في مفهوم الحداثة

، بقلم عبد الغني حسني

تعد مسألة إنتاج المصطلحات وتصديرها من أبرز العلامات الدالة على قوة الحضارات أو انحطاطها. فالتاريخ يشهد بحقيقتين تخصان هذه المسألة: أولاهما أن الحضارات القوية تكون أقدر من غيرها على إنتاج المصطلحات وعلى تصديرها، بينما تكون الحضارات الضعيفة أكثر ميلا إلى الاستهلاك وأكثر بعدا عن الإبداع في هذا المجال، وثانيتهما أن الأمم والحضارات تبقى في حالة انحطاط ما دامت خاضعة لسلطة المصطلحات الوافدة وفاقدة للقدرة على إنتاج مصطلحاتها والسعي إلى تصديرها؛ ذلك بأنه لا يمكن المجادلة في أن المصطلحات إنما هي منظومة قيم تحدد هوية هذه الأمم وانتماءها. لهذا السبب لم تكتف الحضارة الغربية الحديثة بالهيمنة الاقتصادية والسياسية والعسكرية على الشعوب، بل عملت على تصدير قيمها ومصطلحاتها وعولمتها وفرضها على هذه الشعوب بأساليب تبدو في كثير من الأحيان أبعد ما تكون عن التلاقح الثقافي وعن التأثير الطبيعي المتبادل بين الثقافات، كالضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية... بل إنها تسعى في أحيان كثيرة إلى إجبار هذه الشعوب على نسيان مصطلحات هي من صميم هويتها الثقافية: وأشير هنا على سبيل التمثيل (لا الحصر) إلى ما تعرضت له كل من الأنظمة والشعوب العربية والإسلامية من ضغوط ظاهرة وخفية من أجل تخليها عن مصطلح الجهاد أولاً ومحوه من مجال التداول الرسمي والإعلامي، وتبني مصطلح الإرهاب ثانيا، باعتباره مصطلحا بديلا يحل محل الأول في هذا المجال، قصد إحلاله محله في مستوى الاعتقاد والتداول الشعبيين.

ولعل من أكثر المصطلحات التي لها علاقة بهذه القضية: مصطلح الحداثة.

وإذا كان تثبيت هذا المصطلح والترويج له داخل الساحة الثقافية العربية والإسلامية لم يتوسلا بنوع الضغوط التي استُعملت لتثبيت غيره من المصطلحات، فإن دعاته في العالمين العربي والإسلامي قد لجأوا إلى أساليب لا تقل تأثيرا عن هذه الضغوط، وعلى رأسها لجوؤهم إلى ما هو أشبه بالمنطق الأمريكي في تقسيم العالم: (من ليس معنا فهو ضدنا). فالناس عند الحداثيين العرب أحد صنفين لا ثالث لهما: (حداثي مستنير أو رجعي جاهل)(1).

لهذا السبب، وبسبب ما يحيط بهذا المصطلح من فوضى ومن غموض – لا يقل عن غموض غيره من المصطلحات ذات المنشأ الغربي التي يتم تداولها في أيامنا هذه داخل الساحة الثقافية العربية والإسلامية- جعله في أحيان كثيرة أداة للدعاية أو لفرض نموذج حضاري أو ثقافي رغم أنف الشعوب، فقد رأيت استجلاء مفهومه وأهم أسسه وخصائصه في تربته الأصلية وفي صورته التي يتم تسويقه بها داخل العالمين العربي والإسلامي، وذلك من خلال ثلاثة محاور هي:

- الحداثة في المجال الغربي.
- الحداثة في المجال العربي.
- في بناء المصطلح.

