احتفالية (ديوان العرب) في ضيافة (أدب ونقد) الرصاصة الأخيرة مجازر الاحتلال الصهيوني في غزة ٢٠١٤

الصفحة الأساسية > ديوان الدراسات المحكمة > البديع فى شعر ابن النبيه المصري

البديع فى شعر ابن النبيه المصري

بين الطبع والتكلف

٢ شباط (فبراير) ٢٠١٠بقلم شعبان أحمد بدير

 إضاءة: 

ابن النبيه (شأن غيره من شعراء القرن السادس) قد جمع بين سمات الطبع والتكلف، فاتجه فى بعض شعره إلى حرفية الشاعر الذى يساير المظهر المسيطر على الشعر فى عصره، كما اتجه فى بعض شعره إلى التخلى عن هذه الظاهرة، وقد ناقش د. عبد العزيز الأهوانى هذا المظهر فى الشعر المصرى أثناء حديثه عن ابن سناء الملك ومشكلة العقم والابتكار، إذ يرى أن شعراء القرن السادس الهجرى وقفوا عند الكلمة اللغوية وقوفاً طويلاً واعتمدوا على جرسها اللفظى فيما أتوا به من جناس مختلف الأنواع جعلوه همهم فى قصائدهم ومقطوعاتهم، واعتمدوا على الكلمة فى استخراج التورية التى هى عندهم آية من آيات البلاغة، بل جعلوا من رسم الكلمة وشكلها المكتوب مادة للتشبيهات والاستعارات، وتلاعبوا ما شاء لهم التلاعب بالألفاظ، وما تجره الألفاظ من تداع لفظى ومعنوى، ساعدت عليه طبيعة اللغة العربية وأصولها الثلاثة" (1) وبذلك يجعل البديع مظهراً من مظاهر العقم والتكلف بوصفه طريقة فى استعمال اللغة عند شعراء ذلك العصر" ومن ثم يمكننا القول بأن اعتبار اللغة ينبغى أن يكون أساس المعالجات التى تنطلق من الفهم المتكامل لقضية الطبع والتكلف بوصفها مدخلاً نقدياً موضوعياً" (2) الأمر الذى أملى علينا فى هذا المبحث من الدراسة أن نناقش شعر ابن النبيه من خلال هذا المنظور.

 ومن أهم أسباب ذلك أيضاً أن النقاد ذهبوا مذاهب شتى فى النظر إلى شعر ابن النبيه وتصنيفه، فنجد د. عبد اللطيف حمزة قد نسبه إلى مدرسة البديع وزعيمها القاضى الفاضل" ومن تلاميذها ابن سناء الملك، وابن النبيه، وعمر بن الفارض، ومحى الدين بن عبد الظاهر" (3) أما الدكتور أحمد سيد محمد فنجده أحياناً ينسب ابن النبيه إلى مدرسة الصنعة، وذلك بالاستشهاد ببعض أبياته على هذا الاتجاه، يقول:" وقد تبلور هذا الاتجاه – اتجاه الصنعة – فى لغة الشعر وألفاظه فاتجه أصحاب هذه المدرسة إلى حشد التزاويق والزخرفة اللفظية، وتتضح خصائص أسلوبهم فى النماذج التالية:

 يقول ابن النبيه مادحاً موسى الأيوبى:

صُلَّتْ وصَلَّتْ فى رُؤوسِ العِدى 
كأنَّ فى الآذانِ منهـا أدانْ
مولاىَ جُدْ وانعمْ وصِـلْ واقتدرْ 
وافتِكْ فما تفرَحُ أُمُّ الجَبـانْ (4)

وأحياناً أخرى نجد الدكتور أحمد سيد محمد ينسب ابن النبيه إلى مدرسة الرقة التى" تتجه إلى مخاطبة الروح المصرية التى عُرفت برقة الشعور وعذوبة الحديث وخفة الظل كما تعكسها أبيات الشاعر ابن النبيه:

أفـديهِ إنْ حفِظَ الهـوى أو ضيّعا ملكَ الفُؤادَ فما عسى أنْ أصنَعَا(5)

فنرى فى المثالين السابقين استشهاداً على الاتجاهين من شعر ابن النبيه، وهذه الآراء المتباينة تقتضى منا البحث لبيان النسبة الحقيقية لاتجاهه الفنى.

فقد ذهب الدكتور عبد العزيز الأهوانى فى دراسته عن ابن سناء الملك ومشكلة العقم والابتكار إلى أن شعراء العصر الأيوبى جميعهم قد أخطأوا فى فهم الشعر ومهمة الشاعر، وظنوا أن الأساس فيهما هو سعى الشاعر نحو الجهد العقلى والحرص على الابتكار والاختراع، وهذا دفع بالشعر نحو العقم والانحراف" و يمكن أن نجمل مظهر الانحراف فى أن الشاعر لم يفهم أن الشعر تعبير عن عاطفته وتصوير لإحساسه، وإنما أعتقد أن الشعر جهد عقلى يصدر عن التفكير والوعى المنظم،ويقوم على نوع من الحجاج المنطقى والتوليد الذهنى،وما يجره هذا كليةً من تفنن فى المعانى وتلاعب بالألفاظ ومنافسة للقدماء" (6)

وإذا كان الدكتور الأهوانى يصف شعراء العصر جميعهم بالسعى نحو العقم والحجاج المنطقى والابتعاد عن روح الفن، فإن الدكتور أحمد سيد محمد يرى أن الدكتور الأهوانى" وصف جانباً واحداً من لغة الشعر فى ذلك العصر وهو لغة مدرسة التصنع أو التكلف التى راحت تبتكر وتولد المعانى وتتخذ من التلاعب اللفظى سبيلاً لهذا التوليد، ومن شعرائها ابن سناء الملك وشيخه القاضى الفاضل، وكانت فكرة الابتكار هى الشغل الشاغل لكلا الشاعرين، ولكنه من التعسف تصديق هذه الأحكام على شعراء العصر أجمعين , فقد شهد ذلك العصر مدرستين من الشعراء تميل إحداهما إلى ما ذهب إليه ابن سناء الملك وأضرابه، ومالت الأخرى إلى النقيض من ذلك" (7) وهذا يعنى أننا يجب ألا ننعت شعر عصر بعامة بأنه متكلف أو نحكم على إبداع شاعر بأنه كله من النوع المتكلف، أو أنه من مدرسة الطبع والرقة، كما ذهب إلى ذلك د. عبد اللطيف حمزة والدكتور الأهوانى ؛ لأن الأقرب إلى الدقة القول بالتخصيص لا بالتعميم ؛" ذلك لأننا مع تسليمنا بصحة ما يقال عن اختلاف حظوظ الشعراء من الطبع، فإننا نسلم بصحة ما يقال عن اختلاف حالات الشاعر الواحد فى ذلك" (8) وهذا يعنى أن شعر الشاعر الواحد هو مزيج من الطبع والتكلف، ولا يعد إفراط الشاعر فى استخدام البديع تكلفاً" إن كان مبعثه الطبع وثمرة لانفعال الشاعر بموضوع شعره، ولكن الإلحاح على طلب ذلك فى الشعر، دون حاجة فنية أو نفسية باعثه عليه هو التكلف بعينه" (9) وهذا المعيار هو الذى قرره عبد القاهر الجرجانى فى الفصل بين ألوان البديع المقبولة وغير المقبولة فى قوله:" وعلى الجملة فإنك لا تجد تجنيساً مقبولاً، ولا سجعاً حسناً، حتى يكون المعنى هو الذى طلبه واستدعاه وساق نحوه، وحتى تجده لا تبتغى به بدلاً، ولا تجد عنه تحولاً، ومن هاهنا كان أحلى تجنيس تسمعه وأعلاه وأحقه وأولاه، ما وقع من غير قصد من المتكلم إلى اجتلابه وتأهب لطلبه أو ما يحس لملاءمته، وإن كان مطلوباً بهذه المنزلة وفى هذه الصورة،...ومما تجده كذلك قول البحترى:

يعْشَى عن المجدِ الغَبىُّ ولنْ ترى فى سُؤدَدٍ أرباً لغير أريبِ (10)

وهذا يجعلنا نقر بأن هناك نوعين من البديع" البديع المتكلف المذموم، والبديع المطبوع المحمود، وعيار ذلك عندهم التلقائية والمناسبة، وإتيانه عفو الخاطر دونما مكابدة، وقد يضاف إلى ذلك اعتبار الندرة والإفراط" (11) فإننا لا نستطيع أن نحكم على شعر أبى تمام – مثلا – بأنه كله من النوع البديعى المتكلف، وأن شعر البحترى من النوع الرقيق المطبوع، وذلك لأن كليهما كانا يطلبان الصنعة ويولعان بها، كما ذهب إلى ذلك ابن رشيق الذى يفرق بين صنعتيهما بأن" حبيب يذهب إلى حزونه اللفظ وما يملأ الأسماع منه مع التصنيع المحكم طوعاً وكرهاً، ويأتى للأشياء من بعد ويطلبها بكلفة ويأخذها بقوة، وأما البحترى فكان أملح صنعة، وأحسن مذهباً فى الكلام، يسلك دماثة وسهولة مع إحكام الصنعة وقرب المأخذ، لا يظهر عليه كلفه ولا مشقة"(12) وعلى الرغم مما اشتهر عن أبى تمام من أنه زعيم المتكلفين فى البديع، يصفه أبو الفرج الأصفهانى فى الأغانى بقوله:" شاعر مطبوع لطيف الفطنة، دقيق المعانى غوَّاص على ما يستصعب منها ويعسر تناوله على غيره" (13) ونفهم من هذا أن أبا تمام كان كغيره من الشعراء الموهوبين يملك الطبع الفطرى، ولكنه أصقل هذا الطبع بالثقافات المتعددة التى خرجت به أحياناً عن أصول الفن الصحيح وأسلمته إلى التكلف، وأحياناً أخرى كان يترك نفسه على سجيتها فجاءته فنون البديع عفو الخاطر دون تكلف، أى أن الفيصل فى ذلك هو الاعتدال" وكيفية المعالجة، وهل استطاع الشاعر أن يستخدم ألوان البديع استخداماً ذا قيمة لها، أم أن المسألة تنتهى عند مجرد استعراض قدرات لفظية لا قيمة لها إلا فى إرباك المتلقى بصناعة الألفاظ" (14) .

وانطلاقاً من هذا المبدأ يكون على الناقد ألا يحكم أحكاماً عامة على شعر أى شاعر ويصفه كله ضمن اتجاه شعرى أو أدبى معين، وأن يكون تحليل هذا الشعر وتصنيفه من منطلق خصوصية هذا الشعر، ولقد ذهب د. على صافى حسين فى رؤيته لشعر هذه الفترة وتصنيفه لهذا الاتجاه المعتدل، حيث يرى أن" كل شعر ضخمت أوزانه وجزلت ألفاظه وكثرت فيه المحسنات البديعية، والمصطلحات العلمية، كان فى رأيناً جارياً على منهج الصنعة والبديعيات، سواء أكان قائله ممن نسبوا إلى مدرسة الكتاب، أو إلى مدرسة السهولة والرقة أو مدرسة العقائد...، وكل شعر سهلت ألفاظه وخفت أوزانه ورقت معانيه، ولم نشتم فيه رائحة التكلف والاعتساف، ولم نجد فيه شيئاً من تعقيد الأسلوب وإبهام التعبير، فإننا ننسبه إلى مدرسة السليقة والطبع، سواء أكان قائله المؤيد فى الدين أم القاضى الفاضل وابن سناء الملك أم البهاء زهير وابن مطروح" (15)

 ونستطيع من منطلق هذه الرؤية تقييم البديع فى شعر ابن النبيه، حيث جاء شعره - كغيره من كبار شعراء العصر- مزيجاً من الطبع والتكلف، فكان ينسج شعره من لبنات عربية سليمة استوحاها من قاموس مصرى بسيط، يدل على طبع صادق، وفى رأى أن هناك أسباب قد أدت إلى غلبة هذا المظهر على كثير من قصائد ابن النبيه، وأهم هذه الأسباب ما يلى:

1- أنه على الرغم من معاصرته للكثير من الأدباء الذين يحاولون التأنق فى أسلوبهم والمبالغة فى صنعتهم الفنية، فإنه فى كثير من شعره ينتمى إلى تلك المدرسة التى عرفت بمدرسة الرقة، وطريقتها التى عرفت بالطريقة الغرامية ، وهذه المدرسة التى يرى الدكتور أحمد سيد محمد أنها ظهرت فى العصر العباسى ثم ازدهرت" فى عصر الفاطميين والأيوبيين بحيث كاد معظم الشعراء يتتبعون تلك الطريقة فى فنهم، فالألفاظ لينة وبحور الشعر مجزوءة أو قصيرة، ولا يظهر فى فنهم أى لون من ألوان التكلف، وقلّ أن يجد ألوان الزينة اللفظية إلا ما جاء للتظرف، فشعرهم صادر عن طبعهم، ويجرى على ألسنتهم وكأنهم يغرفون من بحر، وأكثر شعراء هذه المدرسة من الغزليين ولذا عرف مذهبهم فى العصر الأيوبى بالطريقة الغرامية" (16) ويبدو أن المقصود بأنها ظهرت فى العصر العباسى إشارة منه إلى اتجاه المطبوعين أمثال البحترى مما دفع أنصارهم فى صراع مع أنصار أبى تمام الذى كان يمثل التكلف فى منظورهم، وأما أن ألفاظ الزينة تقل فى شعرهم إلا ما جاء للتظرف، فهذا غير واقعى لأن دواوين الشعراء أمثال ابن النبيه والبهاء زهير وغيرهما تمتلىء بكثير من ألوان الزينة اللفظية ولكنها - فى الغالب - جاءت عن غير تكلف أو اعتساف.

ويذهب د. الجوينى إلى أن الطريقة الغرامية هذه مصرية خالصة، تستمد سماتها مما اتسمت به الشخصية المصرية من السهولة والبساطة التى هى" سمة من سمات الشخصية المصرية استلهمها الفنان المصرى من بيئته وأودعها فنه" (17) وكما نعلم أن الأديب والشاعر" معجمه الأول بما فيه من مفردات وتراكيب، وما يحمله من تصورات وأخيلة وتشبيهات، وما يدور حوله من موضوعات منتزع من هذه البيئة وضرب من ضروب وحيها، وأن أدبه المبكر انعكاس لمفردات بيئته وأساليبها وموضوعاتها كما بدت فى مرآة نفسه" (18) فنستمع إلى ابن النبيه يقول:

وما زالتْ العُشَّاقُ فى مَذهبِ الهوى يُفرِّقُهـا بَيْـنٌ ويجمعُهـا شَمْـلُ
وصـبٌّ يُعانِى الغَانيـاتِ وقلبُــهُ تُكلّمـهُ الألحـاظُ والحَـدَقُ النُّجْـلُ
ومَنْ يعشقِ البيضَ الحِسـانَ تيقَّنتْ ضمائِـرُهُ بالقَطع إنْ حَصلَ الوَصلُ
ألا إنَّ قلبـى قـد أصابَتـهُ أسهمٌ من البينِ حتى النَّصلُ صادَفهُ النَّصلُ
 كـأنَّ مقـاديـرَ الزمِـان قِسيّــَةٌ رمانِى بهـا والحادثـاتِ لها نَبْلُ (19)

فنلاحظ الطبع المتدفق فى التعبير عن مكنون نفسه تجاه محبوبته، وطرح بعض التأملات عن حقيقة العشق وأسرار القلوب فى أسلوب سهل رقيق، يذوب رقةً ولطافة، فالألفاظ سهلة ميسورة قد استوحاها من قاموس مصرى، ومن بيئة سهلة بسيطة، رغم استخدامه لبعض المحسنات التى جاءت عفوية دون تكلف مثل الطباق بين" يفرقها ويجمعها" وبين" القطع والوصل" والجناس بين" النصل والنصل" وبين" حصل والوصل" فنجد أن تلك المحسنات لو جاءت على سبيل التظرف كما ذُكر لجاءت قلقة يبدو عليها مظاهر التكلف.

