ديوان العرب
Amal Radwan
Middle East Watch

الصفحة الأساسية > ديوان الثقافة والفن > بلاد المطربين.. أوطاني 

بلاد المطربين.. أوطاني 

أحلام مستغانمي

٤ شباط (فبراير) ٢٠١٠


وصلتُ إلى بيروت في بداية التسعينات، في توقيت وصول الشاب خالد إلى النجوميّة العالميّة. أُغنية واحدة قذفت به إلى المجد• كانت أغنية"دي دي واه" شاغلة الناس ليلاً ونهاراً. على موسيقاها تُقام الأعراس، وتُقدَّم عروض الأزياء، وعلى إيقاعها ترقص بيروت ليلاً، وتذهب إلى مشاغلها صباحاً.

كنت قادمة لتوِّي من باريس، وفي حوزتي مخطوط"الجسد"، أربعمائة صفحة قضيت أربع سنوات في نحتها جملة جملة، محاوِلة ما استطعت تضمينها نصف قرن من التاريخ النضالي للجزائر، إنقاذاً لماضينا، ورغبة فيتعريف العالم العربي إلى أمجادنا وأوجاعنا.لكنني ما كنت أُعلن عن هويتي إلاّ ويُجاملني أحدهم قائلاً:"آه.. أنتِ من بلاد الشاب خالد!"، واجداً في هذا الرجل الذي يضع قرطاً في أذنه، ويظهر في التلفزيون الفرنسي برفقة كلبه، ولا جواب له عن أي سؤال سوى الضحك الغبيّ، قرابة بمواجعي. وفوراً يصبح السؤال، ما معنى عِبَارة"دي دي واه"؟ وعندما أعترف بعدم فهمي أنا أيضاً معناها، يتحسَّر سائلي على قَدَر الجزائر، التي بسبب الاستعمار لا تفهم اللغة العربية!

وبعد أن أتعبني الجواب عن"فزّورة" «دي دي واه»، وقضيت زمناً طويلاً أعتذر للأصدقاء والغرباء وسائقي التاكسي، وعامل محطة البنزين المصري، ومصففة شعري عن جهلي وأُميتي، قررت ألاّ أفصح عن هويتيالجزائرية، كي أرتاح.

لم يحزنّي أن مطرباً بكلمتين، أو بالأحرى بأغنية من حرفين، حقق مجداً ومكاسب، لا يحققها أي كاتب عربي نذر عمره للكلمات، بقدر ما أحزنني أنني جئت المشرق في الزمن الخطأ.

ففي الخمسينات، كان الجزائري يُنسبُ إلى بلد الأمير عبد القادر، وفي الستينات إلى بلد أحمد بن بلّة وجميلة بو حيرد، وفي السبعينات إلى بلد هواري بومدين والمليون شهيد... اليوم يُنسب العربي إلى مطربيه، وإلى الْمُغنِّيالذي يمثله في"ستار أكاديمي"... وهكذا، حتى وقت قريب، كنت أتلقّى المدح كجزائرية من قِبَل الذين أحبُّوا الفتاة التي مثلت الجزائر في"ستار أكاديمي"، وأُواسَى نيابة عنها.... هذا عندما لا يخالني البعض مغربية، ويُبدي لي تعاطفه مع صوفيا.

وقبل حرب إسرائيل الأخيرة على لبنان، كنت أتابع بقهر ذات مساء، تلك الرسائل الهابطة المحبطة التي تُبث على قنوات الغناء، عندما حضرني قول"ستالين" وهو ينادي، من خلال المذياع، الشعب الروسي للمقاومة، والنازيون على أبواب موسكو، صائحاً:"دافعوا عن وطن بوشكين وتولستوي". وقلت لنفسي مازحة، لو عاودت إسرائيل اليوم اجتياح لبنان أو غزو مصر، لَمَا وجدنا أمامنا من سبيل لتعبئة الشباب واستنفار مشاعرهم الوطنية، سوى بث نداءات ورسائل على الفضائيات الغنائية، أن دافعوا عن وطن هيفاء وهبي وإليسا ونانسي عجرم ومروى وروبي وأخواتهن.... فلا أرى أسماء غير هذه لشحذ الهمم ولمّ الحشود.

وليس واللّه في الأمر نكتة. فمنذ أربع سنوات خرج الأسير المصري محمود السواركة من المعتقلات الإسرائيلية، التي قضى فيها اثنتين وعشرين سنة، حتى استحق لقب أقدم أسير مصري، ولم يجد الرجل أحداً في انتظاره من"الجماهير" التي ناضل من أجلها، ولا استحق خبر إطلاق سراحه أكثر من مربّع في جريدة، بينما اضطر مسئولو الأمن في مطار القاهرة إلى تهريب نجم"ستار أكاديمي" محمد عطيّة بعد وقوع جرحى جرّاء تَدَافُع مئات الشبّان والشابّات، الذين ظلُّوا يترددون على المطار مع كل موعد لوصول طائرة من بيروت.

في أوطان كانت تُنسب إلى الأبطال، وغَدَت تُنسب إلى الصبيان، قرأنا أنّ محمد خلاوي، الطالب السابق في"ستار أكاديمي"، ظلَّ لأسابيع لا يمشي إلاّ محاطاً بخمسة حراس لا يفارقونه أبداً.. ربما أخذ الولد مأخذ الجد لقب"الزعيم" الذي أطلقه زملاؤه عليه!

ولقد تعرّفت إلى الغالية المناضلة الكبيرة جميلة بوحيرد في رحلة بين الجزائر وفرنسا، وكانت تسافر على الدرجة الاقتصادية، مُحمَّلة بما تحمله أُمٌّ من مؤونة غذائية لابنها الوحيد، وشعرت بالخجل، لأن مثلها لا يسافر على الدرجة الأُولى، بينما يفاخر فرخ وُلد لتوّه على بلاتوهات"ستار أكاديمي"، بأنه لا يتنقّل إلاّ بطائرة حكوميّة خاصة، وُضِعَت تحت تصرّفه، لأنه رفع اسم بلده عالياً!

ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه.. أواه.. ثمّ أواه.. مازال ثمَّة مَن يسألني عن معنى"دي دي واه"!  

الرد على هذا المقال

١٠ مشاركة منتدى

  • بلاد المطربين.. أوطاني 

    ٤ أيار (مايو) ٢٠١٠، بقلم ايمان

    حسبي الله ونعم الوكيل

    الرد على هذه المشاركة

  • بلاد المطربين.. أوطاني 

    ٤ أيار (مايو) ٢٠١٠، بقلم نورا يوسف منصوري

    مقال في الصميم.. مؤلم ومحزن جداً.. صدقت حين قلت "في أوطان كانت تُنسب إلى الأبطال، وغَدَت تُنسب إلى الصبيان،" حقيقة شعوبنا العربية.. دمت ودام أدبك الراقي سيدتي.. تذكرت كلام الشاعر أحمد مطر في شعره الموجع "رسالة..إلى الحكام العرب":
    أنتُـمُ الأعْـداءُ
    يا مَن قـد نَزَعتُـمْ صِفـةَ الإنسانِ
    مِن أعماقِنا جيلاً فَجيـلا
    واغتّصبتُـم أرضَنـا مِنّـا
    وَكُنتُـمْ ، نِصفَ قـرنٍ،
    لِبِـلادِ العُـرْبِ مُحتـلاًّ أصيـلا.

    الرد على هذه المشاركة

  • بلاد المطربين.. أوطاني 

    ١٧ شباط (فبراير) ٢٠١٠، بقلم Kouk

    اكتفي بجملة واحدة قالها الاستاذ حمدي قنديل وكانت سببا في ايقاف برنامجه "قلم رصاص" على قناة دبي :

    "كنا أمة محمد,وبقينا...أمة مهند"

    الرد على هذه المشاركة

  • بلاد المطربين.. أوطاني 

    ١٤ شباط (فبراير) ٢٠١٠، بقلم عامر سوريا المقاومة

    تحية عربية مقاومة إلى الأخت أحلام التي نفتخر بها ...
    أمثالك هم الجواهر الثمينة ...النادرة ...التي يدوم تأثيرها ....قرون وليس عقود....بل يدوم أسمها و فعلها...ما دامت الأرض و التاريخ
    أما (أبطال) ستار أكاديمي ....و المطرب العربي ...و إلى أخره من مسرحيات العهر والتخلف والإنحطاط ...فهم مثل زبد البحر...كثيرون لكن لا فاعلون ولا مؤثرون...

    أملنا ورجانا بعد الله الكريم القادر على نخبة الأمة العربية و الإسلامية...وهم بعون الله قادة ناجحون لكن النجاح يحتاج زمانا وجهدا أكثر من مضاعف وسط هذه التغيرات بالقيم ة الأفكار

    الرد على هذه المشاركة

  • بلاد المطربين.. أوطاني 

    ١٣ شباط (فبراير) ٢٠١٠، بقلم أبو شوقي الحميري صنعاء- اليمن

    شكراً أختي أحلام على إحساسك الرائع، ولكننا بحاجة أكثر لاستيعاب الظروف الراهنة لصناعة المبدعين، والتحديات والمؤامرات التي تعيشها الأمة، وهو ما يدعونا لبذل جهدنا وبمنتهى الثقة بخيرية أمتنا والسعي لاستكمال نهضتنا بالاتجاه الذي يتناغم مع مُثل الأمة ورسالتها الخالدة، من خلال إعادة صياغة وتشكيل الوعي العربي، وأن نتعاطى مع حضارة العصر بانفتاح حذر يستفيد منها يقدم لنا وللآخرين من باقي الأمم والشعوب سبل الخلاص من سلبياتها، وتلك فقط مهمة أمتنا بعد أن تنبعث فيها من جديد روح وأصالة وسمو رسالتها الإسلامية والأخلاقية.

    الرد على هذه المشاركة

  • بلاد المطربين.. أوطاني 

    ١٠ شباط (فبراير) ٢٠١٠، بقلم mohannad al kubar

    والله يا سيدتي احلام ان كل ما قلتيه هي الحقيقة المرة اللتي يجب علينا ان نتجرعها بغصة ان شخص مخبول ومتخلف عقليا مثل محمد عطية وللاسف اسمه محمد يعتبر بطل قومي ومثما تقولين يستقبل من قبل الالاف في مطار الفجور مطار القاهرة وبالمقابل شخصية رائعة بكل المقاييس مثل سليمان خاطر ينعتونه بانه متخلف عقليا وان قتله لمجموعة من اليهود ما هو الا تخلف عقلي يا رب سامحنا لاننا لا نستطيع ان نفعل شيئ سوى ان نقول انا لله وانا اليه راجعون

    الرد على هذه المشاركة

  •   ذرفت عيني وأنا أقرأ مقالك ...

    ٥ شباط (فبراير) ٢٠١٠، بقلم كاتب مغربي

    هذه هي شر أمة أخرت للناس بعد أن كانت خير الأمم ....هكذا يريدوننا أن نكون عبيدا لتفاهاتهم مرتزقة لأفكارهم ..........رحم الله المجاهدين والمناضلين والكتاب والشعراء المدافعين عن أوطاننا من قضى نحبه ومن زال حيا في زمن العبيد .....شكرا على المقالة الرائعة أخت مستغانمي ....ولك ولمن لازالت تجري في دمائهم الغيرة على هذا الوطن ولنا الله جميعا ....حسبنا الله ونعم الوكيل ....حسبنا الله ونعم الوكيل
    كاتب

    الرد على هذه المشاركة

  • بلاد المطربين.. أوطاني 

    ٥ شباط (فبراير) ٢٠١٠، بقلم مُصطفى أدَمينْ روائي مغربي

    أختي الكريمة؛ السؤال ليس"ما معنى دي دي واه"؟ بل"هل أعطى الشاب خالد لبلده الجزائر ما يستحق الذكر"؟. أعتقد أن خالد يغني بألم؛ وأمّا ضحكته الدائمة، فلا يمكن أن ننعتها ب"الغبية". أرى أن التعريف ببلد بمشاهيره ليس عيبا، فالمغرب - مثلا- يفتخر بأحد الأبطال العالميين على الرغم من "عيوبه". ولا ننسى أن العرب المسلمين، افتخروا ولا زالوا بمجون أبي نوّاس. أمّا "الفزورة" فإننا نسمعها في المغرب بمعنيين:1- ألم ألم واه!... 2 - دّيه ديه واه (بمعنى خذيه خديه...). فليكن في قلوبنا بعض التسامح!

    الرد على هذه المشاركة

    • بلاد المطربين.. أوطاني  ١٣ شباط (فبراير) ٢٠١٠، بقلم أبو شوقي الحميري صنعاء- اليمن

      أوافقك أخي مُصطفى إذ لابد من استيعاب الظروف الراهنة لصناعة المبدعين، والتحديات والمؤامرات التي تعيشها الأمة، والتي أفرزت هذه الحالة التي لا تعكس غاية ما نطمح إليه، وأن نبذل جهدنا بمنتهى الثقة بخيرية أمتنا والسعي لاستكمال نهضتنا بالاتجاه الذي يتناغم مع مُثل الأمة ورسالتها الخالدة، من خلال إعادة صياغة وتشكيل الوعي العربي، مع ضرورة التعامل مع إفرازات حضارة العصر بانفتاح ولكن بحذر يستفيد من الإيجابيات ولا يتجنب السلبيات فقط بل يقدم لنا وللآخرين من باقي الأمم والشعوب سبل العلاج والخلاص منها، وبما يعكس حقيقة شخصية أمة العرب أمة الرسالة المحمدية.

      الرد على هذه المشاركة


ديوان السرد والقصص | ديوان الشعر | ديوان الدراسات المحكمة | أقلام الديوان | ديوان الثقافة والفن | مضافة الديوان | ديوان اللغة العربية | أدب للأطفال | ديوان الشعر القديم | استراحة الديوان | المكتبة | سيرة ومعلومات | مكرمو ديوان العرب | مسابقات ديوان العرب الأدبية | ألبوم الديوان | توجيه للكتاب | روابط الديوان
متابعة نشاط الموقع RSS 2.0 | تبرع للديوان | صفحة نموذجية