عقل المرأة عند الجماعات الاسلامية متابعة

، بقلم عزيز أبو خلف

استعرضنا في المقالة السابقة رأي علماء الإسلام القدامى في عقل المرأة، وقلنا إن حديث ناقصات عقل ودين ثابت في الصحاح بما لا يدع مجالاً للعبث به أبداً، فلا يبقى إلا الاجتهادات في نصه.

نظرية النقص العام

الهدف من استعراضنا لآراء العلماء والجماعات الإسلامية والمفكرين والمفكرات هو الوقوف على التأويلات المختلفة لحديث ناقصات عقل ودين، ومن ثم الاطلاع على رأيهم في عقل المرأة. وهناك من يقلل من شأن هذا الأمر وأنه لا يحتاج إلى كل هذا البحث والمجهود، وهذا في الحقيقة نابع من استخفاف هؤلاء بعقل المرأة اصلاً، بحيث لا اعتبار له عندهم، فهو، في نظرهم، لا يستحق البحث فيه على أية حال. ونحن إنما اتخذنا عقل المرأة مدخلاً لبحثٍ أعمق يشمل العقل كله ومعرفة واقعه في القرآن والسنة.

لقد أوضحت رأيي في موضوع عقل المرأة في أكثر من مقالة على الإنترنت وفي الصحف والمجلات، وأنا أطلق عليه نظرية النقص العام. ويتلخص رأينا في أن نقصان العقل ليس خاصاً بالمرأة، بل ويعم الرجل أيضاً، وذلك وفق نص الحديث ومدلوله، ووفق مفهوم العقل كما ينبغي أن يكون، وكما فهمه سلفنا الصالح في عهد النبوة ومن بعدهم، بعيداً عن تأثير الحضارات الاخرى. وليس أدل على ذلك من أن القرآن الكريم قد وصف الكفار بأنهم لا عقول لهم أو أن أكثرهم كذلك. وهؤلاء فيهم العظماء والعباقرة وعِلْية القوم، أي أن فيهم الرجال والنساء على حد سواء. فلم يعد الأمر خاصاً بالمرأة وحدها بل يعم الرجل، كما أنه ينبطق على المرأة إذا تحققت شروط انطباقه عليها.

نستعرض فيما يلي لرأي أهم الجماعات الإسلامية الفاعلة في الساحة وذات التأثير الجماهيري، ممثلاً بآراء ائمتها وكبار مفكريها. وسوف نعطي نبذة مختصرة عن كل تيار بما يوضح صورة هذه الجماعة أو الطائفة لدى القارئ ثم نتبعه بتصورهم لعقل المرأة.

السلفيون

نتمثل لهذا التيار برأي الشيخ ابن باز رحمه الله، وهو من شيوخ السلفيين الأفاضل، حاز على احترام مختلف الأطراف نظراً لالتزامه بالحجة وابتعاده عن السب والشتم والانتقاص من حق الآخرين. يتميز التيار السلفي عموماً بخصيصة فريدة قلّما تجدها عند غيرهم ألا وهي الحفاظ على خصوصية الإسلام، والتمسك الشديد بنصوص الدين والعض عليها بالنواجذ. فقد كان هذا التيار دوماً عصياً على الأفكار الدخيلة لا سيما من المنطق اليوناني وغيره، بل قد وَجدت مثل هذه الأفكار مقاومة عنيفة تجلت على يدي شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، الذي نسف المنطق من أساسه، وهاجم محاولات التأويل غير المبررة في العقائد، والتي نشأت أصلاً بسبب تحكيم المنطق وآراء العقل الوضعية.

• الرجل أفضل من المرأة وقوّام عليها، لأنه مكلف بما لم تُكلف به المرأة، وعقله أكمل من عقلها في الغالب.

• نقصان عقل المرأة هو من جهة ضعف حفظها، وأن شهادتها تُجبر بشهادة امرأة أخرى وذلك لضبط الشهادة، لأنها قد تزيد في الشهادة أو تنقصها.

• لا يلزم من هذا أن يكون نقص عقلها في كل شيء، وأن تكون دون الرجل في كل شيء. مع العلم أن جنس الرجال أفضل من جنس النساء في العقل وفي الدين من هاتين الحيثيتين اللتين بينهما الحديث.

