الخميس ١٥ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٠٩
بقلم محمد الأسدي

الشعر العربي وولاية العهد

(أخي فيديريكـو شاعـرعالمـي لأنه أندلسي، لقد كـان دوماً قريبـاً من تربة موطنـه)

إيزابيل كارثيا لوركا.

(ليس من شاعر ولا فنان يستطيع بمفرده إيصال معناه كاملاً، فمغـزاه وتقديره هو تقدير علاقته مع الموتى من الشعراء والفنانين)

ت. س. إليوت " التراث والموهبة الفردية

السيـاب.. نازك.. البريكان.. البياتي.. بلنـد.. الجـواهري.. نـزار.. عبد الصبور.. دنقل.. الماغوط.. درويش....

ثلةٌ من الأولين.. وقليلٌ من الآخرين.. جيلٌ من القامات الكتابية، أقل ما يوصفون به أنهم عمالقة، هم قبيلة من بقايا العماليق.. من نسل هوميروس وفرجيل ودانته.. أبي تمام والمتنبي والمعري.. شكسبير و طاغور ولوركا.. لم يكتبوا النص بالحبر فقط.. بل كان هنالك ـ باستمرار ـ مقدار من دمهم في الخواص الكيميائية للحبر الذي به يكتبون.. لم يبق من أفراد هذه القبيلة المميزة بالعمق والصدق والحداثة والأصالة سوى قمتين اثنتين يبتهل النص العربي أن يمتد بهم عمر القصيدة وهما الشاعر مظفر النواب، و أحمد مطر.

جيلٌ من العمالقة أدّى ما عليه من أجزاء المهمة التاريخية ـ على أكمل وجه ـ وما لبث أن غمره الزمن بأمواجه العاتية، جيلٌ من الشموس انطفأ، جيلٌ وأي جيل..
تعددت مساراته والتقت في نقطة واحدة هي منطقة الإبداع الحقيقي، و الوعي، و الخلود في الذاكرة الجمعية.

أما السيّاب.. فقد رسم للقصيدة العربية طريقها الآتي، لم يكن ـ بالطبع ـ نهاية المطاف، وإنما كان بدايته المُثلى والسليمة والقادرة على الاستمرار والتجدد، فقصيدته " في السوق القديم " ـ بالذات ـ هي الحلقة الانتقالية التي ظلت مفقودة في تاريخ النص العربي، أجيالا فأجيال، منذ امرئ القيس.. وحتّى عهده.. الحلقة المفقودة بين الفضاء الذي يسبق النص والنص الذي يسبق الفضاء، بين التَّشَوُّف الملحمي المبشر بانفتاح النص الشعري العربي على الخطابات والبنى المعرفية والرؤى، والمراوحة التحنطية في المتَّفَقِ عليه، بين تحَقُّقِ المِثال و تَحَقُّق النص / الكتابة.. وشتان بينهما.

يُحْسَبُ للسياب أنه استطاع ـ خلال فترة وجيزة ـ أن يتفوق على نفسه، ويجتاز مرحلة السوق القديم بمراحل كبرى تجلت عِبْرَ نصياً.. إنجازات مثل أنشودته وغريبه وشناشيله وعبر النوى المؤسسة للطور الملحمي من سيرورة النص الشعري العربي، تلك النوى التي أسست لها الأسلحة والأطفال والمومس العمياء وحفار القبور و بورت سعيد و القيامة الصغرى وبين الروح والجسد ـ بالرغم من كل ما شابها من إخفاقات التجربة الأولى، وهي إخفاقات متوقعة وطبيعية ولابد منها للبنى المؤسسة ـ غير أن فضيلته الكبرى تبقى في كونه أستاذ نفسه، إذ الفارق كبير والبون شاسع بين شاعرٍ يكتب والطريق ممهد أمامه بنماذج متحققة، وشاعرٍ يستشف الطريق حدساً ويحدد موقعه في تضاريس الكتابة وينفض عنه أتربة المجهول حتى يستحيل واقعاً مألوفاً ألفة الناجز من الأشياء.

