تلك المرأة

، بقلم عبد الهادي الفحيلي

المرأة التي كانت جالسة قبالتي...لم تكن أمي!! كانت أي امرأة أخرى إلا أمي. بل حتى لم تكن تشبهها في شيء. ترى ما الذي جعلني أتخيل، ولو لجزء من الثانية، أنها أمي؟ أكنت أبحث عن وجه أمي في أي شيء؟ في أي وجه؟!

لم أعد أذكر جيدا أين كنا جالسين؛ في مقهى، في غرفة مكتب ما، هي صاحبته وأنا أجلس أمامها. هل كنت أنا صاحبه وهي أمامي؟! شيء واحد أتذكره جيدا هو أننا كنا جالسين متقابلين، صامتين وهادئين. تلبس ثوبا أسود يظهر منه أعلى صدرها الممتلئ وينكشف عن ساعدين أبيضين. شعرها الكستنائي ممشوط إلى الوراء. كان قصيرا يصل بالكاد إلى كتفيها. كم أحب مثل هذا اللون في الشعر!. كثيرا ما طلبت من زوجتي أن تصبغ شعرها ليصبح كستنائيا. فمها رقيق مدور كخاتم. هل كان كذلك حقا؟؟ وأنا أتذكر تخيلته كذلك. كانت تبتسم من عينيها تماما مثل أمي وهي تنظر إلي أو إلى أحد من إخوتي. لكني قلت بأنها لم تكن تشبه أمي في أي شيء. أغلب الظن أن جميع الناس يتشابهون في طريقة الابتسام خاصة من العيون.ربما!!

مثل لقطة مفاجئة في فيلم وجدت نفسي في حجرها! أرضع من ثديها الممتلئ ويدي تعبث ببعض خصلات شعرها القصيرة تماما مثلما يفعل ابني البكر وهو يرضع من ثدي أمه. عيناي مسمرتان على وجهها السابح في حزن باسم يقطر حنانا. رضيع وتحت أنفي شارب وألبس حذاء! أرضع والحليب يسح من جانبي فمي لا أقدر على حبسه، وأمي، أقصد المرأة تلك، تحاول جاهدة مسحه حتى لا يتسرب إلى عنقي ويلطخ ياقة قميصي البيضاء. كنت أكبر من أن يتحملني حجرها. رغم ذلك كانت ترضعني وهي تبتسم، تبتسم مثل أم حقيقية.

أرضع وأنا أتفرس في وجهها المدور مثل كرة صغيرة. طعم الحليب يختلط بطعم حلمتها الرطبة. عيناها ترسل بسمات في ألق رغم بعض تقاسيم الحزن الذي تجاهد لإخفائه من عينيها. لكنها كانت تبتسم وأصابع يدها اليمنى تربت على شعري لتمر إلى أطراف وجهي في لمسات رقيقة جعلتني أستلذ المقام بين ذراعيها.

للحظات انسقت وراء الإحساس الدفين بأنها لمسات أمي وعينا أمي وطعم حليب أمي. لكن شيئا في عقلي الباطن كان يقاوم بشدة ويصرخ في وجهي: "ليست تلك أمي! ليست تلك عيناها وليس ذلك طعم حليبها!". أهو صوت الطفل الكامن في داخلي؟ وإلا كيف لي أن أحدد طعم حليب أمي بعد هذه المدة الطويلة من الزمن والبعيدة عن آخر مرة رضعت من ثدي أمي؟ لكنني أتذكره، أتذكره جيدا! ربما لم أعد أتذكره أو أنني أتوهم أنني أتذكر. صح، هذا ما يحصل لي عادة، تماما مثلما أتوهم أنني أتذكر طعم كويرات الكسكس التي كانت تلقمها فمي وأنا صغير جدا لا أقوى على "تكوير" لقيمات الكسكس أو تناول الطعام لوحدي حتى! كان لها طعم خاص جدا! شيء أشبه بنكهة غريبة هي مزيج من طعم التراب ورائحة القهوة. نكهة تجعلني أحس بأن الدنيا جميلة وأشعر بأمان مطلق. كان لكويرات الكسكس نكهة عرق أمي الذي كنت أجده عبقا!... أيكون ذلك مجرد وهم؟؟

ماتزال جالسة وراء المكتب أو أمامه وأنا وراءه، لا يهم. شعرها ما يزال قصيرا كستنائيا. وابتسامتها ماتزال كما لأمي. فقط وهي تمد لي يدها كي تربت على خدي أو تقرصه كما كانت تفعل أمي استرعى انتباهي بعض زغب على ساعدها؛ زغب كثيف وزند قوي. أثارني المنظر. وأنا أحاول أن أرفع بصري إلى وجهها كانت أصابعها قد أمسكت خدي في "قرصة" قوية جعلتني أقفز من مكاني صارخا. سمعت قهقهة صاخبة توهمت أنها لرجل! نظرت في ألم ودهشة إلى الوجه أمامي؛ الوجه المدور والبسمة الحانية اختفيا. وجدت وجها قاسيا وحاجبين كثيفين وتحت الأنف شارب ضخم؛ وجه أبي مع بعض التغيرات الطفيفة، ونظرات تتقد عنفا وغضبا. فغرت فمي مصدوما. كان داخلي يموج في محيطات من المشاعر المتضاربة لم أتمكن من ضبطها أو تحديد كنهها. شيء ما في داخلي دفعني للهرب في ذعر خاصة عندما نهض ذلك الكائن من مكانه مادا ذراعيه فانطلقت لا ألوي على شيء. هل خرجت من باب ما؟ خيل لي أنني أخترق جدرانا بقوة أبطال أفلام الخيال العلمي؛ لكن ما حصل معي كان حقيقة وليس خيالا! أخترقها وأدفع أبوابا عظيمة مثل الأبواب الأثرية فتذعن لي بسهولة شديدة أثارت استغرابي الذي أودى به ذعري الفظيع. أجري، أجري مثل أرنب مطارد في دهليز طويل ومظلم لا أمل في انتهائه ولا تسعفني الشجاعة على الالتفات ورائي. لم أدر كم من الوقت مر بي على تلك الحالة وأنا أكاد أجن من الخوف إلى أن تراءى لي قبس من نور ضعيف بعيد جاهدت لأضاعف من سرعتي حتى وصلت إليه بعد زمن تخيلته دهرا لأجد بابا عظيما ليس مغلقا تماما مما سمح بتسرب بعض الضوء من خلفه. دفعته فانفتح لي عن كتلة نور قوية صدمت عيني وسمعت لغطا كثيرا. وضعت يدي على عيني بضع ثوان وحين فتحتهما وجدت نفسي في شارع غاص بالناس ولا أثر للباب الذي خرجت منه. استبد بي فرح طفولي ثم تلاشيت في الزحام....

للحظة تنفست الصعداء بعمق وأنا أرسم ابتسامة عريضة هي خليط من فرح ودهشة، منتشيا بنهاية كابوس جاهدت مليا لأقنع نفسي أنه لم يكن حقيقة؛ لعلي كنت أحلم !! لكن، مستحيل، أنا يقظ تماما وأسمع صوت أنفاسي تصعد وتهبط لاهثة من أثر الذعر الذي عشته ومن أثر الجري الذي جريته. ما وقع قد وقع فعلا ولا أحد يستطيع أن يوهمني بعكس ذلك!

وأنا أرفع بصري لأتملى فيما حولي محاولا اكتشاف في أي مكان أوجد وفي أي وقت، راعني أنني أمشي في شارع طويل طويل لا يبدو أن له نهاية ما، يفصل بين جدارين عاليين، لا منازل ولا متاجر ولا مقاهي. والأدهى أنه لا سيارة ولا شيء من قبيلها تؤمه. فقط بشر يتقاطعون فيما بينهم في حركة دؤوبة ويصدر عنهم ضجيج رغم أن أفواهم مزمومة، يلبسون ثيابا نسائية سوداء تماما مثل التي كانت جالسة قبالتي لا أدري أين. شعورهم قصيرة كستنائية ممشوطة إلى الوراء بالكاد تصل إلى أكتافهم. وجوههم مدورة مثل كرات صغيرة ويحملون صدورا ممتلئة. الحواجب كثيفة وتحت الأنوف شوارب ضخمة والسواعد المكشوفة قوية عليها زغب كثيف. نظرات تعبئ صرامة وغضبا أحمر. خفقان في قلبي أسمعه كأنما يستعين بمكبر للصوت وخوف هائل أحسه يرتسم على وجهي، على كامل جسدي، يختصرني إلى نقطة ضئيلة، حبة عدس أو ما شابهها من المؤكد أنها لن تجد لها متسعا من وجود سوى أن تدعسها أصبع غليظة من هذه الأيدي العظيمة التي تروج حولها. ثم...... لم أدر بعدها ماذا حصل!!

من نفس المؤلف