• قد تتفوق المرأة على الرجل في كثير من الأمور كالتقوى والعمل الصالح والحفظ والاجتهاد والرواية وغيرها. ولا ينبغي وصفها بالنقص في كل شيء غير نقص العقل والدين حسب ما بينه الحديث.
الأخوان المسلمين

نستشهد لهذه الجماعة برأي الشيخ حسن البنا رحمه الله مؤسسها وإمامهم. وهذه الحركة واسعة الانتشار، ولديها حشد كبير من المفكرين، إلا أنك لا تكاد تجد لها منهجاً حركياً محدداً، ربما لاهتمامها بكافة مجالات الحياة، ولميل مفكريها إلى الاستقلالية عن المركز اعتداداً بآرائهم، ولعل هذا أحد الأسباب التي أدت إلى ثراء نتاج هذه الحركة وسعة انتشارها. وللحركة توجه شبه موحد تجاه الآراء الأشعرية في العقائد، وليس الأمر كذلك في الأحكام الفقهية.

• التعاون بين الرجل والمرأة لم يجعله الإسلام على صورة جافة، بل تعاون يتخلله الحب والتسامح والتقدير، فعلى المرأة أن تكون طائعة وعلى الرجل أن يكون رحيماً. ولما كانت الشركة تحتاج إلى مدير في تصريف الأمور، والشركاء ليسوا جميعاً على مستوى واحد، فقد حفظ الإسلام الإشراف للرجل لأنه أكمل عقلاً من المرأة.

• وإذا كان الإسلام قد انتقص من حق المرأة فجعل شهادتها نصف شهادة الرجل، فهو مجاراة للطبيعة، فطبيعة المرأة تجعلها تعيش بعاطفتها لا بعقلها، والعاطفة تتأثر، وتمتاز المرأة بعاطفتها ولا تمتاز بعقلها، وهي مع ذلك سريعة النسيان، لذا لم يساو الإسلام بينها وبين الرجل في الشهادة، وعلل ذلك بقوله تعالى (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى).

• أما ما يريد دعاة التفرنج وأصحاب الهوى من حقوق الانتخاب والاشتغال بالمحاماة، فنرد عليهم بأن الرجال وهم أكمل عقلاً من النساء لم يحسنوا أداء هذا الحق، فكيف بالنساء وهن ناقصات عقل ودين؟
التحريريون

تركِّز هذه الجماعة جلّ اهتمامها على السياسة، فلم تتطور الآراء الفكرية التي أرساها مؤسس الحركة وإمامهم الشيخ تقي الدين النبهاني رحمه الله. وقد التزموا بأصول كلامية لم تسلم من المعارضة، منها وجوب الإيمان عن طريق العقل فقط، واقتصار الإيمان على التصديق الجازم الذي يقتضي العمل، وتحريم الأخذ بأخبار الآحاد في العقائد، واعتبار القضاء والقدر مصطلحاً واحداً يعني أفعال الإنسان التي تَحدُث جبراً عنه، والخاصيات التي يُحدثها هو في الأشياء، وهذه كلها ليست من الإنسان، وأنه مخير في أفعاله الاختيارية الأخرى، وقد اعتبروا القضاء والقدر على هذا الوجه من أركان الاإمان معنى لا نصاً. ويرى النبهاني أن العقل هو ربط الاحساس بالواقع مع المعلومات في الدماغ، فلا مجال له إلا في المحسوس، وهو سمة إنسانية تنطبق على الرجل والمرأة دون فرق. لكنه لا يفسر لنا كيف كان عقل المرأة ناقصاً من حيث ارتباطه بنصاب الشهادة، ربما لأنه يأخذ ضمناً برأي ابن حزم، كما يتضح ذلك في رأيه التالي:

وأما ما ورد في الأثر من أن النساء ناقصات عقل ودين، فإنما يقصد اعتبار الأثر الصادر بالنسبة للعقل والدين، وليس معناه نقصان العقل أو نقصان الدين عندهن. لأن العقل واحد باعتبار الفطرة عند كل من الرجل والمرأة، والدين واحد باعتبار الإيمان والعمل عند كل من الرجل والمرأة. والمراد من هذا الأثر هو نقصان اعتبار شهادة المرأة بجعل كل امرأتين بشهادة رجل واحد، ونقصان أيام الصلاة عند المرأة، بعدم صلاتها أيام الحيض في كل شهر، وأيام النفاس، وعدم صيامها أيام الحيض والنفاس في رمضان.