في ظني أنه لو قُيَِّضَ للسياب أن يعيش عمر الجواهري أو نزار مثلاً لأتحَفَ الشعرية العربية بمسارات وطرق أكثر تكاملا و إدهاشاً ونضجاً في الأداء قياساً بما أتيح له في عمره القصير، ولم تكشف الدراسات غير المعدودة التي حظيت بنصه ـ لا حظي بها ـ سوى عن جزء قليل من محموله المعرفي الكبير، فالأزمنة اللاحقة ستشهد توجها متزايدا ومستمرا إلى الحفر المعرفي في النص السيابي تماما كما هو الحال في أيامنا هذه وما سبقها من السنين.
وأما نازك، فلم تتجلَّ ريادتها في " شعرية النص " ـ فهذا ما تفوق السياب فيه عليها بمسافة شاسعة ـ بقدر ماتجلت في " وعي الشعرية " فقد كان " عقلها الجمالي " أكبر من شعرها بكثير، وهو أمر تجلى في دراساتها النقدية الرائدة التي تحرك فيها عقلها الجمالي بحرية منضبطة معرفيا، أسست بها للنظر إلى الحداثة الناهضة، وهنا يكمن المفترق الذي كان من الأجدى ـ في ظننا ـ أن تنصرف إليه التفوهات اللاحقة أو المحايثة لظاهرتي النص السيابي " الشعري " والنص النازكي " النقدي " ـ عند مناقشة مفهوم الريادة ـ فبدلا مِن صَبِّ الاهتمام على تواريخ " أزهار ذابلة " و " الكوليرا " كان من الأجدى أن ينصبَّ الاهتمام على منطقة التمايُز الحقيقي والإنجاز الفعلي لكل منهما، وهي منطقة " الإنجاز " لدى السياب، و " التطلع " لدى نازك، أو ـ بتعبير آخر ـ " فعل الشعر " السيابي، و " حلم الشعر " النازكي، ولا يعني هذا أن السياب كان خلو الوفاض من درجة ما من درجات وعي الشعرية وهو ما لا يتمثل إلا نقديا، فقد كان يمتلك الجذور الانطباعية الأولى لذلك الوعي، جذورا راسخة في تربة الشعرية العربية بتاريخها الطويل، ذات امتدادات رحبة إلى أفق عالمي جديد يمتزج خلاله وجه المتنبي بوجه إليوت ووجه المعري بوجه إديث سيتويل ووجه الجرجاني بوجه ريتشاردز، إلا أنها امتدادات بقيت في طور الكمون والنشوء الانطباعي، ويبدو أنه رغب بتخطّي العائق المعرفي الذي يحول دون تجاوزه مرحلة " الرصد " إلى " مرحلة التنظير"، فأقدم على الالتحاق بالدراسات العليا بالجامعة البريطانية في درم، بمنحة دراسية، تلك الخطوة التي كانت ستغير وجه التأريخ النقدي الجمالي للنص الشعري العربي لو لم يتخمطها الداء والموت المبكر، فقد كان لديه ذخيرة من التصورات النافذة والثقافة المتجاوزة لحدود ثقافة الريف والمدينة التي أنجبته، كما يثبت لنا " كتاب السياب النثري " الذي جمع فيه مؤلفه جملة من مقالات السياب وتفوهاته الانطباعية حول حركة الحداثة الناشئة التي كان يعي تزعمه الإبداعي لها وعيا حادا يعبر عنه بتواضع كبير لا يبخس الآخرين حقهم، و ما أجمل عبارته الدقيقة والناضجة حين يقول (ليس من المهم أن أكون أنا أو نازك أو غيرنا أول من كتب الشعر الحر ولكن المهم أن نجيد فيما نكتب ولن يشفع للموهبة الضعيفة أن تكون سابقة إلى هذا الشكل أو ذاك)، فهي عبارة لا يمكن دحضها أو التقليل من أهميتها في ذلك التأريخ المبكر، يضع فيها السياب يده على موضع الداء الذي ستعاني منه التفوهات النقدية طويلا من بعده، ويمنحها المعيار الأكثر منطقية وإقناعا للعقل، للمفاضلة بين التجارب، وهو معيار " المتحقق في النص " لا " ما يتطلع إليه المنتج " فلا ريب في أن جميع المنتجين الجدد للنص الشعري يتطلعون إلى ما هو أكثر حداثة، إلا أن التطلع والتمنيات وحدها لا تكفي، فلا بد من إحالة التطلعات والتصورات المثالية إلى تحقق نصي يضاهي ويجاري تلك التطلعات ولا يتخلف عنها، وهذا ما حققه السياب فعلا، فبينما انهمكت نازك في الادعاء بشتى الطرق أنها الأسبق ـ وهي طرق نشك في نزاهتها وخصوصا مسألة التأريخ الذي سارعت إلى إلصاقه بقصيدتها الرديئة " الكوليرا " بعد نشر السياب " أزهار ذابلة "، وحتى لو افترضنا جدلا أن السياب لم يكن قد خُلِقَ بعد حين كتبت الكوليرا، فإن نظرة سريعة إلى ما أعقب الأربعينيات من نتاجهما تقول بكل وضوح أن نازك لم تعدُ أن تكون تلميذة متذمرة في مدرسة السياب، قاست الفارق بينهما بالمعيار الارستقراطي، ولم تقسه بما قدمه كل منهما من نصوص قادرة على الاستحالة إلى موجة هادرة عابرة للنصوص التي عاصرتها ومؤثرة فيها تأثيرا جعل من " السيابية " ظاهرةً، و طابعاً انطبع به زمن الشعر المحايث لتجربته، وخلال ذلك كله كان السياب يصوغ بنصه المتحقق تطلعاته إلى المسار الجديد للشعرية العربية، بينما كانت نازك تتراجع أكثر فأكثر على صعيد شعرية النص، وتتقدم وتتنامى وتتألق أكثر فأكثر على صعيد التنظير للمسار الجديد، بقي السياب يصوغ ـ نصيا ـ نظرياته النقدية غير القادر على صياغتها أو تقديمها في إطار معرفي مناسب علميا، لقد افتقر فقط إلى تحقيق الانضباط والتنظيم لهواجسه وأفكاره تنظيما يجعلها مصدرا للتنوير الحداثوي والاستنارة المنضبطة بضوابط غير (ارتجالية / انطباعية) تُهَوِّمُ على أطراف الظواهر التي ترصدها أو تتدهور أحيانا إلى قدر من السذاجة عبر التفوهات الخاضعة لسلطة الانفعال الآني المضادة لسلطة العقل الجمالي التي انفردت بها نازك.