1. الحداثة في المجال الغربي

تميز الثقافة الغربية بين مصطلحين هما: modernité و modernisme تتم ترجمة كل منهما إلى اللغة العربية بمصطلح الحداثة الذي يختلف عن التحديث modernisation. ويتفق كل من معجم لوروبير والموسوعة الفرنسية العالمية يونيفارساليس على تعريف modernité بأنها خاصية لكل ما هو حديث، في مجال الفن خاصة. كما يتفقان على تعريف modernisme بأنه الميل إلى البحث عن الحديث بكل السبل والتشبث به. ويضيفان إلى هذا المصطلح الأخير سياقا دينيا فيعرفانه بأنه حركة مسيحية مطالبة بتحديث المعتقدات والعقائد التقليدية بما يتناسب مع التفسيرات الحديثة للكتاب المقدس(2).

والواقع أن مصطلح modernisme يعد أكثر ارتباطا بالجانب الديني، وإن كانت دلالته قد اتسعت لتشمل مجالات أخرى، كما أنه يعد أحدث ميلادا من مصطلح modernité ذي الدلالة الأوسع والأشمل. فموسوعة يونيفارساليس تشير إلى أن مصطلح modernisme قد ظهر لأول مرة في إيطاليا سنة 1904 ليشير إلى ما كانت ترى فيه الكنيسة الكاثوليكية مبالغات يحاول الحداثيون المسيحيون إدخالها إلى الكنيسة، إذ أصدر البابا العاشر في هذا السياق رسالة سنة 1907 حول ما سماه بمذاهب الحداثيين، فأصبح هذا المصطلح يطلق على كل العمليات التجديدية التي شهدها الفكر المسيحي مستفيدا من إنجازات العلوم المختلفة في إعادة قراءة النصوص الدينية وتأويلها.

أما مصطلح modernité فيعود تاريخ ظهوره بأروبا –بمعناه الدال على التحول- إلى القرن السابع عشر، وإن كانت دلالته لم تكتمل إلا خلال القرن التاسع عشر(3) ليتم إغناء هذه الدلالة منذ النصف الثاني من القرن العشرين. غير أن البوادر الأولى للحداثة تعود إلى حركات الإصلاح الديني والصراع بين أنصار القديم وأنصار الجديد خلال القرن السادس عشر.

وكان أهم شيء أسفرت عنه هذه الرحلة الطويلة للمصطلح هو إقرار الثقافة الغربية باستحالة تحديد تعريف دقيق له، واكتفاؤها بالحديث عن خصائص الحداثة ومميزاتها بدل الحديث عن معناها، وهذا من أسرار الغموض الذي أصاب هذا المصطلح في هجرته إلى الثقافة العربية والإسلامية.

إن ما هو ثابت (انطلاقا مما سبق) أن مصطلح الحداثة قد حبلت به الثقافة الغربية ووضعته ونمَّته ليكتسب فيها دلالته لمدة تزيد عن ثلاثة قرون، قبل أن ينتقل إلى التداول داخل الثقافة العربية والإسلامية في النصف الثاني من القرن العشرين.

وقد كانت هذه القرون الثلاثة مسرحا لتحولات سياسية واجتماعية وفكرية واقتصادية وتكنولوجية كان لها انعكاسها المباشر على الإنسان وعلى منظومته القيمية والاعتقادية، مما جعل الحداثة قيمة فكرية أكثر مما هي تجل مادي لهذه التحولات. تقول موسوعة يونيفارساليس: (تعد تحولات البنى السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والنفسية العوامل التاريخية الموضوعية لظهور الحداثة. فهذه التحولات ليست هي الحداثة في حد ذاتها (...) فالحداثة ليست هي الثورة الصناعية والتكنولوجية، ولكنها إدخال لهذه الثورة في مسرح الحياة الشخصية والاجتماعية)(4). ويمكن إجمال هذه الانعكاسات فيما يلي:

1. الزحف الكبير للثقافة الاستهلاكية والمادية ومنطق الربح السريع وتصاعد النزعة الفردية الذي قابله تراجع مماثل لدور الدين والأخلاق في الحياة وانهيار للقيم بسبب الإنجازات العلمية الهائلة للعقل البشري في الصناعة والعلوم التجريبية.