الأشاعرة

يتميز الأشاعرة بأمرين: القول بنظرية الكسب، واعتماد المنطق اليوناني أساساً في البرهنة على عقائد الإسلام بفتوى شرعية من الإمام الغزالي. فالإنسان لا يَخلق أفعاله ولا يُوجدها وانما تتعلق قدرته وارادته بهذا الفعل المخلوق لله، وهو يكسب الثواب أو العقاب فقط. وقد ضُرب المثل بهذه النظرية وعُدت من غرائب الفكر العقائدي هي وطفرة النظّام وأحوال أبي هاشم المعتزلي، كما أنها أتت كحلّ وسط بين القائلين بأن الله خالق أفعال العباد، والقائلين بأن الإنسان هو خالق فعل نفسه. والأشاعرة لمّا اعتمدوا المنطق اليوناني أساساً شرعياً في عقائد الإسلام، ارتكبوا بذلك، في رأيي، كبيرة فكرية بحقه إذ ربطوه بأساليب فكرية ظنوها علمية عالمية.

يتبنى الأشاعرة تعريف أرسطو للإنسان بأنه حيوان ناطق، ومع ذلك فالمرأة ليست كاملة النطق، أي العقل، مثل الرجل وفق رأي الشيخ محمد البوطي الممثل لرأي الأشاعرة. ولا أدري ما الذي يحوج الأشاعرة إلى نظرة أرسطو للإنسان وقد خلقه الله بيديه مستقلاً عن باقي الحيوانات وكرمه وفضله على كثير من خلقه تفضيلاً؟

• حديث ناقصات عقل ورد على سبيل المباسطة والتعجب من قوة سلطان المرأة على الرجال، وليس على سبيل الانتقاد. مثل أن تقول: قصير ويأتي منك كل هذا الذي يعجز عنه الآخرون!

• يؤكد علم النفس أن المرأة أقوى عاطفة من الرجل وأضعف تفكيراً منه، وأن الرجل أقوى تفكيراً منها وأضعف عاطفة. هذا التقابل في النقص والسعي به إلى التكامل هو سر سعادة كل منهما بالاخر.

• هذا الضعف في المرأة يقتضي أن يكون الرجل أقوى منها فكرياً وبدنياً، وهو في نفس الوقت سر قوتها لأنها في حاجة إليه، فلا بد أن تجذبه إليها لتحتمي به ويرعاها. فلو لم تكن ضعيفة لما انجذب إليها ولما حصل التوافق والسعادة.

• إذن فالنص ليس انتقاداً وإنما مباسطة، ولكنه في نفس الوقت ترسيخ لحقيقة أن المرأة ضعيفة التفكير ناقصة العقل على عكس الرجل.

الوسطية

يتزعم الشيخ يوسف القرضاوي هذا التيار، وله صلة قربى بالتيار العصراني بيد أن القرضاوي أشد صلة بالسنّة منهم، ويرفع شعار لا إفراط ولا تفريط. ويحاول أن يُظهر أفكار الإسلام في صورة يقبلها الإنسان المعاصر تساير الواقع، وتتوافق ومعطيات العلم الحديث.
• المرأة لا تنقص في الذكاء ولا في العقل عن الرجل. والاستشهاد بامرأتين في الأمور المالية هو للاستيثاق وخشية النسيان، لئلا تضيع الحقوق، فقد تُمنع المرأة من أن تشهد في المحاكم من قبل زوجها أو غيره.

• يوجد من الرجال من هم أقل ذكاء من النساء، لكن ربما كان الرجال أكثر من النساء بحكم التجربة والثقافة وممارسة الحياة ونحو ذلك. وحاكمة سبأ قادت قومها إلى خيري الدنيا والآخرة بحكم حنكتها وعقلها.

