معين بسيسو

ظل السجن يلاحقه حتى آخر رمق في حياته

، بقلم ميسون جمال مصطفى

أنا إن سقطت فخذ مكاني يا رفيقي في الكفاح

واحمل سلاحي لا يخفك دمي يسيل من السلاح

أذكر أنني عندما كنت في المرحلة الإعدادية، حفظت هذا الشعر عن ظهر قلب، ولم أكن أعرف لمن، ولطالما رددته في كل المناسبات، إلى أن قرأت في أحد الكتب التي تتناول شعراء الأرض المحتلة أنه للشاعر الفلسطيني معين بسيسو، إلا أن الكتاب لم يعط نبذة عن الشاعر، ولكني قمت بالبحث وعرفت أنه من غزة الكفاح.

ولد معين بسيسو في مدينة غزة بفلسطين عام 1926، أنهى علومه الإبتدائية والثانوية في كلية غزة عام 1948. بدأ النشر في مجلة"الحرية"اليافاوية ونشر فيها أول قصائده عام 1946، التحق سنة 1948 بالجامعة الأمريكية في القاهرة، وتخرج عام 1952 من قسم الصحافة وكان موضوع رسالته"الكلمة المنطوقة و المسموعة في برامج إذاعة الشرق الأدنى"وتدور حول الحدود الفاصلة بين المذياع والتلفزيون من جهة والكلمة المطبوعة في الصحيفة من جهة أخرى.

انخرط في العمل الوطني والديمقراطي مبكراً، وعمل في الصحافة والتدريس. وفي 27 كانون الثاني(يناير) 1952 نشر ديوانه الأول (المعركة). سجن في المعتقلات المصرية بين فترتين، (الأولى من 1955 إلى 1957)، والثانية من (1959 إلى 1963).

من أعماله الشعرية: المسافر(1952م)،المعركة(دار الفن الحديث، القاهرة، 1952م)،الأردن على الصليب(دار الفكر العربي، القاهرة، 1958م)،قصائد مصريّة/ بالاشتراك(دار الآداب، بيروت، 1960م)،فلسطين في القلب(دار الآداب، بيروت، 1960م)،مارد من السنابل(دار الكاتب العربي ، القاهرة، 1967م)،الأشجار تموت واقفة / شعر (دار الآداب، بيروت، 1964م)،كرّاسة فلسطين (دار العودة، بيروت، 1966م)،قصائد على زجاج النوافذ (1970)،جئت لأدعوك باسمك (وزارة الإعلام، بغداد،)1971،الآن خذي جسدي كيساً من رمل (فلسطين، بيروت، 1976م)،القصيدة / قصيدة طويلة (دار ابن رشد، تونس، 1983م)،الأعمال الشعرية الكاملة / مجلد واحد (دار العودة، بيروت، 1979م)،آخر القراصنة من العصافير،حينما تُمطر الأحجار.

أعماله المسرحية:مأساة جيفارا (دار الهلال، القاهرة، 1969م). ثورة الزنج (1970م).شمشون ودليلة (1970م). الأعمال المسرحية (دار العودة، بيروت، 1979م)يشمل: مأساة جيفارا، ثورة الزنج، الصخرة، العصافير تبني أعشاشها بين الأصابع، محاكمة كتاب كليلة ودمنة.

أعماله النثرية: نماذج من الرواية الإسرائيلية المعاصرة (القاهرة، 1970م). باجس أبو عطوان / قصة (فلسطين الثورة، بيروت، 1974م). دفاعاً عن البطل (دار العودة، بيروت، 1975م). البلدوزر / مقالات (مؤسسة الدراسات، 1975م). دفاتر فلسطينية / مذكرات (بيروت، 1978م). كتاب الأرض / رحلات (دار العودة، بيروت، 1979م). أدب القفز بالمظلات (القاهرة، 1982م). الاتحاد السوفيتي لي (موسكو، 1983م). 88 يوماً خلف متاريس بيروت (بيروت، 1985). عودة الطائر / قصة. وطن في القلب / شعر مترجم إلى الروسية - مختارات موسكو. يوميات غزة (القاهرة).

شارك في تحرير جريدة المعركة التي كانت تصدر في بيروت زمن الحصار مع مجموعة كبيرة من الشعراء والكتاب العرب. ترجم أدبه إلى اللغات الانجليزية والفرنسية والألمانية والروسية، ولغات الجمهوريات السوفيتية(أذربيجان وأوزباكستان) والإيطالية والإسبانية واليابانية والفيتنامية والفارسية. حائز على جائزة اللوتس العالمية، وكان نائب رئيس تحرير مجلة"اللوتس"التي يصدرها اتحاد كتاب آسيا وأفريقيا.كما حاز على"درع الثورة"أعلى وسام فلسطيني. كان مسؤولاً للشؤون الثقافية في الأمانة العامة للإتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني. توفي أثناء أداء واجبه الوطن وذلك إثر نوبة قلبية حادة آلمة في لندن يوم 23/ 1/1984.

يقول معين بسيسو في إحدى لقاءاته الصحفية:

"من غزة أحمل ذكرى غجرية، رضعت طفولتي من نهديها ترياق الرحيل. ومن يومها وأنا ابن النار، وعلى رأسي عصبة تحمل اسماء المحطات ومواعيد الرحيل.... في القاهرة تخرجت من الجامعة الأمريكية قسم الأداب.. وفي القاهرة تم طبع أول ديوان لي واسمه"المعركة"هذا الديوان صدر في اليوم التالي لحريق القاهرة عام 1952. وبعد ذلك بدأ البوليس الملكي في التفتيش عن صاحب الديوان، فاختفيت في بيروت عند الأصدقاء الرسام حسن التلمساني، والمحامي الكاتب لطفي الخولي والكاتب عبد الرحمن الخميسى. وبعد قيام ثورة 23 يوليو عدت إلي غزة وعملت فيها مدرسا حيث بدأت ملاحقة البوليس المصري الي ثانية فسافرت إلي العراق وهناك أذكر أن أحد الطلاب طلب مني أن يقرأ رواية الأم لمكسيم جوركي، ولكن هذا الطالب الذي يطحن سعف النخل الأخضر ويعجنه وصنع منه أقراصا يجففها تحت الشمس ويأكلها مات.. ولم يقرأ الرواية... وضع سعفه من النخل وسط الكتاب ومات... بعد سنة وقد بدأ البوليس العراقي يلاحظ نشاطي، هربتني من مطار بغداد إحدى المضيفات حيث عدت إلي غزة في أوائل سنة 1954 حيث عملت مدرسا وناظر مدرسة... وكنت قد أعتقلت في غزة أثر تظاهرات اشتعل بها القطاع ضد مشاريع اسكان وتوطين اللاجئين الفلسطينين في سيناء... كانت المرة الأولى التي أدخل فيها إلي الزنزانة وأجلد فيها بالكرباج... حبال الكرباج المجدولة من اسلاك التليفون أحست أنها قد رسمت على ظهري إلي الأبد خارطة الوطن".

نلاحظ أن الرحيل والظلم رافقا الشاعر منذ بداياته النضالية والثورية، فمنذ أن خطت قدماه هذه الأرض وهو يتنقل من مكان إلى آخر هربا وخوفا من رجال الأمن، وكأنه ولد ليكون ثائرا ومناضلا"وخريج سجون"ولكنها سجون يفخر بها كل من ابن قضية حرة وعادلة كقضيته الفلسطينية، يقول في المقطع الأول من قصيدة"ثلاثة جدران لحجرة التعذيب"، التي يصف فيها حياة السجون:

عند طلوع الفجر
ساقاومْ...
ما زالَ في الجدارِ صفحةٌ بيضاءْ
ولم تذبْ أصابعُ الكفينِ بعدُ...
هناكَ من يدَقْ
برقيةٌ عبر الجدارْ
قدْ أصبحتْ أسلاكُنا عروقُنا
عروقُ هذه الجدرانْ...
دماؤنا تصبُّ كلُّها،
تصبُّ في عروقِ هذه الجدرانْ...
برقيةٌ عبرَ الجدارْ
قد أغلقوا زنزانةً جديدهْ
قد قتلوا سجينْ...
قد فَتَحوا زنزانةً جديدهْ
قد أحضروا سجينْ...

تغلب على قصائد معين حالة السجن، فيذكرها في أكثر من قصيدة، وكأنها تشكل له هاجسا، إلا إنه في قصيدة"تحدي"يذكر السجن ولكن بطريقة عنفوانية، إذ يتحدى جلاده ومقيده، طالبا منه الاستمرار في هذا العمل الإجرامي في حبسه وتعذيبه، لأنه غير آبه بكل أفعاله، فهو ابن الثورة وابن الشعب الذي لا يستطيع أحد أن يقوضه ويهزمه:

أنا لا أخاف من السّلاسل فاربطوني بالسلاسل
من عاش في أرض الزلازل لا يخاف من الزلازل
لمن المشانق تنصبون لمن تشدوّن المفاصل
لن تطفئوا مهما نفختم في الدّجى هذي المشاعل
الشعب أوقدها وسار بها قوافل في قوافل

يعود الشاعر لذكر حياة السجون في قصيدة"صليل الحبال"، معلنا أن من خلف جدرانها ستنطلق الثورة، ويقهر المظلوم الظالم، ويبدو في هذه القصيدة تأثره بالفكر الاشتراكي الذي يهتم بالعمال والكادحين. كما تبرز في قصائده حالة نفسانية تتلخص في خوفه من السجن القهري الذي رافقه منذ ريعان شبابه إلى فترات طويلة، حتى حين وفاته في لندن كان يحبس نفسه في غرفة ويعلق ورقة على الباب مكتوب عليها"الرجاء عدم الإزعاج".

أخي من خلال حبال السياط ومن حلقات القيود الثقال
تطلّع إلى وطن الكادحين وقد شنقوه بسود الحبال
ولفّوه بالخرق الباليات وألقوه في ظلمات الحفر
وهالوا عليه التراب الكثيف كأن لم يكن في ربيع العمر
أخي من خلال الجدار الكئيب ومن فجوات الدّجى والحطام
تطلّع إلى الأعين الغائرات وقد علقّت بسقوف الخيام
هنا يمضغ الجائعون التراب هنا يعصر الظامئون الحجر
هنا تكتسي بالظلام العراة أخي من هنا سوف يمشي الشرر

ونختم بقوله في آخر مقابلة أجراها معه تلفزيون دولة الإمارات العربية المتحدة جاء فيها:"الدور الذي يجب أن ينهض به الشعر العربي الآن هو أن يقف مع الإنسان العربي، يقف مع الأمة العربيّة، يقف مع كل صديق لهذه الأمة، في سبيل نهوضها، وفي هذه المرحلة علي الكلمة أن تكون صادقة، شجاعة، وصريحة...."وكأني به مرة أخرى يستذكر حياة السجون، فلا يريد لهذا الشعر أن يكون سجينا كجسده، فيطلب من الجميع أن يطلق العنان لقلمه كي يكون لسان حال هذه الأمة.


ميسون جمال مصطفى

كاتبة فلسطينية تقيم في لبنان

من نفس المؤلف