2. تزايد الإحساس بغربة الذات الفردية وتمزقها بسبب التحولات الكبيرة التي شهدتها المدينة الغربية وما حملته من عزلة للذات، وبسبب إحساس الإنسان الغربي بفقدان القدرة على التحكم في العالم بعد تراجع أهميته في العالم الحديث. تقول الكاتبة جريجوري بيتسون: (في فترة الثورة الصناعية ربما كانت أهم الكوارث هي الزيادة الضخمة في الغطرسة العلمية. كنا قد اكتشفنا كيف نصنع القطارات والآلات الأخرى، ورأى الإنسان الغربي نفسه كأوتوقراطي يملك قوة السيطرة على عالم مكون من الفيزياء والكيمياء. وفي النهاية كان مقدرا للظواهر البيولوجية أن يتم التحكم فيها مثل عمليات في أنبوبة اختبار (...) لكن تلك الفلسفة العلمية مضى عليها الزمن الآن، وحل محلها اكتشاف أن الإنسان ليس سوى جزء من أنظمة أكبر وأن الجزء لا يمكن أبدا أن يتحكم في الكل)(5).

3. أدى هذا الإحساس بتراجع دور الإنسان وقيمته إلى تكريس مذهب الشك في الحقيقة المطلقة واليقينية وتزايد الاعتقاد بمذهب النسبية في كل شيء.

4. انتقلت هذه النسبية إلى مجال قراءة النصوص الدينية وغيرها، وتأويلها، فتراجع الاعتقاد بالمعنى المسبق في النص، الذي يقوم القارئ باستخراجه منه، نتيجة لتغير الموقف من اللغة في علاقتها بما تحيل إليه، ليحل محله القول بالدلالات غير النهائية، كما ظهرت مقولة موت المؤلف وانتهاء سلطته في تحديد معنى النص ليتم ربط القراءة بالمتلقي وما يعطيه هو للنص من دلالات.

5. أدى تراجع دور الدين وتقدم البيولوجيا وما حملته من اهتمام بجسم الإنسان إلى انتقال التقديس إلى مجال الجسد، فحل الجنس محل الدين(6)، فأصبح الجسد مقدسا بعد تمكن الغربيين من الثورة على غيبيات الكنيسة.

6. انتشار مفاهيم الحرية الفردية والثورة على كل السلطات، وما كان لذلك من تأثير كبير على مجال التعبير الفني.

وكل هذا يدل على أن الحداثة تعكس في جوهرها خصوصية غربية وتعبر عن حضارة وإنسان مأزومين بسبب التطور العلمي والتطور الفكري الذي استمر لثلاثة قرون من الزمان. لهذا جاءت هذه الحداثة موسومة بسمة أساسية تميز المجتمع الغربي الحديث هي سمة التجاوز المستمر. يقول الكاتب الفرنسي لوفيفر : (داخل عالم منقلب رأسا على عقب تأتي الحداثة لتكمل مهمة الثورة بتجاوز الفن والأخلاق والأيديولوجيات)(7).

وقد تميزت هذه الحداثة بظهور عدد من المذاهب الفنية والفلسفية التي تعبر عن هذه الأزمة – كالرمزية والسريالية والوجودية- والتي تختلف فيما بينها، لكنها تشترك في مجموعة من الخصائص التي تعد مميزة للحداثة الغربية، منها:

1. التمرد على القوانين وطرق التعبير اللغوي والتقاليد الفنية المألوفة باعتبار الفن حركة مستمرة إلى الأمام، والتجاوز المستمر لكل ما يتم إنتاجه وتكريس منطق القطيعة. تقول موسوعة يونيفارساليس: (لقد أوجدت الحداثة في كل المستويات جمالية القطيعة (...) والاكتشاف، وذلك بتأثير من ظاهرة التقدم الاجتماعي (الذي شمل الثقافة وطرق العيش) وبتأثير من الهدم المستمر للأشكال التقليدية والمألوفة كالأجناس الأدبية وقواعد الانسجام الموسيقي وقوانين التعبير والتصوير في الفنون التشكيلية (...) وبشكل أعم: هدم سلطة وشرعية الأنماط السابقة في العيش والجنس والمعاملات الاجتماعية)(8).