• الجهاز العاطفي عند المرأة أقوى من الرجل لحكمة إلهية تتعلق بالأمومة، ولكن ليس معنى هذا أن المرأة ليس لها عقل، أو كل النساء كذلك، أو أن عاطفتها تغلب على عقلها. وهناك نساء يغلبن العقل على العاطفة كسيدات الأعمال، وتاتشر كان يحكمها العقل أكثر مما تحكمها العاطفة.

• حديث ناقصات عقل ودين فسر هذا النقصان العقلي لا بنقصان الذكاء، بل بكون شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل واحد في الأمور المالية، كما في آية الدين، من أجل الاستيثاق وخوفاً من النسيان.

• يجب ألا نأخذ حديث ناقصات عقل ودين إلا في إطاره الذي جاء فيه، وهو أنه جاء في مقام المطايبة من الرسول للنساء، فجاء ذلك على سبيل المزاح، وأن الرسول كان يمازح النساء لأن اليوم يوم عيد.

الشيعة

طائفة من المسلمين تنفرد بمعتقدات وآراء خاصة، ويميلون إلى تقديس أشخاص معينين وتدنيس غيرهم. يستندون في نظرتهم للمرأة إلى أقوال ينسبونها لسيدنا علي رضي الله عنه وردت في كتاب نهج البلاغة، والغريب أنهم يجعلونها تنطبق على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. وقد جانبوا الصواب أو جانبهم في نصبهم العداء لأم المؤمنين مع أن الله توعد من يتعرض لها، مصداق قوله تعالى: (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين).

نستشهد للشيعة بما كتبه الشيخ محمد حسين فضل الله، من علماء الشيعة في لبنان، ملخصاً كما يلي:

• مسألة النسيان والغفلة حالة طبيعية تحدث للرجل والمرأة معاً، من خلال العناصر الموجودة في داخل الرجل والمرأة، التي قد تجعل الإنسان ينسى هنا وهناك، ويغفل هنا وهناك.

• الشهادة لا بد أنْ تكون شهادة عدل، سواء كان رجلاً أو امرأة، لأن الضلال يكون إما من جهة النسيان أو من جهة الغفلة، والشهادة مرتبطة بالحس وليست مرتبطة بالعقل: رأى أو لم يرَ؟ ويمكن أن ينسى، كما لو فرض أنه رأى شيئاً ونسي الموضوع، فشهد وغفل عنه. وهذا ليس له دخل بعقل الإنسان، الرجل والمرأة.

• إذا نسيت إحداهما، فليس من الطبيعي أن تنسى الأخرى، ما يعطينا فكرة، أن مسألة تعدد المرأة في مقام الشهادة ليس منطلقاً من نقصان العقل، وإنما هو منطلق من احتياط للعدالة، فيمكن أن يكون الشاهد عادلاً وموثوقاً به، ولكن يمكن أن يشتبه أو ينسى، وبهذا يردّ على تفسير نقصان العقل بالنقص في الضبط.

• الآية القرآنية لم تتحدث عن مسألة عقل المرأة، وإنما تحدثت عنه احتياطاً للعدالة. فإذا أردنا أنْ نستفيد أن التعدد في الشهادة دليل على نقص العقل، فذلك يقتضي أيضاً نقص عقل الرجل؛ لأن المطلوب في شهادة الرجل التعدد أيضاً، وذلك ما لا يلتزم به أحد.

• ثم إنه لو كانت المرأة أقلَّ عقلاً من الرجل، لكان تكليف المرأة في ما كلَّف الله الناس به من واجبات ومحرّمات، أقلّ من تكليف الرجل، لأنّ المسؤولية تنطلق من خلال مقدار العقل الذي يملكه الإنسان، فإذا كان عقل المرأة أقلّ وفيه قصور، فإنه لا يمكن أنْ نحمّلِها مسؤولية عقل كامل، وإلاّ كان هذا ظلماً لها.

• فمسألة التعبير بالنقصان يُردُّ علمه إلى أهله، أو أنه من التعابير التي تحكمها المرحلة والمناسبة. وربّما نستوحي أن النقصان كان من خلال الشكل أو الكمّ، وليس من خلال المضمون الذي يلتقي مع طبيعة العقل أو الحظ أو الدين.


عزيز أبو خلف

باحث أردني فلسطييني

من نفس المؤلف