من أدوات الكتابة العربية:

ليس، ما، متى، مذ ومنذ

، بقلم يوسف الصيداوي

لَيْسَ

تأتي على وجهين:

الأوّل: فعل ماضٍ جامد(1) يفيد النفي، يرفع الاسم وينصب الخبر، نحو: [ليس خالدٌ مقصِّراً].

والثاني: حرف نفي لا عمل لها، بمنْزلة [ما] و [لا] النافيتين، وذلك إذا دخلت على الجملة الفعلية نحو: [ليس يعلم الغيبَ إلاّ الله] و[ليس خلَق الله مثلَه].

نماذج فصيحة من استعمال [ليس]

- [أليسَ اللهُ بكافٍ عبدَه] (الزمر 39/36)

[أليس]: الهمزة للاستفهام، و [ليس] فعل ماضٍ ناقص من أخوات [كان] ترفع الاسم وتنصب الخبر. لفظ الجلالة: اسمها، والباء حرف جرّ زائد، والخبر [كافٍ] مجرور لفظاً بالباء الزائدة، منصوب محلاًّ. ودخول هذه الباء على خبر [ليس] كثير جدّاً في كلامهم.

- قال النابغة الذبياني (الديوان /84):

يَهدِي كتائبَ خُضراً ليس يَعْصِمُها إلاّ ابتدارٌ إلى موتٍ بإِلجامِ

(يقول: إنّ حامل اللواء في جيش ممدوحيه بطلٌ يتقدّم كتائب خضراً تُرى مسودّة من كثرة السلاح، يعصمها من عدوِّها إلجام الخيل لا الهرب).

[ليس يعصمها]: ليس، حرف نفي بمنْزلة [لا] النافية، لا عمل لها. وكذلك تكون حين تدخل على جملة فعلية.

- قال البحتريّ (الديوان 2/1160):

ليس يُدرَى أصُنْعُ إنسٍ لِجِنٍّ سكنوه أم صنعُ جِنٍّ لإنْسِ

[ليس يُدرى]: ليس، حرف نفي بمنْزلة [لا] النافية، لا عمل لها.

- قال طرفة بن العبد (الديوان /29):

ولستُ بحلاّل التِّلاع مخافةً ولكنْ متى يَسترفِدِ القومُ أرفِدِ

(التلاع جمع تَلعَة: ما ارتفع من الأرض).

[لستُ بحلاّل]: [ليس] فعل ماضٍ من أخوات [كان] يرفع الاسم وينصب الخبر. والتاء (ضمير المتكلم) اسمها، والباء حرف جرّ زائد، والخبر [حلاّل] مجرور بالباء الزائدة لفظاً، منصوب محلاًّ. وقد قلنا آنفاً إنّ دخول هذه الباء على خبر [ليس] كثير جدّاً في كلامهم.

- قال الأعشى (الديوان /136)(2):

لهُ صَدَقاتٌ ما تُغِبُّ ونائِلٌ وليس عطاءُ اليومِ مانعَهُ غدا

[ليس]: فعل ماض من أخوات [كان] يرفع الاسم وينصب الخبر، [عطاء]: اسمها مرفوع، و [مانعَه] خبرها منصوب.

1- لم يُستعمَل منه مضارعٌ ولا أمر.

2- للبيت رواية أخرى هي: لهُ نافلاتٌ ما يُغِبُّ نوالُها وليس عطاءُ اليومِ مانعَهُ غدا


مَاْ

تأتي على وجوه:

الأول: الاستفهامية: ويُستفهَم بها عن غير العاقل، من الحيوان والنبات والجماد والأعمال؛ وعن حقيقة الشيء عاقلاً كان أو غير عاقل نحو: [ما الإنسان؟ وما الحيوان؟]، وعن صفته، نحو: [ما المتنبي في الشعراء؟]. وقد يسبقها حرف جرّ، فتُحذَف ألِفُها نطقاً وكتابةً نحو: علامَ، حتّامَ، إلامَ، مِمَّ إلخ ... ومنه قوله تعالى: ]عَمَّ يتساءلون[.