وأمّا البياتي، فقد كان محظوظا جدا في أن يلحقه تأريخ حركة الشعر الحر بزميليه الفذين ـ بالرغم من كونه خلو الوفاض تماما مما امتلكاه من مقومات الكتابة الجديدة ـ لقد كان ضمن دفعتهما في دار المعلمين العالية، وهذا وحده أصبح كافيا لأن يذكره مؤرخو الحركة، وأحسب أن نازك نفسها لم تكن لتذكر على هذا النحو لولا معاصرتها للسياب في تلك الدفعة الجامعية المحظوظة تأريخيا بمعاصرتها على نحو يومي لأحد أهم ممثلي الشعرية العربية منذ العصر الجاهلي وحتى العصر الحديث، إن وجودهم كشعراء إلى جوار السياب على مقاعد دار المعلمين العالية سوّغ للكثيرين منهم منافسة الصديق الذي أخذ الوطن العربي يشير إليه بالبنان، ولكل نعمـةٍ حاسد، وإن كانت نعمة من النوع الذي وصفه كبيرهم الذي علمهم السحر بقوله:

ولكني حُسِدتُ على حيـاتي
وما نَفْعُ الحيـاةِ بِلا سُرورِ؟!

فلم يملك بدر من حطام الدنيا سوى عظامه الواهية و دفتر شعره الثري، ولم يكن يعلم أو يأبه بكونه يغير تأريخ الشعرية العربية برمته، وربما كان زملاؤه أكثر قدرة منه على رؤية ذلك الجانب النبوي من شخصيته العادية التي تأكل الطعام وتمشي في الأسواق!، فبادروا إلى محاولة تقاسم مائدته العامرة، والحقيقة الناصعة أنه لولا السياب لم نسمع بالعديد من الشعراء العاديين جداً الذين عاصروه.

والبياتي الذي امتد به العمر وأتيح له من الرخاء المادي والتنقل بين حواضر الثقافة والأدب العالمي ما لم ينله صاحبه، تمكن من منح ذكره هذا تبريرا، عبر البحث عن روافد ثقافية ومنابع أخرى للشعر ـ كما في بستان عائشة وبوابات العالم السبع ـ رصع بها كتلة النص، ولم يصبح شاعرا إلا في العقدين الأخيرين من حياته، حين خفت وطأة المظاهر الشكلانية الكلاسيكية في نصه، وفي مقدمتها التقفية الكثيفة، وحلت محلها شعرية الموضوع والعنوان، وعلى نحو أكثر تحديدا منذ التحق بالوهج الصوفي في تحولات محيي الدين بن عربي، وفي هذه الأعمال قاطبة، تجد من جمالية الموضوع والعنوان أكثر مما تجد من جمالية اللغة والأسلوب والإيقاع، فجهده ضرب من التجريب، يستمد قيمته من كونه تجريبا، أكثر من كونه إبداعاً، ولكنه أخطأ خطأً بالغاً حين ألقى بنفسه ـ ردحاً من الزمن ـ في خضم الكتابة النقدية، فقد أقحم نفسه فيما لاناقة له به ولا جمل.

وأما البريكان، فهو شاعر أهم بكثير من نازك والبياتي، غير أن نزعته الرهبانية، وميله إلى الخلوة بتأملاته بعيدا عن الأضواء، وعزلته المفرطة، تضافرت جميعا على حرمان المشهد الشعري الذي عاصره من منجزه القيم والفريد، لم تكن بدايات البريكان لتضارع منجز صديقه السياب، غير أن امتداد العمر به بعد رحيل السياب قد أتاح له الاطلاع على مشهد أكثر سعةً ـ عربيا وعالمياً ـ ومواكبة تحولات الحداثة الأكثر تطرفا وحدة في الانزياح المعياري، ولأنه يمتلك جذوة التجريب والتجديد بجدارة وفرادة ووعي عميق، فقد عكف على إنتاج نص يتجاوز به تخوم ذاته القديمة أولا، و يرفد النص الشعري بالمزيد من جداول الإبداع، عبر اتساع المعجم وحركية المفردة و مرونة البنية الايقاعية وانضباطها الذي منحه فرادته وشخصيته الكتابية الخاصة.

وأما بلند، فهو فارس من فرسان الشعر الحر، لم يكن سيابيا ولا نازكيا ولابريكانيا ولا بياتيا، وإنما يعود جانب كبير من أهمية منجزه إلى تمكنه من التحليق خارج عباءات معاصريه من العمالقة، في اللغة والايقاع والموضوع الشعري والأسلوب.

