تحليل العناصر القصصية

فی قصة (ابنة خالتی کاندوليزا) [[للقاصّ الفلسطينی محمود شقير]]

، بقلم كاظم عظيمي

المشاركون في البحث

- کاظم عظيمي:
طالب الدکتوراه في فرع العلوم و البحوث للجامعة الإسلامية الحرة بطهران.

- حامد صدقي:
أستاذ مشارك في قسم اللغة العربية و آدابها بجامعة « تربيت معلم » في طهران.

- فيروز حريرجي:
أستاذ في قسم اللغة العربية و آدابها في فرع العلوم و البحوث للجامعة الإسلامية الحرة بطهران.

القصة القصيرة هی ديوان البشر الجديد لأنها تمکنت من ترسيخ جذورها العميقة بالقاصّين الموهوبين فی انحاء العالم. (إبنة خالتی کاندوليزا) واحد من قصص محمود شقير؛ القاصّ الفلسطينی المعاصر الذی سلط الأضواء علی المستجدات السياسية والإجتماعية فی القطر - الإسلامی عامة والوسط الفلسطينی خاصة. الحبکة المفتوحة، استخدام الشخصيات المشهورة فی مجال الإدارة الأمريکية، المضمون الإجتماعی- السياسی، الأزمة الطريفة والصراع البديع، الأسلوب الشعری السهل الممتنع، الحوار مباشر والسرد التصويری قد جعلت من القصة مثالا کبيرا فی مجال الإبداع الفنی فی القصة القصيرة.

الكاتب الفلسطيني محمود شقير

ولا ريب أنّه يجب ان توخذ هذه القصة بعين الإعتبار إذ يبدوانها فتحت نافذة جديدة علی وجه القصة العربية عامة والقصة الفلسطينية خاصة ونجح الکاتب بالأسلوب الساخر لحکّ مضامين القصة فی اذهان القُراء بصورة مباشرة.

يهدف هذا البحث لتحليل العناصر القصصية فی قصة (إبنة خالتی کاندوليزا) بالمنهج الوصفی- التحليلی لکشف القناع عن تجربة محمود شُقير القصصية والفنية.

خلاصة القصة

شکری عبدالرزّاق نجارٌ ومثيلة- ابنة خالته- التی تشبه کاندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريکية الی حدّ بعيد، تزوجت من غطّاس زميلهما فی الجامعة غير أنّ زواجهما لم يعش طويلا لأنّ مثيلة إمرأة شرّانية لايحتملها زوجٌ. قبل غطاس أحبّت مثيلة شکري ولکنّه لم يبادلها حبّا بحبٍّ. ترغب مرجانة- أمّ شکري- بعد طلاقها فی ايجاد زوج لإبنةِ أختها وراحت تضغط علی شکری اولاً. ذات يوم جائت مثيلة الی بيت خالتها تطلب من شکری ان تقوم بإصلاح باب خزانتها الذی انخلع. لم يذهب شکری الی بيتها لانها قال فی نفسه: «ربما کانت تعدّ خطة للإيقاع بی ولإجباري علی الزواج منها». صار شبح مثيلة يطارده فی الليل والنهار حتی يری فی المنام أنّه ارتدی بدلة العرس السوداء وارتدت عروسه الأبيض الناصع ويمشی فی جانبها رامسفيلد- وزير الدفاع الأمريکی. مشت کاندوليزا فی الغرفة وهی تفکر ثم تقول: عليک أن تنتظر لي إلی أن أنجز مشروع الشرق الأوسط الکبير! يصحوشکری من نومه ثمّ يحاول إقناع غطاس للعودة الی زوجتها.

جدلية الأدب والسياسة

إنّ العلاقة بين السياسة والادب والثقافة علاقة جدلية إذ ليس هناک أیّ ثورةٍ وحرکة جمعية إلا ولها أرضية ثقافية راسخة فضلا عما نعهده من نشاطات الادبية للتنظيمات السياسية فی البلاد المختلفة. « في عدة بلدان من هذا العالم نال المثقفون شرف المناصب ليس بالنضال السياسي الزائف لكن لان افكارهم تساير المجتمع. هنا يبرز الدور الذي يلعبه المفكرين والكتاب في كل امة. المفكرين الحقيقيين يستطيعون ان يكونوا قاطرة الامة وواجهتها الحقيقية .. يستطيعون ان يؤثروا في السياسة والسياسيين ولهم اليد الطولى والاولى في ابداء الرأي والثبات على المواقف .وهذا يؤكد أهمية ذلك التماهي بين السياسة والأدب في تجسير خط الالتحام لهذه الفجوات، وتجاوز فلسفة المسافة، وإحداث تكافؤ واعي بين الكاتب والقارئ، الذي يلامس آهاته وجروح تفاحته الحمراء الأسيرة، وزخم حراكه نحولذة الحرية، وتلك التماهيات تعد قاعدة للثقافة الحرة التي تتجاوز الحدود، وتكسر القيود، وتسيح بحاثة عن الحقيقة الموضوعية في ظل رؤى نقدية تعبيرية للواقع، تلتحم فيها السياسة مع الأدب في جنس نقدي مفتوح يكسر حرفية التقسيمات في لغة الثقافة وتنظيرات الأدب وجمود التقعيد في السياسة والأدب، ليغدوصوتا للحقيقة ومنبرا للحرية وكسرا للمنوعات في خط السياسة، في ظل تجاوز خط فلسفة المسافة بين الكاتب والقارئ، وفي ظل خطوط التحام النص بين السياسة والأدب»[1].

إنّ الدقة واعادة النظر فی آثار الأدباء والکُتاب هی الخطوة الأولی لفهم افکارهم وظروف المجتمع فی مختلف المجالات السياسية، الاجتماعية والثقافية ولايمکن التوصل الی جذور فنّهم وادبهم إلّا بالتحليل الدقيق والعلمی لإنتاجهم الأدبی. عاش محمود زمنا طويلا مع السياسة والسياسيون فی فلسطين طيلة شبابه وهذا ما نراه واضحا فی طيّاتِ قصصه وحتی عناوينها بصورة بارزة کقصص مذکرة الی کوفی عنّان ومقعد رونالدووصورة شاکيرا ووليمة رامسفيلد ومايکل جکسون فی حيّنا و« لما كان من أهم مبادئ الواقعية الاشتراكية التي آمن بها شقير، كونه حزبية الأدب والأديب، وشعبية الفن ووظيفته، فإننا نلحظ أنّ شقير يختار لقصصه شخوصا ذوي دلالات رمزية، تقارن بين سلوك هؤلاء وسلوك هؤلاء، وبين أقوال هؤلاء وأقوال هؤلاء، وبين أفكار هؤلاء وأفكار هؤلاء»[2].

بذل النقّاد لنقد قصص محمود شقير جهودا کبيرة لايستهان بها، إلا أنّ ظاهرة التفرق والشتات وصدور الأحکام الکلية غلبت عليها إذ لاتجد فی قسم الآراء النقدية فی موقع محمود شقير مقالة واحدة درست قصة أومجموعة قصصية بصورة علمية وجزئية والرکب العلمی والادبی فی القرن الحادی والعشرين يتطلب منا جهدا اکبر وادقّ. إذن يجب علينا أن نقرأ إنتاج محمود ثانية للکشف عن الجوانب المختفية التی تنفع القاریء والمجتمع جميعا.

لا شکّ أنّ الأدباء المبدعين يلعبون دورا کبيرا فی تطورات المجتمع الإنسانی إذ لانجدُ أیّ تغيير دون الأرضية الفکرية والثقافية فی المجتمع الإنسانی ويبدوأنَّ نصيب الأدباء فی هذا المضمار نصيب الأسدِ لريادتهم الفکرية والثقافية. « محمود شقير- من مواليد الجبل المکبّر فی قدس عام 1941.م- أديب مجيد معروف ككاتب قصة قصيرة مبدع، صدرت له مجموعته القصصية الأولى "خبز الآخرين" عام 1975، بعد إبعاده عن أرض الوطن الى لبنان، حيث عمل كمحرر في مجلة "فلسطين الثورة"، انتقل الى الأردن ليعود الى مهنته التي كان يعمل فيها قبل إبعاده، وهي التعليم الى أن أحيل على التقاعد. وفي العام 1993.م عاد الى أرض الوطن ليعمل محررا ثم رئيس تحرير لصحيفة "الطليعة المقدسية" الاسبوعية الى أن توقفت، وبعد تشكيل السلطة الوطنية الفلسطينية عمل ولايزال مديرا عاما في وزارة الثقافة الفلسطينية. فقد كتب الأديب شقير القصة القصيرة، القصة القصيرة جداً، قصة الأطفال، قصة الفتيان، الرواية وكتب المقالة الأدبية، المقالة السياسية، المسرحية وسيناريوهات لعدة مسلسلات تلفزيونية شاهدناها على شاشة التلفاز الأردني. والأديب شقير انسان متكامل، فهورصين رزين في كل الأحوال، جادّ في مواقف الجد، فكاهي في مواقف الفكاهة، لكنه ليس مسرفا لا في جده ولا في هزله، يعشق الحياة ما استطاع اليها سبيلا»[3].

مکانة محمود شقير فی القصة القصيرة الفلسطينية

إحتلّ محمود شقير مکانة مرموقة فی القصة القصيرة الفلسطينية إذ « يعتبر واحدا من أبرز كتاب القصة القصيرة الذين اخلصوا لهذا الفن وكادوا يقصرون جل جهدهم للكتابة فيه وتطويره وابرازه ليحتل مكانة يلتفت اليها، كما كان يلتفت الى الشعر واصبح يلتفت الى الرواية. وشقير لم يكتب في غير هذا الجنس الا نادرا، أی أنه لم يلتفت الى الرواية ضاربا عرض الحائط بالقصة القصيرة، كما فعل بعض أفراد جيله مثل يحيى يخلف ورشاد ابوشاور، ولم يلتفت الى السياسة التفاتا يقصي الاديب فيه كما فعل ماجد ابوشرار وحكم بلعاوي، ولم يصبح ناقدا اكثر منه قاصّا كما اصبح صبحي شحروري. وما كتبه شقير من قصص قصيرة للاطفال، ومن مقالات سياسية واجتماعية وفكرية لم تجعل منه كاتبا سياسيا بالدرجة الاولى، أومصلحا اجتماعيا، كما أن النصوص المسرحية والتمثيلية التي انجزها لم تجعل منه كاتبا مسرحيا متميزا. وعليه فقد ظل شقير قاصا بالدرجة الاولى، قاصا التفت الى هذا الفن، واخذ يكتب فيه ويطور رؤيته اليه، وهذا ما يتضح من خلال مجموعاته التي اصدرها» [4].

قد ادخل محمود إبداعات کثيرة فی القصة القصيرة التی استخرجناها فی القائمة التالية:

* استخدام السياسة، الثقافة والرياضة لِإثراء المضامين القصصية.
* إدخال الصبغة المحلية – القروية الی نسيج الأدب القصصی.
* استخدام الضمائر لتوسيع نطاق الوصف القصصی.
* إحلال الإيحاء القصصی محلّ الإخبار الصحفی.
* توجيه لغة القصة نحوالشعر فی التاثير والتصوير.
* إثراء القصص بالأناشيد الوطنية- المحلية.
* استخدام المفردات السهلة ذات النبرة القوية.
* انعکاس المشاعر الإنسانية فی الظروف الصعبة والمتأزمة.
* ادخال الکتابة التجريبية فی مجال القصة القصيرة الفلسطينية.
* استخدام قدرات السيناريوهات والمسرحيات لإغناء الأدب القصصی.
* توجيه فکرة القصة وحبکتها نحوالإيحاء الجدلي.

القصة ومکانتها فی الأدب

تكمن أهمية القصة القصيرة في أنها شكل أدبي فني قادر على طرح أعقد الرؤى وأخصب القضايا والقراءات ( ذاتية وغيرية ونفسية واجتماعية) وبصورة دقيقة واعية من خلال علاقة الحدث بالواقع وما ينجم عنه من صراع وما تمتاز به من تركيز وتكثيف في استخدام الدلالات اللغوية المناسبة لطبيعة الحدث وأحوال الشخصية وخصائص القصّ وحركية الحوار والسرد ومظاهر الخيال والحقيقة وغير ذلك من القضايا التي تتوغل هذا الفن الأدبي المتميز. اذن نعيد تعريف القصة لغويا واصطلاحيا. القصة لغة: «أحدوثة شائقة. مروية أومكتوبة يقصد بها الإقناع أوالإفادة وبهذا المفهوم الدلالي، فإن القصة تروي حدثاً بلغة أدبية راقية عن طريق الرواية، أوالكتابة، ويقصد بها الإفادة، أوخلق متعة ما في نفس القارئ عن طريق أسلوبها، وتضافر أحداثها وأجوائها التخييلية والواقعية»[5].