2. تحرير الفرد من سلطة المؤسسات بكل أنواعها، ومن ضمنها مؤسسة الأسرة التي تعد في نظرها صورة من صور القهر، مع ما يعنيه ذلك من إخراج العلاقة بين الجنسين من دائرة الأسرة واعتماد مقاربة النوع التي لا تؤمن بالفروق الجوهرية بين الجنسين وتدعو إلى حق الشذوذ الذي يصل إلى المطالبة بحق الزواج المثلي(9) (الذي صادقت عليه مجموعة من الدول الأوروبية انسجاما مع هذا المفهوم الجديد للحرية).

3. إلغاء المعنى المسبق في النصوص، بما فيها النصوص الدينية وربط الدلالة بالمتلقي –انطلاقا من مقولة موت المؤلف- والقول بالدلالات غير النهائية للنص، وتكريس مذهب الشك في كل الحقائق والمفاهيم.

4. اعتبار الدين تجربة بشرية قابلة للتجاوز ضمن ما تتجاوزه الحداثة، وإلغاء سلطته من خلال علمنة المجتمع، وإلغاء سلطة الأخلاق في مجال الإبداع.

5. تمجيد التجارب المتأخرة زمنيا والمبالِغة في التمرد داخل كل مذهب.

6. تمجيد العقلانية والتفكير العقلاني، ووضعه في مقابل التفكير الديني، واعتبار هذا الأخير عائقا أمام الحداثة لاعتماده على المعرفة الوثوقية واليقينية، وإحلال العقل ومنجزاته العلمية محل الله في مركزية المجتمع.

7. تمجيد الجسد والارتفاع به إلى مستوى التقديس.

8. التعبير عن مفاهيم تعكس وضعية التشرذم والأزمة التي يعيشها الإنسان الغربي كمفاهيم الغربة واليأس والضياع...

ذلك هو مفهوم الحداثة الغربية، وتلك هي أهم خصائصه التي تعكس وضعية حضارية متأزمة يعيشها الإنسان الغربي على مستوى القيم. وهي خصائص تم بناؤها – كما تمت الإشارة- عبر ثلاثة قرون من التطور الحضاري الذي شمل كل مجالات الحياة وتميز بالإجهاز على المكتسبات الروحية للمجتمعات الغربية.

وبسبب خاصية التجاوز التي تميز الحداثة، فقد بدأت في الغرب منذ النصف الثاني من القرن العشرين مرحلة جديدة هي مرحلة ما بعد الحداثة التي تأتي في سياق تجاوز الحداثة لنفسها. ويتميز فكر هذه المرحلة بالتشكيك في قيم الحضارة والسعي المستمر للتحرر منها والتحرر من كل سلطة. يقول الكاتب الأمريكي العربي الأصل إيهاب حسن: (وهكذا انتقالنا من موت الإله إلى موت المؤلف وموت الأب يوصلنا إلى إفراغ الثقافة من قيمها المفروضة علينا، وإلى تحرير المعرفة من نظامها التمويهي)(10).

2. الحداثة في المجال العربي

يكاد الباحثون يجمعون على حقيقتين تخصان الحداثة في نسختها العربية: أولاهما أن هذا المصطلح قد دخل إلى مجال التداول في الفكر العربي بتأثير من الحداثة الغربية، وثانيتهما أن هذا الدخول قد بدأ منذ النصف الثاني من القرن العشرين. فمحمد شكري عياد يذكر أن تأثيرات الحرب العالمية الثانية وما نتج عنها من تطورات عالمية أدت إلى ظهور جماعات من اليهود والأجانب في مصر تحاول جمع شتاتها ليكون لها مكان داخل هذه التطورات. ومن أولى هذه الجماعات: جماعة الفن والحرية التي رفعت شعار تحرير الفن من الدين والوطن والجنس(11). وقد ظهر هذا التأثير الغربي في أول مجلة عربية حداثية متخصصة في الشعر أصدرها يوسف الخال سنة 1957 هي مجلة شعر التي تبنى فيها الأصوات الشعرية الحديثة، تماما مثلما فعل الشاعر إزراباوند في مجلته (الشعرية= بويتري)(12). كما أن هزيمة 1967 كان لها تأثير في جيل الثورة الذي أصبح يرى في الحداثة الفنية سبيلا للخروج من ضياعه وإحباطه(13).

