرة حول مستقبل زواج يبدو في نظر الناس أعرج، ويؤول يوما إلى الفشل، فلم يكن في حاجة إلى جهد كبير ليتمكن من تشطيبها من ذهنه، ويتغلب في عزم على هواجس نفسه.

ويوما بعد آخر، أصبح بينهما تفاهم عجيب، حتى أصبحت الخلافات التي تقع بينهما تافهة أمام مبدأ التنازل التلقائي من أحدهما، وفي الغالب منها.. كان أحيانا يفتعل المشكل ليثبت أنه الرجل العنيد القاسي، وسرعان ما تذوب المشكلة في حكمتها كقطعة سكر في كوب ماء. وهكذا، كلما حفر حفرة للإيقاع بها على سبيل الاختبار دفنتها باطمئنان المرأة المحنكة، وكلما تمرد على عاداتها الجديدة وجد نفسه يجرجر إليها اعتذاره.

ذات يوم، وهو يغادر بيته، خطرت له فكرة: لماذا لا يغيب عن البيت أياما، ودون أن يقدم مبررا؛ أليس رجلا يغيب كما يشاء و يعود متى يشاء؟

وحجز لنفسه غرفة في نزل، وكان كل شيء على أحسن ما يرام حتى منتصف الليل. ورغم الخدمات المريحة التي وجدها في نزله إلا أنه لم يدر كيف دحرجته قدماه إلى الطريق، وبعدها بدقائق وجد نفسه أمام بيت من بيوت المدينة، يدقه بحذر ليفتح عن وجه باسم منتصر هو وجه زوجته! وبعد ذلك تأكد أنه يبجل هذه المرأة، وينقاد صاغرا نحو احترامها، وكأنما هي سلطانة أو.. قديسة...