٢٣ آذار (مارس) ٢٠١٠بقلم يوسف الصيداوي
من الأحرف المشبهة بالفعل، تنصب الاسم وترفع الخبر. (انظر الأحرف المشبهة بالفعل) وقد تُحذَفُ لامها الأولى، فيقال: [علَّ] وهي لغةٌ فيها.
ولها معانٍ أشهرها التوقّع، وهو تَرَجِّي ما يُحَبّ، نحو: [لعلّ المغتربَ راجعٌ]، والإشفاقُ مما يُكرَه، نحو: [لعلّ الصَديقَ قليلٌ].
يكثر اقتران خبرها بـ [أنْ]، نحو: [لعلّ المسافر أنْ يعود].
نماذج فصيحة من استعمال [لعلّ]
قال صخر بن جعد [1]:
فقلتُ عساها نارُ كأسٍ وعَلَّها تَشَكَّى فآتي نحوَها فأعودُها
(كأس: اسم امرأة، وتَشَكّى = تَتَشكّى).
[عَلَّ]: هي [لَعَلَّ]، حُذِفت لامُها الأولى، وهي لغة فيها. ويَكثر على ألسنة الناس قولهم: [علّ وعسى].
وقال امرؤ القيس (الديوان /107):
وبُدِّلْتُ قَرحاً دامياً بعدَ صِحَّةٍ لعلَّ منايانا تَحَوَّلْنَ أَبؤُسا
[لعلّ]: خبرها في البيت هو جملة الفعل الماضي: [تحوّلن]، وقد كان بين الأئمة نزاع حول مجيء خبر [لعلّ] ماضياً. والبيت شاهد على صحة ذلك. وأمّا مجيء خبرها فعلاً مضارعاً، فمنه قوله تعالى: ]وما يُدريك لعلّه يزّكّى[ (عبس 80/3) وقوله: ]لعلّه يتذكّر أو يخشى[ (طه 20/44)
قال جميل بثينة [2]:
أتَوني فقالوا: يا جميلُ تبدَّلَتْ بُثينةُ أبدالاً، فقلتُ لعلّها
الأصل: [لعلّها فعلت ذلك]، لكن الشاعر حذف الخبر لدلالة السياق عليه. وحذْفُ ما يُعلَم جائز.
قال العُجَيْر السَّلُولِيّ (الإنصاف /122):
لكَ الخَيْرُ علِّلْنا بها، علَّ ساعةً تمرُّ وسِهْواءً من الليلِ يذهبُ
(السِّهواء: ساعةٌ من الليل، أو صدرٌ منه).
[علّ ساعةً تمرّ]: حذَف الشاعر اللام الأولى من [لعلّ]، وحذْفها لغة فيها. ويلاحظ أنّ الخبر - وهو جملة [تمرّ] - فِعْلُه مضارع على المنهاج. على حين يجوز أن يكون ماضياً، وإن كان قليلاً.
وقال نافع بن سعد الطائيّ [3]:
ولستُ بلوّامٍ على الأمر بعدما يفوت، ولكنْ علَّ أن أتقدّما
في البيت مسألتان، الأولى أنّ الشاعر حذف اللام الأولى من [لعلّ]، وذلك لغةٌ فيها. والثانية أنّ خبرها اقترن بـ [أنْ]، وذلك في الاستعمال كثير، ومنه قول كثيّر عزّة [4]:
أقول إذا ما الطيرُ مَرَّتْ سحيقةً لعلّكَ يوماً - فانتظرْ - أن تنالها
لكنْ: حرفٌ يقع بين نقيضين أبداً، ويفيد الاستدراك أبداً.
وهو حرفُ عطف، بشروط ثلاثة: أن يكون المعطوف بعده مفرداً لا جملةً، وأن يسبقه نفي أو نهي، وألاّ يقترن بالواو. مثال ذلك: [ما شربتُ اللبنَ لكن الماءَ] [5].
فإذا تخلّف أحدُ هذه الشروط الثلاثة (أي: تلته جملة، أو اقترنت به الواو، أو لم يسبقه نفي أو نهي) كان حرفَ ابتداء واستدراك، يدخل على جملة، نحو: [نعملُ صباحاً ولكنْ نَقِيلُ ظُهراً](2)، وتكون الواو في هذه الحال هي العاطفة.
نماذج فصيحة من استعمال [لكنْ]
قال زهير بن أبي سُلمى:
إنّ ابنَ وَرْقاءَ لا تُخشَى بَوادِرُهُ لكنْ وَقائِعُهُ في الحرب تُنْتَظَرُ
[لكنْ وقائعُه تُنتظَر]: لكنْ في البيت حرف ابتداء، إذ تلتها جملة هي: [وقائعه تنتظر]. ومجيء جملةٍ بعدها، يوجب اعتدادَها حرفَ ابتداء، ويمنع من اعتدادها حرفَ عطف. (شروط العطف: ألاّ تتلوها جملة، وألاّ تقترن بالواو، وأن يسبقها نفي أو نهي).
قال الشاعر [6]:
وليس أخي مَنْ وَدَّنِي رأيَ عيْنِهِ ولكنْ أخي مَنْ وَدَّنِي وهو غائبُ
[ولكنْ أخي مَنْ....]: لكنْ في البيت حرف ابتداء، إذ اقترنت بها الواو، واقترانها بها أوجب اعتدادَها حرفَ ابتداء، ومَنَع مِن اعتدادها حرفَ عطف. (شروط العطف: ألاّ تتلوها جملة، وألاّ تقترن بالواو، وأن يسبقها نفي أو نهي). ومن ثمّ تكون الواو في هذه الحال حرف عطف، يعطف جملة على جملة. [عطفت هنا جملةَ: (لكن أخي مَن...) على جملةِ: (ليس أخي مَن...)].
هذا، وحتى لو أسقطنا الواو - جدلاً - وأغفلناها، لظلّ في البيت مانعٌ آخر يمنع مِن أن تكون [لكنْ] حرف عطف، وهذا المانع هو مجيء جملة بعد [لكن]، فيَحْتِم اعتدادها حرف ابتداء.
ومثل ما تقدّم طِبقاً، قول الشاعر:
إذا ما قَضَيت الدَّينَ بالدَّينِ لم يكن قضاءً، ولكنْ كان غُرْماً على غُرمِ
فقد اقترنت [لكن] هاهنا بالواو أيضاً، فالواو إذاً هي حرف العطف، وأما [لكن] فحرف ابتداء. وذلك أنّ اقترانها بالواو يمنع مِن اعتدادها حرفَ عطف. (شروط العطف: ألاّ تتلوها جملة، وألاّ تقترن بالواو، وأن يسبقها نفي أو نهي).
ودعْ عنك أنّ في البيت مانعاً آخر يمنع مِن أن تكون [لكنْ] حرف عطف، وهو مجيءُ جملةٍ بعدها، فيَحْتِم اعتدادها حرف ابتداء.
قال تعالى: [ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكنْ رسولَ الله]
[7]
[ولكنْ رسولَ الله]: اقترنت [لكنْ] بالواو، فالواو إذاً عاطفة، و[لكن] حرف ابتداء واستدراك، وبعده جملة، على المنهاج، أي: ولكن كان رسولَ الله.
حرف مشبّه بالفعل - من أخوات إنّ - ينصب المبتدأ ويرفع الخبر، ويفيد الاستدراك. نحو: [حضر خالدٌ لكنّ سعيداً غائب]. (انظر الأحرف المشبهة بالفعل)
إذا خُفِّفت أو اتصلت بها [ما] الزائدة بطل عملها نحو: [سافر زهيرٌ لكنْ خالدٌ مقيمٌ]
و [حضر الطلاب لكنّما سعيدٌ غائبٌ].
نماذج فصيحة من استعمال [لكنّ]
قال امرؤ القيس:
ولكنّما أَسْعَى لِمجدٍ مُؤَثَّلٍ وقد يُدْرِكُ المجدَ المُؤَثَّلَ أَمْثالِي
[لكنّما]: اتّصلت [ما] الزائدة بـ [لكنّ] فبطل عملها وزال اختصاصُها بالدخول على الأسماء. ومن هنا أنها دخلت على فعل: [أسعى]. ولهذا تقول كتب النحو: [لكنّما: كافّة ومكفوفة]، يريدون بذلك أنّ [ما] كَفَّتْ، و [لكنّ] كُفَّت، فالأولى كافّة، والثانية مكفوفة.
قال الشاعر:
إنّ ابنَ ورقاءَ لا تُخشى بوادرُه لكنْ وقائعُه في الحرب تُنتَظَرُ
[لكنْ] مخففة من [لكنّ]، ومتى خُفِّفت بطل عملُها. فـ[وقائعه] مبتدأ، وجملة [تُنتظر] خبر.
