تعارف بقلم: رمضان حينوني

امتدت أناملها نحوه ذات مرة تحمل وردة رائعة من صنع أحلامها، لكن على ورق؛ فقد كان من الصعب في بيئتهما الحصول على وردة حقيقية لإهدائها، فكان الموفق من مرهَفي الحس ذلك الذي يحسن رسمها بمزيج من الألوان والخطوط، حتى يصل الأمر أحيانا إلى تفضيل الرسم على الحقيقة لا لشيء إلا لأن المرسوم أبدعه إنسان له قلب وأحاسيس.

ولم يكن يملك إلا أن يشكرها، لكنه تنبه بإحساس المراهق إلى أنها تنتظر منه شيئا مقابلا.. فكلمة الشكر أضحت جوفاء أمام مبادرات عملية منتظرة. وبدأ يفكر في مقابل ما يبرهن به على أن الهدية حظيت بقبوله، وتلونت بالرضا في أعماقه، فوجد نفسه حيران أسفا؛ ذلك أنه ليس برسام ولا مطرب ولا نحات ولا.. ثم تمهل ليتذكر أنه يكتب. ألا يقول النقاد إن الأدب هو أرقى مراتب الفن وإن الأديب يمكن أن يخلد الشيء في مواجهة الزمن القاهر؟ فطالما شكر له أساتذته حسن تعبيره وتصويره الأدبي، فَلمَ لا يهدي لها كلمات تأخذ موقعا في قلبها؟

وبدأ.. كتب أربع مقالات متباينة الأسلوب، متفقة الهدف والفكرة: إحداها مع طلوع الفجر، والثانية في الضحى، والثالثة في الأصيل، والرابعة في الغروب. وعندما انتهى، بدأ يبحث عن أجودها وأنسبها، وليس يدري لم وقع اختياره على الأخيرة ألأنها كانت تحمل شيئا من التأمل الغريب الذي تطبعه مسحة من الحزن؟ كل ما يدريه هو فشله في تغيير هذا الاختيار. وعندها أحس أن ثمة توافقا وتجاذبا بين عناصر الطبيعة، ولا يجب على الإنسان دائما أن يحشر ذلك المزاج المفتعل ليشوه وجهها.

وفي صباح من أيام الشتاء الرائعة، كانت يده تعيد إليها الامتداد لتقدم لها عصارة من الأفكار الصادقة والمعيشة داخليا. ورغم أنها أطرقت لحظة كأنما عن استحياء، إلا أنه قرأ الرضا والسرور في وميض عينيها، ولم يفته أن يلاحظ بعض الارتعاش في أصابعها، وكأنما تخشى أن تتفجر أحرفه عن شيء خطير.

لم ينم ليلتها إلا الساعات القليلة قبل الصباح، كان يفكر في صاحبة الوردة.. في سكونها ووجومها، واقترابها منه الآن بعد سنة كاملة من وجودهما في فصل واحد. أتراها كانت تختبر زملاءها أيهم أصلح لصداقتها؟؟

ومضى أسبوع كامل دون أن يسمع منها شيئا يتعدى السلام، فدب القلق في نفسه.. أتراه أخطأ في اختيار مقابل للرسم؟ أتراه قال شيئا محظورا في مقاله دونما انتباه منه؟ أتراه عكر صفو حياتها الهادئة؟.. وأخذ يصيح في أعماقه: ليتني اكتفيت بشكر أجوف.. ليتني أهديتها بطاقة بريدية عليها ورود ميتة باردة واسترحت!

وظل على هذه الحال مدة أيام أخر، وهو لا يدري كيف يتصرف.. كأنه مذنب يفكر في التكفير عن ذنبه، لا يكاد ينظر إليها حتى يزداد الاضطراب في نفسه، وراح الشيطان يلعب به وبهواجسه.. لم يدع احتمالا سيئا إلا أدخله نفسه، ولا صورة مشوهة لعلاقتهما المستقبلية إلا أراها له تعذيبا، حتى لعن الكتابة والتفكير والعواطف، وتمنى لأول مرة لو أنه جاهل ساذج...

وبينما هو يقلب صفحات من دفاتره، ذات يوم، انتبه إلى خطى بطيئة تتقدم نحوه، ولم يكن في حاجة إلى رؤية وجهها ليعرفها، فوقع أقدامها عرف بها.. ورفع رأسه وإذا بوجه لا عهد له به: إشراق كامل، وابتسامة عريضة واطمئنان أكبر من ذي قبل.