ويقول الكاتب الإنجليزي: تشارلتون: « [القصة] إن لم تصور الواقع فإنه لا يمكن أن تعدّ من الفن»[6]. أما الناقد الإنجليزي: والترألن فيراها «أكثر الأنواع الأدبية فعالية في عصرنا الحديث بالنسبة للوعي الأخلاقي، فهي عن طريق فكرتها وفنياتها تتمكن من جذب القارئ إلى عالمها، فتبسط الحياة الإنسانية أمامه بعد أن أعادت صياغتها من جديد. وهي في صورتها العامة عند فورستر- حكاية فحسب تتتابع أحداثها في حلقات مثلما تتسلسل فقرات الإنسان» [7].

إن القصة بمفهومها العام شديدة الصلة بحياة الإنسان اليومية منذ فجر التاريخ. فلا تكاد تخلومنها حياة أي شعب من الشعوب سواء كانت مدونة أم مروية شفاها « إلا أن المفهوم الحديث للقصة يختلف عما كانت عليه في القديم من حيث دورها وتقنياتها، فليست القصة الحديثة حكاية تسرد حوادث معينة أوحياة شخص كيفما اتفق، ولكنها محددة بأطر فنية عامة تميزها عن بقية الفنون التعبيرية الأخرى كالمسرحية والقصيدة الشعرية، وقد توضح شكلها الجديد بعد"نشأة القوميات الحديثة، وتحرر عبيد الأرض وانتشار الطباعة انتشاراً كاملاً، وظهور الصحافة»[8].

لکل فنّ من فنون الأدبية شروط وظروف و« لا بد لنجاح القصة الفني من تماسك عناصرها: الأحداث، والشخصيات والنسيج والأسلوب والتركيز والبيئة. بحيث يكون كل عنصر كاللبنة في البناء القوي يؤدي وظيفته في اكتمال العمل الفني، وإن ضعف أي عنصر يؤدي إلى اهتزاز بقية العناصر وبالتالي العمل الأدبي ككل»[9]. وكاتب القصة المعاصر ينظر إلى كل عنصر من عناصر عمله الفني نظرة واحدة، سمتها الاهتمام بكل عنصر، وكأنه هوالأساس في بنائه ويسعى إلى إتقان أدواته الفنية وتطويرها دائماً. ويعد النص القصصي اليوم أساساً في كل حركة أدبية تقوم داخل أي مجتمع، ويعود تقدم فن القصة على معظم الفنون"الكتابية" الأخرى إلى قدرتها الكبيرة على استيعاب الحياة الإنسانية بأحداثها الأليمة والمفرحة وبتطلعاتها إلى تصوير حياة الإنسان في أدق تصرفاته وأرق أحاسيسه. يهدف هذا البحث المتواضع الی دراسة العناصر القصصية فی قصة «إبنة خالتی کاندوليزا[رايس]» بصورة علمية ودقيقة بحيث يودی الی تسليط الأضواء عليها بصورة کاملة ولا بأس ان نعتبر هذا القصة خير ممثل للثورة فی ترسيخ الاسلوب الساخر فی القصة القصيرة الفلسطينية المعاصرة.

1- حبکة القصة

الحبكة هی التى تتضمن العقدة، وهناك من لا يميز بين الحبكة والعقدة، ويعتبر أنهما معاً يمثلان النظام الذي اتبعه الكاتب فى ترتيب الحدث بحيث يكون قائماً على عنصر السلبية وتجيب على سؤالين مهمين هما: ماذا نعد؟ ولماذا؟ « نعني بالحبكة تسلسل حوادث القصة الذي يؤدي إلى نتيجة، ويتم ذلك إما عن طريق الصراع الوجداني بين الشخصيات، وإمّا بتأثير الأحداث الخارجية»[10]. من وظائف الحبكة إثارة الدهشة في نفس القارئ في حين أن الحكاية لا تعدوأن تكون إثارة لحب الاستطلاع لديه، وبين حب الاستطلاع وإثارة الغرابة أوالدهشة فرق كبير، من حيث التأثير الفني.

والحبكة هي المجرى العام الذي تجري فيه القصة وتتسلسل بأحداثها على هيئة متنامية، متسارعة، ويتم هذا بتضافر كل عناصر القصة جميعاً. « فالأحداث يجب أن تكون مرتبطة بمبدأ السببية بالرغم من أن بعض القاصين يعتمدون على عناصر أخرى في رسم الأحداث المفاجئة، كاستلهام تدخلات عامل الصدفة، وهذه وسائل يمجها الذوق الفني الرفيع، ويلجأ إليها القاصون السطحيون ذووالضعف الفني» [11]. الحبکة القويمة هی التی تشتمل علی حدثٍ له البداية، التعارض، القلق، الأزمة، الذروة والحلّ. يبدأ محمود القصة بتصوير لوحة نفسية ترسم لنا شخصية البطل واخلاقها؛ « لا أحب ابنة خالتي، لا أحبها لأنها شرّانية، ولها عينان حادتان لا أطيق التحديق فيهما»[12]. هذه البداية تکشف عن الصبغة الغالبة علی القصة ثمّ نواجه تسلل التعارض الی مشهد القصة بهذا القول: « قبل غطاس، أحبتني مثيلة لكنني لم أبادلها حباً بحب، لأنني كنت أنفر من عينيها الحادتين، ولم أكن أعرف بمن أشبهها حتى ظهرت كوندوليزا رايس إلى حيزّ الشهرة والنفوذ»[13]. هذه العبارات يکشف لنا عن التعارض بينهما واستنکاره لها بحيثُ لم يجد من يشبهها حتی ظهرت کوندوليزا رايس الی حيّز الشهرة والنفوذ ويزيد القلق الراوی حيث لايعيشُ زواج البطل مع غطاس طويلا: « بعد طلاقها، حطّت لنا العقدة في المنشار كما يقال، راحت تضغط على أمي، تبدي رغبتها في الزواج بلا مواربة أوحياء»[14]. کيف لايکون قلقا وهومتزوج وعلاقته بزوجته أحلی من السمن علی العسل! ولا تزيده لقاء مثيلة إلا نفارا. أما أزمة القصة تظهر حينما تعدّ مثيلة له خطة للإيقاع به ولإجباره علی الزواج فتاتی الی بيته وتقول: « باب خزانتي انخلع، متى ستأتي لكي تصلحه؟»[15]. صار شبح مثيلة يطارد شکری فی الليل والنهار حتی يری فی المنام أنّه ارتدی بدلة العرس السوداء وارتدت عروسه الأبيض الناصع ويمشی فی جانبها رامسفيلد- وزير الدفاع الأمريکی. بلغت القصة الی ذروتها عندما مشت کاندوليزا رايس فی الغرفة وهی تفکر ثم تعين شرطا لزواجها مع شکری فی ليلة عمره: « عليک أن تنتظر لي إلی أن أنجز مشروع الشرق الأوسط الکبير!»[16]. ويا لها من علاقة وثيقة بمستجدات منطقة الشرق الأوسط عندما عزم جورج دبليوبوش [عمّ شکری] علی انجاز مشروع الشرق الأوسط الکبير. تنحل العقدةُ فی هذه القصة عندما يصحوعبدالرحمن من نومه ويقول: « سأجد حلاً لمشكلتها إنها ابنة خالتي ولا يجوز التخلي عنها وسأبدأ بصديقي غطّاس. سأحاول إقناعه بالعودة إلى مثيلة، وسأقنع مثيلة بالعودة إلى زوجها» [17] والطريف هنا الأثر الذی ترکت کاندوليزا رايس علی شکری من التغيير فی الأفکار والتصرفات وهذا ما سنستعرضه فی الفکرة والمضمون علی حدة.

2- شخصيات القصة

الشخصية ترتبط بالحدث ارتباطاً وثيقاً، وللشخصية أبعادها المتعددة: الجسمية والنفسية والفكرية والاجتماعية ولكن القصة القصيرة لا تحتمل الإطالة في هذه الأبعاد، بل يتركز فيها الضوء على بعد أوأكثر وفقاً لنوع الانطباع الذي يرمي إليه كما أن الحديث عن الشخصيات الرئيسية يدخل في باب الحديث عن الرواية وليس في باب القصة القصيرة لأنها تنهض أساسا على عدد قليل من الشخصيات. و« قد ألف النقاد أن يطلقوا على هذه الشخصية مصطلح "البطل" ويعنون به الشخصية الفنية التي يسند القاص إليها الدور الرئيسي في عمله القصصي. ويعني أحمد منور بشخصية البطل، الشخصية الفنية التي تستحوذ على اهتمام القاص، وتمثل المكانة الرئيسية في القصة، وقد تكون سلبية، كما تكون إيجابية، أومتذبذبة بين هذه القصة وتلك، قد تكون محبوبة، أومنبوذة من طرف القارئ، المهم أنها تمثل المحور الرئيسي في القصة والقطب الذي يجذب إليه كل العناصر الأخرى ويؤثر فيها»[18].

يظهر « في القصة عدة أنواع من الشخصيات، تختلف أدوارها بحسب ما أراده القاصّ لها، وأهم هذه الشخصيات هي: 1- الشخصية الرئيسية 2- الشخصية المساعدة 3- الشخصية المعارضة»[19] و4- الشخصيات الفرعية. وتنقسم الشخصيات فی هذه القصة وفقا لدورهم وأدائهم الی اربعة انواع. الشخصية الرئيسية هی مثيلة – إبنة خالته- لأنّ الکاتب يصفُ لنا فی طيات القصة أعمالها وأفکارها واخلاقها بصورة جزئية وتسير حبکة القصة فی ظلّها. شخصية مثيلة فی هذه القصة «تندرج فی إطار الشخصية السطحية اذ لاتتغير طوال القصة فلاتوثر فيها الحوادث ولاتأخذ منها شيئا»[20]. الشخصية المساعدة فی القصة هی کاندوليزا رايس لأنّ القاریء لايستطيع التعرف الی الشخصية الأصلية- مثيلة- إلا من نافذة شخصية کاندوليزا رايس. ويلعب دور الشخصية المعارضة عبدالرحمن شکری اذ نری معارضته فی أحداث القصة مع شخصية مثيلة بوضوح ولاتکتمل الحبکة بدونها. واخيرا الشخصيات الفرعية فی هذه القصة هی غطاس- زوج مثيلة ومرجانة – أمّ شکری. وبالنسبة الی اسماء الشخصيات فمثيلة تذکرنا شبهها کاندوليزا وغطّاس تذکرنا- کما جاء فی القصة- بإنغماسه فی البيوت الدعارة الإسرائيلية واخيرا مرجانة- امّ شکری- تنقلنا الی ينبوع الصدق والإخلاص لحلّ مشاکل المجتمع.

3- الفکرة والمضمون

للمعنى والفکرة في القصة القصيرة، أهمية كبرى. « فهوعنصر أساسي، بل يعدّه بعض الدارسين أساس القصة، وجزءاً لا ينفصل عن الحدث، ولذلك فإن الفعل والفاعل، أوالحوادث والشخصيات يجب أن تعمل على خدمة المعنى من أول القصة إلى آخرها، فإن لم تفعل ذلك، كان المعنى دخيلاً على الحدث، وكانت القصة بالتالي مختلفة البناء»[21]. فالقصة الفنية تكتمل بالمعنى الجيد الذي يخدم الإنسان ويطوره. وما كل معنى يلقى الترحيب عند المتلقين أوالنقاد والمعنى الجيد يشارك في انتشار النص القصصي، ومن ثمة فإن دوره يكون أعمق أثراً وأكثر عملاً على تغيير الظواهر المدانة من طرف النص الأدبي.

احسنَ الکاتب الإمتزاج بين المضامين والأفکار الإجتماعية والسياسية لذلک نسلط الأضواء علی کلّ منها علی حدة کالتالی:

اولا: الأفکار الإجتماعية

1. البيئة الأسرية التی ترعرعت فيها مثيلة وغطاس فی أحضانها متازمة جدا.

2. الحرکة العلمية- الثقافية التی ساقت شکری من الجامعة الی المنجرة وغطاسا الی سياقة سيارة فورد عدلت عن طريقه.

3. تفرق الحرکات المقاومة حمل الشباب وأبناء الوطن الی الهواجس النفسية العابثة.

4. النشاطات الواسعة لدوائر الإسرائيلية الثقافية فازت لجذب الشبان وشغلهم عن الدفاع والمقاومة.

5. إنّ الدولة الصهيونية المزورة تخطط دائما لعدول الرأی العام الفلسطينی عن النضال والمقاومة بأساليب ثقافية واعلامية واجتماعية.

ثانيا: الأفکار السياسية

1. إنّ مشروع الشرق الأوسط الکبير ضاقت علی عنق الأمة العربية والإسلامية فی الفترة الثانية من رئاسة جورج بوش.
2. لايتدخل المجلس الأمن فی الأزمات الدولية إلا لصالح أعضائها.
3. لايمکن إحلال الأمن والسلام فی العالم بالغارات الجوية وصواريخ کروز.
4. لايمکن اقامة الديمقراطية ومکافحة الإرهاب بالقوة والحرب والبندقية.
5. إنّ کلّ مشکلات العالم تخرج من الإدارة الأمريکية مباشرة علی يد جورج دبليوبوش ووزرائه خاصة کاندوليزا رايس ورامسفيلد.

4- الاسلوب والتعبير

يبدوأنّ التحديد اللغوي والأدبي لكلمة الأسلوب بعيد المنال وهذا يرجع الی تعدد تعاريفه نظراً لاختلاف البيئات الثقافية، وخبرات الكتاب والنقاد وآرائهم في الإبداع وأساليبه. يعد الأسلوب مهماً للتوضيح وإثارة دافعية القارئين وعاملاً مهماً في نشر الاتجاهات والدعوة إلى التحلي بمكارم الأخلاق. الاسلوب « طريقة يستعملها الكاتب في التعبير عن موقفه، والإبانة عن شخصيته الأدبية، تميزه عن سواها، لا سيما في اختيار المفردات، وصياغة العبارات والتشابيه والإيقاع. ويرتكز على أساسين: أحدهما كثافة الأفكار الموضحة وضبطها، وعمقها أوطرافتها، والثاني نخل المفردات، وانتقاء التركيب الموافق لتأدية هذه الخواطر، بحيث تأتي الصياغة محصلاً لتراكم ثقافة الأديب ومعاناته» [22].

ويذهب الأستاذ أحمد الشايب إلى أنه « يمكن تحليل(الأسلوب) إلى ثلاثة عناصر هي: الأفكار والصور والعبارات». [23]. وقد أضافت الدكتورة عزيزة مريدن عناصر أخرى « منها: التوافق والانسجام بين المعاني والألفاظ»[24]. اذن ليس هناک اسلوب واحد للجميع و« تختلف الأساليب من أديب لآخر، ومن كاتب لآخر، ولشدة بصمات الكاتب في أسلوبه يتمكن القراء من معرفة معظم الكتاب، كما يختلف الأسلوب الأدبي من لغة لأخرى، وذلك حسب خصائص الجملة لكل لغة وتختلف الأساليب باختلاف الموضوعات، فكل موضوع يلزمه أسلوب، وباختلاف الشخصية المبدعة، من حيث الأذواق والمواهب العقلية والخبرات، ودرجة الانفعال وطريقة العمل»[25].

يکشف محمود شقير فی اختيار المفردات لقصصه عن شخصية لغوية لأنّ لغته « لغة حداثية، تتحرّك إلى الأمام، مع كل تجربة جديدة، وتبتعد شيئا فشيئا عن الجمود الذي كانت تفرضه الواقعية ذاتها على بعض النصوص، عربيّة كانت أوغير ذلك. محمود شقير، ممتع في لغته، مطوّر لها، مدقق بوعي: في لغته اقتصادٌ شديد يفرضه هذا الفن، وفيها جمال، وكثيرا ما تغني الصورة الموحية فيها عن المفردة الجامدة، دون أن يدخل، ككاتب قصة، مأزق الاهتمام الجماليّ باللغة، لذاتها، دون وظيفتها، كما يفعل من لا يتقنون هذا الفن الأشدّ صعوبة بين فنون الكتابة، لأنّه يوهِمُ بأنه يقع على حدود الرّواية من ناحية، وحدود الشعر من ناحية أخرى، وهوغير ذلك بكل تأكيد، لأنه فنٌّ مستقلٌّ عن كليْهما، تربطه بهما حدود التعبير الفني، عن طريق اللغة»[26].

والطريف فی لغة محمود فی قصصه هوالعلاقة الوثيقة بين لغة الشخصية والحدث بحيث « لغة القصص تتسق مع الشخصيات وموقعها داخل شبكة الحدث والأحداث. فصحى وعامية، تضمين للشعر وللقول المأثور والمثل الشعبي، وابتعاد عن زجر اللغة وتنميق المفردات. وينسجم هذا الاستخدام للغة واللهجات مع طبيعة القصص حيث الواقعية هي تربة الخيال الفني عند محمود شقير»[27]. « قالت[ کاندوليزا ]: كأس ماء بارد من فضلك. أحضرت لها كأس الماء في مثل لمح البصر، تابعتها وهي تشرب الماء مثل غزالة رقيقة، وتساءلتُ متعجباً: لماذا يكره الناس أمريكا؟ قلت: أنا الآن صهر الأمريكان، ومن يشتم أمريكا أمامي سألعن أجداده! (سأطلب من أمي ألا تطوّل لسانها على عمي جورج دبليوبوش، وإلا وقع بيني وبينها خلاف)»[28]. فی مثل هذه الجملات يلتذّ القاریء من سهولة المفردات ووضوح المعنی والعبارات المنسجمة والإيقاع المنفصل والوحدة العضوية والخيال البسيط وما اسرعها نفوذا فی القلب وما اکثرها بهجة للنفس.

5- الحوار والسرد

لا شکّ أنّ نسيج القصة کواجهة تجذب القاریء أوتدفعه إذ هوالعامل الوحيد لمعرفة الکاتب وفنّه. النسيج القصصی يشتمل علی السرد والوصف والحوار. السرد فی المعنى اللغوي يدلّ «على توالي أشياء كثيرة يتصل بعضها ببعض، من ذلك السرد: اسم جامع للدروع وما أشبهها من عمل الحلق»[29]. أما اصطلاحاً فالكلمة تعني: «التتابع وإجادة السياق»[30]. وأما من حيث الاصطلاح الأدبي فإنها تعني « المصطلح الذي يشتمل على قص حدث أوأحداث أوخبر أوأخبار سواء أكان ذلك من صميم الحقيقة أم من ابتكار الخيال»[31]. انتهينا من تحليل السرد فی هذه القصة الی الأمور التالية:

1. سعت هذه القصة الی الإنتقال من المجتمع الی السياسة ومن الواقع الی الخيال.
2. هناک امتزاج هادف بين النوعين من السرد وهما: غير مباشر والمتداخل.

وهذه الجملة تکفينا علی سبيل المثال:« صار شبح مثيلة يطاردني في الليل وفي النهار، وراحت أمي تضغط علي بكثافة لم أعهدها من قبل. أقول لها: ماذا أقول لزوجتي يا بنت الناس؟ تقول: مالك وما لها! عليها أن تسكت وتحمد ربها لأنك تزوجتها، ولا تنسَ أن الخيّر معه ثنتان وثلاث! أقول وأنا مستفز: أنا لا أستطيع العيش مع كوندوليزا رايس تحت سقف واحد!»[32].

