ثمة أفق

، بقلم عبد الهادي الفحيلي

ثمة أفق
يرفض أن ينتظرني عند المساء
العاكف على العتمة.
 
هل يعرف أحد كيف يمكن
أن يعانق الأفق
خصر صفصافة
تهدهد نجمة على قارعة الغروب
وتناغي ترانيم شفق
موغل في مواكب النخيل؟
أخبرت امرأتي ذات أنة
ساورت هديل البوح عند سفح
الحنين:
الريح نقش الفراغ,
تشرع باب الأفق للغياب.
 
المساء مر بي,
والأفق الضارب في التيه
يرسل من أنفاسه أسرارا
تغلف حزني المسكوب
مدرارا.
تعتق الشفق قربانا يقرب المساء
للغيم زلفى.
هل كنت حالما إذ نذرت للشفق رقصة البوح؟
كنت أعرف أن للغيم
شقوة الريح.
للقلب أوهامه
وللحلم زلاته الفاتنة.
 
كم ربيعا يسرح على ضفاف العمر
كم زنبقة تشرق في مهب الوقت
وكم بسمة تطرز وجه الشمس؟
كم من هذه الأشياء يمر كل يوم؟
فقط أعكف على لوحة يسطر بعدها اللامرئي
ضباب بحجم المدى.
بحجم الظل...
بحجم الصدى...
 
ناديته من جوف الغياب:
اقعد عند رأس دمي الأبيض
واحشد من دمعتين هامتا
في نسغ الحزن
بعض الحليب وزنبقات
ولا تحفل بالبارود...
امكث بعيدا في السراب
ودع عنك موتي تؤبنه
صلوات فاجرة
وبضع أبخرة وعبرتان يؤججهما الهراء
وسؤال عن غد بدوني و...بدونك!
 
يحدث أن البلابل تهاجر ليلا
بين عناوين المطر
يحدث أن يترجل البحر عن الزبد
ويزحف من تلقاء الرمل ويمد لسانه
ليصادف حورية عند ناصية الحلم...
يحدث ألا ينتظرني على أرصفة العمر
ربيع أو حتى ريشة لقبرة داهمها الصقيع...
لكن الذي لا يحدث أفظع...
 
ما الذي شد صخرة الوقت إلى سنديانة
تعلق شعرها عند حافة الشمس
الملتاعة بالفقد والحريق؟
ما الذي شد المساء إلى عتبة الرماد والزعيق؟
ما الذي شدني من هوائي المنفوش
حنايا من أنين؟
ما الذي أجج من أفول الحلم
غواية العطش؟
 
أن أكون ملحا أو سرابا يهاجر
في احتدام الأفول,
فتلك مشيئة الريح...
 
ثمة أفق يرسم لي من عباءة الليل
مواسم ثكلى ترتق بعضا من أحلامي التي
داهمتها خرائط الوجع..
وتسكب من ملامح التيه
فصول الزقوم
على احتمال الشذى...
 
ثمة مساء يواري سوءة النهار
الآيل للتعب...

من نفس المؤلف