وأما الجواهري، فتكمن فرادته في تمكنه من فرض حضوره الإبداعي الملتزم بالشكل القديم للنص العربي في أتون انبثاقة حركة الشعر الجديد، لقد قاد سفينته ضد العاصفة، ولم يتعمد أو يتخذ ذلك غاية، وإنما فوجئ بوجوده في قلب العاصفة خلال رحلة بدت مألوفة له، لقد كان منهمكا في تجديد المحتوى والمحافظة على الشكل، ففوجئ بتيار فاعل ينهمك في تجديد الشكل والمحتوى معاً، وهو ما لم يتحقق ـ في ضوء ذاكرته الخليلية النافذة ـ إلا في الموشحات والأزجال والبند، فإذا بالحركة تستنبط الهيكل الهلامي الجديد للنص من أعماق الهيكل الفولاذي الموروث، في عملية كيميائية بدت ـ في المقاييس السالفة ـ ضربا من الشعبذة وعلم الهيئة أوالتجريب الكيميائي الذي حلم طويلا ـ منذ جابر بن حيان ـ بإحالة المعادن غير النفيسة ذهبا، وهذا ما حدث ـ لدى السياب تحديدا ـ فقد حقق المعادلة الصعبة: الانقلاب على البنية الإيقاعية والمفهوماتية للشعرية العربية بأدوات وثيقة الصلة بها غير مناقضة لجوهرها الفلسفي وإنما متكامل معها ومعضد لها في الوقت الذي يمارس فيه استقلاله النوعي عنها، وقد كان السياب مُجِلاًّ للجواهري، يعرف قدره، ولم يتخذ من عضويته الفعالة والرائدة في حركة الشعر الجديد ذريعة إلى التقاطع مع المسار الآخر، لأن السياب كان مبدعا حقيقيا، ولأنه حقيقي فقد كان أكفأ من سواه في تقييم المسارات المجاورة له وإنزالها منازلها المستحقة، وهذا هو ما تكشف عنه صلة الصداقة بينه والجواهري الذي كان يدعوه " أستاذنا المبدع ".

لقد اجتمع في النص الجواهري تأريخ الشعرية العربية القديمة برمته، وتحركت اللغة في تضاريس ذلك النص على نحوٍ حي ينتقي من مفرداتها التراثية ما يتناسب وعصره وينأى به عن المتقعر والمتطرف في غرابته، وكان واعيا للعصر الذي عاشه، فلم ينعزل بنصه عن زمن الشعر، ولم يكبح جماح لغته الرصينة عن الانزياح، وهو أمر أخذ يبدو أكثر وضوحا كلما نأى به العمر عن البدايات إلى أواسطه المسكونة بالاغتراب والاحتكاك بالثقافات العربية وغير العربية، وكل ذلك كان ينصهر على صفحات ديوانه في أناشيد ترددها الجموع، ما كان منها في الحب أو في الحرب، في أحلام يقظة الإبداع وفي فداحة الخراب الكوني، في محراب القداسة والتأملات الروحانية أم في معتركات الصراع، ومدارات الأضداد، وخلال ذلك كله، تبلور في نص الجواهري قدرة سفينة الخليل على اجتياز العاصفة عبر استحالتها إلى جزء من أجزاء تلك العاصفة نفسها، واكتسابها منها مقوماتها الجديدة، على نحو يمكن معه القول بأن رحلة سفينة الخليل لم يكن ليقودها ـ في زمانه ومكانه ـ رُبّانٌ أكثرَ كفاءة من الجواهري ولم تكن لتتخذ القصيدة بنية جمالية أكثر بهاء مما حققه فيها لو افترضنا أن تلك السفينة بقيت هي الوسيلة الوحيدة للرحلة إلى الشعر، فقد نهض بالمهمة التي نهض بها أبو تمام في زمنه الذي صنع الحلقة الواصلة بين زمنين شعريين هما ما قبل أي تمام وما بعده، كما نهض بالمهمة التي نهض بها المتنبي بعد أبي تمام، فلم يكن أمام النص القادم من الماضي احتمالٌ جمالي أكثر تكاملا وقدرةً على التواصل مع المستقبل من المعادلة الجمالية التي توصل إليها المتنبي، وهذا ما فعله المعري بعدهما، فقد أدرك أن المسار الجمالي للشعرية العربية قد بلغ قمة عطائه على يد حكيمي تلك الشعرية، فتوصل بحدسه الإبداعي إلى أن يشتغل على الجانب الفكري من النص الذي لم يبلغ من الإشباع الإبداعي والتخليق الكتابي ما بلغه الجانب الجمالي لديهما، فكان أن أسس لالتحاق النص العربي بالجمالية الفلسفية، التي وجدت أكفاءها من بعده لدى محيي الدين بن العربي والحلاج والنفري، على هذا النحو وحده يمكن فهم موقع النص الجواهري في تأريخ الشعرية العربية المعاصر، فلم يكن الجواهري مهتما بالكتابة الشعرية نفسها، لأنه تخطاها ولم تعد عبأً على كاهله، وإنما كان مهموماً بإكمال المسيرة، وأداء الأمانة التي كان يشعر بأنها وضعت على كاهله، وهي أمانة تأريخية تخر لها الجبال هدا، ولا يمكن لأي أحدٍ كان النهوض بها على أكمل وجه، أو التصدي لها بكفاءة واقتدار، وهذا ما فعله الجواهري ـ في الجانب الأكثر أهمية من منجزه ـ أي التأسيس للخليلية الحديثة، والبرهنة على قدرة الشكل القديم على استيعاب المفهومات والبنى المعرفية الجديدة للشعر، وهي ريادة شاركه فيها السياب، الذي لم ينقطع عن كتابة الشعر العمودي ـ في أتون ريادته وتأسيسه لحركة الشعر الحر ـ بل كان يسكب خبرته المعرفية والجمالية الجديدة في قصائد عمودية تؤسس للخليلية الحديثة مثل " بورت سعيد " و " القيامة الصغرى " و " من رؤيا فوكاي " وغيرها، وهي قصائد عمودية مركبة ومتعددة الأبنية الكلية تختلف اختلافا جذريا عما أنجزه من قصائد عمودية في البواكير.