تذييل: [ماذا]

تأتي [ذا] بعد [ما] الاستفهامية في ثلاث صور:

- اسم إشارة نحو: [ما ذا الكتاب؟] أي: [ما هذا الكتاب؟ (ما + ذا: مبتدأ وخبر)].

- اسم موصول نحو: [ما ذا أتى بك؟] أي: [ما الذي أتى بك؟ (ما + ذا: مبتدأ وخبر)(1)].

- مركَّبة مع [ما]، فتكونان معاً كلمةً واحدةً تُعرَب على حسب موقعها من العبارة نحو: [ماذا أكلتَ؟ (ماذا: مفعول به)] و [لماذا جئت؟ (لماذا: جارّ ومجرور)].

الثاني من وجوهها: النافية: وتكون عاملة وغير عاملة.

- فغير العاملة: هي التي تدخل - مُهمَلَةً - على المبتدأ والخبر نحو: [ما زهيرٌ مسافرٌ]، أو على الفعل الماضي والمضارع، نحو: [ما سافر خالدٌ، وما ينبغي له أن يسافر].

- والعاملة: هي التي تعمل عمل ليس، فترفع المبتدأ وتنصب الخبر: نحو: ]ما هذا بشراً[، وإنما تعمل بشروط ثلاثة، فإنْ تخلّف أحدُها أُهمِلَتْ فلم تعمل، وهي:

آ- ألاّ يتقدّم خبرُها على اسمِها. فإن تقدم، لم تعمل نحو: [ما مسافرٌ زهيرٌ].

ب- ألاّ تتلوها [إنْ]. فإن تلتها، لم تعمل نحو: [ما إنْ خالدٌ كاذبٌ].

ج- ألاّ يكون في جملتها [إلاّ]. فإن كانت، لم تعمل نحو: [ما زهيرٌ إلاّ طالبُ عِلْم].

الثالث: الشرطية: وتجزم فعلين مضارعين: نحو: ]وما تفعلوا مِن خيرٍ يعلمْهُ الله[ (البقرة 2/197) ( انظر: جزم الفعل المضارع).

الرابع: الموصوليّة: وتستعمل لما لا يعقل، نحو: ]ما عندكم ينفَدُ وما عند الله باق] (2) (النحل 16/96)

الخامس: التعجّبية: وليس لها في الكلام إلاّ تركيب واحدٌ فقط لا تعدوه، هو [ما أَفْعَلَه!!]. مثال ذلك: [ما أَجْمَلَ الربيعَ !! - ما أَقْبَحَ الظُلمَ !!]، فقِسْ عليه. (انظر بحث التعجّب).

السادس: المصدرية: وتُسبَك هي وما بعدها بمصدر مؤوَّل.

ثمّ إمّا أن تكون مصدريةً زمانية، إن كان ما بعدها دالاًّ على زمان، نحو: ]وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمتُ حيّاً[ (أي: مدّة دوامي حياً).

أو تكون مصدريةً بَحْتاً نحو: ]لهم عذابٌ شديدٌ بما نَسُوا يومَ الحساب[ (أي: بنسيانهم يومَ الحساب).

السابع: الكافّة(3): وتَمْنَعُ العاملَ من العمل. من ذلك:

- اتّصالُها بـ [إنّ] وأخواتها، فيكون ما بعدهنّ مبتدأً وخبراً نحو: [إنما خالدٌ طالبُ عِلْمٍ].

- واتّصالُها بـ [ربّ]، فيقال: [ربّما زهيرٌ قادمٌ]، وتدخل عندئذٍ على الأفعال فيقال: [ربّما يسافر زهير].

الثامن: ما الواقعة بعد [نِعْمَ وبِئْسَ] نحو: [نِعمَ ما فعل زهيرٌ + بِئسَ ما فَعَل] (انظر: نعم وبئس).

التاسع: الإبهاميّة: وتقع صفةً لاسمٍ قبلها تفخيماً أو تحقيراً نحو: [لأمرٍ ما يتوالى الليل والنهار] و[أعطِ السائل شيئاً ما].

العاشر: الزائدة: وتقع بين المتلازمين نحو: ]فبما رحمةٍ من الله لِنْتَ لهم[، ]أينما تكونوا يأتِ بكم الله[، ]عمّا قليلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادمين[، ]مِمّا خطيئاتهم أُغرقوا[. وتقع كثيراً بعد [إذا] نحو: [إذا ما زرتنا أكرمناك].