وتغير كل شيء.. ما كان حسرة وندما صار أملا وعزما. سألته عن حزنه وعزلته، وسألها عن إعراضها وصمتها، ووجد كل منهما فرصته في كشف النقاب عن خفايا الفكر والقلب:

- صمتك سبب لي المتاعب.. أدخل شيطانا مخيفا إلى نفسي أرعبني وامتص قوتي.. ووالله ما ندمت على شيء كندمي على ذلك المقال الذي دفعته إليك..

- مهلا.. لقد كان صمتي يعكس تفكيري ليس إلا.. أتعرف كم مرة قرأت مقالك؟ أكثر من عشرين مرة...

- وهل كان يستحق كل هذا الجهد منك؟

- وما زلت أبحث بين سطوره عن أشياء لم تصرح بها.
- ماذا؟ أتثيرين كل هذه الضجة لمجرد خاطرة ألحت علي ذات يوم فصببتها في قالب من الكلمات؟

- لكنك رويتها بأعز ما يملك الإنسان : الإحساس الصادق.

- أما هذا فصحيح، فأنا لا أكتب إلا ما يمتزج بوجداني.. أحس أحيانا أنني انتزع الحروف والكلمات من صدري انتزاعا.

- كل قراءة كانت تكشف لي عن شيء جديد، وأعترف أمامك أن رموزك مغرية وكلماتك نفاذة، ولكن قل لي: لم تصبغ أفكارك بلون الغروب؟

- لا أدري تماما.. ما أعرفه أنني أقف كالمأخوذ أمام مشهد الغروب، وأشعر أن كل عنصر في ذلك المزيج الرائع من الألوان يوحي بالعظمة والرهبة والحب.

- الحب؟ رهبة وحب في ألوان الغروب؟

- أجل.. هناك من يتشاءم من لون الغروب، غير أنني أجد فيه قوة الإيحاء.. ألم تقرئي قصائد تحمل هذا الاسم؟ المساء لأبي ماضي، المساء لخليل مطران.. ألم تدركي الروعة في المساء عندما يؤثر في الأديب والشاعر؟

- بلى.. بلى.. إن ذلك خطر لي أيضا وأنا اقرأ مقالك، لكن لا يذهبْ بك الغرور إلى حد الاعتقاد أنك مطران آخر!

- اطمئني إلى ذلك، فأنا أعرف حجمي.. لكنني على كل حال مثله في تصور الأشياء والإحساس بها، عكس كثير من الناس الذين يلهيهم صخب النهار عن سعادة أخرى خفية تنطوي على غذاء ذهني لا مثيل له.

-  أفهم طبيعة تفكيرك، وأشاطرك جزء من آرائك، وإن كنت أعتقد أن الناس بقدر ما يغوصون في المدنية والمادية يبتعدون ابتعادا قبيحا عن التأمل وإدراك المجرد..إلى درجة تتمنى فيها أن تجد في هذا العالم الفسيح شخصا يحمل رؤيتك، ويقاسمك شيئا من تفكيرك.

وسلمته مقالا مقابلا قبل الافتراق، وقد عادت إليه ثقته بنفسه.. هاهي قد عرفت أهم شيء عنه من خلال كتابته، دونما حاجة إلى شكليات التعارف المعتادة.

وخصص للمقال وقتا طويلا.. قرأه حرفا حرفا، وفي كل خطوة من مساره يشعر أنه يدخل مغارة قديمة مظلمة بمصباح كاشف.. هناك حيث كل شيء يوحي لك بالعمق والتأمل.. كنوز من المتعة تتخللها لحظات من الخوف.. تشتم رائحة الماضي في حين يتركز بصرك على المستقبل، وفي الأخير تدرك أن الحياة أكبر من مجرد العيش على السطح.. تتأكد أن الحياة الحقيقية مزيج من المادة وأشياء أخرى تحمل حلاوتها في اختفائها، لكن ألوانها تنعكس على صفحات النفس المتأملة الراغبة في معرفة الكون وعناصر الوجود..

واعترف أن المقال تحفة أدبية لأديبة مجهولة..
ومن يومها وهما يرسمان الورود على جوانب مقالاتهما.. فقد كانت الوردة مفتاح تعارف بين قلمين وفكرين.. ومن يومها أيضا أصبح المقال عنده قضية ولادة وخلق.. المولود الأول يجب ألا يشبه الثاني، لكنهما يتناسقان وينسجمان.