2– وثانى هذه الأمور التى تدل على شيوع الطبع فى شعر ابن النبيه أنه كان من شعراء الحماسة الذين تغنوا ببطولات الأيوبيين ضد الصليبيين " ولا شك أن شعر الجهاد كان له أثره فى ذلك، فقد اتسم بانعدام التكلف والتقعر فى ألفاظه، وذلك أن الشاعر كان يقول القصيدة فى عفوية تامة، معبراً عن شعوره تجاه الحادثة التى يصفها، ولذا فقد اتسم هذا الشعر بصدق العاطفة وحرارة الانفعال" (20) وقد لوحظ أن شعراء الحماسة كانوا يستخدمون – فى الغالب – الألفاظ الرقيقة المهذبة السهلة والأسلوب البديع الرشيق، فنقرأ مثلاً لابن النبيه هذه الأبيات فى مدح أحد أبطال هذه الحروب وهو الملك الأشرف:

الأشرفُ الطَّلْقُ النَّـدى شاهَ أرمَنِ مُوسى المُظَّفرْ
مــلـكٌ إذا واليتـَـهُ أغْنى وإن عاديـتَ أفْقَرْ
يُردى ويُجدِى كالزَّمـا ن فلم يَزلْ يُشْكى ويُشكَرْ
صبٌّ بحدِّ السيفِ أحمـ ـر أو بقدِّ الرُّمحِ أسمرْ
نَجِسُ الظّـُبى ونِجـارُهُ مـن كلِّ مَنْقَصَةٍ مُطَهَّرْ
فكأنَّ صارمـهُ خطيـ ـبٌ مِصْقَعٌ والهامَ مِنبَرْ (21)

فالأبيات تفيض بعاطفة الحب لهذا الملك العظيم وانعكس ذلك على الألفاظ، فجاءت خفيفة مرحة، يكثر فيها المد لتتناسب مع الغناء والطرب، وتتعانق مع تلك الصفات الزخارف اللفظية، كالطباق بين" أغنى وأفقر ويردى ويجدى ونجس ومظهر" والجناس بين"يشكى ويشكر ويردى ويجدى".

وكان ابن النبيه كغيره من شعراء الحماسة الذين" وازنوا موازنة دقيقة فى هذا العصر بين ألفاظهم، وموضوعات شعر الحماسة، وقد استطاعت ألفاظهم أن تعطينا صورة واضحة المعالم والقسمات للبطل الأيوبى " (22) فنسمعه يقول واصفاً الملك الأشرف:

أبـا الفَتـحِ افتخِـرْ وابدأْ بنفسٍ 
لهـا شرفٌ على الفلكِ العَلىِّ
لك الكرمُ الذى فضـحَ الغَوادِى 
فحُمـرَةُ بـرْقِها خَجلُ الدَّعِىِّ
تخصُّ بمائِها فى الحيـنِ أرْضاً 
ومـالُـكَ للفَـقيـرِ وللغنىِّ
لك الجيشُ الذى إن جاشَ أرضاً 
دحا الهضَباتِ كالسَّيـلِ الأتِىِّ
إذا عطِشَـتْ جيـادُ الخيلِ فيـه 
سَقاها من دمِ البطـلِ الأبـىِّ
وكيف ثبـتَّ طـوداً مُشمَخِرًّا 
وأنت أخفُّ من أسـدٍ جَـرِّى (23)

فالأسلوب سهل والألفاظ نقلت لنا فى صورة موحية أوصاف هذا الملك بشجاعته الفائقة للحدود وكرمه الذى أخجل الغيث، على الرغم مما بها من المحسنات البديعية كالتضاد بين"الفقير و الغنى" والمقابلة بين شطرى البيت الأخير، والجناس الناقص بين"الجيش وجاش".

ومثلما تعبر ألفاظ شعر الحماسة عن أوصاف الأبطال والملوك، فإن هذا الشعر" يفيض بالألفاظ التى تعبر عن جو المعركة والألفاظ الإسلامية، وما يصور عقيدة الخصم الصليبى" (24) فنجد ابن النبيه يكرر كلمة الصليب ومشتقاتها كثيراً فى شعره مثل قوله:

 بـه دمَّرَ اللهُ الصَّليبَ وأهلَه بـه ملَّةُ الإسلامِ عالٍ مَنارُها (25)

وكان عادة ما يذكر الألفاظ التى تدل على عقيدة الصليبية (26) وأيضاً ما يؤكد عزة الإسلام وإباء المسلمين، مثل تكراره لعبارة"الله أكبر" التى تلهب المشاعر وتحرك كل نفس مؤمنة للدفاع عن عقيدة التوحيد ضد الصليبية المعتدين، فيقول مخاطباً ابنى العادل الأشرف والمعظم:

ليسَ الذى نِلتُموهُ كلَّ حظِّكُمُ اللهُ أكبـرُ والهِنديَّةُ البُترُ(27)

وكذلك كان يكثر من تكرار لفظ الجلالة، ليدلل على شرف الرسالة التى يقوم بها أبطال بنى أيوب:

بقيتَ لدينِ اللهِ تعـلِى مَنارَها 
وتهدِمُ بالإسْلامِ قاعـدَةَ الكُفْرِ(28)

وقوله:

أبقَى لها اللهُ هذا كافِلاً وسَقَتْ سحائِبُ العَفْوِ منها خيْرَ ملْحودِ
لله بحرُ نـوالٍ جفَّ مُشْرعُهُ وطَودُ مُلْكٍ هوى من بعد تَشْييدِ
أرى السَّناجقَ تهوى أنْ تُظَلِّلَهُ فى يومِ حربٍ بنصرِاللهِ مَشْهودِ (29)

ولقد صبغ اتجاه الحماسة عبارات ابن النبيه بصبغة حربية عسكرية، حيث يستخدم الألفاظ والعبارات المنتزعة من هذا الجو الحربى، حتى يحسن التعبير بها عما يريد، فيذكر أدوات الحرب، كالسيوف والدروع والرماح، خصوصاً السيف الذى كان ذا صولات وجولات فى ديوان الشاعر، فذكره بمسمياته المتعددة، يقول:

 نضَّاهُ سيفـاًعلى أعـداءِ دولتِهِ 
مـا كلُّ سيفِ لهُ تُثْنَى خَناصِرُهُ (30)
حُسامٌ له حـدٌّ يروعُ مَضـاؤُهُ 
وصفحةُ صَفْحٍ للذُّنُوبِ اغْتِفارُها (31)
صفائحُ وهى إذ دَبَّ الفِرندُ بها 
صحائـفٌ كُتِبتْ فيها المنيَّاتُ (32)
والضَّـاربُ الفَوْهـاءَ مُفتـرَّةٌ 
عن صـارمٍ كالمَبسِـمِ الأدْرَدِ (33) 

 فيستخدم مترادفات متعددة للسيف تدل على أثره فى مواجهة الأعداء، فهو السيف والحسام والصارم، والصفائح التى تقطع بها رؤوس الأعداء، وفى الوقت نفسه الصحائف التى تكتب فيها سجلات المنايا للأعداء والنصر للأبطال من المسلمين.

 وهكذا كان للاتجاه الحماسى أثره الفعال فى مفردات ابن النبيه وعباراته وتراكيبه التى تدل دلالة حية وواقعية على كل ما يتعلق بساحة الجهاد ضد الصليبيين، وهذا انعكس على استخدامه السهل للمحسنات البديعية على اختلاف أشكالها، فجعلته – إلى حد ما - سهلاً رقيقا فى استخدامها مع غرض الحماسة على وجه الخصوص، وانعكس ذلك أيضاً على الأغراض الأخرى.

3- كان ابن النبيه – كما أسلفت – ممن صاغوا الموشحات والأزجال، ولغة الموشحات فى مجملها" لغة صحيحة لا تخالف قواعد النحو العربى، ومن سار فى بحرها لم يصادفه لفظة تستعصى عليه أو تركيباً فيه لون من ألوان التعقيد، وهى بحكم قالبها الجديد وموضوعاتها وغنائيتها كانت فى غنى عن الديباجة الفاخرة" (34) ويذهب د. محمد زكريا عنانى إلى أن الموشحات" ليس فيها لا ضعف ولا ركاكة فى اللغة، بل إننا لنذهب إلى القول بأن لغة الموشحات – فى شفافيتها وتدفقها وأسرها – ساعدت على تدعيم مكانة الفصحى، لأنها أشاعت هذه اللغة الجميلة بين الناس، ومن ثم حالت دون سيطرة العامية، وجعلت للزجل مكانة ثانوية فى الأدب" (35) ويبدو أن هذه المواصفات التى اتصف بها أسلوب الموشحات، قد وفرت قدراً من الرقة والعذوبة فى ألفاظها وعباراتها حتى تناسب طبيعتها الغنائية، فشاعرنا يقول فى موشحته:

آه لو سقانى أخفى حرَّ نيرانى 
دُرةٌ ثمينه فى الياقوتِ مكْنونَه
مـا أشـدَّ حالى إذ لم أرَ وجهَك
بْنـتَ يـا غزالى ووكلتَّ بى ذكرَك
طالـتِ اللَّيالى من بعدِكَ يا أيبك

هل أراك دانى ففرِّحْ يا جانى مُهجةٌ حزينه فى يديك مرهونه (36)

 وتشير اللغة فى باقى الموشح إلى هذه السهولة والاعتماد على تناغم الألفاظ مع المد الموسيقى، والملاحظ أنها بعيدة عن الوقوع فى شرك العامية حتى فى خرجتها.

 أما زجله فجاء مزيجا من العامية والفصحى التى لا تلتزم بالإعراب ولا بالتشكيل الصحيح، لأنه لو وضع التشكيل الصحيح لفسدت أنغامه" فلغة الأزجال منذ القرن السادس الهجرى هى لهجات الكلام التى اختلفت بين البيئات فى نواحٍ كثيرة من الناحية الصوتية، وصيغ المفردات، وتخيّر الألفاظ" (37) يقول ابن النبيه فى دور من زجليته:

هات يا ساقى الحميّـا 
إن نجم اللَّيـل غـرّب
من يكون البدر ساقيـه 
كيف لا يشرب ويطرب
أنت والأوتار والكـاس 
للهمـوم دوا مجـرّب

ونراه يغلب العامية على الفصحى فى قوله:

ذا المليح فى الجنّه سيدو وأنا مسكين فى جهنّم
آه على قبلة فى جيـدو وأخرى فى ذاك الفميّم
 لو ترى حمرة خــدُودُ وعذاره المـنمنــم (38)

ويبدو أن الرقة فى موشح وزجل ابن النبيه قد تسللت إلى لغة القصائد عنده فجعلته يبدع من قاموس شعبى ينتسب إلى المدرسة المصرية فى الإبداع الفنى، التى اهتم شعراؤها" بالتعبير عن العواطف بطريقة أدنى إلى ذوق العامة لا الخاصة، وإن لم ينسوا فى هذه الطريقة أن يلائموا بينها وبين الزى الأدبى العام لمصر فى ذلك العصر، وهو الزى الذى يُؤثِرُ البديع ويعنى به عناية جعلت منه طابعاً للأدب المصرى، ولوناً من ألوان الشخصية، ولم يكن بدٌّ لمصر أن تتأثر بالبديع وألوانه المختلفة فى الأدب، ولم يكن بدٌّ لمصر من أن تترك أثرها فى هذا البديع نفسه كذلك، خاصة بعد أن نعمت بحضارة الفاطميين الزاهية، ثم حضارة الأيوبيين" (39) مما كان له أثره البيّن فى اتجاه ابن النبيه، فجعله يلائم بين رقته المعهودة وبين استخدامه لألوان البديع المتعددة.
 
- سمات الطبع والتكلف فى استخدام ابن النبيه لألوان البديع

 يوجد علاقة قوية بين فهم وإدراك قضية الطبع والتكلف فى البديع، وبين أسلوب الشاعر ولغته التى نسج منها فنه التعبيرى لأنه" متى كان أسلوب الشاعر فريداً أصيلاً متميزاً وأمكن القطع بذلك وفق معايير موضوعية فى تحليل أسلوب هذا الشاعر إلى تلك السمات" (40) .

والبديع - على وجه الخصوص – هو الأكثر ارتباطاً بالتكلف، ذلك لأن التكلف لم يرتبط بقضية" بلاغية قدر ارتباطه بالبديع فى التراث النقدى والبلاغى، وربما كانت علة ذيوع ذلك الارتباط ترجع إلى سهولة إدراك البديع وكشفه عن نفسه بمجرد السماع، وبغير حاجة إلى بذل الجهد فى التأمل والتفحص " (41) ، ومن ثم نستطيع من خلال تحليل قصائد ابن النبيه أن نتبين مواطن الطبع والتكلف فى استخداماته للمحسنات البديعية بصنوفها وأنواعها، ومن أهم أنواع البديع التى ولع ابن النبيه باستخدامها ما يلى:

1- التكرار

 من الخصائص الأسلوبية البارزة فى ديوان ابن النبيه، ويعرفه ابن الأثير بقوله:" دلالة اللفظ على المعنى مردداً وربما اشتبه على أكثر الناس بالإطناب مرة والتطويل أخرى... والمفيد اللفظ المركب، إما من الاسم مع الاسم بشرط أن يكون للأول بالثانى علاقة معنى...، وإما من الاسم مع الفعل بشرط المتصرف على هذا الشرط أيضاً، وإما من حرف النداء مع الاسم فهذا هو المفيد عند النحاة" (42) ويذهب إلى أن المفيد من التكرير" يأتى فى الكلام تأكيداً له، وتشييداً من أمره، وإنما يفعل ذلك للدلالة على العناية بالشىء الذى كررت منه كلامك، وغير المفيد لا يأتى فى الكلام إلا عيًّا وخطلاً من غير حاجة إليه" (43).

والتكرار يضع بين أيدينا مفتاحا للفكرة المتسلطة على الشاعر" وهو بذلك أحد الأضواء اللاشعورية التى يسلطها الشعر على أعماق الشاعر فيضيئها بحيث نطلع عليها، أو لنقل إنه جزء من الهندسة العاطفية للعبارة، يحاول الشاعر أن ينظم كلماته بحيث يقيم أساساً عاطفياً من نوع ما" (44) ومع ذلك فالشاعر ليس مطلق اليد والفكر فى تكرار ما يشاء، ولكن لا بد أن نعلم" أن التكرار يخضع للقوانين التى تتحكم فى العبارة، وأحدها قانون التوازن، ففى كل عبارة نوع من التوازن الخفى الذى ينبغى أن يحافظ عليه الشاعر فى الحالات كلها، إن للعبارة الموزونة كياناً ومركز ثقل وأطرافا، وهى تخضع لنوع من الهندسة اللفظية الدقيقة" (45) ولابد أن تحمل الكلمة المكررة دلالة تزيد من قيمتها، وكما يقول أحد النقاد:" وإننا نقترب كثيرا من روح الفن حيت نقول إن منشأ ثقل التكرار هنا هو فقدان الكلمة المكررة لأية دلالة شعورية خاصة، يستجيب لها وجدان المتلقى، ويتجاوب مع إحساس الشاعر، وسواء بعد ذلك أقلَّ تكرار الكلمة أم كثر، وإن كان الإكثار يزيد الإحساس بثقلها وبرودتها" (46) ، وقد يتشابه التكرار مع الجناس ولكن النقاد فصلوا بينهما، يقول الدكتور شفيع السيد:" والحق أن تكرار اللفظ دون المعنى لا يندرج تحت التكرار بمفهومه المتعارف عليه، بين علماء اللغة وأهل البلاغة، والذى أشرنا إليه فى البداية، وإنما هو ظاهرة أخرى معروفة فى البلاغة العربية تسمى الجناس، ولا ينبغى الخلط بين الظاهرتين" (47) .

ولقد جاء التكرار فى شعر ابن النبيه معبراً ودالاً على ما ينطوى فى داخل الألفاظ والعبارات من معان وعواطف وأحاسيس، فتعددت صوره وأنواعه ومنها نوع يفيد التوكيد ، ويستعين به الشاعر لتأكيد شىء فى مضمون فكره، مثل قوله مؤكداً على صفات الكرم والبشر والطلاقة والشجاعة والمهارة فى تصريف الأمور، وذلك بتكرار اللفظ والمعنى يقول:

طَلْقُ النَّدا طَلْقُ الحَيا طَلْقُ نَصْـ ـلِ السَّيفِ طَلْقُ الأمرِ طلْقُ اللِّسانِ (48)

وقوله مؤكداً على نسب الملك الأشرف الذى ورثه عن آبائه وأجداده:

الطَّاهرُ النَّسبِ ابنُ الطَّاهرِ النَّسَبِ ابـ 
ـنُ الطَّاهرِ النَّسبِ ابنُ الطَّاهرِ النَّسَبِ (49)

وكرر البيت نفسه فى مدح علم الدين ابن الصاحب وتهنئته بالعافية (50) فهو يؤكد على شرف النسب بتكرار مقطع واحد بلفظه ومعناه، ومن يقرأ البيتين يحكم عليهما بالغثاثة والاستهجان، ولكن يصدق عليهما ما قاله ابن الأثير عن بيت المتنبى فى مدح سيف الدولة:

العَارضُ الهَتِنِ ابن العارِضِ الهَتِنِ ابـ ـن العارضِ الهتنِ ابن العَارضِ الهَتِنِ (51) يقول ابن الأثير:" وهذا قد تكلم فيه من كان قبله وفاوضنى بعض أهل الأدب فقلت: ما الذى أنكرته فيه ؟ فقال: هو التكرير الغث، فقلت: ما الأمر كما تظن فإنه فى المعنى مثل قولى النبى - صلى الله عليه وسلم - فى وصف يوسف الصديق عليه السلام، فقال الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم، فإذا حققت النظر علمت ألاَّ عيب فى هذا البيت من جهة المعنى لأنه قال السخى ابن السخى ابن السخى، أى أنه نسبه فى السماء عريق" (52) ومن يقرأ هذا التعليل لابن الأثير يظن أنه يوافق المتنبى على تكرار عبارة"العارض الهتن" فى البيت، ولكنه يقول فى موضع آخر معلقاً على نفس البيت:" ولو تهيأ لأبى الطيب أن يبدل لفظة العارض بلفظة السحاب، أو ما يجرى مجراها لكان أحسن" (53) وهذا يعنى أن التكرار فى بيت المتنبى ومثله فى بيتى ابن النبيه قد أفسد الأسلوب وأضعف الإيقاع الموسيقى، ويستخدم التكرار فى مثال آخر للتوكيد على إخلاصه لممدوحه يقول:

يا إمامَ الهُدَى سلاماً سلامَا زادَ طِيباً فزدتُه تكريْرَا (54)

فذكر كلمة"سلاماً" ليؤكد على احترامه الشديد لخليفة المسلمين وإمامهم، ولهذا يأتى بكلمة"تكريرا" فى نهاية البيت ليؤكد علمه الجيد بأهمية هذه الظاهرة.

ويكرر الشاعر بعض الكلمات الخاصة، وكأنه يفرغ ما بداخله من شحنات عاطفية تجاه هذه الكلمات التى ينمو بها المعنى تدريجياً حتى يصل إلى ما يريد ؛ وذلك لأن" تكرار الشاعر لاسم معين فى قصيدته، سواء كان هذا الاسم علماً على شخص أم علماً على مكان إنما يعكس طبيعة علاقته به،فهو تكرار لا يجرى كيفما اتفق، بل ينبض بإحساس الشاعر وعواطفه" (55) فنرى تكرار ابن النبيه - أثناء مدحه للملك الأشرف - لكلمة"ملك"، التى تتناسب مع هذا العصر الذى كان الجهاد فيه هو الشغل الشاغل لكل مسلم، وكأنه يستخدمها بمعنى الزعيم أو القائد الأعلى، فنراه مثلا يكررها بصورة رأسية قائلا:

ملـكٌ بأسرارِ الغيُوبِ مكاشِفٌ فظنُونُـهُ تُغنيـهِ عن جبرينِهِ
ملكٌ غِرارُ السيفِ خيرُ درُوعِهِ والصَّافِناتُ الجُردُ خيرُ حُصونِهِ
ملكٌ يُرَى بين الصوارِمِ والقَنا كاللَّيـثِ فى أشبالِهِ وعرينِـهِ
ملكٌ إذا ما جاشَ بحرُ جيوشِهِ مـلأ المَـلا بسُهولِهِ وحُزونِهِ (56)

فيكرر كلمة"ملك" فى بداية كل بيت ليعبر عن فخامة الممدوح وهيبته، وما يتميز به من شجاعة لا مثيل لها فى ساحات الجهاد، وفى كل بيت يعطينا دفعة شعورية وفكرية جديدة تضاف إلى ما قبلها، وتضيف إلى المعنى دلالات وإيحاءات جديدة، وهنا نجد" النمط التكرارى يتحقق معه دفع المعنى إلى النمو تدريجياً وصولاً إلى الحد الذى يحسن الوقوف عنده حتى يمكن أن تعتبر اطراد المعنى تداخل مع وجوه المناسبة فيه" (57) ونراه يكرر نفس الكلمة فى مدح الخليفة العباسى يقول:

ملكٌ إذا ظمِئَـتْ شِفـاهُ رماحِهِ فى معرَكٍ فدمُ الوريدِ المَورِدُ
ملكٌ إذا التَطَمتْ صُفوفُ جيوشِهِ أيقَنـْتَ أنَّ البَـرَّ بحرٌ مُزبِدُ (58)

 فنلاحظ أنه لا يكرر كلمة الملك إلا فى وقت الحرب والجهاد ؛ للدلالة على الشجاعة والمهارة فى قيادة الجيوش والدفاع عن حرمة الإسلام والمسلمين والارتباط العاطفى بين الشاعر ومن يكرر اسمه.

وتعد الصيغ الصرفية من أهم الصيغ التى يكررها ابن النبيه، ومن بينهما فعل الأمر الذى يستخدمه فى مواقف مختلفة (59) ، وخصوصا فى تقديم النصح لممدوحه بالاستعداد للأعداء أو الهجوم عليهم، والنيل من قوتهم، يقول:

مولاىَ جُدْ وانْعِمِ وصِلْ واقتدِرْ 
وافتِـكْ فما تفـرَحُ أمُّ الجَبان
واركبْ جوادَ الدَّهرِ واسبِقْ إلى 
مـا تشتهيهِ قـدْ ملكتَ العِنان (60)
أنت الصَّباحُ فمزِّقْ ليلَ كُفرهِمُ 
واصبِرْ ورابِطْ فللأعمالِ نِيَّاتُ (61)

فالشاعر يعتبر نفسه الناصح الأمين، الذى يوجه ممدوحه إلى ما فيه صالح الأمة باعتباره كاتبه وأحد مستشاريه، فيدفعه إلى الجود والشجاعة ومواجهة كل الصعاب من أجل تحقيق النصر على الأعداء الذين يريدون النيل من بلاد الإسلام.

وبجانب أفعال الأمر نجد الأفعال الدعائية مثل"تهن ودم" وغيرهما من الأفعال التى تكررت كثيرا فى شعر ابن النبيه وخصوصا فى خواتيم قصائده (62) ويقصد به الدعاء لممدوحه بالسعادة مثل قوله:

تهنَّ نُعمَى أميرَ المؤمنينَ ودُمْ ياأيُّها الأشرفُ الميمونُ طائِرُهُ (63) 
وتهنَّ صومـاً حزتَ فيــ ـه ثوابَ من صلَّـى وأفطَرْ (64)
فتهنَّ يا ملكَ الملـوكِ بعيدِهِ فى ظـلِّ مُلكٍ دائـمَ السُّلطانِ (65)

فيذكر فعل الأمر"تهن" الذى لا يقصد به التوجيه أو الطلب، وإنما الدعاء لممدوحه بالسعادة ودوام التوفيق.

وفى الديوان صيغ أخرى يحرص ابن النبيه على تكرارها مثل"اسم الفاعل واسم المفعول" (66) كمثل قوله:

يا حارِسَ الدِّينِ لمَّا نامَ حارِسُهُ 
وناظِمـاً شَملَهُ من بعدِ تَبْديدِ(67)
أصبحَ فيها عـاذِليْ عـاذِرِي 
ومَلَّ من طُولِ الضَّنَى عُوَّدِي (68)
 
عليٌّ الحاجـبُ لا أمـوالـَهُ 
وقـامـعُ المُفسِـدِ بانْتقامِـهِ
كالغَيثِ طوْراُُُ مُبرِقا ً ومُرعِداً 
ومـاؤُهُ الآمـلِ بانسجامِـهِ
حامِلُ عِبءِ المُلـكِ لا يؤُودُهُ 
وطبُّهُ المُبرِيءُ مـن سَقامِـه
ولمْ يزَلْ في سَلْمِـهِ وحَربِـهِ 
مؤيَّـدَ الآراءِ بـاهتِمامِـهِ (69)
غُصنٌ تَرنَّحَ رِدْفُه ُفي خَصرِهِ فعجبتُ للمَعدومِ في المَوْجودِ (70)

فيكرر اسم الفاعل واسم المفعول والمصادر بأشكالها المختلفة بصورة تبدو عليها مظاهر التكلف، والقارىء لهذه الأبيات يشعر بثقلها بصورة تسىء للإيقاع والنغم الموسيقي , وكذالك للمعنى العام مما يخرج الشعر عن نطاقه الصحيح.

وتعد الضمائر من بين الكلمات المكررة التى يستعملها الشاعر بأسلوب خاص، مثل استعماله لضمير المتكلم"أنا" وهو لا يستعمله من منطلق الاعتداد بالنفس كما كان يحدث مع المتنبى مثلا، ولكنه يستعمله من منطلق الإقرار بالولاء والخضوع القلبى والنفسى للخليفة العباسى، وممدوحيه من بنى أيوب مثل قوله:

قالتِ العينُ وهى تُخرِجُ دُرًّا 
فاخراً من بحارِ ذاك المِدَادِ
أنـا أفـدى بياضَهُ ببياضِى 
أنـا أفدِى سوادَهُ بسوادِى
أنا عبـدُ الإمـامِ أحمد خيرٌ 
لى من نِسْبتِى إلـى أجدادِى (71)

أما إذا استعمل ضمير المخاطب"أنت" فهو يستعمله لبيان فضل ممدوحه عليه يقول:

أنـتَ قرَّبتنِى فأعليتَ قدرِى أنت خوَّلتنِى فأغْنيتَ فقرِى(72)

وكذلك يستخدمه لتوجيه ممدوحه وتقديم النصح له، أو مخاطبة الذى يلومه على تعلقه بمحبوبه:

عـذرتَ من أنت لهُ لائِمٌ 
رحمتَ من أنتَ لهُ كاشِحُ (73)

وهناك ألفاظ أخرى كررها الشاعر مثل اسم الإشارة"هذا وذاك" (74) كمثل قوله:

هـذا الـذى أرضَي العِبادَ وربَّهُمْ 
بغرائِبِ الإحسانِ والحَسناتِ
هذا الذى استغنَى عن الوزراءِ في 
تدبيـرِ عَقْدِ الرَّأي والرَّاياتِ
هـذا الإلـهيُّ الذي فـى يومِهِ 
يُنْبيكَ قبـل غدٍ بما هو آتِ (75)

فيستخدم اسم الإشارة المتبوع بالاسم الموصول لتوليد أبعاد ودلالات مدحية جديدة مثل قدرة ممدوحه على القيام بمهام العمل دون حاجه إلي وزراء أو معاونين وكذلك معرفته بالمستقبل وما يمكن أن يحدث قبل حدوثه.

ويستخدم اسم الإشارة"ذاك" الذى يشار به للبعيد فى الإشارة للقريب، بعد أن ألحق به الفاء قائلاً:

فلِـذاكَ أثمرَ أيدياً وجماجِماً 
وقنًا بلبّـَاتِ الرِّجالِ مُكسَّرا (76) 
حَجبتْكَ أنـوارُالمهابَةِ عنهُمُ 
فلِذَاكَ أعيُنُهمْ تراكَ ولا تَرَى (77)
فـذاكَ المـالُ مبْـذولٌ 
وذاكَ العِـرْضُ ما أصْوَنْ (78)

فرغبة الشاعر فى إقامة الوزن، وتوفير قدر من التناغم الصوتى والموسيقى، جعلته يستخدم اسم الإشارة فى غير مؤداه، مما أثقل النغم الموسيقى وأسلمه إلى الركاكة.

ومثلما يكرر بعض الأسماء والأفعال فإنه يكرر بعض الحروف التى تكون بمثابة لبنات تدعم المعمار اللغوى الذى يبنيه الشاعر فى قصائده، وأول ما نلاحظه من الأحرف المكررة"ياء النداء" حيث يكررها كثيراً فى شكل رأسى وأفقى (79) ، مثل قوله:

يا برقُ هذا منـك أصدَقُ شيمَةً 
يا غيثُ هذا منكَ أحسَنُ موقِعَا
يا روضُ هذا منك أبهَجُ منظراً 
يا بحرُ هذا منك أعذَبُ مَشْرَعا
يا سهمُ هذا منك أصوَبُ مَقصِداً 
يا سيفُ هذا منك أسرَع ُمقْطَعا
يا صُبحُ هذا منـكَ أسفَرُ غُرَّةٌ 
يا نَجمُ هذا منك أهدَى مَطْلَعا (80)

فهذه الأبيات تتضمن أربعة أنواع من التكرار: الأول – تكرار حرف النداء"يا" فى أول كل بيت، والثانى – تكرار اسم الإشارة"هذا"، الثالث - تكرار حرف الجر"من" المضاف إلى كاف الخطاب , الرابع - الاتيان بصيغة لاسم التفضيل فى كل شطرة مختلفة عن الأخرى وهى"أصدق – أحسن – أبهج – أعذب- أصوب – أسرع - أسفر- أهدى" وحاول الشاعر من خلال هذا الكم من التكرار أن يصل بممدوحه إلى درجة عليا من الأفضلية على كل تلك الأمور المذكورة" البر- الغيث - الروض - البحر - السهم - السيف - الصبح – الغيم"، وهذا النوع من التكرار يصدق عليه ما قاله د.شفيع السيد:" وقد يصل التركيب اللغوى الذى يكرره الشاعر إلى شطر كامل لبيت من الشعر , وربما يزيد على ذلك قليلاً , ووظيفة هذا النمط من التكرار كما يبدو من تأمل نماذجه، أن الشاعر يتخذ من العبارة المكررة مرتكزاً يبنى علية فى كل مرة معنى جديدا , وبذلك يصبح التكرار وسيلة إلى إثراء الموقف , وشحذ الشعور إلى حد الامتلاء" (81). ففى مواضع كثيرة يكرر ابن النبيه حرف النداء"يا" بطريقة رأسية قبل الاسم (82) فى بداية كل بيت , وأحيانا أخرى يرد النداء بـ"يا من" (83) ويكون الهدف منها محاولة إيجاد صفات جديدة للممدوح مثل قوله:

يا مَنْ يُصدِّقُ مادحيهِ كأنَّهمْ 
يتلونَ آيـاتٍ من القرآنِ
يا منْ يَرى أيدى العُفاةِ لمالِهِ 
أكفَى الكُفاةِ وأوثقَ الخُزَّانِ
يا مَنْ يرى أنَّ الثَّناءَ ذخيرةٌ 
تبقى عليهِ وكلَّ شيءٍ فانِ (84)

فيتخذ عبارة"يا من" مرتكزاً يبنى عليه في كل بيت معني جديداً يضيفه إلي سابقيه من المعاني , وأحيانا ً تأتى"يا النداء" مسبوقة بالهمزة"أيا" مثل قوله:

أيا ملِـكَ الأرضِ حَقْـاً إليـكَ 
مآلُ مشـارِقِـهـا والمغـارِبْ (85)
أيا يوسُفِيَّ الحُسْنِ لولاك لـم يَهُـنْ 
فتىً مُوسَـوىُّ المُنتمَى أشرفيّـُهُ (86)
أيا مُنعماً شُكْري له الواجبُ الأوْلي 
ويا مُخلصِاً للهِ في السرِّ والنَّجوَى (87)

فنشعر بمحاوله الشاعر تقريب ممدوحة بشدة من دائرة الضوء باستخدام همزة النداء السابقة للياء , وكأن هذه الصفات والألقاب التي ينادى بها ممدوحة لا تحق إلا له , ولذا لا نجده يستخدم تلك الصياغة إلا فى المدح دون غيره من الأغراض الأخرى.

وعلى الرغم من الدلالات التى يضيفها التكرار هنا، إلا أن افتقار الشاعر لحسن التصرف فى تراكيبه يلجئه عادة إلى استخدام هذه الكلمات المتكررة، إما لإقامة الوزن، أو لعدم قدرته على توفير البديل الذى يتمم به المعنى، وهذا يسلمه فى أحيان كثيرة إلى ركاكة الأسلوب، ويرى الدكتور عبدالعزيز الأهوانى أن" الركاكة تنشأ من عدم تمكن الأديب من اللغة التى يكتب بها، لافتقاره إلى معرفة أصولها، وإدراك أسرارها، ولقلة بصره بالفروق الدقيقة بين دلائل المفردات ومعانى التراكيب ومناسبات الجمل وروابطها، إن ما نسميه الركاكة ليس بشرط أن يكون خطأ فى نحو اللغة واستعمال مفرداتها فيما وضعت له، وإنما هو فى العجز عن التصرف باللغة بحيث تؤدى الأفكار وتعبر عن الإحساس تعبيراً مرهفا، وبحيث يكون تأليفها محكما متيناً، ونظمها متساوقاً منسجماً" (88)

ولا نستطيع أن نقول إن ابن النبيه لم يكن متمكناً من لغته، فقد كان مدعماً بثقافات ذات قيمة، أكسبه إياها طبيعة عمله كرئيس لديوان الإنشاء، ولكن يبدو أن مهام هذا المنصب أسلمته - أحياناً - إلى التكلف، وعجز عن التصرف بلغته الشعرية" ولعل أخطر ما يتعرض له الشاعر فى عصر الازدواج اللغوى أنه يضطر فى أحيان كثيرة حين تعجز لغته عن التعبير عن مشاعره، إلى أن ينصرف إلى التلاعب اللفظى بتلك اللغة من جانب، وإلى اصطناع المنطق العقلى من جانب آخر، فتصبح أشعاره منظومات عقلية لها خصائص تختلف عن خصائص الشعر الأصيل" (89) ، والشواهد على ذلك كثيرة فى شعر ابن النبيه، فنراه يكرر بعض الكلمات بصورة تفتقد إلى الحس الشعرى، مثل كلمة"حيث" التى يكررها رأسياً فى حديثه إلى كتابه الذى أرسله إلى الملك الأشرف قائلاً:

قِفْ بـدارٍ ببابِها وقَفَ الدَّهــ 
ـرُ مُطيعاً ما بين نهىٍ وأمْرِ
حيـثُ تمتـدُّ للعـوالِى ظِـلالٌ 
فوقَ بحرٍ من المكارِمِ يجرى
حيثُ نادَى السَّماحُ حىَّ على الجو 
دِ وقامـتْ صلاتُـهُ بالجَّهرِ
حيثُ أعـلامُ جوْشَن فرُبَا المشـ 
ــهدِ فالظَّاهريَّتينِ الخُضْـرِ
حيثُ تَنْدَى نواسِمُ الريحِ ما بيـ 
ــنَ قُويْقٍ ورَوضَةٍ والجِسْرِ
فسقَاهَا الحَيَـا وإنْ كـان يُغنِى 
جُودُ موسى عن السَّحابِ الغُرِّ (90)

فأراد بتكرار كلمة"حيث" أن يفتح أمام خيالة مساحات جديدة يستطيع من خلالها أن يتذكر كل ما يحيط بممدوحه من مظاهر البهجة والسعادة، وأيضا أبهة الملك وعظمة السلطان، ولكن الجهد العقلى الذى سيطر على الأبيات أخرجها من نطاقها الفنى الصحيح، وصبغها بصبغة التكلف، لأن اللفظ الواحد حتى لو حمل الكثير من الإيحاءات، فإن تكراره بهذه الصورة يدعو إلى ضعف الأسلوب وسطحيته، ويعكس عدم قدرة الشاعر على إيجاد ألفاظ جديدة تعبر عن المعنى بصورة أفضل من اللفظ المتكرر.

ولا يخفى علينا ما فى الأبيات من تكرار لأسماء للمدن مثل" جوشن - الظاهريتين - قويق والجسر"، وكان ذكر البلدان والأماكن من خصائص الشعر فى مصر الإسلامية"حيث يكاد الشعر المصرى يقدم لنا سجلاً جغرافياً بأسماء البلدان والأماكن المصرية من مدن وأحياء ومعالم" (91) مثل ابن سناء الملك الذى يعكس فى بعض أبياته غرام المصريين بتكرار المدن غير الفسطاط يقول:

أيا بَصَرِى لا تنظرنَّ إلى بُصْرَى فإنِّى أرى الأحبابَ فى بلدة أخْرَى
ومـا بلـدةٌ لـم يسكنـوها ببلدةٍ ولو أنها بين السِّماكيـن والشِّعرَى
أأهبِطُ من مصرٍ وقدماً قـدْ اشتهى على اللهِ أقوامٌ فقال اهبِطوا مصرَا
فوالله ما اشـرى الشـآمَ ومُلكَـهُ وغوطَتَهُ الخضرا بشِبرَيْنِ من شُبْرا
فإن عـدتُ والأيامُ عوُجٌ رواجعٌ لقد أنشأتْنِى قبلها النشأة َالأخْرى(92)

يعبر عن شوقه لأحبابه فى مصر، فينادى على بصرى التى هى من أعمال دمشق، ويذكر أيضا أماكن أخرى مثل"السماكين والشعرى" ثم يبدأ فى إظهار شوقه لوطنه الحبيب مصر، بتكرار اسم مصر فى البيت الثالث، ويبين أنه لا يمكن أن يقبل ملك الشام بغوطته الخضراء، حتى لو قيس بشبر واحد من شبرا وهى من الأماكن فى مصر.

ويجارى ابن النبيه هذه الظاهرة، فيكثر من ذكر المدن والأماكن فى قصائده مثل مدينة الفسطاط، يقول:

ساكنِى الفسطاطِ لو أبصَرتُكُم 
جُليتْ مـرآةُ عينٍ صَدِيْت (93)

ومثل مدينة"مفارقين" فى قوله:

تَرَحَّـلَ عن مفارقيْـنَ برَغْمِها ومالَ به فرطُ الحُنوِّ على حانِى (94)

وأيضا"القسطنطينية وخراسان" فى قوله:

ستملِـكُ قُسْطنطِينيَـةَ الرُّومِ عَنْوةً 
ويُخطَبُ عن قُربٍ له فى خُراسان(95)

وكذلك يذكر مدينة أخلاط فى قوله:

بثَغْـرِ خِـلاطٍ غُلَّةٌ بعدَ بُعْدِهِ وإنْ هو يوماً عادَ عادَ بريِّهِ(96)

ولا يغيب عنا التكلف الشديد للجناس فى هذا البيت من بدايته إلى نهايته بين كلمات"بعد بعده وعاد عاد" وهذا ينم عن الجهد العقلى الذى بذله الشاعر فى صنع البيت، ونراه يذكر بعض بلاد الموصل التى انتصر فيها الملك قائلاً:

فكَفْـرُ زَمَّـارَ على طِعانِهِ وقْفٌ وحرَّانُ على طَعامِه(97)

فذكر بلدتى"كفر زمار وحران" وهما مما رآه وعاش فيه أثناء مصاحبته للملك الأشرف.

والذى يدل على أن ذكر البلدان كان ظاهرة لافتة للانتباه فى شعر ابن النبيه أن المواضع التى ذكرها فيها تجاوزت مائة وبضع وعشرين موضعاً (98) حتى ليخيل إلينا أنه لم ينزل بلداً من البلدان، أو كان الملك الأشرف هو الذى نزلها فى فتوحاته وحروبه إلا وقد ذكرها فى ديوانه، وهذا - فى الغالب – أضر بالأسلوب أكثر مما خدمه لاقترابه بالشعر من التقريرية والسطحية، والابتعاد به عن مساره العاطفى والشعورى الصحيح.

وتعد أدوات الشرط"إذا – لو – إن" من بين الأحرف المتكررة فى ديوان ابن النبيه (99) ، ويعبر الشاعر من خلالها عن مدلولات داخلية لما يريد أن يكون على أرض الواقع، أو ما يجب أن يكون عليه الأمر الذى يتحدث عنه، مثل قول ابن النبيه:

فى أحسنِ الناسِ أشعارى إذا نَسبَتْ 
وفى أجَلِّ ملوكِ الأرضِ إن مَدَحَتْ (100)
فإذا حبَـا مـلأ المنـازلَ نعمةً 
وإذا سطـا مـلأ البسيطةَ عسْكَرَا (101)

فيستخدم"إذا وإن" لوضع تصورات لشىء يختمر فى ذهنه وأنه لو حدث المحرك والشرط لهذا الشىء لحدث، ولأرضى عاطفته نحوه.

ومن الحروف المكررة أيضا حروف النفى بأنواعها المختلفة وأكثر ما يستعمل ابن النبيه منها أدوات"ليس – لا – لم – ما"(102) يقول:

سعـادةٌ ليس لهـا آخـرٌ 
ولا ليومِ النَّفخِ فى الصُّورِ (103)
ما تاجُ كِسرى نَظيرُ كَمَّتِهِ 
وليـسَ إيوانُـهُ كدِيوانِـهْ (104)

ويستعمل"لا" مكررة فى قوله:

لا أرهـبَ الدَّهرُ أنْ يُثنِى مؤؤنتَه 
لا أختشِى قطْعَ رزقِى وهو قاسِمُهُ (105)
لـمَـوْلانـا الخليفَـةِ فيـه رأىٌ 
حديــدٌ لا يفِيـلُ ولا يُفَـلُّ (106)
يا مجلسَ اللَّهوِ لا أصبُو إليك ولا 
شخصُ النَّديمِ إلى شخصِى بمُقترِبِ (107)

فتكرار النفى يعمق الدلالة ويقوى المعنى. وأحياناً يقترن النفى فى بيت واحد بين"ما ولا" مثل قوله:

ما كلُّ ما صنعَ الجميلَ موَّفقٌ 
كلـاَّ ولا ربُّ السمـا بمُعِينهِ (108)
فمــا ينفــعُ مَـنْ يـلقا هُ دِرعٌ لا ولا جَوْشَــنْ (109)

ونخرج مما سبق أن التكرار يعكس لنا الأسلوب الذى بنى عليه ابن النبيه تراكيبه وقوالبه العامة التى بث فيها ما يريد من دلالات فكرية وشعورية، واعتمد عليها فى توسيع نطاق الأسلوب أمامه، ليستوعب ما بداخل عقله من أفكار ومقادير منطقية، أكثر مما بداخله من عواطف ومشاعر تكاد أن تصبح أشلاء ممزقة.

وعلى الرغم من أن ابن النبيه صاغ أسلوبه من لبنات عربية سليمة، وكون منها معجمه الخاص بعلم ودربة، إلا أنه استخدم بعض الألفاظ الأعجمية فى مواضع كثيرة من ديوانه، ويذهب الدكتور أحمد بدوى إلى أن هذه الألفاظ الفارسية"جاءت إليه من البيئة التى عاش فيها وكانت قريبة من بلاد فارس" (110) عندما كان مصاحباً للملك الأشرف فى الجزيرة وحران، والأمثلة على ذلك كثيرة فى ديوانه(111) مثل قوله:

مـا بينَ سِدرَتهِ وسُدَّةِ دَسْتِةِ 
نبأٌ يُقِرُّ لهُ الكفُورُ المُلْحـدُ (112)

فكلمة (دست) فارسية معربة بمعنى المجلس، ويقول أيضاً:

شفَّ بياضُ اللاَّذِ عن جسمِها كالخمـرِ فى باطـنِ بلّـورِ (113)
"فاللاذ" كلمة فارسية تعنى قماش حرير لطيف جداً (114) ويقول أيضاً :

تلقى أعادى موسى كما لقيت 
كراتـه عند ضـرب جوكانه (115)

فجوكانه كلمة معربة عن الفارسية وتعنى"عصا معقوفة الطرف تضرب بها الكرة" (116)

واستخدم كلمة"شاه أرمن" كثيرا فى شعره، وهو لقب الملك الأشرف، وسمى بذلك لاستيلائه على بلاد الأرمن (117) وكلمة شاه بمعنى الملك بالفارسية، يقول مثلاً:

أشكو إلى شاهَ أرمنٍ موسى المليـ 
ـكِ الأشـرفِ السَّبَّـاق للغاياتِ (118)
الملكُ الأشـرفُ شـاهَ أرمــنٍ 
ربَّ المعالى والنّـَدَى والنَّـدِى (119)

وفى ديوان ابن النبيه أمثلة كثيرة على ذلك (120) مما يضيق المجال عن ذكرها فى هذا الموضع، ونرى أن ذلك جاء تكلفاً منه وتحايلاً عقلياً وتلاعباً بالألفاظ

وعلى الرغم من أن أسلوب ابن النبيه سهل بسيط لا ينطوى فى الغالب على تعقيد أو إغراب، ولكن هذا الأسلوب السهل قد أدى إلى هبوطه فى بعض التعبيرات إلى درجة الشعبية المفرطة، كمثل قوله:

وعلى كـلا الحالينِ إنِّى شاكِرٌ 
داعٍ لأنَّ اللهَ يسمعُ من دَعا (121)
يا آلَ شادى زِدتِمْ به شرفاً 
كـلُّ كتـابٍ يُقْرأ بعُنوانِهْ (122)

فوصل الشاعر بأسلوبه إلى السطحية وعدم التعمق، وتبدو الركاكة والعامية واضحة لغة ونغماً فى قوله" وعلى كلا الحالين إنى شاكر" وقوله:" كل كتاب يقرأ بعنوانه" وهذا التعبير الأخير تعبير شهير ويضرب بين الناس مضرب المثل، ويعنى أن الشىء يُعرف ما ينطوى عليه من بشائره وبداياته، وإذا كان الشاعر قد أراد أن يَسِم أسلوبه بميسم السهولة والبساطة، إلا أنه لم يوفق فى ذلك " ومن هنا كانت السهولة شيئاً والركاكة شيئاً آخر،وكانت العامية شيئاً ثالثاً، فالعامية لغة مستقلة لها أساليبها وألفاظها ولها بلاغتها كما أدرك ذلك ابن خلدون قديما،فإن تسربت العامية إلى اللغة المعربة تسرباً غير طبيعى، منشؤه ضعف شاعر العربية، حدثت الركاكة" (123) فنقرأ مثلاً لابن النبيه قوله مخاطباً بنى أيوب:

واللهِ لا زِلتـمْ ملـوكَ الوَرَى 
شرقاً وغرباً وعلىَّ الضَّمانْ (124)

فعبارة "وعلى الضمان" عبارة مبتذلة، لا دخل للشعر الصحيح فيها ولا علاقة له بها، فطبعت البيت بطابع السوقية والابتذال، وأسلمته إلى الركاكة وضعف الأسلوب.
2– الاقتباس والتضمين:

من أكثر الألوان البديعية شيوعاً فى ديوان ابن النبيه، حتى صارت تضميناته مضرب المثل عند البلاغيين والنقاد القدماء والمحدثين، ويعرف ابن الأثير هذا اللون البديعى بقوله:" فهو أن يضمن الآيات والأخبار النبوية، وذلك يرد على وجهين، أحدهما تضمين كلى والآخر جزئى، فأما التضمين الكلى فهو أن يودع بعض الآية والخبر ضمن الكلام، فيكون جزءاً منه"(125) ، وهذا المحسن البديعى قديم فى الشعر العربى" ولكن المصريين بذوقهم أشاعوه فى أدبهم بدرجة لافتة حقاً، فصرنا نصادف التعابير القرآنية والدينية تتخلل أغراض الشعر وفنونه، من وصف إلى لهو وعتاب" (126).

ويرى ابن الأثير أن هذا اللون البديعى فيه نظر" بين حسن يكتسب به الكلام حلاوة، وبين معيب عند قوم، وهو عندهم معدود من عيوب الشعر" (127) ويبدو أن مقصد ابن الأثير بالحسن والمعيب يدخل تحت باب المطبوع الذى يأتى عفو الخاطر دون قصد، والمتكلف الذى يقصد إليه الشاعر، فيملأ به أبياته ويضر بالأسلوب والعاطفة معاً، وربما أخرجهما عن نطاق الفن الصحيح إلى المبالغة الممقوتة، وهذا ما لاحظه عبد الرحيم العباسى على بعض اقتباسات وتضمينات ابن النبيه، فنراه يقول:" من أفحش السخف وأقبحه إدراج الفحشين من الشعراء الآيات الشريفة فى أشعارهم عن طريق المجون والسخف، والتهاون فى مثل ذلك يجر إلى الانسلال من الدين والعياذ بالله" (128) ويضرب مثلاً على الاقتباسات غير المقبولة بقصيدة ابن النبيه فى مدح القاضى الفاضل:

قُمتُ ليلَ الصُّدُودِ إلاَّ قليلاَ ثـمَّ رتَّلـتُ ذِكرَكُمْ ترْتيْلا (129)

والعباسى ربما يقصد المبالغة فى الاقتباس والتضمين للدرجة التى تجعل الشاعر يضمن أبيات قصيدته آيات من سورة المزمل التى استخدم أواخر آياتها فختم بها أبياته، وأعار ممدوحه بعض صفات الخالق سبحانه وتعالى، وهذا عيب خطير فى الاقتباس كما ذهب ابن حجة الحموى فى تقسيمه لأنواع الاقتباس من القرآن، حيث يرى أن الاقتباس من القرآن يتم على ثلاثة أقسام وهى:" مقبول ومباح ومردود، فالأول ما كان فى الخطب والمواعظ والعهود ومدح النبى (صلى الله عليه وسلم) ونحو ذلك، والثانى ما كان فى الغزل والرسائل والقصص، والثالث على دربين أحدهما ما نسبه الله تعالى إلى نفسه ونعوذ بالله ممن ينقله إلى نفسه"(130) كما فعل ابن النبيه فى تلك القصيدة فهو يقول فى مدح الفاضل:

أنا عبـدٌ للفاضِـلِ بـنِ علِىٍ قـدْ تبتَّلـْتُ للثَّنَـا تبْتيْــلا
وإذا كانَ خصْمُكَ الدَّهرَ والحُكْـ ـمُ إلى اللـهِ فاتَّخِـذْهُ وكيْـلا
لا تَسُمْـهُ وغْـداً بغيـرِ نـَوالٍ إنّـَهُ كـانَ وعْـدُهُ مَفْعُـولا (131)

 فنراه يصل بالفاضل إلى مكانة عالية لا يدانيها أى إنسان، وحق أن يخترع فيه التنزيل والعياذ بالله، والاقتباس هنا من الآيات القرآنية: " واذكُرِ اسـمَ ربِّكَ وتَبَتَّلْ إليهِ تَبْتِيلاً # رَّبُّ المَشرِقِ والمَغْرِبِ لا إلهَ إلاَّ هُوَ فاتَّخِذْهُ وكِيلاً" (132) وقوله تعالى: "السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعُدهُ مَفْعُولاً" (133) والقصيدة كلها على هذا النحو من المبالغات والإسراف فى الاقتباس، حتى ليعتبرها ابن حجة الحموى من الاقتباسات الغير مقبولة، ويقول بعد ذكر الأبيات السابقة:" ونعوذ بالله من قوله بعد ذلك:

جَــلَّ عنْ سائِرِ الخَلائِقِ مَدْحاً 
فاخْتَرَعْنَـا فى مدحِهِ التَّنْزِيلاَ (134)

ويبدو أن هذا التكلف والمبالغة لم يكونا إلا فى القصائد التى مدح بها القاضى الفاضل، وغيره من الكتاب مجاراة لهم فى مذهبهم البديعى الذى نشروه فى هذا العصر، مثلما نجد فى قصيدته التى مدح بها الأسعد بن مماتى وبدأها بقوله:

أعيُونـاً أدارهَـا أمْ عُقَـارَا 
فترى النَّاسَ حينَ يرْنُو سُكارَى (135)

يقول فيها:

وكما زدتَهُ عُلـُواً وفضـلاً 
لا تـزدْ حاسديـهِ إلا تَبارَا (136)

 فأخذ المعنى من قوله تعالى: " ربِّ اغفرْ لِى ولوالدىَّ ولمَنْ دخلَ بيتِىَ مؤمناً وللمؤمنِينَ والمؤمنَاتِ ولا تزِدِ الظالميِنَ إلاَّ تَبارَا"(137)

 ويؤكد ما ذهبنا إليه أنه عندما تحرر من أسر هذا التملق، وأخذ مكانته الأدبية وأطلق العنان لنفسه وجدنا الكثير من الاقتباسات التى تدل على الإحساس الصادق والطبع المتمرس، وقد بلغ عدد المواضع التى استخدم فيها ابن النبيه الاقتباس من القرآن ما يزيد عن بضع وثلاثين موضعاً (138) كمثل قوله مقتبساً من سورة يوسف وقصته:

صِنْفٌ من التُّركِ والخُدَّام قد بلغَا 
بأقبَـحِ الفعلِ فينا غَايةَ الأمَلِ
فسعـدُ هذا بما قـد قُدَّ من دُبُرٍ 
فيـه وهذا بما قد قُدَّ من قُبُلِ (139)

ومثلما يقتبس من قصة يوسف كذلك يقتبس - كثيراً - من قصة موسى عليه السلام لتعمق كلا القصتين فى وجدان المصريين، وتجدد مشاعر هذا الوجدان فى العصر الأيوبى لتوافق اسم"يوسف" النبى مع اسم صلاح الدين يوسف الأيوبى، واسم"موسى" النبى مع اسم موسى الأشرف بن الملك العادل ممدوح ابن النبيه، فنجده مثلا يعقد مشابهة بين ما يفعله موسى الأشرف، وما فعله موسى النبى عليه السلام، يقول:

ملِيكٌ يخُوضُ الجيشُ ضرباً بسيفِهِ 
ومازالَ موسى بالعصا فالِقَ البحرِ
عليمٌ لـهُ سهمٌ مـن الغَيبِ صائِبٌ 
وما كلُّ موسى مُستمدٌّ من الخِضرِ(140)

 فيأخذ دلالات من قصة انفلاق البحر بعصا موسى، وأيضا ايحاءات من قصة موسى والخضر، ويقتبس منهما دلالتيهما. ويقول:

ملكٌ بيـاضُ يمينـِهِ لسميِّهِ موسى ومنظرُهُ البديعُ ليوسُفِ (141)

وأيضا يقتبس من قصة سليمان عليه السلام، يقول:

هذا سُلَيمانُ لكنْ سرُّ خاتَمِهِ موسى فمـا ضرَّهُ فُقْدانُ داودِ (142)

فيجمع بين الأنبياء الثلاثة"سليمان وموسى وداود" فيأخذ من قصة سليمان معنى شعبياً، ألا وهو"أسطورة خاتم سليمان" الذى مكنه من فعل الأعاجيب، والسر فى ذلك هو موسى الأشرف الذى تذلل أمامه جميع الصعاب، ولذلك فلا يضر سليمان فقدان أبيه داود.

ومثلما يقتبس من القرآن الكريم، وما ورد فيه من قصص، يقتبس كذلك من الحديث النبوى الشريف، مثل قوله:

 كـلُّ الصَّلاةِ خِداجٌ لا تمامَ لها إذا تَقضَّتْ ولم يذْكرْهُ ذاكِرُهُ (143) 
 
فنراه يقتبس من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:" كل صلاة لم يقرأ فيها بأم الكتاب، فهى خداج، فهى خداج" (144)ويخرج منه بمعنى مدحى جديد، بالغ فيه وخرج إلى حدود الإحالة، وهو أن المصلى إذا لم يذكر اسم الخليفة العباسى فى صلاته فإن صلاته باطلة ولا تمام لها. ويقول فى مثال آخر:

تـَؤمُّ الجَـوارحُ أعـلامَـهُ 
تروحُ بِطاناً وتغدُو سواغِبْ (145)

فيأخذ المعنى من حديث لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ويربط بين مؤداه، وبين أثر جيوش الأشرف على الأعداء، وإسقاطه لقتلاهم، مما جعل الطيور التابعين له تأكل منها وتنعم بها، وتعود وقد شبعت وملأت بطونها وأحياناً كان يقتبس من أشعار السابقين بعضاً من العبارات، مثل قوله:

هذا هو الجودُ لا قَعبانِ من لبنٍ والجودُ بالنفسِ أقصَى غايةِ الجودِ (146)

فالشطر الثانى من البيت عجزٌ بيت لمسلم بن الوليد من قصيدة فى مدح داود بن يزيد بن المهلب يقول فيه

تجودُ بالنفسِ إذ أنت الضَّنينُ بها والجودُ بالنفسِ أقصى غايةِ الجودِ (147) 

- التصنع لمصطلحات العلوم:

وقد شاع فى ذلك العصر تضمين الشعراء للمصطلحات العلمية، وما يدل عليها، ويذهب الدكتور عبد العزيز الأهوانى إلى أن السبب فى ذلك توجه الشعراء بشعرهم لطبقة محدودة، وهى طبقة الفقهاء واللغويين والمدرسين وطلاب العلم " والشاعر لابد له، وقد جعلت الظروف اللغوية هذه الطبقة هى الحكم على فنه، أن يجعل فهمها للشعر وذوقها له وبصرها بالجيد منه والردىء ميزانه وأساسه فيما ينتج من شعر، وذوقها كما رأينا ذوق مدرسى، لأن دوافعها إلى التعلم وعكوفها الثقافى هو فى المقام الأول لولاية مناصب القضاء ووظائف الدواوين والتعليم المدرسى" (148) ومن ثم أكثر الشعراء من استخدام مصطلحات العلوم تأثراً بذوق الجمهور الذى يتجهون إليه بشعرهم، والأمثلة على ذلك كثيرة فى شعر ابن النبيه، فيقول مستخدماً بعض مصطلحات علم الحديث"كالعنعنة" أو علم السند:

يرْوِى العُلَى عن نفسِهِ عن أبٍ 
عالٍ فما فى نصِّه عن فُلاَن (149)

أى أن تلك الأسرة موثوق فى صحتها ورفعة نسبها للدرجة التى يؤخذ منها الحديث مرفوعاً إلى الأصل دون أن نسأل عن سلسلة السند التى نقلته.

ويقول فى مثال آخر:
خـذْ أحاديـثَ عُـلاهُ إنَّها 
بأسانيـدِ مديـح رُويَتْ (150)

ويستخدم علم الكيمياء فى بعض توليداته المعنوية، وسبحاته الخيالية، يقول:

تعلَّمـتُ علـمَ الكيميـاءِ بحبِّـهِ 
غزالٌ بجِسمِى ما بجفنيْهِ من سُقْمِ
فصعَّدتُ أنفاسى وقطَّرتُ أدْمُعِى 
فصَحَّ بذا التَّدبيرِ تصفيرَةُ الجِّسمِ(151)

فلوعة الحب وما يقاسيه من شجن قد سببا له السقم فى جسده والحيرة فى فكره، حتى كأنه تعلم الكيمياء فتصعدت أنفاسه، وتقطرت أدمعه ونحل جسده واصفر من فرط العشق والحرمان من المحبوب.

ويقول أيضاً:

صحَّتْ له كيمياءُ الحمدِ إذ سَبَكتْ 
يُمناهُ للبَذْلِ إكسيراً من الذَّهبِ (152)

ويستخدم أيضاً من علم النحو بعض فروعه" كالخفض والرفع" كمثل قوله واصفاً المطايا:

فهى مثـلُ القِسِىِّ شكـلاً ولكـنْ 
هى فى السَّبْقِ أسُهمٌ لا مَحَالهْ
تركَتْها الحُداةُ فى الخَفْضِ والرَّفْـ 
ـعِ حُرُوفـاً فى جرِّها عَمّالهْ (153)

ويستخدم علم الهندسة فى وصف دقة جمال أحد الغلمان يقول:

وبِى هندسِىَّ الشَّكلِ يَسبيكَ لحظُهُ 
وخـالٌ وخـدٌّ بالعِذارِ مطَرَّزُ
ومُـذْ خطَّ بِيكـارُ الجمالِ بخدِّه 
عِذاراً علمنا أنَّمـا الخالُ مرْكزُ (154)

 وكأن هذا الجمال قد رسم بنظام هندسى دقيق، والخال على الخد هو مركز الدائرة وأساس هذا الجمال. ويستخدم علم التاريخ فى قوله:

فلـو علمَ المؤرِّخُ ما 
تغالى فى الذى دَوَّنْ (155)

والاقتباس من هذا العلم وغيره من العلوم المشهورة التى تكرر استخدامها فى ديوان ابن النبيه، تدل دلالة واضحة على أنها كانت ظاهرة أسلوبية ذات شأن، ليس فى ديوانه فقط ولكن فى دواوين شعراء العصر بصفة عامة.

3– الجناس:

 من المباحث البديعية التى اهتم النقاد والبلاغيون بتعريفها وبيان أهميتها، والتدليل عليها من القرآن وآداب العرب، وهو" اشتراك المعانى فى ألفاظ متجانسه على جهة الاشتقاق" (156) أى أنه مبحث مستمد – فيما يرى د. محمد عبد المطلب - من مباحث" اللغة حول المشترك اللفظى، ومن مباحث الصرفيين حول الاشتقاق الذى تتوافق فيه الصور اللفظية... باعتباره أقرب النمطيات إلى الناحية الصوتية الخالصة، وقد تناولوه بتفريعات معقدة حرصاً منهم على أن يتمثل فى التركيب أقصى درجات التوازن، خاصة فيما أسموه بالجناس التام الذى تتساوى فيه أنواع الحروف وأعدادها وهيئاتها بين كلمتين نتج عنها صورة لفظية لها إيقاعها الخاص هى"الجناس" (157) .

 وقد ذكر الكثير من الأنواع للجناس، فذهب أبو هلال العسكرى إلى أن أنواع التجنيس كثيرة ومتعددة" فمنه ما تكون الكلمة تجانس الأخرى لفظا واشتقاق معنى، ومنه ما يجانسه فى تأليف الحروف دون المعنى... ومن التجنيس ضرب آخر، وهو أن يأتى بكلمتين متجانستى الحروف إلا أن فى حروفها تقديماً وتأخيراً، ومن التجنيس نوع آخر يخالف ما تقدم بزيادة حرف أو نقصانه..." (158) ، والجناس المقبول هو الذى يأتى الشاعر عرضاً ليس فيه تكلف ولا يجبر الأسلوب على قبوله من غير مناسبة.

ومما لاشك فيه أن الجناس ظاهرة لافتة فى الشعر المصرى، وكان للمدرسة المصرية آراء فى هذا اللون البديعى مستوحاة من طبيعة البيئة والشخصية المصريتين وما تتحليان به من البساطة، وقد لاحظ الدكتور أحمد سيد محمد أنه على الرغم من انتشار طريقة مدرسة التكلف بين شعراء العصرين الفاطمى والأيوبى، فإن لفيفاً آخر هاجمها وراح يردد:

إذا أحبَبـتْ قولَ الشِّعـرِ فاختـرْ 
لنظمِـكَ كـلَّ سهلٍ ذى امتِناعِ
ولا تقصِـدْ مجـانسـةً ومـكّن 
قوافِيـهِ وكِلْـهُ إلى الطِبَـاعِ

وكان الأسعد بن مماتى ممن لا يجعل الجناس له مذهباً فى نظمه وما أطرف ما قال: 

طبعُ المجانِسِ فيـه نـوعُ قيادِةٍ 
أو مـا تـرَى تأليفَـهُ للأحـرُفِ (159)

وهذه الأبيات توضح مذهب المصريين فى الجناس، والذى ينطلق من مبدأ الطبع والبعد عن الإغراب والتكلف، والعجيب أنهم لم يلتزموا بهذا الرأى، وكان الاهتمام الأول لكل منهم أن يجمع فى قصائده أكبر قدر من الجناس، فهذا هو الأسعد بن مماتى الذى قدمنا رأيه بضرورة الاقتصاد فى الجناس، يغرق هو نفسه فيه، فنجده يقول مثلاً:

إلامَ يصيرُ القلـب للخطـب مِنْبَـرَا 
ويصبـر للجُلَّى وإنْ كـان مُنْبَرَا ؟
وكيف يُلامُ الصـبُّ فى صـبِّ دمعه 
عقيقاً علـى مصفـرِّ خديه أحمرَا ؟
وقَدْ وَقَدَ البَـرْحُ المبـرِّحُ فى الحشا 
فراع دخانُ الوجد فى الوجه منظرا
وزادت دواعى الشوقِ إذ زالت القُوَى 
فأصبـح معـروفُ التجلُّـدِ منكرا
فلـو شـامَ طَرْفُ الشامِ برقَ تنفسى 
لتذكـار مَـنْ فيـه إذنْ لتَـفَطَّرا

علـى أنَّ مـن أمسى رفيـقَ تفـرقِ ومن قَصَّدَ الأشعارَ فى الشوقِ قَصَّرا(160)

فنلاحظ أنه لم يترك بيتاً واحداً إلا وحشد فيه ما استطاع أن يحشده من الجناس بشتى صوره وأنواعه.

ولقد سار ابن النبيه – فى كثير من شعره - على هذا النهج الذى سار عليه شعراء عصره فى هذا اللون البديعى، فنجده يهتم بالناحية الصوتية على حساب المعنى، ودقة الأسلوب، ولذلك امتلأ ديوانه بالكثير من الأمثلة على الجناس بشتى صوره وأنواعه(161) ومن أمثلة ذلك قوله فى مدح الملك الأشرف:

مُتناقضُ الأوصافِ طودَ مَهـابَةٍ رَسَختْ ركانَتُـهُ وغصـن تعطُّفِ
ويريـكَ مـن آرائِـهِ وعطائِهِ تحريـرَ نِحريـرٍوبـذلَ مُجَـزَّفِ
وعلى مُتونِ الجُردِ أظلَمُ ظالِـمٍ وعلى سريرِ المُلكِ انصفُ مُنصِفِ
فحريقُ جَمرَةِ سيفِـهِ للمعتَـدِى ورحِيـقُ خَمْـرةِ سيبـهِ للمُعْتَـفِى
يـا بدرُ تزعُمُ أنْ تُقاسَ بوجهِهِ وعلى جبينـِكَ كُلفـَةُ المتكلّـِفِ (162)

فعلى الرغم من وصف الدكتور شوقى ضيف لجناسات ابن النبيه بقوله: إنها" جناسات خفيفة على اللسان والآذان، لأن صانعها موسيقى ماهر فى قياس الأنغام" (163) إلا أننا نجده فى هذه الأبيات، يهتم بجمع أكبر قدر من الجناسات المتنوعة، فيجانس بين" يريك وآرائه – تحرير ونحرير – أظلم وظالم – أنصف ومنصف – كلفة والمتكلف" ثم يجانس بين جميع كلمات البيت الرابع "حريق ورحيق – سيفه وسيبه – جمرة وخمرة – المعتدى والمعتفى" ويسير فى أغلب أبيات قصيدته على هذا الجهد العقلى والتكلف اللغوى، ولا يخفف من وقعه سوى خفة الايقاع الموسيقى للأبيات.

ولقد تسببت محاولات ابن النبيه التقرب من ذوى السلطان أمثال القاضى الفاضل فى تكلفه للجناس، مثلما حدث فى الاقتباس، وهذا ما نلمسه فى كثير من القصائد التى مدحه بها، يقول مثلاً:

ترنمتْ كالوُرْقِ بين الأوْراقْ هـى الغَـزالُ خِلقَـةً وأخلاقْ
قالتْ لطَرفِى وهو دامِى الآماقْ قطَعـتَنِى والقَطْـعُ حدُّ السُّرَّاقْ
إنْ رمَقَـتْ لم يبقَ فىَّ إرماقْ والطَّرفُ سُمٌّ والرُّضـابُ دُرْياقْ(164)
كمْ غَرضٍ فيـهِ للحـظٍ رشّاقْ يجرحُـهُ وهـو جريـحُ الآماقْ
حظِّى بعد بُعدِهـا والإحـراقْ طويـلُ هجرٍ وهجيرُ أشـواقْ
ذاتُ ذُؤابـاتٍ وثغـرٍ بـرَّاقْ أبيضُـهُ لأسْوديهَـا دريــاقْ
لو نُقلَ الخاتَـمُ وهو سَفّـاقْ من خِنْصَرى لخَصرِهَا لما ضاقْ(165)

فالأبيات –كما نرى– تنطق بالتكلف الممقوت الذى جاء نتيجة الجهد العقلى الذى بذله الشاعر، فأخرجه من نطاق الفن الصحيح، ربما ظناً منه أن ذلك يرضى ممدوحيه، وهذا جعله يأتى بالجناس الثقيل بين أغلب كلماتها" كالورق والأوراق –خلقة وأخلاق– قطعتنى والقطع – رمقت وإرماق – يجرحه وجريح – بعد وبعدها –هجر وهجير- خنصرى وخصرها"

 فنلاحظ أنه لم يشغله المعنى بقدر ما شغله حشد الجناسات المتعددة فى الأبيات، وهناك بعض الجناسات التى قد تبدو مسايرة للسياق، ووفق ما يقتضيه المعنى إلا أننا نشعر فيها بالتكلف وإرغام السياق على قبولها مثل قوله:

لمَّـا دعَا داعِيه أعلَنَ باسمِهِ فتشارَكَ الثَّقلانِ فى تأمِينهِ (166)

فالجناس بين"دعا وداعيه" نشعر فيه بالتكلف لأن الشاعر كان فى مقدوره أن يأتى بكلمة بدلا من"داعيه" وكذلك قوله:

مَلكٌ لهُ الأمْلاكُ من رهبَةٍ 
ورغْبـةِ أعناقُهـا خُضَّعُ (167)

فكلمة "الأفلاك" جاء بها للجناس مع كلمة "ملك" وكذلك جانس بين كلمتى "رهبة ورغبة" على ما بينهما من طباق

وعلى الرغم من تكلف ابن النبيه للجناس، إلا أننا نجد فى ديوانه الكثير من الأمثلة التى جاءت نتيجة طبع صادق، ولذا نجدها عفوية سهلة، ليس فيها صعوبة ولا إجبار للسياق على قبولها، مثل قوله:

يقولُ مَـنْ يسمـعُ ألفاظَهُ 
هذا جِنانٌ يانعٌ أم جَنانْ (168)

فالجناس بين" جنان وجنان" لا نشعر فيه بالتكلف، على الرغم من توالى كلمتى فى شطرة واحدة.
 ويقول أيضاً:

معسولُ أطرافِ الحديـثِ كأنَّما 
يسقِى المسامِعَ مُسكِراً أو سُكَّرا (169)
 وما عرفَ السَّقامُ طريقَ جسمى 
ولكنْ دَلُّ مَـنْ أهـوى يَـدُلُّ (170)

فنلاحظ أن الشاعر لم يشغله الجناس بقدر ما شغله المعنى، والإيقاع الموسيقى، الذى ينتج عن تشابه الكلمتي المتجانستين فى الحروف والحركات.

وما سقناه من أمثلة يدل على أن ابن النبيه كان مسايراً لموجة التكلف للجناس الذى شغله أكثر من شغله بالمعنى الذى يعبر عنه.

4– الطباق والمقابلة

وهما ثانى الألوان البديعية التى برزت فى ديوان ابن النبيه، أما عن الطباق فقد عرفه البلاغيون القدماء بقولهم:" الجمع بين الشىء وضده فى جزء من أجزاء الرسالة أو الخطبة أو بيت من بيوت القصيدة، مثل الجمع بين السواد والبياض والليل والنهار"(171) ووجود الطباق والمقابلة من بين عناصر الأسلوب، يضيف إليه إيقاعات جديدة، وذلك لأن وجود" التناقض فى التركيب إنما يحقق فى النهاية نوعا من التناسب أيضاً، فالطباق والمقابلة فيها عناصر الإيقاع المعنوى، ولذا جعلها قدامة من نعوت المعانى" (172) فالفائدة فى استعمال الطباق والمقابلة ليست لكونهما يعكسان قدرة الشاعر على صنع صيغ وتراكيب متقابلة أو متضادة، وإنما قدرتهما على صنع إيقاع معنوى يزيد من سحر الأسلوب وجاذبية التعبير، هذا بالإضافة إلى ما لاحظه د. عبد العزيز الأهوانى فى أن الطباق والمقابلة يساعدان على تحقق المفارقات فى الشعر، ويعنى بها" تسجيل التناقض بين ظاهرتين لإثارة تعجب القارىء دون تفسير أو تعليل. وكلا النوعين يرتد إلى أصل واحد يرتبط بقضية واحدة" (173) ويذكر فى موضع آخر من كتابه أن أكثر ما يعين ابن سناء الملك على الإتيان بهذه المفارقات" هو حرصه على فن آخر من فنون البديع هو المطابقة والمقابلة، وعن هذا الأصل تجىء المفارقات وإن لم يذكر فعل التعجب، وذلك كقوله:

لـمْ تزلْ صائِماً عن الإثمِ تقوَى 
فجمعـتَ الصيـامَ والإفطارَ

فالمقابلة بين الصيام والإفطار... ربما هى التى هيأت هذا المفاراقات فى أول الأمر، ولكن المفارقة عند الشاعر أهم من المقابلة..." (174)

ولقد حاول ابن النبيه استثمار الطاقات المعنوية والإيقاعية للطباق والمقابلة فنجده يقول فى إحدى قصائده:

بيتُ الخلافـةِ والإحسـانُ أوجـدَهُ  
ربُّ العبــادِ ولا لاعدِمنــاهُ
أذكَى لِحَاظَ المَواضِى عِزُّ عَزْمتِــهِ  
فما غَزَتْ وسبَتْ إلا ســراياهُ
يا مَنْ إذا ما عـدِمنا الدُّرَّ أوجدنَـا  
لفظاً يُرخَّصُ بين الناسِ أغلاهُ
كمِ اصطنَعتَ وكمْ أوليتَنِى حَسَنـاً  
فليسَ يبلغُ أقصَى الشُّكرِ أدْناهُ
دامتْ علينا بـه النّـُعمَى وأمَّننَـا  
ممـا نخـافُ أدامَ اللهُ نُعماهُ
واِلهْ تنَمْ فى هنِىءِ العيشِ فى رغدٍ  
ولا تكنْ كالشَّقِىِّ الحظُّ عاداهُ (175)

فالطباق يخدم المعنى ويساعد فى خلق جو من التنغيم الموسيقى، فيطابق بين"أوجده وعدمناه" وفى البيت الثالث يعطينا طباقات متساوية بين"عدمناه وأوجدنا وبين يرخص وأغلاه" وفى البيت الرابع بين"أقصى وأدناه" وفى الخامس بين"أمننا ونخاف" ثم نختم بالمقابلة بين شطرى البيت بين حال السعادة وحال الشقاء. وله الكثير من الطباقات التى تأتى -إلى حد ما– عفوية سهلة، وذلك مثل قوله:

لهُ قلـبٌ وأعطـافٌ 
فمـا أقْسَى وما ألينْ
وما ينفـعُ كِتْمـانِى 
ودمـعُ العينِ قد أعلَنْ
فأنسَى بعدَ وحشتِـه 
بنظمِ مديحِ شاهَ أرمَنْ (176)

فعلى الرغم من استخدامه للطباق فى البيتين الأول والثانى بين"أقسى وألين" وبين" كتمانه وأعلن"إلا أننا لا نشعر فيه بالتكلف، ومع السهولة والطبع الظاهر، نجد له بعض الطباقات التى لم تسلم من شرك التكلف والتصنع الذى يذهب برونق المعنى والأسلوب معاً كقوله:

ذاتُ ذُؤابـاتٍ وثغـرٍ بـرَّاقْ أبيضُـهُ لأسوديهَــا دِريـاقْ
حكَى على الأغصانِ دُرًّا مُتلاقْ أو مننَ الفاضلِ فـوقَ الأعناقْ
لـه يـدٌ قابلـتْ باستحقـاقْ بقبضِ أرواحٍ وبســطِ أرزاقْ (177)

وإذا كان الطباق قد لعب هذا الدور فى البنية اللغوية لشعر ابن النبيه، حتى لم تخل قصيدة واحدة من الأمثلة الكثيرة عليه(178) فإن المقابلة هى الأخرى كان لها دور فى ذلك، حيث ولع بها أكثر من ولعه بالطباق، ويحاول من خلالها عقد مقارنات جميلة تغذى الفكر مثلما تغذى النفس والشعور، كقوله مقارناً بين حال الأشرف فى وقت السلم وحاله فى وقت الحرب، يقول:

يا موقدَ النارِ للأضيافِ من كرمٍ
ومُوقِدَ النـارِ للأعداءِ منْ نقمِ
فكمْ لسَلمـكَ من نـارٍ على عَلمِ 
وكمْ لحَربكَ من نارٍ على عَلمِ
السيفُ مثلكَ طلقُ الوجهِ مُبتسمٌ 
إذا اكفهرَّتْ وجوهُ الخَيلِ والبُهُمِ (179)

فالأشرف فى حال السلم كريم يوقد النار لإعداد الطعام لأضيافه الذين يقصدونه من كل مكان، وفى حال الحرب يوقد نار النقمة على أعدائه الذين يذوقون نار جبروته وقوته، وعندما تحتدم المعركة ويحمى الوطيس وتعبس وجوه الخيل، نرى السيف مثل صاحبه مبتسم الثغر، ضاحك الوجه، وضحكه - بالطبع – هو فتكه بالأعداء.
ويتناول نفس المعنى بصيغة أخرى مستخدما المقابلة، يقول:

نضُّ النَّوالِ سريـعُ البطشِ مُتَّئدٌ كالدَّهرِ تُرجَى كما تُخشَى بوادِرُهُ
إذا حبَـا أغنتِ الأيدى مواهِبُهُ وإنْ سطا سدَّتِ الدُّنيـا عساكِرُهُ
أيـن المفـرُّ لمَنْ عادُاه من يدِهِ والوحشُ والطَّيرُ أتباعٌ تُسايـرُهُ
إن يصعدِ الجـوَّ ناشتهُ خواطِفُه أو يهبطِ الأرضَ غالَتْهُ كواسِرُهُ (180)

ويعطينا مقابلة أخرى بين تخييب الله لآمال الأعداء وتحقيقه لآمال المسلمين فى النصر، فيقول جامعاً بين الطباق والمقابلة:

خُـذْ ما تراه ودعْ شيئاً سمعتَ به هذا هو الصِّدقُ لا ما تكذِبُ السِّيَرُ
واللهُ خيّـَـبَ ما ظنُّوهُ وانتظرُوا واللهُ حقَّقَ مـا نرجُـو وندَّخِـرُ (181)

 ومن هنا كانت طباقات ومقابلات الشاعر - فى أغلبها - مما يفيد المعنى ويتناغم فيها اللفظ مع مؤداه فى أسلوب دقيق مما يصنع أنغاما من نوع خاص.

5– التورية:

وهى كما عرفها البلاغيون والنقاد" أن تكون الكلمة بمعنيين فتريد أحدهما، فتورى عنه بالآخر" (182) أى يكون" المراد المعنى البعيد، وليس القريب للكلمة" (183) وذهب ابن حجة الحموى إلى أن التورية فن مصرى خالص وأن القاضى الفاضل" هو الذى عصر سلافتها لأهل عصره وتقدم على المتقدمين بما أودع منها فى نظمه ونثره فإنه رحمه الله تعالى كشف بعد طول التحجب ستر حجابها وأنزل الناس بعد تمهيدها بساحتها ورحابها" (184) أى أن هذا الفن نضج على يد شعراء العصر الأيوبى وأدبائه، و كان له" مكانة خاصة فى الشعر المصرى فى ذلك العصر مما يتفق وطبع المصريين وميلهم الفطرى للنكتة، والتورية تؤديهم إلى ما يريدون فأصبح فيها وفى الجناس ما يفرج ميلهم إلى الدعابة والفكاهة" (185) ومع أن هذا الرأى يعود إلى د. شوقى ضيف، نجده يذهب فى موضع آخر إلى أن التورية قد أصبحت باهتة فى العصر الأيوبى ولا جمال فيها" لأن النفوس وقتها غير مطوية على مرح، فمن عادة شعب مصر أن يفرج عن أزماته بالفكاهة" (186)

ولقد جاءت التورية قليلة فى ديوان ابن النبيه، فلم يهتم بها اهتمامه بالأجناس البديعية الأخرى فنجده يقول فى وصف الخمر وحال الشاربين معها:

شَِهـدنَا ومُطْـرِبُنا خاطِـبٌ 
زوَاجَ ابنَةِ الكَرْمِ بابنِ السَّحائِبْ (187)

فالمعنى المتبادر إلى الذهن صورة زواج بين اثنين يزفهما فيه هذا المطرب ذو الصوت الشجى، ولكن المعنى المورى والمراد بهذا الزواج هو المزج الذى يحدث بين الخمر وهى ابنة الكرم"العنب" وبين الثلج وهو"ابن السحائب".

ويقول فى معنى قريب من هذا المعنى فى وصف الخمر أيضا:

فُزْنا بِها عَذْراءَ غانيـةً 
بخَتْمِها ما افْتَضَّها فَاتِحُ (188)

فقارىء البيت للوهلة الأولى يظن أن الشاعر يتحدث عن فتاة عذراء جميلة، استمتع الشاربون بوصالها فى ليلة أنس وسمر، ولكن عندما يتابع السياق ويتأكد من المعنى يعلم أن هذه العذراء هى الخمر، التى تمتع بها الشاربون عندما تناولوها لأول مرة، قبل أن يلمسها أحد قبلهم.

ويستخدم معنى الحد على الخمر فى معنى غزلى يقول:

حـدَدتُ لمى فيه ثمانينَ قُبْلـةً 
لأنَِّى شمَمْتُ الخَمرَ منْ عنبريّهِ (189)

 فقارىء البيت يظن أنه يتحدث عن حد قضى به على شارب الخمر الذى يجلد ثمانين جلدة، ولكنه عندما يدقق النظر فى المعنى، وخصوصاً فى كلمتى " قبلة والخمر" يعلم أنه يتحدث عن معنى غزلى، وحول المعنى من الثمانين جلدة لشارب الخمر، إلى ثمانين قبلة على فم هذا المحبوب الذى تفوح منه رائحة المسك.

6-رد الأعجاز على الصدور

 وقد سماه قوم التصدير، يقول ابن حجة الحموى:" هذا النوع الذى هو ردُّ الأعجاز على الصدور سماه المتأخرون التصدير، والتصدير هو أخف على المستمع وأليق بالمقام" (190) وهو من أهم ألوان التكرار، يقول الدكتور محمد عبد المطلب:" ومن أنواع التكرار التى تمثل فى نمطيتها حلقة مغلقة يرتبط فيها أول الكلام بآخره ما ورد تحت" رد العجز على الصدر" حيث يرد اللفظ فى الكلام، ثم ينمو بعده المعنى أو اختلفا فيه" (191) وهذا يعنى أن هذا من مقاصد التكرار النمطى الذى درج عليه الشعراء منذ القدم، ويعتبره د. إبراهيم سلامة نابعاً من ذوق العربى فى الشعر، كما أرجع الحسن فيه إلى نوع الدلالة التى تهدف إلى التقرير والتبيين،" وإلى ما فيه من زيادة المعنى التى ترجع إلى الإيحاء النابع من اللفظ الأول بتوقع الثانى، وهذا الإيحاء يذكر به عند الإنشاء، فهو رابط من روابط التذكر، كما أن الترديد المتمثل فى اللفظتين يعطى لوناً من الإيقاع الموسيقى يتقارب مع الغناء والذى يطلب فيه ترداد بعض ألفاظ بعينها، يدركها السامعون على البديهة بمجرد الإنشاد" (192) وقد ذكر لهذا اللون البديعى عدة أنواع ومنها"ما يوافق آخر كلمة منه أول كلمة فى نصفة الأول" (193) كقول ابن النبيه:

دَرِىٌّ بحَمــلِ الكـأْسِ فى يـومِ لذَّةٍ ولكِنْ بحَمْلِ السَّيفِ يومَ الوَغى أدْرى(194)

 فذكر كلمة" درىٌّ" وهى صيغة مبالغة فى العلم بمدى لذة الخمر ونشوتها، وجاء بصيغة مشتقة منها وهى اسم التفضيل"أدرى" لتدل على منتهى العلم بأصول القتال والشجاعة فى ميدان الجهاد، ويقول أيضاً:

فُتِنْتُ بحُسنِ صُورَتِه ومَنْ يَهْوَ الدُّمَى يُفْتَنْ (195)

فذكر الفعل"فُتن" فى بداية البيت والمضارع منه فى آخر البيت ليؤكد على الافتتان بصورة هذا التركى الجميل الصورة، وفى الديوان أمثلة أخرى على ذلك (196).

ومن أنواع التصدير أيضاً" ما يوافق آخر كلمة فيه آخر كلمة فى نصفه الأول" (197) وفى ديوان ابن النبيه أمثلة كثيرة على ذلك (198)، مثل قوله:

وسقيطُ الغَمامِ يرشَحُ دُرًّا 
فوقَ أوْراقِهِ فيُصْبِحُ دُرَّا (199)

فذكر كلمة"دراً" فى نهاية الشطرة الأولى وكررها فى نهاية البيت بمعنى آخر، وتعنى فى المعنى الأول قطرات الندى، وفى المعنى الثانى الجوهر فى لمعانه وبريقه وقيمته، وأنواع هذا اللون البديعى كثيرة ومتعددة (200) غير النوعين السابقين، والأمثلة عليها كثيرة أيضاً من ديوان ابن النبيه (201) تدل على حضور هذا اللون البديعى فى شعره، وهذا نابع – إلى حد كبير – من انشغاله بالتجنيس الذى يحقق نغماً موسيقياً وامتداداً للمعنى، فتقرأ له مثلاً قوله:

أغارُ منْ عَيْنِى على خَـدِّهـا وحُـقَّ لى فى مثلِهِ أنْ أغارْ
وليسَ لِى عنها أصطِبارُ كمـا ليسَ لغـازٍ عن نداهُ اصطِبارْ (202)

 فيحاول بتكرار كلمتى"أغار واصطبار" أن يعطينا المعنى المراد والمتمثل فى غيرته الشديدة على من يحب حتى من نفسه، ومثلما أنه لا يستطيع أن يصبر فى البعد عنه محبوبته، فإن الأمير غاز لا يستطيع أن يصبر عن الكرم والجود.

7- الترديد

 ويعرفه ابن أبى الإصبع بقوله:" أن يعلق المتكلم لفظة من الكلام بمعنى، ثم يرددها بعينها ويعلقها بمعنى آخر" (203) فيأخذ الشاعر - مثلاً - كلمة من الشطرة الأولى ويبنى عليها فى الشطرة الثانية، فينمو المعنى وتمتد مساحة الخيال، وسمى أسامة بن منقذ هذا النوع"التصدير" (204) وهو -كما رأينا– رد الأعجاز على الصدور، ولكن ابن رشيق يوضح الفرق بينهما بأن" التصدير مخصوص بالقوافى ترد على الصدور والترديد يقع فى أضعاف البيت" (205) وقيمة الترديد أنه يأتى فى حالة مضرب المثل للمعنى الأساسى الذى يتناوله، والأمثلة على ذلك كثير فى شعر ابن النبيه (206)، مثل قوله:

يُزْرى على قُبْحِ عُبُوسِ الحَيا حَياؤُهُ الطَّلْقُ الجَميلُ النَّدِى (207)

فكرر كلمة"الحيا" فى الشطرة الثانية بعد إضافتها إلى الضمير وإعادة الهمزة فى آخرها بمعنى مختلف، فالحيا الأولى تعنى السحب، التى يختفى خلفها المطر،"وحياؤه" الثانية تعنى بشر ممدوحه وتواضعه وكرمه فى تعامله مع رعيته، ويقول أيضاً:

ففى بحرِ مالٍ قدْ تطلَّعَ قَصْرُها 
وفى بحرِ ماءٍ يستقِرُّ قرارُها (208)

فكلمة بحر الأولى لا تعنى المعنى الحقيقى للكلمة , لكنها تعنى بحر الجود والغنى والكرم، أما الثانية فتعنى البحر بمعناه الحقيقى الذى تستقر فوقه السفن وتصل إلى قرارها , ويقول فى مثال آخر:

خلطَ القَنَـا بعِظَامِـهِ فتَشابَهَـتْ 
هى والقَنا المُتَقصِّفُ المُتَقَصِّـدُ (209)
فأنمُلُهُ طَوراً غُصُـونٌ نواضِـرُ 
وطَـوْراً سُيوفٌ دامِياتٌ شِفارُها (210)
 شِقيتْ بـه الأرواحُ بعـدَ نِعيمهَا 
فاقتصَّـت الأرواحُ للأرواحِ (211)

فكلمة"طوراً" تدل على اختلاف الأحيان، كررها الشاعر لكى يعطى مساحة أكبر للمعنى، فالأولى تشير إلى حالات الكرم والثانية تشير إلى حالات الشجاعة فى الحرب، وكلمة"الأرواح" تعبر عن مكنون النفس، وتعبر عن حامليها أيضاً وما تفعله فيهم، وهذا النوع قريب من الجناس الاشتقاقى ويقول أيضا:

ودَليلـهُ الكرْجُ الذيـنَ برَبِّهِمْ 
كَفرُوا وفضلُكَ بينَهُمْ لنْ يُكْفرَا (212)

 فأراد التأكيد على كرم ممدوحه، وعلو همته، وكرمه مع أعدائه الذين كفروا بربهم، ومع ذلك فهم لا يستطيعون أن ينكروا فضله عليهم.

ونخرج مما سبق أن شعر ابن النبيه جمع بين سمات الطبع والتكلف فى تعامله مع المحسنات البديعية، فمع امتلاكه لمقومات الطبع والسهولة، إلا أنه ساير موجة الاهتمام بالبديعيات على اختلاف ألوانها وصورها، فكان منها ما جاءه عفو الخاطر دون كد، ومنها ما ينبىء عن تكلف وجهد عقلى وأسلوبى، وكان اهتمامه الأكبر فى ذلك مراعاة الجانب الصوتى والإيقاعى، وهذا ما سنتبينه فى الفصل التالى. 

- د. عبد العزيز الأهوانى : ابن سناء الملك ومشكلة العقم والابتكار ، ص 26 -27 .
- د. عيد بلبع : قضية الطبع والتكلف فى التراث النقدى والبلاغى ، ص 137.
- د. عبد اللطيف حمزة : الحركة الفكرية فى مصر ، ص 282 -283.
- د. أحمد سيد محمد : الشخصية المصرية فى الأدبين الفاطمى والأيوبى ، ص 250 ، وديوان ابن النبيه ،ص 163.
- المرجع نفسه ص 258.
- د. عبدالعزيز الأهوانى : ابن سناء الملك ومشكلة العقم والابتكار ، ص 7.
- د. أحمد سيد محمد : الشخصية المصرية فى الأدبين الفاطمى والأيوبى ، ص251.
- د. عثمان موافى : الخصومة بين القدماء والمحدثين ص 192.
- المرجع نفسه .
- عبد القاهر الجرجانى : أسرار البلاغة ، ص 11.
- د.عيد بلبع : الطبع والتكلف ، ص 116.
- ابن رشيق القيروانى : العمدة فى صناعة الشعر ونقده جـ 1، ص130
- أبوالفرج الأصفهانى : الأغانى ، تصحيح أحمد الشنقيطى ، مطبعة التقدم ، جـ15 ، ص96.
- د. عبدالله التطاوى : قضايا الفن فى قصيدة المديح العباسية، دار الثقافة للطبع والنشر الفجالة 1981 ، . ص421.
- د.على صافى حسين : الأدب الصوفى فى مصر فى القرن السابع ، ص 186-187.
- د. أحمد سيد محمد : الشخصية المصرية فى الأدبين الفاطمى والأيوبى ، ص 257.
- د. مصطفى الصاوى الجوينى : ملامح الشخصية المصرية فى الدراسات البيانية ، ص 146.
- د. محمود رزق سليم : عصر سلاطين المماليك ، المجلد السابع ، ص 14.
- ديوان ابن النبيه ص 480.
- د. محمد الهرفى : شعر الجهاد فى عصر الحروب الصليبية ، ص 198.
- ديوان ابن النبيه ص 363-364.
- عبد الله إسماعيل : شعر الحماسة فى عصر الحروب الصليبية فى مصر والشام ، ص 512
- ديوان ابن النبيه ص 272-273-274.
- عبد الله إسماعيل : شعر الحماسة فى عصر الحروب الصليبية ص 512.
- ديوان ابن النبيه ص 115.
- المصدر نفسه ص 252-253.
- المصدر نفسه ص 349.
- المصدر السابق ص 233.
- المصدر نفسه ص 371-372.
- المصدر نفسه ص 97
- المصدر نفسه ص 114
- المصدر نفسه ص 356
- المصدر نفسه ص 140
- د. يوسف عيد : التوشيح فى الموشحات الأندلسية ، دار الفكر اللبنانى ، بيروت ط الأولى 1993، ص 19
- د. محمد زكريا عنانى : الموشحات الأندلسية ، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1998 ، ص50.
- ديوان ابن النبيه ص 313
- د. إبراهيم أنيس : موسيقى الشعر ص 231.
- ديوان ابن النبيه ص 316.
- د. أحمد سيد محمد : الشخصية المصرية فى الأدبين الفاطمى والأيوبى ، ص 258.
- د. عيد بلبع : الطبع والتكلف ، ص 144.
- المرجع نفسه ص 115.
- ابن الأثير : المثل الثائر ،جـ 2 ،ص157-158.
- المصدر نفسه ، جـ2 ، ص 158.
- نازك الملائكة : قضايا الشعر المعاصر ، ص 243-244..
- المرجع السابق .
- د. شفيع السيد : البحث البلاغى عند العرب تأصييل وتقييم ، دار الفكر العربى ط الثانية 1416هـ- . 1996م ، ص 216.
- المرجع نفسه ص 217.
- ديوان ابن النبيه ص 162.
- المصدر نفسه ص 239.
- المصدر السابق ص 434.
- ديوان المتنبى ص158
- ضياء الدين ابن الأثير : الاستدراك فى الرد على رسالة ابن الدهان ، تحقيق حفنى محمد شرف ، مكتبة . الأنجلو المصرية 1958، ص41..
- ابن الأثير : المثل الثائر ، جـ 2 ، ص 170.
- ديوان ابن النبيه ص 101.
- د. شفيع السيد : البحث البلاغى عند العرب ، ص 228.
- ديوان ابن النبيه ص 217-218.
- د. محمد عبد المطلب : البلاغة والأسلوبية ص 300-301.
- ديوان ابن النبيه ص 87.
- أنظر المصدر نفسه ص 94-95-98-101-102-108-123-124-152-163-187-279- . 320-330-351-357-358-405.
- المصدر نفسه ص 163.
- المصدر نفسه ص357.
- أنظر المصدر نفسه ص 90-148-184-196-213-233-260-267-254-275-286-382- . 388-435-454-485-499.
- المصدر نفسه ص98.
- المصدر السابق ص 267.
- المصدر نفسه ص286.
- المصدر نفسه ص 121-139-140-151-235-377-380-387-420.
- المصدر نفسه ص373.
- المصدر نفسه ص 307.
- المصدر نفسه ص 385 – 386.
- المصدر نفسه ص 441.
- المصدر نفسه ص321.
- المصدر السابق ص336.
- المصدر نفسه ص338.
- المصدر نفسه ص84-129-151-152-162-210-245-252-253-290-293-341-345- . 349-360-373-383-405.
- المصدر نفسه ص129.
- ديوان ابن النبيه ص 252.
- المصدر نفسه ص 253.
- المصدر نفسه ص245.
- المصدر السابق ص 86-101-102-103-107-151-152-169-185-194-201-204-205- . 224-330-246-247-248-266-290-293-345-349-383-391-427-434.
- المصدر نفسه ص151-152.
- د. شفيع السيد : البحث البلاغى عند العرب ، ص 231.
- ديوان ابن النبيه ص 101-102-185-201-205-248-265-266-345-434.
- المصدر نفسه ص 220-247-268-285.
- المصدر نفسه ص 285.
- المصدر نفسه 194.
- المصدر نفسه 224.
- المصدر نفسه 427.
- د. عبد العزيز الأهوانى : ابن سناء الملك ومشكلة العقم والابتكار ص 42.
- المرجع نفسه ص 30.
- ديوان ابن النبيه ص330-331.
- د. أحمد سيد محمد : الشخصية المصرية فى الأدبين الفاطمى والأيوبى ص 289 ، ولا أدعى بذكر البلدان فى هذا الموضع أنها ظاهرة بديعية ، لكن بحكم أنها ظاهرة لغوية بارزة صاحبت التكلف والعقم الذى انتشر بين شعراء العصر .
- العماد الأصفهانى : خريدة القصر وجريدة العصر ، قسم شعراء مصر ، جـ1 ، ص94.
- المصدر السابق ص 155.
- ديوان ابن النبيه ص178.
- المصدر نفسه ص179.
- المصدر نفسه ص 226.
- المصدر نفسه ص 386.
- المصدر نفسه ص 119-121-130-134-182-192-194-226-229-184-284-294-331-353-426-456 .
- المصدر السابق ص 85-86-87-88-96-161-169-206-207-210-211-214-219-225-251 .
- المصدر نفسه ص169.
- المصدر نفسه ص 251.
- المصدر نفسه ص 146-174-233-236-242-244-248-269-326-333-366-371-423.
- المصدر نفسه ص 120.
- المصدر نفسه ص 135.
- المصدر نفسه ص261.
- المصدر نفسه ص 259.
- المصدر نفسه ص234.
- المصدر السابق ص224.
- المصدر نفسه ص 244.
- د.أحمد بدوى : الحياة الأدبية فى عصر الحروب الصليبية ، ص 211.
- ديوان ابن النبيه ص 94-117-131-132-135-138-143-160-244-377-379-391-494.
- المصدر نفسه ص 84.
- المصدر نفسه ص 117.
- ديوان ابن النبيه الطبعة المصرية شرح عبد الله فكرى ص 11.
- المصدر نفسه ص 132.
- د. طه ندا : النصوص الفارسية دار المعارف ص264.
- إبراهيم الحنبلى : شفاء القلوب فى مناقب بنى أيوب ص 251 – 252.
- ديوان ابن النبيه ص125.
- المصدر نفسه ص308.
- المصدر نفسه ص 131-132-138-141-143-144-259-160-178-228-377-391.
- المصدر نفسه ص 153.
- المصدر نفسه ص135.
- د. عبد العزيز الأهوانى : ابن سناء الملك ومشكلة العقم والابتكار ص 42.
- ديوان ابن النبيه ص 164.
- ضياء الدين ابن الأثير : المثل الثائر ، جـ 2 ، ص 341.
- د. مصطفى الصاوى الجوينى : ملامح الشخصية المصرية فى الدراسات البيانية ، ص 162.
- ابن الأثير : المثل الثائر جـ 2 ، ص 341.
- عبد الرحيم العباسى : معاهد التنصص ص 568-569.
- المصدر نفسه وديوان ابن النبيه ص 397.
- ابن حجة الحموى : خزانة الأدب ص 539.
- ديوان ابن النبيه ص 400 والآيات المقتبسة من سورة المزمل 8،18،9.
- سورة المزمل الآيتان 8 ، 9.
- سورة المزمل الآية 18.
- ابن حجة الحموى : خزانة الأدب ص 540.
- ديوان ابن النبيه ص 411.
- المصدر نفسه ص 416.
- سورة نوح الآية 28.
- ديوان ابن النبيه ص 178-201-242-243-247-257-258-406-422-423-495.
- المصدر السابق ص 409 والاقتباس من سورة يوسف الآيتين 26 – 27.
- المصدر السابق ص 231 - 232.
- المصدر نفسه ص 200.
- المصدر نفسه ص 273.
- المصدر السابق ص 96
- مالك بن آنس : موطأ الإمام مالك ، دار البحار بيروت ، الطبعة الأولى 1986م.
- ديوان ابن النبيه ص 194.
- المصدر نفسه ص 370.
- شرح ديوان صريع الغوانى (مسلم بن الوليد) تحقيق د. سامى الدهان ص 164.
- د. عبد العزيز الأهوانى : ابن سناء الملك ومشكلة العقم والابتكار ص 37-38.
- ديوان ابن النبيه ص162
- المصدر نفسه ص 157.
- المصدر نفسه ص 390.
- المصدر نفسه ص 238 .
- المصدر نفسه ص 475.
- المصدر نفسه ص 472.
- المصدر السابق ص 246.
- قدامة بن جعفر : نقد الشعر ص 185.
- د. محمد عبد المطلب : البلاغة والأسلوبية ، ص 293.
- أبو هلال العسكرى : كتاب الصناعتين ، ص330 - 340.
- د. أحمد سيد محمد : الشخصية المصرية فى الأدبين الفاطمى والأيوبى ، ص257.
- العماد الأصفهانى : خريدة القصر وجريدة العصر ، ص 111.
- ديوان ابن النبيه ص 101-104-111-126-133-143-149-159-157-165-169-179- . 182-197-200-205-213-222-235-262-278-298-299-305-320-343-365- . 396-414-473- إلخ .
- المصدر نفسه ، ص199.
- د. شوقى ضيف : عصر الدول والامارات (مصر والشام) ص 275-276.
- ديوان ابن النبيه ص 446-447
- المصدر نفسه ص 483.
- المصدر السابق ص 219
- المصدر نفسه ص 146
- المصدر السابق ص 163.
- المصدر السابق ص 252.
- المصدر نفسه ص 256.
- أبو هلال العسكرى : كتاب الصناعتين ، ص 316.
- د. محمد عبد المطلب : البلاغة والأسلوبية ، ص291.
- د. عبد العزيز الأهوانى : ابن سناء الملك ومشكلة العقم والابتكار ، ص109
- المرجع نفسه ص 115.
- ديوان ابن النبيه ص 326-327.
- المصدر السابق ص 242-243.
- المصدر نفسه ص 483 - 484.
- المصدر نفسه ص 94-95-99-103-111-114-120-132-142-146-153-1555-157- . 159—164-166-168-170-175-185-205-206-210-211-214-215-242-261- . 266-274-296-326 .
- المصدر السابق ص 452.
- المصدر نفسه ص 98-99.
- المصدر نفسه ص 347.
- أسامة بن منقذ : البديع فى نقد الشعر ص 97.
- ابن حجة الحموى : خزانة الأدب ص 239.
- المصدر السابق ص 298.
- د. شوقى ضيف : الفن ومذاهبه فى الشعر العربى ، ص 491.
- د. شوقى ضيف : فى الشعر والفكاهة فى مصر ، دار المعارف 1999م ، ص 71.
- ديوان ابن النبيه ص 189.
- المصدر نفسه ص 340.
- المصدر السابق ص 223.
- ابن حجة الحموى : خزانة الأدب ، ص 114.
- د. محمد عبد المطلب :البلاغة والأسلوبية ، ص 299.
- د. إبراهيم سلامة : بلاغة أرسطو بين العرب واليونان ، مطبعة الأنجلو المصرية 1952 ، ص 122.
- عبدالله بن المعتز : كتاب البديع ، تحقيق إغناطيوس كراتشقوفسكى ، دار المسيرة بيروت الطبعة الثانية . 1402هـ - 1982م ، ص48.
- ديوان ابن النبيه ، ص289.
- المصدر نفسه ص 242.
- المصدر نفسه ص 143 – 379 -493.
- عبدالله بن المعتز : كتاب البديع ، ص 47.
- ديوان ابن النبيه ص 101-183-325-348-372-414-452 .
- ديوان ابن النبيه ص 466.
- راجع معجم المصطلحات البلاغية : د. أحمد مطلوب ، مكتبة لبنان ، الطبعة الثانية 1996، ص355- . 360.
- ديوان ابن النبيه ص 88-114-115 ، 147-155-211-253-257-477.
- المصدر نفسه ص 379، 380.
- ابن أبى الأصبع : تحرير التحبير جـ 2 ، ص 253. والعمدة لابن رشيق جـ 1 ، ص 323.
- أسامة بن منقذ :البديع فى نقد الشعر ص 51.
- ابن رشيق القيروانى : العمدة ، جـ 2 ، ص3.
- ديوان ابن النبيه ص 88-97-114-115-141-139-147-332-350-417-498
- المصدر نفسه ص 141.
- المصدر نفسه ص 114.
- ديوان ابن النبيه ص 88.
- المصدر نفسه ص 115.
- المصدر نفسه ص 417.
- المصدر نفسه ص 253.

الرد على هذا المقال

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

نلفت انتباه زوارنا الكرام الى اننا لن ننشر:
- أى مداخلات تتهجم على اشخاص لا دخل لهم بموضوع المقال وتستخدم ألفاظاً غير لائقة.
- أي مداخلة غير مكتوبة باللغة العربية الفصحى.

من أنت؟
مشاركتك
  • لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

١ مشاركة منتدى