الأحد ٢ آب (أغسطس) ٢٠٠٩
نصوص قصصية قصيرة
بقلم إبراهيم سعد الدين

مَتْروكاتٌ لمْ تُرْصَدْ

مُخْتاراتْ ـ 3

(هذه شذراتٌ من رماد العمر شاء قَدرها أن تبقى عالقةً بغُربال الذاكرة، بينما فَرَّتْ من ثقوبه وآلتْ إلى زوايا النَّسْيان أحداثٌ وذكرياتٌ كنت أعدُّها من جلائل الأمورْ)

(1)

العَزْفُ مُنْفَرِداً

أحْلُمُ ـ مُنذُ الصَّغَرْ ـ ببطولة فيلمٍ من أفلام هوليوود تُقاسمني البطولة فيه نجمتي الأثيرة ناتالي وودْ. قصة الفيلم ـ كما تصَوّرته ـ تدور أحداثها في بلدة ساحليّة صغيرة يعيشُ أهلها على صَيْدِ الأسماكِ وخِدمة البَحّارةِ والصعاليك وشُذّاذِ الآفاق القادمين مع السُّفن. تلعب ناتالي وود دورَ فتاة جميلة وفقيرة تعملُ ساقيةً في حانة من حانات البلدة المُنتشرة على الشّاطئ، وتربطها علاقة حُبٍّ مشبوبٍ مع فتى رومانسي حالم ومولع بإنشادِ الشّعر. أقومُ أنا بدور هذا الفتى الذي يعيشُ مع أمّه الكادحة وأبيه المُقعد وشقيقه الصغير الذي تهبطُ عليه ـ فجأة ـ ثروة هائلة أوصى بها إليه بحّارٌ عجوز هبط بالبلدة يوماً. تتغيرُ حياة الأسرة تماماً ويُصبحُ لها شأن ومكانة بالبلدة، لكن الفتى الحالم يظلُّ يبحثُ مؤرّقاً ومهموماً عن سِرّ هذه الوصيّة، حتى يَعثُرَ ـ مُصادفةً ـ على صورة قديمة للبحّارِ فيجد فيها كُلّ ملامحِ شقيقه الأصغر. يُشهرُ الفتى سيفَ الحقيقة المُروّعة في وجوه عائلته فتنهارُ الأمُّ باكيةً تحتَ وطأةِ الإحساسِ بالذنب، ويُنكّسُ الأب العاجز رأسه استخذاءً. أمّا الابن الأصغر ـ الوارث ـ فيرمي شباكه حول فتاة الحانة التي تسقطُ تحت إغواءِ المالِ وبريق الثروة وتهجُرُ فتاها الذي ينقطعُ آخر خيطٍ بينه وبين البلدة وأهلها فيرحَلُ مع أوّلِ سفينة قادمة. وينتهي الفيلم والجميع يقفون على شاطئ المرفأ يُلوّحون له تلويحة الوداع. ماتت ناتالي وود مُنتحرة وحَزنتُ لموتها وضياع حُلمي. لكنني دأبْتُ ـ بعد ذلك ـ على عادة لازمتني حتى الآن. رُحْتُ أحكي قصة الفيلم لكل من أعرفه من أصدقائي ممهّداً لحكايتي بالقول: هذه قصة فيلم شاهدته في طفولتي وغاب عني اسمه. وأنالُ حظي من مكافأةِ الجُمهور حين أرى التأثر على الوجوه ورغرغة الدموع في عيون المُستمعين.

(2)

قَلْبٌ من ذَهَبْ

قالَتْ له إنَّ الحُزْنَ الجافّ يمتَصُّ نُخاعَ القَلْب وأنّ فراقهما قدرٌ لا مناص منه، فَمَضَى يَحْكي لها حكايةَ الطّائرِ الجميل الذي كان قلبه من ذهبٍ خالصْ وريشه من فِضّة وعيناه جَوْهَرتَيْنِ من عَقيقٍ حُرّ. قالَ لها: وَقَعَ الطّائرُ في هوى صَبِيّةٍ فقيرة لا تَملكُ قوتَ يومها، فكان يَأتي كُلّ ليلةٍ مُحَلّقاً ويحُطُّ على شُرفتها الصغيرة ثُمّ ينزَعُ ريشةً من جناحيه يُسقطها بين يديها. وحين نفذَ ريشُ جناحيه وأصبحَ عاجزاً عن التحليقَ بنى له عُشّاً في شُرفتها، ونزَعَ جوهرتي عينيه ووضعهما بين راحتيْها الناعمتيْن. ذاتَ صباح فتحت الصّبيّة النافذة فوجدت الطّائرَ مَيّتاً من البَرْدِ والوَحْشة. قالتْ: ما أقبحه من طائر..!! وألقتْ به في مجمرة النّارِ وراحتْ تتأمّلُ ألسنة اللهب وهي تلتهمُ الجسم الضّئيل حتى صَارَ رماداً. حين هَمّتْ بإفراغِ الآنية وقعتْ عيناها على شيء يتوهّجُ وسط الرّمادِ فتناولتْه بأطرافِ أصابعها وهي تصيح بنفسٍ مبهور: إنه قَلْبْ.. قَلْبٌ من الذّهَبِ الخالِصْ..!!.

حين فَرَغَ من حكايته ولم يَلمحْ بعيْنَيْها أثر دموع أيْقَنَ أنّ فراقهما قَدرٌ لا مناص منه.

(3)

زِيرْ نِسَاءْ

اعْتَادَ أن يقول لها في كُلِّ مَرَّة: هذه المرأة بيني وبينها مودَّةٌ خالصة.

واعتادتْ أن تُجيبه: أنتَ بينكَ وبين كُلِّ نساءِ العالَمينَ مَوَدَّةٌ خالصة..!!

فيضحكُ من أعماقِ قلبه.

كانت تَغارُ عليه. وكانَ يَتَفَنَّنُ في إشعالِ نارِ غيرتها.

حين انتهى ما بينهما وافترقا بقيا كَضِفَّتَيْ نَهْرٍ يُباعدُ بينهما الماء، ويَصِلُ بينهما الماءْ.

بَدتْ هي مهمومةً دوْماً وشاردةً وفاترةَ الإحساسْ. وظَلَّ هو يتنقَّلُ من امْرأةٍ لأُخْرَى، ومع كُلِّ فراقٍ يَتَذَكَّرها ويسْتَحْضِرُ ما بينهما، فيداهمه سؤالُه المُعَلَّقُ أبداً بغير جوابْ: لماذا..؟! لماذا حين يكون حُبُّنا صادِقاً.. يُصبحُ مُستحيلا..؟!

مُخْتاراتْ ـ 3

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى