الفلاح السكسوني

مارتن لوثر وبدعة صكوك الغفران

، بقلم أشرف صالح محمد سيد

ظهرت حركة الإصلاح الديني اللوثري كحركة دينية نصرانية في القرن السادس عشر الميلادي في أوروبا وأدت إلى ظهور البروتستانتية، وكان لها أثر كبير على الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في أوروبا، بل لا تزال آثارها ملموسة حتى اليوم، كما ظهرت على إثرها العديد من الكنائس البروتستانتية الكبرى، وبعض الجماعات التي أصبحت تنافس الكنيسة الرومانية الكاثوليكية في كسب ولاء النصارى.

وقد ولد صاحب حركة الإصلاح مارتن لوثر في 10 نوفمبر 1483 في آيزليبين في مقاطعة سكسونيا بألمانيا وعاش حياة تعيسة فقيرة، وكان والداه يشتغلان في فلاحة الأرض، وقد درس القانون في جامعة إرفوت. وفي عام 1505 دخل ديرا يتبع طائفة القديس أوجستين وأصبح راهباً، وفي عام 1511 زار روما في مهمة رسمية ممثلاً لهذه الطائفة، وقد أدهشه في روما انهيار المعايير الأخلاقية لدى رجال الدين والباباوات وانغماسهم في حياة التبذل والملذات فقال عبارته "إن من يذهب إلى روما يشعر بأن عقيدته الدينية تترنح تحت الضربات التي تصيبه من جراء ما يرى هناك".

وقد عين لوثر سنة 1512 أستاذاً لكرسي اللاهوت في جامعة وتنبرج وأصبحت رسالته الأولى هي التدريس والوعظ. وفي 1517 هبط مدينة وتنبرج راهب يدعى حنا تتزل من أتباع طائفة الدومينكان الدينية وقد جاء لبيع صكوك الغفران، وخصص جزء صغير من حصيلة البيع إلى كبير أساقفة مانيز، والجزء الأكبر إلى خزانة البابا ليو العاشر للإسهام في نفقات المبنى الجديد لكنسية القديس بطرس في روما.

وكان هذا الراهب يدعو الناس إلى أن يشتروا الثواب وصك الغفران طواعية، وبلغت وقاحته في أنه زعم إذا ارتكب الرجل الخطيئة مع العذراء المباركة نفسها فإن هذه الصكوك كفيلة بأن تمنحه الغفران الكامل، وبذلك فقد تطاول على العذراء المباركة التي لها تقدير في نفوس الملايين من المسيحيين والمسلمين، ومن جهة أخرى كان ذلك بمثابة تحريض على ارتكاب الخطايا بإعفاء من العذاب.

الواقع أن؛ الغفران كما عرفه توماس أكونياس يقوم على ثلاث قواعد: الندم أو التوبة، الاعتراف، التكفير بالصلاة والصوم والزكاة. وكان البابا قادر على إصدار صكوك الغفران لأنه خليفة القديس بطرس الذي له ميزة توزيع فيض من الثواب وذلك لأنه هو خليفة المسيح، ولكن الباباوات استعاضوا الجزاء بالاشتراك في حرب صليبية أو الحج إلى روما في أول كل مائة سنة جديدة ويسمى ذلك الغفران اليوبيلي. وقد توسع البابا ليو العاشر في تطبيق مبدأ الاستعاضة عن الجزاء حتى صارت هذه الاستعاضة تشمل زيارة قبول القديسين وتقديم الهبات إذا تعذر الحج وأن يسري هذا التعويض على الأموات.

ولكن الباباوات عهدوا إلى البنوك والمصارف في ألمانيا للقيام بعملية تحصيل هبات الأموال فأدى تدخل المصارف في مسألة التعويض عن الجزاء إلى مجرد عملية تجارية. فيكفي الإنسان أن يدفع مبلغاً ويحصل على شهادة صك الغفران.

وفي سنة 1515م توصل لوثر إلى أنه ليس من المعقول التخلص من الخطايا بشراء صكوك الغفران، وأنه ليس التخلص منها بالصلاة والعبادة وإنما بإسداء الحمد والشكر للإله الرحيم. وأن الإيمان هو شرط الغفران هو الثواب على الإيمان، وقد اهتدى لذلك من دراسته للكتاب المقدس وتعاليم القديس أوجستين وهذه العقيدة تعرف بـ "التبريد بالإيمان".

وبذلك فقد اغتصب البابا ليو العاشر ما كان مفروضاً من صفات الله وحده، بل أنه قادر على التجاوز عن العقوبة وقادر أن يمحو الخطيئة ذاتها، وانحطت الأخلاق في عصره واستطاع المذنب أن يشتري صكاً ليمحو كل خطاياه.

وقد أثارت التصريحات الحمقاء لحنا تتزل السخط في نفس لوثر فقام في 31 أكتوبر 1517 يوم الاحتفال بذكرى تدشين كنيسة وتنبرج بتعليق احتجاجاً مفصل على باب الكنيسة من خمسة وتسعين حجة ضد صكوك الغفران، وأن البابا ليو العاشر يمنح الغفران للناس ولا يستطيع شراءه لنفسه، فتلك صفة إلهية لا يجب اقتباسها وقد جعلها لنفسه، وأوضح لوثر أن الكتاب المقدس وحده هو القانون الذي يجب الاعتماد عليه في تفسير العقائد.

وكان احتجاجه باللغة اللاتينية إلى العلماء لمناقشتها والنظر فيها، لا إلى عامة الشعب. ولكن سرعان ما ترجم إلى اللغة الألمانية وانتشر في طول ألمانيا وعرضها. وهذه بعض بنود الاحتجاج:

-  إن الله هو الذي يغفر الخطايا. وإن الإنسان لا يستطيع أن يشتري الغفران وخلاص نفسه بمبالغ معينة من المال. وأن الأعمال الصالحة لازمة، ولكنها لا تخلص الإنسان. وهي ثمرة الإيمان.
-  إن الكتاب المقدس هو دستور حياتنا وهو فوق تقاليد الكنيسة. إننا نقبل التقاليد إذا كانت لا تتعارض مع ما يعلمه الكتاب المقدس.
-  إن الأسرار المقدسة اثنان وليس سبعة، لأن المسيح لم يرسم إلا سرين (أو فريضتين) مقدسين هما المعمودية والعشاء الرباني.
-  إننا نترك مسحة المائتين بالزيت، ولكننا لا نترك الزواج، وإن كنا لا نعتبره فريضة. والسبب في عدم اعتبار الزواج فريضة هو أن الناس كلهم يتزوجون منذ الخليقة.
-  دعا لوثر الرهبان والراهبات والكهنة إلى الزواج إذ شاءوا ذلك. أما من أراد أن يبقى عازباً فإن حرية الخيار متروكة له وراجعة إلى ضميره.

وفي عام 1519م وجد لوثر أنه يجب إصلاح الكنيسة من الخارج طالما أنها لم تستجب من داخلها للدعوات المتكررة بإصلاح نفسها بنفسها، فوجه الدعوة إلى حكام الولايات الألمانية من الأمراء ليتزعموا هذه الحركة الإصلاحية، وقد قبلها ورحب بها الأمراء نظراً للمكاسب السياسية والمادية التي تعود عليها من ورائها. وقد حدد لوثر أسس ومبادئ الإصلاح الديني في رسالته الأولى وهي:

-  أولاً: أباح الطلاق للمسيحيين.
-  ثانيا: إلغاء الحج إلى روما.
-  ثالثاً: ليس للبابا الحق في احتكار تفسير الإنجيل.
-  رابعاً: إخضاع رجال الدين للسلطة المدنية.
-  خامساً: إباحة الزواج للقسس.
-  سادساً: عدم إنشاء أديرة جديدة وإلغاء عدد من الأديرة القائمة وتحويل نزلائها إلى الحياة المدنية وإلغاء الديرية والرهبنة.

ونتيجة هذا الهجوم من جانب لوثر أصدر البابا ليو العاشر في ديسمبر 1520 قرار الحرمان ضد لوثر وذلك لأن أرائه جعلت منه مارقاً على المسيحية. وكان جواب لوثر على ذلك أن نشر رسالته الثانية عن الأسر البابلي للكنيسة لإظهار ضعف البابوية ومفاسد الكنيسة، وقام بحرق الحرمان علنا في ساحة كنيسة وتنبرج. وفي يناير 1521 استدعى لوثر للمثول أمام أول مجمع إمبراطوري لمناقشة أرائه بناء على طلب الإمبراطور تشارلز الخامس، وأصر لوثر في هذا المجمع على أرائه فاعتبر خارجاً على السلطة القائمة وحرم من حقوقه المدنية.