وأما نزار، فهو تجربة عربية فذة، قدمت النص العربي في تشكيلات لها فرادتها وشخصيتها التي لا تشبه سواها، وقد تجسد في طريقته المنحى الإشكالي للنص المتجدد، فهو ـ وإن تبنى أضرب الخليل وأعاريضه ـ لم يكن يقدم نصا اجتراريا، يعيد الماضي كما هو، لا تشعر وأنت تقرأ شعره ـ منذ البواكير ـ بأنك تقرأ نصا مألوفا، ثمة صوت تجديدي له خصائصه ينبثق بقوة من أعماق عمودياته وتفعيلياته على حد سواء، و أحد ملامح تميز نزار ـ في حدود مرحلته ـ هو أن نصه غير قابل للمحاكاة، إذ سرعان ما سيلوح للمتلقي هشاشة و فجاجة أية نص يحاول اجترار أسلوبيته، وهذا ما لا يتحقق إلا في المستوى ـ السهل الممتنع ـ من الأداء الشعري، وهي خاصية من خصائص المتنبي والسياب ـ على سبيل المثال ـ إذ بالرغم من كونهما عمودين ركنين في معمار النص العربي، إلا أنه لا يمكن محاكاتهما، لقوة التمايز ووضوحه بين الأصل وأية نسخة تحاكيه مهما بلغت من الإتقان والدقة، بل إن دقة المحاكاة هذه لن تزيد النسخة إلا اضمحلالا وتلاشيا في خضم حضور وسطوع النص / الأصل.

كان الأفق والحيز التعبيري الذي برع فيه هو الأفق العاطفي، ذلك الجانب المتعلق بالمنطقة الأكثر ضعفا في الذات الإنسانية، أما الأفق الفكري، ومسارات الحفر المعرفي عبر اللغة الشعرية فلم تكن واقعة ضمن مساحة وعيه يوما، وكان السياب دقيقا حين وصف شعره بقطعة الحلوى تشعر بطعمها ما دامت في فمك، ثم سرعان ما يزول أثرها ومذاقها الغني بالسكر، وكان دقيقا حين قال أن الخبز أهم من الحلوى، وأكثر فائدة للإنسان، على أن ذلك لا يعني قصورا في تجربة نزار، فقد كان له عالمه الذي به اقتنع، وبأشيائه اختص، وبتفاصيله ألمَّ إلمام المبدع الخبير، وكان واعيا تماما لحدود عالمه، ولم يدعُ أحدا إلى اتخاذ طريقته في الكتابة منهجاً، ولا ادّعى إسهاما في ريادة الشعر الجديد ـ بالرغم من معاصرته لانبثاقة الحركة ـ لقد أدرك نزار أنه وفق إلى نمط كتابي فريد غير أنه لا يمتلك القدرة على التحول إلى مسار كتابي جديد، أو النهوض بدعوة فكرية في فضاء التجريب الشعري، لقد تعامل مع العاطفة بكل أوهامها وأحلامها وحتى خرافاتها القديمة، وأعاد إنتاج غرض الغزل، على نحو ناجح ـ نجاح عمر بن أبي ربيعة وامرئ القيس وأبي نؤاس إن لم يكن متفوقا عليهم ـ وحيثما قلبت نظرك في أعماله الكاملة شعرت بالمفارقة التي تتجلى في كونه قريبا من الحداثة وبعيدا عنها في آن معاً.

وأما صلاح عبد الصبور، فقد تجلت في نصه عبقرية الحضارة المصرية، ورحلتها الطويلة مع الكتابة، لقد أصبح نصه نخبويا ومدروساً ـ بعد مراحله الأولى ـ ناطقا بالهم الشعبي ومكابدات رجل الشارع، مثلما ينطق بالثقافة الجديدة والمسار الكتابي الجديد للشعر العربي، وقد انفتح خطابه الشعري على الخطابات الفكرية والفلسفية التي عاصرها، ولم يجثم في حدوده الجمالية فحسب ـ وهي فضيلة من فضائله ـ كما امتلك أفقاً رحبا في تصوره لحدود النص الشعري وإمكاناته، فاقتحم بالقصيدة حيزها المسرحي الذي تألقت به لدى الإغريق، ففتحوا من خلاله نوافذ رؤيوية تطل على آفاق رحبة لتطلعات النص الشعري، وقد تفوق على شوقي هو ومواطنه المبدع عبد الرحمن الشرقاوي عبر مسرحهما الشعري المؤسس لهذا الأفق من الإبداع الحداثوي، وإذا كان لشوقي فضيلة لا تدفع في إقدامه الجرئ على تطويع النص الشعري للفضاء المسرحي في الحدود المعرفية للشعر في زمنه، فإن عبد الصبور والشرقاوي قد أكملا تلك المغامرة ومنحاها عمقها و شخصيتها الفكرية والإبداعية القابلة للتطور والمواكبة وجعلا مسرح شوقي مرحلةً تجاوزها التأريخ المعاصر للنص الشعري.

وتمكن دنقل ـ الشبيه بالسياب في عظمة موهبته وعمره القصير المنخور بالداء ـ من تحقيق شخصيته الكتابية الفذة وسط عاصفة التجريب وحركة الشعر الجديد، فنصه لا يشبه إلا نفسه، واختياراته الموضوعية وأسلوبية العنوان كانت رائعة لديه، مشفوعة بلغة حية مسكونة بالفرادة الناشئة، غير أن مقص الموت السريع سرعان ما تقاطع ومسار هذه التجربة التي كانت تعد بالكثير.

وأما محمد الماغوط، فقد اختار لكتابته الشعرية مسارا ثالثا، عبر قصيدة النثر أو " النثرانية " ـ كما أفضل أن أدعو اتجاهها ـ وهو اتجاه نهض به معه شعراء آخرون مهمون مثل أنسي الحاج وأدونيس، غير أن الماغوط كان أبرزهم وأحدهم وعياً بالجوهر النثراني للكتابة بوصفه احتمالا جماليا قائما بقوة، فما كاد اللغط والجدل الذي أطلقته حركة الشعر الحر يتخذ مستقره بعد، حتى انطلقت الحركة النثرانية، وهي حركة يحب الحداثيون ربطها بالجذر البودليري والرامبوي ـ وهي حقيقة مؤكدة جزئياً ـ غير أنني أضيف إليهما جذرين عربيين أصيلين لم يلتفت إليهما الباحثون عن الجذور التراثية للنثرانية الماغوطية والأدونيسية، أرى أنهما الأسبق من الجذرين الرامبوي والبودليري، الأول منهما هو " القرآنية " بوصفها مسارا ثالثا ثبتت و تحققت فرادته بين الشعر الجاهلي والنثر الجاهلي على نحوٍ تجاوز منظومتيهما واستقل عنهما استقلالا أسلوبيا شاملا، والثاني هو " النثرانية الحلاجية والنفرية " بوصفهما مسارين مغايرين لما استقر عليه النثر العربي حتى عهديهما، فمن يقرأ " طواسين " الحلاج، و" مواقف " النفري و " مخاطباته " و " موقف المواقف " لا يعثر على الجاحظ ولا على عبد الحميد الكاتب ولا على القاضي الفاضل، ولا على أي ملمح من ملامح النثر الكلاسيكي بشقيه " المسجع " و " المرسل " وإنما يجد نوعاً كتابيا لا يجمعه و ذلك النثر سوى شئ واحد هو انعدام الحفاوة بالإيقاع المتعارف، وأما ما خلا ذلك فهو جديد في حوار الدلالات و أبنيته اللغوية والأسلوبية المزاوجة بين البنيتين الجمالية والفكرية، والانطلاق بالدوال والعبارات إلى منطقة أكثر سعة مما تحتمله أو تتيحه الفضاءات الخليلية التي كانوا من أعلامها، بل إن مقطّعات الحلاج والنفري الخليلية ـ على قلتها ـ لا تقل مغايرة للمألوف الخليلي عما في " نثرانيتهما " من مغايرة للمألوف النثري، فأنا أضمهما إلى الجواهري في التأسيس للخليلية الجديدة ـ على بعد ما بين زمانيهما وزمانه ـ نخلص من كل هذا إلى وضع " النثرانية " موضعها المستحق في تراتبية الكتابة الشعرية الجديدة، لا بوصفها نوعا كتابيا مستوردا، وإنما بوصفها نوعاً عميق الجذور في البنية المفهوماتية والمعرفية للكتابة العربية، الكتابة بوصفها نوعاً لا يمكن بلوغه، وإنما يمكن فقط السعي إليه وعقد المقاربات التجريبية باتجاهه.