هوامش

1- تنطبق هذه الأحكام أيضاً على [مَنْ] الاستفهامية إذا تلتها [ذا].

2- قد تستعمل [ما] للعاقل إذا اختلط بغير العاقل: ]يسبّح لله ما في السماوات وما في الأرض[، أو كان للعاقل أنواع: ]فانكحوا ما طاب لكم من النساء[، أو كان أمره مبهَماً: ]نذرتُ لك ما في بطني[.

3- سُمِّيَت كافّةً، لأنها تكفّ العامل عن أن يعمل، أي تمنعه من العمل. كنحو أنْ تتصل بـ [إنّ] فتكفها عن نصب الاسم ورفع الخبر، فيكون ما بعدها مبتدأً وخبراً، نحو: [إنما خالدٌ تلميذٌ].


متى

تأتي على وجهين:

- الأوّل: اسم استفهام يُستفهم به عن الزمان ويعربونه ظرفاً، نحو: [متى سَفَرُكَ ومتى ترجِعُ؟]. وقد يُجَرّ بـ [إلى] و [حتى]، نحو: [إلى متى تَتَّبعُ هواك وحتى متى تطيعُه؟].

- الثاني: اسم شرط يجزم فعلين، ومنه قول الحطيئة (الديوان /81):

متى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضوءِ نارِهِ تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عندها خَيْرُ مُوقِدِ(1)

وقد تلحقه [ما] الزائدة للتوكيد، ومنه قول الشاعر:

متى ما تَلْقَني فَرْدَيْنِ تَرْجُفْ .............................

هامش

1- فعْل الشرط [تأتِ]، وجواب الشرط [تجدْ] وبه تتعلّق [متى] باعتبارها ظرفاً.


مُذْ و مُنْذُ

[مُذْ] و [مُنْذُ] ظرفَاْ زمان، معناهما: إما ابتداء المدة نحو: [ما زرتنا منذ يوم الجمعة] أو جميع المدة نحو: [ما زرتنا منذ عام]. وهما مبنيّتان تتماثلان في كلّ شيء إلا اللفظ(1)، وتدخلان على الجُمل والأسماء، ولا يمتنع بعدهما إلاّ مجيء الاسم منصوباً.

نماذج فصيحة من استعمال [مذ ومنذ]

- قال الفرزدق (المغني /373):

مازال مُذْ عَقَدَتْ يداه إزارَهُ وسَما فأدركَ خمسةَ الأشبارِ

يُدني كتائبَ مِنْ كتائبَ تلتقي في ظلِّ مُعْتَرَكِ العَجاجِ مُثارِ

[مذْ عقدتْ يداه]: شاهد لدخول [مذ] على جملة فعلية: (عقدت يداه).

- وقال الأعشى (الديوان /135):

وما زلتُ أَبغي المالَ مذ أنا يافعٌ
وليداً وكهْلاً حين شِبْتُ وأمرَدا

[أنا يافعٌ]: مبتدأ وخبر. وذلك شاهد لدخول [مذ] على جملة اسمية.

- وقال دِعْبِل الخُزاعي (الديوان /85):

ألَمْ تَرَ أنّي مُذْ ثلاثون حِجّةً أروحُ وأغْدو دائِمَ الحَسَراتِ

[مذ ثلاثون...] شاهد لمجيء الاسم بعد [مذ] مرفوعاً. (ثلاثون: ملحق بجمع المذكر السالم، مرفوع بالواو).

- وقال امرؤ القيس (الديوان /89):

قِفا نبكِ مِن ذكرى حبيبٍ وعرفانِ ورَبْعٍ عَفَتْ آثارُه منذُ أزمانِ

[منذُ أزمانِ] شاهد لمجيء الاسم بعد [مذ] مجروراً.

الهامش

1- نظراً إلى تماثلهما، جرينا على استعمال هذه أو تلك على حسب الحال، في كل موضع، بدون تفريق.


يوسف الصيداوي

- عالم لغوي سوري راحل

من نفس المؤلف