فقد طلب المجمع من مارتن العدول عن هرطقاته فكان جوابه: "لا يمكنني العدول أو التراجع عن كل ما كتبته أو قلته إلا بشرط واحد هو أن يبين لي أحدكم أن أقوالي وكتاباتي تناقض الكتب المقدسة أو تناهض مبادئ العقل والضمير، أو تثبتوا لي بأنها غير سليمة أو غير مستقيمة." وأنهى كلمته بالقول: "ما عدا ذلك لا يمكنني التراجع عن آرائي أو العمل بخلافها. علي هذا عاهدت نفس وسأكون علي العهد مقيماً أعانني الله. آمين"

في نفس اللحظة تم وضعه تحت الرقابة الإمبراطورية وسُمح له بالذهاب إلى منزله. لكن في طريقه إلى بيته وفي أحد الشوارع الضيقة انقضّت عليه مجموعة من الفرسان المقنعين فحملوه إلى قلعة ورتبورج. هذا حدث بإيعاز من صديقه فردريك حاكم سكسونيا الذي كان يخشى على حياة صديقه مارتن ولم يتمكن علناً من توفير الحماية له، فقرر على الأقل اختطافه ووضعه في مكان آمن. وخلال مدة العشرة شهور التي قضاها في القلعة قام مارتن لوثر بترجمة جديدة للكتاب المقدس من اليونانية إلى الألمانية فاعتبر ذلك العمل الضخم حجر الأساس في تاريخ الأدب الألماني.

في سنة 1546 دُعي لفض نزاع قام في بلدة إيسليبن، وبعد أن أفلح في فض النزاع أصيب بنوبة برد ما لبث أن توفي في أثرها وذلك في 18 فبراير 1546ودفن في نفس الكنيسة التي قام بتثبيت آرائه الدينية على بابها.

والجدير بالذكر؛ أن اللوثرية تدين بالكثير لسياسي وباحث وجامعة، فكان السياسي هو فردريك منتخب سكسونيا هو الذي حمى لوثر من أعدائه ودبر له مخبأ بعيداً عن متناول أيديهم في قلعة وارثر برج وقد ظل لوثر هناك سنة ترجم فيها الإنجيل للألمانية، وقد أثر ذلك في إحياء الأدب وإطلاع عامة الناس على كتابهم المقدس. والباحث هو فيليب ملانكتون الذي أمد الدين الجديد في سنة 1521 بأول كتاب له في اللاهوت وهو "كلام معاد"، ويرجع إليه الفضل في وضع فلسفة واضحة للإصلاح اللوثري. أما الجامعة فهي جامعة وتنبرج التي أصبحت المهد الأساسي لتعليم اللوثرية وجاء إليها طلاب العلم من جميع أنحاء ألمانيا.

وهكذا؛ نرى أن الظروف السياسية التي أحاطت بألمانيا ساعدت على انتشار الحركة اللوثرية، ولكن الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي سادت في أرجاء ألمانيا جعلت الحركة تأخذ في مساراها اتجاهات معينة، فالبعض وجد في هذه الحركة فرصة لتنفيذ الآراء التي يؤمن بها مما أدى لوقوع اضطرابات وجعل حركة الإصلاح تقترن بالعنف والفوضى، وذلك شاعت حركات الإصلاح في ألمانيا.

 [1]

حواشي

[1

المراجع:

- أشرف صالح، أصول التاريخ الأوربي الحديث.- الطبعة الإلكترونية الأولى.- قطر: دار واتا للنشر الرقمي، 2009.
- جاد طه، محاضرات في تاريخ أوربا الحديث.- القاهرة: كلية الآداب - جامعة عين شمس، 1997.
- شوقي عطا الله الجمل، عبد الله عبد الرازق إبراهيم، تاريخ أوروبا من النهضة حتى الحرب الباردة.- القاهرة: المكتب المصري لتوزيع المطبوعات، 2000.
- ميرل دوبينياه، تاريخ الإصلاح في القرن السادس عشر/ترجمة الشيخ إبراهيم الحوراني.- الطبعة الثانية.- بيروت: منشورات مكتبة المشعل، 1878
- يواقيم رزق مرقص، محاضرات في تاريخ الكنيسة الغربية؛ مارتن لوثر، 2009.
- John Dillenberger, Martin Luther: Selections from His Writings.- New York: Doubleday, 1951.
- Paul Althaus, The Ethics of Martin Luther/ Translated by Robert C. Schultz.- Philadelphia: Fortress Press, 1972.

من نفس المؤلف