وأما محمود درويش، فقد التقى في نصه كل ما في غنائية الشعر العربي من اقتدار وقدرة على التطريب عبر الإيقاع ذي العزف المنفرد واللغة الحية المتنامية، لقد وجدت أجيالٌ في نصه المنهل الجمالي القريب من هموم الذات العربية في إحدى أخطر مراحلها السياسية، وهكذا كان محمود، درويشاً يتسامى بالوجع الجمعي إلى تراتيل ملونة بدم الشهداء، وخضرة الزيتون، وزرقة بحر عكا، وشحوب الواقع المتردي في غياهب الهزيمة والخذلان، كان روحا كنعانيا قادراً على الرؤيا، قادرا على قراءة الموت والحياة، واستنطاق الموتى من أسلافه الفلاحين وجذور الزيتون والليمون الغائرة في الأعماق المحاصرة، ووجد فيه تراب وطنه لسانه الناطق، كان إيقاعه ـ في البدايات ـ إيقاع الثورة والغضب الكنعاني نفسه، فسرعان ما اتجهت إليه عيون كنعان وغصونها، لأنه كان يعزف على كمنجاته الأندلسية باقتدار عربي، كان شاعر الغنائية الجديدة، وإن كانت غنائيته المفرطة قد تنامت على حساب فلسفة الثورة التي كان جديرا بأن يضفيها على تلك الغنائية ولكنه لم يفعل، واكتفى بأن يغني لتلك الثورة، فلم يكن قادراً على استقراء الأبعاد الفكرية للقضية التي يحملها بقدر ما أظهر كفاءة كبيرة في استقراء أبعادها العاطفية، وهو ما حاول أن يستدركه في نتاجاته المتأخرة عبر محاولة الانفتاح على خطاب الآخر، منذ " أحد عشر كوكبا على آخر المشهد الأندلسي " ووصولا إلى " حالة حصار " فما بعدها، و بالرغم من حرص هذا المبدع على تطوير أسلوبيته باستمرار وكدح وغزارة في الانتاج لم يعد أكثرها في صالحه، فقد أوقعته الغزارة في مصيدة التفكك النصي والتكرار غير الموفق للأفكار والأخيلة والعبارات، إلى جانب حرصه المستمر على إطالة القصيدة باستدعاء المزيد فالمزيد من التداعيات التي كثيرا ما أنهكتها و أثقلتها بمظاهر التفكك النصي وضعف الأواصر الجمالية بين خيوط النسيج الشعري كما في (خطبة الطاغية الموزونة)، فقد حافظ على مبدَئَي الغزارة وطول النفس إلا أن إيقاعه بقي واحدا، فثمة ثباتٌ خطِّيٌّ في سيرورة ذلك الإيقاع لم يتمكن من تجاوزه، يوازيه ثبات في المضامين واللغة والأفكار، فمن الواضح أن ما توصل إليه في " أحد عشر كوكبا " من أبنية ودلالات بقي يمارس حالة من التثبيت الشديد على كل ما أنجزه بعد ذلك، على نحو يمكن معه القول بأن بدايات هذه التجربة ـ على الضد من المعهود ـ بقيت أفضل مراحلها، فمديح الظل العالي وما قبلها من غنائيات مدورة وغير مدورة بقيت تقدم نفسها في عنوانات مختلفة، بل إن بنية التدوير التي سلكها في أغلب نتاجه المتأخر ـ عبر إيقاعات المديد والمتقارب والكامل ـ شكلت قالبا جاهزا وقع الشاعر أسير سلطته التدويرية التي تناسبت وميله إلى الانجراف مع التداعي النفسي والايقاعي، وبالرغم من أنه أنجز في أنماطها الأولى قصائد جميلة جدا، إلا أن استمرار تلك البنية في الظهور على نحو خطي ثابت هو مظهر لا يحسب في صالح منتجه بأية حال، فالتدوير هو أهون ما في بنية الإيقاع العربي من إمكانات واحتمالات جمالية، وقد بدا لدى كثير من الشعراء حيلة من لا يملك حيلة في ابتكار إيقاعاته وتجديدها وتنويعها، ولم يقتصر هذا المسار الخطي على البنية الإيقاعية لنصه بل اتخذ امتدادات لغوية و موضوعية وأسلوبية يمكن أن تجد نظائرها المطابقة لها فيما سبقها بحقب بعيدة من إنتاجه، وقد حاول التخلص من سطوة الثبات الإيقاعي هذه باللجوء إلى " النثرانية " كما في " في حضرة الغياب " غير أن ما قدمه في هذا الشكل الكتابي لم يعد تحويل مضامين بنية التدوير إلى بنية نثرانية، أي ـ بتعبير آخر ـ فك المنظوم، وهي تجربة ابتدأها في الثمانينيات، وعاد إليها على نحو متقطع امتزج فيه الإيقاع العروضي واللاعروضي على نحوٍ متشابه، غير أن السمة الأكثر بروزا في نص محمود تتجلّى في توسيع نسيجه العلاماتي على نحوٍ مطرد، فكل ما بين السماء والأرض من علامات لغوية كان مرشحا لديه للالتحاق بنظامه اللغوي الشعري، سواء أكان ذلك " خطبة الهندي الأحمر الأخيرة " أم " طوق الحمامة "، " لوركا الأندلسي " أم " يوسف الكنعاني "، وهي أشرت اتساع أفقه الثقافي أكثر مما أشرت تجدد أسلوبيته، فقد كان معجمه يطرد دائريا، فيما يطرد أسلوبه خطياً، وبين هذا وذاك، كانت الشعرية العربية تكتسب من منجزه في نجاحاته وإخفاقاته الشئ الكثير، ومحمود درويش الذي انحصر النظر النقدي في منجزه التفعيلي، لم يكد أحد يلتفت إلى كونه أحد أهم مؤسسي الخليلية الحديثة، عبر نصوص مثل قوله:

وطني: يعلمُني حديـدُ سلاسلـي
عُنْفَ النسـور.. و رِقَّةَ المتَفائِلِ
رسموا على الجدران صورة قاتلي
فنما على الجـدران مرجُ سنابـِلِ
ما كنتُ أعلمُ أنَّ تحتَ جُلودِنــا
ميـلادَ عاصِفَـةٍ وعُرْسَ جَـداوِلِ

لقد فقد النص العربي برحيله أحد أهم فرسانه في التلقي العربي الشعبي والنخبوي على حد سواء، ولأمته أن تفخر به كما تفخر الأندلس بلوركا وتشيلي بنيرودا والهند بطاغور وانكلترا بإليوت.