الوصف في المصطلح الأدبي هو« تصوير العالم الخارجي أوالعالم الداخلي من خلال الألفاظ، والعبارات، وتقوم فيه التشابيه والاستعارات مقام الألوان لدى الرسام والنغم لدى الموسيقي»[33]. ووظيفة الوصف هي خلق البيئة التي تجري أحداث القصة فيها وتكوين نسيجها، ولا يحق للقاص أن يتخذ من الوصف مادة للزينة وإنما يوظفه في تأدية دور ما في بناء الحدث. ومن المتفق عليه أن على الكاتب أن يقدّم الأشياء الموصوفة، ليس كما يراها هو، بل كما تراها شخصياته. و« أن تكون اللغة قريبة من لغة الشخصية، لكي تحقق شيئاً من المنطقية الفنية، لأن الشخصية هي التي ترى الشيء وتصفه وتتأثر به»[34].

اختصّ الکاتب الوصف فی هذه القصة فی الساحة السياسة الأمريکية ونتائجها العالمية إذ نری الوصف الغالب حول مجلس الوزراء الأمريکي فشرح لنا الأغراض الشنيعة التی يرنواليها الرئيس الأمريکی جورج بوش وخاصة وزيرة الخارجية کاندوليزا رايس من السلام والديموقراطية والخ.

واليک هذا المشهد: « أمي لا تفهم في السياسة إلا القليل. تقول إن سياسة أمريكا غلط، وحينما ترى المذابح على شاشة التلفاز تقول: ليس في قلوب الأمريكان رحمة. تشتم بوش، توجه له سيلاً من الشتائم! وهي لا تعرف في أمريكا أحداً آخر غير بوش، لا تعرف رامسفيلد ولا ديك تشيني ولا كوندوليزا رايس، ولم تظهر ارتياحاً لأنني أشبّه ابنة خالتي بكوندوليزا رايس، اعتقدتْ أن كوندوليزا رايس امرأة بائسة، وإلا لما شبهتُ ابنة خالتي بها»[35].

الحوار في المصطلح هو«تبادل الحديث بين الشخصيات في قصّة ما».[36] ومن وظائفه في العمل الأدبي بعث روح حيوية في الشخصية، ومن شروطه أن يكون مناسباً، وموافقاً للشخصية التي يصدر عنها، إذ لا يعقل أن يورد الكاتب حواراً فلسفياً، عميقاً على لسان شخصية أمية، غير مثقفة» [37]. ومن الشروط الفنية للحوار القصصي التركيز والإيجاز والسرعة في التعبير عما في ذهن الشخصية، من أفكار حيوية، أما طول الحوار فإنه يضر بالبناء الفني للقصة القصيرة.

استخدم محمود فی هذه القصة الحوار الخارجی اوالديالوج والحوار الداخلی اوالمونولوج بصورة متساوية إذ يقع الحوار الخارجی ثلاث مرات والحوار الداخلی ايضا ثلاث مرات. وما لفت انتباهنا دلالة الحوارات الداخلية علی الأمور السياسية: « للأسف، فإن مجلس الأمن لا يتدخل في هكذا معارك، ولا الجامعة العربية كذلك!- إي والله، تجرأت وقلتها غير خائف من غارة جوية أومن صاروخ كروز- سأطلب من أمي ألا تطوّل لسانها على عمي جورج دبليوبوش، وإلا وقع بيني وبينها خلاف!»[38].

6- الزمان والمکان

فيما يخص الزمان فإن تحديد حقبة تاريخية معينة كفيلة عند ذكرها في القصة أن تنقل المتلقي إلى عالم آخر، وكفيلة وحدها - إن أراد الكاتب- أن تنتقل بالمتلقي إلى عالم خاص من التعليم الديني والورش والصناعات الصغيرة والهدوء الذي يلف الناس والآمال المتواضعة والأحلام البسيطة و.. إذن فالزمان وحده يُضيف أبعادًا لا متناهية على القصة، ومثال آخر حينما يتحدث الكاتب عن الثالثة بعد منتصف الليل فإن ذلك ينتقل بالمتلقي إلى الرهبة والخوف واللصوص، أوالمؤمنين وسبحاتهم، أوالأم القلقة على وليدها المريض و... أما بخصوص المكان فمن خلال استخدام أدوات القص يمكننا أن نعرف ماهية المكان الذي تدور فيه أحداث القصة؛ فهل هومكان مغلق، محدود بجدران وسقف، أم مكان مفتوح غير محدود بشيء؟ هل هوعلى شاطئ البحر أم على ظهر طائرة؟… إلخ والزمان والمكان مرتبطان كثيرا في العمل القصصي؛ ففي المثال الذي أوردناه عن الزمان: الليل، فلا يمكن للمتلقي أن يركز في اتجاه قصة ما لم يعرف أين مكان هذا الزمان: في شارع مظلم، أم في شقة متواضعة، أم في وكر لعصابة؟ ومن « أهم خصائص البيئه اوالزمان والمکان هي: أن تكون البيئة مركزة قدر الإمكان، وأن يتجنب القاص تنوعها قدر استطاعته. فهوكلما فعل ذلك تمت له السيطرة أكثر على تصوير الحدث القصصي ورسم شخصيته. لأن التنوع وكثرة الشخصيات والأحداث ليست من صفات القصة القصيرة التي تعنى أساساً بتصوير اللحظات المنفصلة التي تتكون الحياة منها»[39].

إنّ تداخل البيئات فی هذه القصة من أهمّ ميزاتها التی يلفت انتباه کل قاریء فالبيئة الزمانية فی القصة هی نهاية المرحلة الثانية من رئاسة جورج دبليوبوش فی الولايات المتحدة حين فاز علی منافسه «جان کری» من الحزب الديمقراطی وانتخب کاندوليزا رايس وزيرة للخارجية الأمريکية فإذن الفترة الزمانية هی خلال السنوات 2008- 2006.

اما بالنسبة الی البيئة المکانية فهی فلسطين بصورة کلية ومدنها المختلفة مثل القدس، بيت لحم، الخليل، قطاع غزه وسائر المناطق التی يسکنها الفلسطينيون حاليا. وهناک بيئة اجتماعية تعکس لنا المشاکل والأزمات التی ترکها الإحتلال الصهيونی علی المجتمع والأسرة الفلسطينية من مغادرة الجامعة وفقدان الهدوء والأمن وتزايد البطالة بين الرجال والخ مما حمل الفسطينيون علی هزائم واحدة تلوأخری. والبيئة السياسية المحلية فی هذه القصة تظهر لنا بصورة بارزة حيث ينخرط الناس الی الأحزاب السياسية المختلفة للإسهام فی الدفاع عن العرض والأرض وإن کان ضئيلا.

