احتفالية (ديوان العرب) في ضيافة (أدب ونقد) الرصاصة الأخيرة صمود غزة

الصفحة الأساسية > أقلام الديوان > عبد الله الشايب و(هندسة الحزن)

عبد الله الشايب و(هندسة الحزن)

٢١ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٩بقلم حسن الشيخ

عرفت المهندس عبد الله الشايب منذ زمن طويل، عرفته مهندسا وكاتبا ومثقفا ومن ابرز الناشطين على الساحة الثقافية. ومنذ ذلك الحين لفت انتباهي باهتماماته المتعددة، وانفتاحه على مختلف التيارات الفكرية والثقافية والدينية في المنطقة. ولعل اهتمام المهندس الشايب بالتراث الثقافي، واعتزازه بكل ما هو أحسائي هو ابرز الأشياء التي لفتت انتباهي وأثارت إعجابي بشخصيته الواعية.

ولقد أهداني – في أوقات متفرقة – العديد من إصداراته المطبوعة، والتي بذل فيها جهدا ملحوظا للحفاظ على مورثونا الاحسائي الشعبي. وبالمقابل فان المهندس عبد الله الشايب من الزملاء القليلين الذين يسألون دائما عن إصداراتي، ويلحون دون كلل أو ملل في الحصول على نسخ منها، لإهدائها للعديد من الأدباء والعلماء والمثقفين، وهذا ما يجعلني اشعر بالفخر والاعتزاز كلما طلب مني المزيد من النسخ، لإيصالها إلى المتهمين بها. ومن عرف المهندس الشايب، عرف ما يتمتع به من صداقات واسعة، وشبكة من المعارف على امتداد الساحة الثقافية في الوطن العربي.

للمهندس الشايب مجموعة من الإصدارات المتنوعة، في العديد من الموضوعات الدينية والثقافية. لفت نظري كتابه عن استشهاد الإمام الحسين عليه السلام. وهو كتاب صغير في حجمه، رائع في تناوله .

لقد تناول الشايب السيرة الحسينية بأسلوب قصصي رائع، فمنذ فصله الأول (ينابيع المودة) إلى فصله الأخير (تأملات في حركة الإمام الحسين) وهو ينحى المنحى الروائي، لتجليه شخصية الإمام الحسين عليه السلام. كتبها المهندس، بأسلوب أدبي مترف. تجد في كتابته الكلمة الصافية، والعبارات العذبة، والجرس الداخلي بين سطور كتابه.

وبالإضافة إلى أسلوب المهندس الشايب، فإن كتابه حاول النظر للإمام الحسين، باعتباره شخصية عالمية. لذلك فان الكتاب ينحى هذا المنحى حين تناول شخصية الإمام عليه السلام. والى ذلك يقول المهندس الشايب (ولا ننسى ان الإمام الحسين عليه السلام لم ينحصر الاهتمام به بين المسلمين، فهو شخصية عالمية بعالمية الرسالة من جهة، وبعالمية الظواهر الإنسانية الكريمة. وبذا فهوشخصية إذا ما عدت الثورات، ولا زال حتى عصرنا الحاضر فهو ملهم الثورات وأبو الشهداء) ولقد كان الشايب محقا في نظرته للإمام وثورته.

ومن هذه النظرة للإمام وثورته، فانه قد تجاوز العديد من النظرات القاصرة، التي لا ترى في الإمام وكربلاء إلا الجانب المأساوي. فالشايب يحاول ان يقدم رؤية عن الإمام بعيدا عن النمطية التي يكتب بها العديد من كتابنا، أو العديد من خطبائنا، ولا يرون إلا ان الإمام، إمام معصوم مفترض الطاعة فحسب.

اختار المهندس ان يكتب عن الإمام الحسين، لا بطريقة الكتابات التقليدية لطلبة العلوم الدينية، ولا بذهنية فئوية. بل بذهنية الأديب والمفكر الذي يؤمن بالتعايش، وبروح المثقف الذي يتخذ من ثقافة التسامح منهجا له. وكتب بطريقة جريئة وجميلة كتابة تخالف الكتابات الأخرى. مبتعدا عن دحض الأفكار، ومقارعة الدليل بالدليل، وسرد المراجع وأرقام الصفحات. لقد اختار السرد لكي يدخل إلى قلوب القراء من شتى أعمارهم، واتجاهاتهم، ومن مختلف بلدانهم. وأظن انه استطاع ان يكتب بعبارة شعرية مؤثرة، كتابة رائعة. جديرة ان تترجم إلى لغات عدة لكي تدخل إلى قلوب الملايين من البشر، لا إلى عقولهم.

لقد ساير المهندس الشايب في كتابه الإمام الحسين منذ ان كان طفلا إلى يوم استشهاده، بلغة سهلة، وبعبارات شعرية تهز القلوب والوجدان. وعلى الرغم من ان الكتاب متوسط الحجم لم تتجاوز عدد صفحاته الثمانين، إلا إنني كنت استغرب كيف استطاع عبد الله الشايب ان يوجز ويفصل – دون ان ينقص – كل سيرة الإمام الحسين عليه السلام منذ ولادته حتى استشهاده.

والحقيقة ان المهندس الشايب في كتابه، لم يختصر ولم ينقل السيرة ولم يفصل في رواية ما. بل أعاد كتابة كل ما قرأه بلغته الخاصة، وبعباراته المميزة هو من جديد.

في كتاب (الحسين شهيدا) للمهندس الشايب حزن عميق، ولا غرابة في حزن الشايب. ففي هذه الأيام من المحرم يلف الحزن والسواد معظم بلدات في شتى بقاع الكون. إلا ان الغريب ذلك الهدوء في كلمات المهندس الشايب وهو يكتب عن الثورة، والهدوء في تعبيره وهو يكتب عن ذلك الحزن. والهدوء الكبير وهو يكتب عن خذلان الناصر، واستشهاد الأحبة.

ويختتم المهندس كتابه عن الإمام الحسين بكلمات رائعة قائلا (هذا هو الحسين طفلا يرقى أكتاف جده رسول الله (ص) وشابا يذود عن بيضة الإسلام مع والده، وأيضا في الفتوحات الإسلامية. وشيخا يكون دمه هو ثمن رفع كلمة (لا اله إلا الله محمد رسول الله) وان تظل خفاقة إلى يوم الدين. وظل يومه ذاك مدرسة ينهل منها المتعطشون للحرية ودوام الكرامة. وظل يومه معطاء للفكر الإنساني. وبذا خلد الحسين في قلوب محبيه ومعاديه آية لا تنطفئ، تضيء طريق الحق) وبهذه الخاتمة نعرف ان الكاتب الشايب قد نظر للإمام الحسين تلك النظرة الشمولية. نظر إليه إماما وثائرا وشهيدا ومفكرا لكل الأزمان ولكل الحضارات.

الرد على هذا المقال

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

نلفت انتباه زوارنا الكرام الى اننا لن ننشر:
- أى مداخلات تتهجم على اشخاص لا دخل لهم بموضوع المقال وتستخدم ألفاظاً غير لائقة.
- أي مداخلة غير مكتوبة باللغة العربية الفصحى.

من أنت؟
مشاركتك
  • لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.