أما من حيث الدلالة، فقد سار الحداثيون العرب على خطى أمثالهم الغربيين في إعطاء الحداثة بعدا فكريا وتجريدها من الجانبين الزمني والتقني، فتم التمييز بين الحديث والتحديث وبين الحداثة. يقول المفكر الجزائري الأصل محمد أركون: (الحداثة هي موقف للروح أمام مشكلة المعرفة (...) أما التحديث فهو مجرد إدخال للتقنية والمخترعات الحديثة (...) فالحداثة إذن غير التحديث)(14).

كما أن من الأمور التي يجب الإشارة إليها في هذا الجانب الدلالي هو أن تلقي الحداثيين العرب للمصطلح الغربي لم يأت مبنيا على أساس التمييز بين الحداثة وما بعد الحداثة، بل تم تلقي كلا المفهومين ضمن مصطلح واحد هو مصطلح الحداثة. لهذا جاءت الحداثة عندهم موسومة بكل السمات التي ميزت الحداثة وما بعد الحداثة الغربية من تمرد على القيم وإيمان بالتجريب والتجاوز المستمرين في كل مجالات الفكر والثقافة والفن(15). ويمكننا أن نلمس تبنيا لهذه السمات المميزة للحداثة الغربية ولما بعد الحداثة في مجموعة من المجالات التي تناولتها الحداثة العربية تنظيرا وتطبيقا منها: اللغة والفكر والنص والفن والدين.

1. الحداثة واللغة والفكر:

تقوم نظرة الحداثيين العرب إلى اللغة على أساس الربط بينها وبين الفكر فيعتبرون تحرير اللغة سبيلا إلى تحرير الفكر، لهذا نجد عندهم دعوات لهدم بنية التعبير في اللغة العربية وإعادة بنائها من جديد. وهذا الهدم وإعادة البناء لا يمكن أن يتما – في نظرهم- إلا بتحرير اللغة العربية من إحالاتها الدينية وارتباطها بالدين. يقول محمد أركون: (إن التعبير باللغة العربية عن موضوعات أساسية تخص التفكير بالظاهرة الدينية يبدو صعبا جدا بالقياس إلى اللغات الأوروبية الحديثة التي سبقتها إلى العلمنة وافتتاح الحداثة، وتخلصت من التأثيرات الدينية والشحنة الدينية التي تضغط على الفكر وتسجنه ضمن سياج ضيق محدود. يضاف إلى ذلك أن الشيء الآخر الذي يشكل حرية اللغة الفرنسية (...) هو أنه لا توجد لها علاقة بنص الإنجيل)(16).

ولعل مثل هذا القول يفتح أمامنا الباب لفهم سر دعوات الحداثيين المستمرة لعقلنة الفكر – بتجريده من كل ما له صلة بالدين- ومهاجمتهم المستمرة لمناهج الدراسات الإسلامية والتعليم الديني باعتباره مناقضا – في نظرهم- للتفكير العقلاني والفلسفي.

2. الحداثة والنص:

يقوم موقف الحداثيين العرب من قراءة النص وتأويله على منجزات الحداثة وما بعد الحداثة في الغرب في إنجاز هذه القراءة بالاعتماد على البنيوية والتفكيكية ونظريات التلقي، وما جاء به هذان المنهجان وهذه النظريات من مقولات تخص موت المؤلف وانتفاء القصد وانتفاء المعنى القبلي في النص والخروج إلى فوضى القراءة من خلال القول بالدلالات غير النهائية للنص، دون أن تُستثنى النصوص الدينية من هذه المقولات عند الحداثيين العرب.

3. الحداثة والفن:

تبنى الحداثيون العرب معظم مذاهب الحداثة الغربية في مجال الفن دون اعتبار لكون هذه المذاهب الفنية ذات صلة وثيقة بالمذاهب الفكرية والفلسفية التي أنتجتها الحضارة الغربية في إطار الصراع الطويل الذي شهدته بين الدين والعقل، وبين الذات والموضوع، وبين المادية والمثالية... وفي إطار التعبير عن أزمة الإنسان الغربي الحديث وغربته في عالمه الجديد وتمرده عليه. فقد استنسخ الحداثيون العرب مذاهب تعبر في أصلها عن أزمة الإنسان الغربي الحديث كالسريالية والعبثية والوجودية، كما استنسخوا مفاهيم ومقولات تميز هذه المذاهب كالغربة والقلق وتجريد الفن من جانبه الرسالي، وتحريره من الدين والأخلاق وتمجيد الجسد وإعطائه دورا مركزيا في الإنتاج الفني، وتمجيد كل أشكال الخرق والتمرد في اللغة وأساليب التعبير والقيم المألوفة. يقول أدونيس: (كلنا يعرف من هو المسيح، ولعلنا جميعا نعرف كيف خاطبه رامبو: (يسوع، يا لصا أزليا يسلب البشر نشاطهم…) حين تصل جرأة الإبداع العربي إلى هذا المستوى، أي حين تزول كل رقابة، يبدأ الأدب العربي سيرته الخالقة المغيرة، البادئة، المعيدة.)(17).

4. الحداثة والدين:

يمكن القول بأن الحداثيين العرب قد تبنوا معظم مواقف الحداثة الغربية من الدين. فإلى جانب رفع صفة التقديس عن النصوص الدينية، وفي مقدمتها القرآن الكريم والسنة النبوية، واعتبارها نصوصا بدون مؤلف لا وجود فيها لمعنى مقصود ومحدد سلفا، وإخضاعها لمنطق التفكيك والبنيوية ونظريات التلقي في القول بحرية تأويلها وارتباط دلالاتها بتلك التي يمنحها إياها المتلقي، إلى جانب ذلك تبنت الحداثة العربية موقف الحداثة الغربية، الذي أنتجته ظروف حضارية وتاريخية، والذي يعتبر إدخال الدين وقيمه في مجال الممارسة والحياة الاجتماعية عائقا أمام التقدم. يقول هشام شرابي: (يتجسد معنى الحداثة بالنسبة لنا باتجاهين مترابطين: الاتجاه العقلاني والاتجاه العلماني: عقلنة الحضارة وعلمنة المجتمع)(18).

كما أن نزعة الشك والقول بنسبية الحقيقة وانتفاء الحقيقة المطلقة، التي وسمت الحداثة وما بعد الحداثة في الغرب، قد انتقلت إلى الحداثة العربية أيضا، فدعا الحداثيون العرب إلى إعادة التفكير في كل الحقائق الدينية التي اعتبرت ثابتة، بما فيها مفهوم الوحي. يقول محمد أركون: (في كليات الشريعة الإسلامية (...) لا يوجد أي منفذ ولو صغير على الحداثة والعصر والعقلانية. بما أن ذلك غير موجود فماذا نفعل؟ بكل بساطة: نمنع أنفسنا من استخدام كلمة وحي وكأنها كلمة واضحة مشروحة معروفة! نمنع أنفسنا من القول إن الوحي هو الوحي، وإنه مشترك لدى الأديان الثلاثة كافة ويشتمل على حقائق ثابتة ونهائية وإننا نعرفه)(19).