قال عبد الله بن جعفر بن أبي طالب [8]:
وعَيْنُ الرِّضا عن كلِّ عيبٍ كليلةٌ ولكنّ عينَ السخطِ تُبدِي المَساوِيا
[لكنّ]: جاءت في البيت - على المنهاج - عاملةً عمل الأحرف المشبهة بالفعل، فقد نصبت كلمةَ [عين] اسماً لها، وخبرها جملة [تبدي] في محلّ رفع.
لَمْ: حرفٌ يجزم الفعل المضارع، وينفيه، ويقلب زمنه إلى الزمن الماضي. نحو: [لَمْ يَلِدْ ولم يولَد] [9]، [ألَمْ نشرح لك صدرك] [10].
----
لَمّا: على وجهين:
الأول: حرفٌ يجزم الفعل المضارع، ويقلب زمنه إلى الزمن الماضي، وينفيه نفياً يمتدّ إلى زمن التكلّم، نحو: [حضر المدعوّون ولمّا يحضر خالدٌ].
الثاني: ظرف زمان معناه [حين] [11]، تدخل على فعلٍ ماض، وتقتضي جواباً يكون فعلاً ماضياً، أو جملة اسمية مقترنة بـ [إذاْ] الفجائية. فالأول نحو: ]فلمّا جاء أمرنا نجّينا صالحاً] ( [12] والثاني نحو: ]فلمّا جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون] [13].
وقد يتقدم عليها جوابها نحو: [أكرمته لمّا زارني = لمّا زارني أكرمته].
نماذج فصيحة من استعمال [لمّا]
[بل لمّا يذوقوا عذاب] [14]
[لمّا يذوقوا]: لمّا، حرفٌ يجزم الفعل المضارع، ويقلب زمنه إلى الزمن الماضي، وينفيه نفياً يمتدّ إلى زمن التكلّم، فيكون المعنى: لم يذوقوا عذابي حتى وقت نزول الآية. وكان المضارع قبل الجزم: [يذوقون].
قال الممزّق العبديّ [15]:
فإنْ كنتُ مأكولاً فكنْ خيرَ آكلٍ وإلاّ فأَدْركْني ولمّا أُمَزَّقِ
[لمّا أُمَزَّق]: لمّا، حرف جازم ينفي ما يجزمه نفياً يمتدّ إلى زمن التكلّم، فيكون المعنى في البيت: لم أُمزَّق حتى وقت النطق بهذا الكلام.
[فلمّا نجّاكمْ إلى البرّ أعرضتم] [16]
[لمّا نجّاكم... أعرضتم]: لمّا، في الآية ظرفية (حينية)، ومتى كانت ظرفية دخلت على فعلٍ ماض، واقتضت جواباً يكون: إما فعلاً ماضياً كما في الآية، وإما جملة اسمية مقترنة بـ [إذاْ] الفجائية. ومثل ذلك طِبقاً قوله تعالى:
[فلمّا جاء أمرنا نجّينا صالحاً والذين آمنوا معه] [17]
فهي هنا أيضاً ظرفية، والفعل بعدها ماض، وجوابها ماضٍ كذلك.
[فلمّا نجّاهم إلى البرّ إذا هم يُشرِكون] [18]
[لمّا نجّاهم... إذا]: لمّا، ظرفية (حينية)، ومتى كانت ظرفية دخلت على فعلٍ ماض، واقتضت جواباً يكون: إما جملة اسمية مقترنة بـ [إذاْ] الفجائية، كما في الآية، وإما فعلاً ماضياً. ومثل ذلك طِبقاً قولُه تعالى:
[فلمّا جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون] [19]
[1] (المغني /165)
[2] رواية الديوان /191: وقالوا نراها يا جميلُ تبدّلت وغيّرها الواشي. فقلتُ: لعلّها
[3] (الإنصاف / 122)
[4] (الديوان / 77)
[5] [لكنْ] في المثال حرف عطْف، عطَفَ [الماء] على [اللبن]، إذ تحققت له الشروط الثلاثة: لم يقترن بالواو، وسبقه نفي، وتلاه مفرد لا جملة.
[6] (الأمالي للقالي 1/82)
[7] الأحزاب 33/40
[8] (الأغاني 12/233)
[9] الإخلاص 112/3
[10] الشرح 94/1
[11] من هنا أنهم يسمّونها أيضاً: [حينيّة].
[12] هود 11/66
[13] الزخرف 43/47
[14] (ص 38/8)
[15] (طبقات فحول الشعراء /232)
[16] (الإسراء 17/67)
[17] (هود 11/66)
[18] (العنكبوت 29/65)
[19] (الزخرف 43/47)