مکانة الأسلوب الساخر عند محمود شقير

يمکن أن يخطر الی ذهن القاریء ما هوالعلاقة بين الحرب والسخرية و«هل يواجه الاحتلال بالسخرية؟ الجواب هوأن السخرية كانت على الدوام عصبا قويا في الوعي الجمعي أثناء التعرض لهزات كبرى، وقد ظهرت دائما في الأوقات العصيبة اسماء لا تمحي من ذاكرة الشعوب، دون كيخوته في العصور الوسطى المظلمة، والجندي الطيب شفيك في الحرب العالمية الاولى، وسعيد أبوالنحس المتشائل إثر اغتصاب فلسطين، وماركوالدومع ازدهار الثورة الصناعية وانتشار قيمها .. وما تقوم به هذه الشخصيات، هونوع من التحايل على الواقع المظلم، وهوتحايل إنساني مشروع قوامه الرغبة في الانعتاق من هذا الواقع الثقيل، ولأنه تحايل فني، فإن معايير المنطق والحقيقة تختفي لتحل محلها معايير فنية خالصة، تلعب الأقنعة فيها دورا بارزا»[40].

ظهرت فی منتصف القرن الماضی علی الساحة الأدبية فی فلسطين ظاهرة و« لجأ كتاب فلسطينيون إلى السخرية في بعض ما كتبوا وتجاوزها بعضهم إلى التهكم، ويعتبر إميل حبيبي أبرز هؤلاء في الأدب النثري. وكان طوقان، في الشعر، أول أديب فلسطيني يلجأ إلى أسلوب السخرية، وقد تبع خطاه فيما بعد محمود درويش في بعض قصائده، بخاصة خطب الدكتاتور الموزونة التي لم يجمعها في كتاب، ومريد البرغوثي الذي أنجز قصائد تقوم على المفارقة، وقبل هذين معين بسيسو، في بعض قصائده، وبعض مسرحياته»[41].

وما احسن استخدام محمود شقير لهذه الظاهرة الجديدة فی الوسط الفلسطينی علی حدّ قوله« إن النزعة التهكمية الساخرة التي تظهر في قصصي هي نتاج الواقع المر الذي يعيشه الفلسطينيون تحت الاحتلال، وهي أسلوب في الكتابة التي تتعالى على جراح الواقع، ليس لجهة الهروب من مواجهته، وإنما لجهة تركيز الانتباه على ما يشتمل عليه هذا الواقع من انحراف عن أبسط معايير حقوق الإنسان والكرامة البشرية، ولتحقيق هذا التركيز، لا بد من وضع الآخر- الجلاد- تحت مجهر الفن وفضحه، ولتبيان خطر تصرفاته، وللسخرية منه في الوقت نفسه، والاستهانة به وبكل إجراءاته القمعية» [42].

لانهتمّ فی استخدام محمود بالسخرية المضحکة فقط و«ليست السخرية المشار إليها في العدد الأكبر من قصص المجموعة، سخرية مباشرة من الجلاد بذاته، إنها سخرية الواقع في تفاصيل حياة الناس ويومياتهم. وهم الناس البسطاء غالباً، حيث لا يستطيعون إتقان لفظ اسم "رونالدو" لاعب الكرة البرازيلي. أواسم "مايكل جاكسون" المغني الأميركي المشهور في عالم الدعاية والإعلام السائدين. بيد أن الأكثر أهمية في السخرية من الجلاد في قصص المجموعة هي أن نتجاهله ونقصيه عن حياتنا اليومية. وربما نستطيع القول إن هذا الإقصاء والاستبعاد يرمزان إلى إمكانية حياة، وقوة على استمرارها دون اكتراث له أوانغلاق ضمن دائرة رد الفعل على وجوده كتعبير عن وجودنا. هذا في ميدان التعبير والإبداع الفني طبعاً»[43].

النتيجه وخاتمة البحث

أری أنّه علی القاریء لقصص محمود شقير ان ينتبه- قبل القراءة- الی عدة ملاحظات، اولا؛ لايمکن عند قراءة قصص محمود نسيان السياسة ومستجداتها فی العالم العربی والإسلامی لأنه کان عضوا نشيطا فی مجال السياسة وهل يمکن غضّ الطرف عن الافکار السياسية فی الکتابة الأدبية؟ ثانيا؛ معروف أنّ الفلسفة هی الاساس فی العلوم الإنسانية وتخرّجُ محمود فی فرع الفلسفة والإجتماع فی جامعة دمشق يدلّنا علی القدرة الفکرية والتثقيف الذهنی والتی ساقت کاتبنا الی الإبداع فی مجال القصة القصيرة فضلا عما کتبه فی القصة القصيرة جدا والرواية وقصة الأطفال والسير الشخصية. ثالثا؛ إنّ قيام محمود شقير بکتابة المسرحيات والسيناريوهات لعدة مسلسلات تلفزيونية التی شاهدناها على شاشة التلفاز الأردني يذکرنا بالقدرة الفنية القوية التی تمکن من جذب المشاهدين وترک عليهم تاثيرا عظيما من دروس المقاومة والصمود والنضال حيال العدوالصهيونی الغاشم.

أما من الجانب الفنی فاستخدام محمود العناصر القصصية بصورة ناجحة. الحبکة المتماسکة المفتوحة، المضمون الإجتماعی- السياسی، الأزمة الطريفة والصراع البديع، الأسلوب الشعری السهل الممتنع، الإستعانة بعارف الکل لِاسلوب العرض، الحوار المباشر والسرد التصويری قد جعلت من هذه القصة مثالا کبيرا فی مجال الإبداع الفنی فی القصة القصيرة الفلسطينية. وعلينا ان ناخذ هذه القصة بعين الإعتبار إذ يبدوانها فتحت نافذة جديدة علی وجه القصة العربية عامة والقصة الفلسطينية خاصة.

وأخيرا يبدوأنّ الکاتب قد أجاد استخدام الأسلوب الساخر لحکّ فکرة القصة فی اذهان القُراء بصورة مباشرة حيث استدعی شخصيات الإدارة الأمريکية المشهورة الی أراضی فلسطين المحتلة لزرع الفکرة والمضمون الی جانب التقاليد السائدة فی سواد الناس وهذا ما نعتبره ابداع محمود فی مجال القصة القصيرة الفلسطينية.

قد علم قاریء الکريم مما مضی أنّ قصص محمود شقير جديرة بالدراسة والنقد إلا أنّ هذا الإنطباع لايعنی التاييد الکلی علی قصص محمود ومضامينها، بل هذه الدراسة المتواضعة قد أجريت علی مستوی القصة الواحدة ولا دعوی لشمولها علی جميع القصص والآثار. ولايمکن الکشف عن جميع الخصائص الفنية- الموضوعية لقصص محمود شقير إلا بمساعدة الإخوان النقاد والأدباء فی القطر العربی- الإسلامي الواسع

الهوامش والإحالات

- کاظم عظيمي
طالب الدکتوراه في فرع العلوم والبحوث للجامعة الإسلامية الحرة بطهران
- حامد صدقي
استاذ مشارك في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة « تربيت معلم » في طهران
- فيروز حريرجي
استاذ في قسم اللغة العربية وآدابها في فرع العلوم والبحوث للجامعة الإسلامية الحرة بطهران

*****
[1] دلومی، محمد: بين السياسة والأدب، الموقع الإلکترونی لمجلة أنهار الادبية، نافذة منتديات مجلة أنهار الأدبية علی الرابط التالی: http://www.anhaar.com/vb/index.php

[2] عادل الأسطة: قراءة في قصة الخروج، موقع محمود شقير الإلکترونی، نافذة الآراء النقدية علی الرابط التالی: http://mahmoudshukair.com/web1/modules/news/index.php?storytopic=7

[3] جميل السلحوت: صورة شاكيرا.. قفزة نوعية في إبداع محمود شقير، موقع محمود شقير الإلکترونی، نافذة الآراء النقدية علی الرابط التالی: http://mahmoudshukair.com/web1/modules/news/index.php?storytopic=7

[4] عادل الأسطة: محمود شقير والقصة القصيرة الفلسطينية، موقع محمود شقير الإلکترونی، نافذة الآراء النقدية علی الرابط التالی: http://mahmoudshukair.com/web1/modules/news/index.php?storytopic=7

[5] جبور عبد النور: المعجم الأدبي، دار العلم للملايين، بيروت 1979. مادة (قصّ).

[6] هـ. تشارلتون: فنون الأدب، تعريب الدكتور زكي نجيب محمود، لجنة التأليف والنشر والترجمة، مصر، 1959. ص160

[7] محمد زغلول سلام: دراسات في القصة العربية الحديثة؛ أصولها، اتجاهاتها وإعلامها، منشأة المعارف الإسكندرية، بلا تاريخ. ص3

[8] أحمد المديني: فن القصة القصيرة بالمغرب الأقصى في النشأة والتطور والاتجاهات، دارالعودة، بيروت، بلا تاريخ. ص71

[9] يوسف الشاروني: دراسات في الرواية والقصة القصيرة، مكتبة الأنجلوالمصرية، القاهرة 1967. ص294

[10] مجدي وهبة وكامل المهندس: معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، مكتبة لبنان، بيروت 1979. ص81

[11] علي شلق: نجيب محفوظ في مجهوله المعلوم، دار المسيرة، بيروت، الطبعة الاولی، 1974. ص18.

[12] محمود شقير: ابنة خالتي كوندوليزا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2004. ص 44

[13] نفس المصدر

[14] نفس المصدر

[15] نفس المصدر

[16] نفس المصدر

[17] نفس المصدر، ص 48-47

[18] شريبط أحمد شريبط: تطوّر البنية الفنية في القصة الجزائرية المعاصرة 1947- 1985، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1998. ص24

[19] نسيب نشاوي: محاضرات الأدب العربي المعاصر- 1983- 1984م جامعة عنابة- الجزائر.

[20] محمد يوسف نجم: فن القصة، دار الثقافة، بيروت، 1963. ص 100

[21] رشاد رشدي: فن القصة القصيرة، دار العودة، بيروت، الط2، 1975. ص51.

[22] جبور عبد النور: المعجم الأدبي، ص20 .

[23] أحمد الشايب: الأسلوب؛ دراسة بلاغية تحليلية لأصول الأساليب الأدبية، دون ذكر لمكان الطبع، الطبعة السادسة، 1966. ص40- 41.

[24] عزيزة مريدن: القصة والرواية، دار الفكر، دمشق 1980. ص39

[25] أحمد الشايب: الأسلوب؛ دراسة بلاغية تحليلية لأصول الأساليب الأدبية0 ص54 .

[26] وليد أبوبكر: محمود شقير كتابة ومعايشة؛ طقوس للحياة ورصد لتحولاتها، موقع محمود شقير الإلکترونی، نافذة الآراء النقدية علی الرابط التالی: http://mahmoudshukair.com/web1/modules/news/index.php?storytopic=7

[27] مصطفى الولي: صورة شاكيرا... الفلسطيني يتحدى جلاده بالسخرية أيضاً، الموقف الأدبي، دمشق، العدد 408، نيسان 2005. ص 101

[28] محمود شقير: ابنة خالتی کاندوليزا، ص 47

[29] أبوالحسين أحمد بن فارس: مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثالثة بلا تاريخ. ص157

[30] جبور عبد النور: المعجم الأدبي، دار العلم للملايين، بيروت، 1979، ص139

[31] مجدي وهبة وكامل المهندس: معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب ص238

[32] محمود شقير: ابنة خالتی کاندوليزا، ص 46

[33] جبور عبد النور: المعجم الأدبي، ص293

[34] مجدي وهبة وكامل المهندس: معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، ص238

[35] محمود شقير: ابنة خالتی کاندوليزا، ص 48- 46

[36] رشاد رشدي: فن القصة القصيرة، ص99- 100

[37] مجدي وهبة: معجم مصطلحات الأدب، مكتبة لبنان، بيروت، 1974. ص110

[38] محمود شقير: ابنة خالتی کاندوليزا، ص 45

[39] رشاد رشدی: «فن القصة القصيرة»، ص14

[40] يوسف ضمرة: شقير في مجموعته «صورة شاكيرا»؛ قهر الاحتلال اذ يواجه بالسخرية، جريدة الرأي، عمان، 13 /1/ 2007

[41] عادل الأسطة: محمود شقير وقصة "صورة شاكيرا"، موقع محمود شقير الإلکترونی، نافذة الآراء النقدية علی الرابط التالی: http://mahmoudshukair.com/web1/modules/news/index.php?storytopic=7

[42] محمود شقير: الکتابة حينما تکسر النمط، الكرمل، رام الله، العدد 83، 2005. ص202

[43] مصطفى الولي: صورة شاكيرا.. الفلسطيني يتحدى جلاده بالسخرية أيضاً. ص 102


كاظم عظيمي

باحث وكاتب إيراني

من نفس المؤلف