أما الكاتبة خالدة سعيد فتستحضر تجربة الحداثة الغربية في نقلها للمقدس من مجال الدين إلى مجال الجسد والجنس، لتدعو إلى شيء مماثل بنقل هذا المقدس إلى مجال التجربة الإنسانية. تقول متحدثة عن الحداثة: (وهكذا تطلع الشعر والنص الإبداعي عامة إلى النهوض بالدور الفلسفي والفكري والاجتماعي وبالدين أو الأسراري (وليس الدين). وإذا كانت الحداثة حركة تصدعات وانزياحات معرفية- قيمية، فإن واحدا من أهم الانزياحات وأبلغها هو نقل حقل المقدس والأسراري من مجال العلاقات والقيم الدينية والماضوية إلى مجال الإنسان والتجربة والمعيش)(20).

إن كل ما سبق يدل على حقيقة لا شك فيها، وهي أن تلقي الحداثيين العرب لمصطلح الحداثة جاء استنساخا لمعظم خصائصه التي اكتسبها في مجاله الغربي- وذلك على الرغم من كل ما يدعيه هؤلاء الحداثيون من إبداع وخلق وابتكار- دون مراعاة للخصوصية الثقافية الغربية التي أنتجت هذا المصطلح، والتي تختلف اختلافا جذريا عن خصوصية الثقافة العربية والإسلامية.

وقد أدى هذا التبني المطلق لمعطيات الثقافة الغربية ومحاولة فرضها على الواقع العربي والإسلامي إلى عزلة الحداثة العربية عن محيطها وغربة الحداثيين العرب وتحولهم إلى نخبة بعيدة عن الجمهور ولا تخاطب إلا نفسها.

3. في بناء المصطلح

ما سبق قوله بخصوص الحداثة العربية يترجم أزمة انفصال حقيقية عن الذات تعيشها هذه الحداثة بسبب استنساخها لنموذج غربي ومحاولة فرضه على مجتمع إسلامي وعربي له خصوصيته. وهي أزمة لاحظها غير واحد من الباحثين فسماها بعضهم بالفوضى الدلالية. يقول كاتب المرايا المحدبة: (إننا حينما نستخدم مفردات الحداثة الغربية، ذات الدلالات التي ترتبط بها داخل الواقع الثقافي والحضاري الخاص بها، نحدث فوضى دلالية داخل واقعنا الثقافي والحضاري. وإذا كنا ننشد الأصالة فقد كان من الأحرى بنا أن ننحت مصطلحنا الخاص بنا، النابع من واقعنا بكل مكوناته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لأن الهوة بين الواقعين الغربي والعربي واسعة سحيقة)(21).

لهذا يمكن القول عموما بأنه أمام هجرة المصطلحات وانتقالها من ثقافة إلى أخرى، تجد الثقافات المستقبِلة نفسها أمام أحد خيارات ثلاث:

- تقبل المصطلح بكل حمولته المعرفية والثقافية ودلالاته التي اكتسبها في بيئته الأصلية.
- رفض المصطلح في مجمله واختيار مصطلح بديل.
- امتصاص المصطلح بالصيغة التي تم استقباله بها، وشحنه بدلالات جديدة.

الخيار الأول هو الذي اعتمده أغلب الحداثيين العرب في تلقيهم لمصطلح الحداثة وتوظيفهم له، فكانت النتيجة استلابا ثقافيا وتغريبا وغربة عن المحيط الاجتماعي والثقافي.

أما الخيار الثاني فأكثر ارتباطا بالهوية ودعوة للإبداع من الخيار الأول، لكن صعوبته تكمن في كون ظروف العولمة والانفتاح الإعلامي وشروط التثاقف تجعل من مسألة الوقوف أمام كل المصطلحات الوافدة أمرا مستحيلا؛ مما يعني أن إمكانية اللجوء إلى هذا الخيار لن تكون مفيدة إلا إذا اعتُمد بجانبها الخيار الأخير المتمثل في التلقي الواعي للمصطلح وشحنه بدلالات تستجيب لثقافة هذه الشعوب، قبل الترويج له وطرحه للتداول.

اعتماد هذين الخيارين الأخيرين سيمكناننا من القول بأن مصطلح الحداثة ليس مصطلحا مقدسا (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) كما يحاول البعض إيهامنا، سواء في صورته اللفظية اللغوية أو في دلالاته التي اكتسبها في تربته الأصلية. وطرحُه داخل الساحة الثقافية والاجتماعية العربية والإسلامية باعتباره خيارا وحيدا لا خيار لهذه الشعوب دونه ولا مخرج لها سواه (في جانبيه اللغوي والدلالي معا) يعد قهرا وتسلطا على العقول وحجرا فكريا لجأ إليها الحداثيون العرب لتكميم الأفواه وخنق الأصوات المعارضة لهم بما يسمح لهم بفرض نمط حداثي لا يرون لمجتمعاتهم نمطا سواه.

لهذا كان من الممكن، في الجانب اللغوي، استعمال مصطلحات استبعدها الحداثيون لفسح المجال أمام فرض مصطلح الحداثة والترويج له، كالتحديث والتطوير والتجديد والنهضة والتغيير وغيرها.

أما في جانب دلالة المصطلح، فإن التقيد بالدلالات التي أعطيت له في بيئته الأصلية هو تعطيل، بلا شك، لطاقة التفكير ودعوة صريحة إلى التبعية والتغريب. لهذا كان إخضاع مصطلح الحداثة (لمن يختار تبنيه) للظروف الثقافية والاجتماعية التي تعيشها الشعوب الإسلامية والعربية، بشكل خاص، أمرا لازما تفرضه خصوصية هذه الظروف التي تختلف عن مثيلتها في الغرب.

وأيا ما يكن المصطلح الذي يتم تبنيه (بما فيها تلك المصطلحات التي حاول الحداثيون العرب إقصاءها) فإنه لن يتمكن من أداء دوره في تغيير واقع المجتمعات العربية والإسلامية نحو الأفضل إلا إذا تحول إلى ثقافة شعبية. وهو لن يصبح كذلك إلا إذا كان نتاجا لهذه الثقافة ونابعا من هوية هذه الشعوب ومستقيا لدلالاته من معتقداتها؛ دون أن يعني هذا الكلام الاستغناء عن الثقافة الغربية في إطار التثاقف الذي يعني الأخذ والعطاء والإضافة إلى الرصيد العالمي، لا التغريب الذي يسعى إلى ذبح الذات على أعتاب الآخر وإفنائها وإذابتها فيه إذابة كاملة.

الإحالات:

1. المرايا المحدبة (من البنيوية إلى التفكيك)، د. عبد العزيز حمودة، سلسلة عالم المعرفة، أبريل 1998، ص16.
2. انظر "modernité" و"modernisme" في: dicorobert Inc; Montréal Canada 1993 , le petit Robert وفي universalis, France 1997, (CD) encyclopeadia
3. Encyclopeadia universalis Modernité;
4. modernité / une ambiguïté spectaculaire; universalis
5. المرايا المحدبة، ص 60
6. المذاهب الأدبية والنقدية عند العرب والغربيين، محمد شكري عياد، سلسلة عالم المعرفة، سبتمبر 1998، ص62.
7. ;universalis. Modernitè /une ambiguïté spectaculaire
8. modernité /la rhétorique de la modernité; universalis
9. المرايا المقعرة، ص64-65.
10. معنى الحداثة، هشام شرابي، ضمن كتاب "الإسلام والحداثة"، ندوة مجلة مواقف، ط1، دار الساقي، لندن 1990 ، ص379.
11. المذاهب الأدبية والنقدية عند العرب والغربيين، ص17-19.
12. نفسه، ص58.
13. المرايا المحدبة، ص25.
14. الإسلام والحداثة، محمد أركون، ضمن كتاب " الإسلام والحداثة"، ص355.
15. المذاهب الأدبية والنقدية عند العرب والغربيين، ص65-67.
16. الإسلام والحداثة، ص347.
17. نفسه ، ص 148 .
18. معنى الحداثة، هشام شرابي، ص360.
19. الإسلام والحداثة، ص330.
20. المذاهب الأدبية والنقدية عند العرب والغربيين، ص61.
21. المرايا المحدبة، ص29.