بين ظهرانينا اليوم من ذلك الجيل مظفر النواب ـ الذي نأمل له التعافي والشفاء من مرضه ـ وقد أنتجنا في مقاربة منجزه كتابا نقديا نشرته وزارة الثقافة العراقية مشكورة.

ومن ذلك الجيل الفذ، أحمد مطر ـ الذي نأمل له أيضا الشفاء والتعافي ـ ويمكن مقارنته بنزار ـ من بين أفراد جيله من حيث الطابع الساخر لخطابه واهتمامه بقراءة التحولات السياسية التي عاصرها ـ غير أن نزار كان يمنح نفسه استراحات مطولة بين تضاريس الأنوثة، بينما خلت رؤيا مطر للعالم من هذا الجانب، فهو أكثر قربا من منظور الإلتزام السارتري، إذ لم يبرح في نتاجه الشعري تقديم قراءته الفرد / جمعية للتحولات السياسية ومفارقاتها، وهو التزام جعله مفضلا لدى شريحة من المتلقين، من الباحثين عن القصيدة / المقالة السياسية، أو القصيدة / اللوحة الكاريكاتيرية، فقصائد مطر لا تذكرنا بأحد من الشعراء وإنما تذكرنا برسام الكاريكاتير العربي الراحل ناجي العلي الذي جمعته و مطر زمالة عمل وصداقة إبداع حين اجتمع العلمان تحت سقف الصحافة الكويتية الرائدة.

إذن، فجيلنا اليوم يعيش فترة انتقالية مهمة من مراحل تأريخ النص الشعري العربي، بين مدرسة رائدة أدت الأمانة وأكملت الرسالة، وثوت في سلام الخالدين، وأفذاذ فنيت أعمارهم في تحقيق النص الغائب واجتلابه إلى حضوره المشهود، إلا أنهم توقفوا تقريبا عن الإنتاج الفاعل، تحت وطأة التقدم في العمر، وما يجتلبه من ويلات الداء، كما أن أفضل ما لديهم قد اكتمل عطاؤه منذ حقب، ولم نعد نجد على تلك الحدود التي أوصلوا إليها التجريب زيادة أو إضافة مهمة تذكر.

السؤال الآن.. من هو ولي عهد ولايات الشعر العربية المتحدة؟

من هو الشاعر الجدير باستلام خاتم الملك وصولجانه وبُردته الجماهيرية، القادر على أن يحقق المعيار الذهبي الآتي:

وتركُـكَ في الدنيـا دَوِيّـاً كأنمـا
تداوَلَ سَمْعَ المَـرْءِ أنمُلُـهُ العَشْرُ

والمعيار الآتي:

ودع كلَّ صَوْتٍ غير صوتي فإنني
أنا الصادحُ المحكِيُّ والآخَرُ الصدى

والمعيار الآتي:

وإني وإن كنتُ الأخيـرَ زمانُـهُ
لآتٍ بمـا لم تستطعْـهُ الأوائِـلُ

والمعيار الآتي:

وما الدهرُ إلا من رواة قصائـدي
إذا قُلْتُ قَـولاً أصبحَ الدهرُ مُنْشِدا

إنه الشاعر الذي يجتمع في الخواص الكيميائية لمحبرته رماد أسلافه العرب منذ المهلهل ووصولا إلى آخر من ذكرناهم من المعاصرين، كما يجتمع في خواص تلك المحبرة منجز الإنسانية الشعري منذ هوميروس وكلكامش وصولا إلى آخر من عرفهم العالم من رواد الكتابة الشعرية.

إن مهمة ولي عهد الشعرية العربية المعاصرة صعبة وشاقة للغاية، إذ لم يكد يُبقي الأفذاذ من أسلافه ومعاصريه على احتمالٍ جمالي أو معرفي بكر، إنهم استخرجوا الأنماط العليا لاحتمالات التشكلات النصية، وأعادو إنتاج اللغة باللغة بفرادة واقتدار، فلن تتسع ولايات الشعر العربية المتحدة لولي عهد يتأخر مقدار أنملة عما قدمه هؤلاء، إنها تنتظر الصوت العابر للأصوات، والخطاب العابر للخطابات عبر النص العابر للنصوص، عليه أن يكون التلميذ الذي تفوق على أساتذته، عليه أن يحقق للتلقي العربي تلك الدهشة الجمالية البكر من جديد.

إنه الشاعر الذي تجتمع في صوته كل هذه الأصوات ولكنه ليس أياً منها، الشاعر الذي يمتزج العقل والعاطفة في الخواص الكيميائية لمحبرته المسكونة بقبائل من شياطين الشعر الفاضلة، و أرواح ممثلي الشعرية العالمية.

إنه الشاعر العربي السحيق.. العراقيُّ الحجازيُّ الشاميُّ المصريُّ المشرقيُّ المغربي، إنه المطر القادم من يد الله إلى صحراء أكثر السنين العجاف فداحةً..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى