الأربعاء ٢٤ آذار (مارس) ٢٠١٠
بقلم عبد الله النصر

لَـمْـقَـصْـمَـلْ 

 يُمّْه.. فشلتْ.. حدي.. حدي..

بجهشةٍ الثكلى قلتـُها.. حاشراً وجهي الباكي في حِجْرِ أمي المنكسرة..

مَسحتْ على رأسي المثقل، بيدين ضامرتين:

- يا وليدي.. أبوك مُبْ راضي.. والله مُبْ راضي..

- يُمّْه.. لحّيْ عليه.. ويمكن يرضى...
 
كادتْ تشهق مع شهقاتي المقبورة بالوعود.. بالتأجيل.. بالصّدّ.. بالتخويف.. بالتهديد.. بالضرب.. وبالطرد.. تنهدتْ باحتراق الشمس الساقطة على براحة بيتنا الرملية.. اختنقتْ بعبرةٍ تلقاها (بُخنقـُها) الأشبه بورقةٍ هَجَرها لونها، وتآكلت أطرافها جراء القِدَمْ والاستعمال.. هوتْ في لجةِ الصمتِ المسجونِ بين سقوفِ الجذوع المهلهلة، وبين جدرانِ الطينِ الواهنة، المنسدل منها القش المهترئ.. هوتْ مستسلمةً لتياراتِ زمنٍ يغضُ الطرفَ دائماً.. يسير، ويتكلم كثيراً بإنسانية باهتة.. ويمد يداً جَسوراً تقطف بتلات الزهور..

احتضنتنه كعصفورةٍ وديعة.. تستجدي هدوءه وصرير الأبواب المتآكلة، التي تُخاتلها ريح الضمائر الباردة في أفقٍ هاوٍ.. وألمٍ غير ذاوٍ.!.. فأجابتْ بعدَ تنهيدةٍ طويلة:

-  الله يعيني....... بقول له للمرة العاشرة.. وعساه يرضى.
 
-  يا لـمْـتَـَثـْمَلْ*.. 

قالها ذاك الألثغ الذي لا يسأم.. لا ينسى.. لا يتجاهل.. لا يخجل.. لا يشعر بالألم المنبعث جرّاء ترديدها.. نطقها ما أن وقعتْ عيناه عليَّ ملتفتاً إلى زميلي في صفِّ المدرسة المتوسطة، أحقق فضول النظر.. بلاحراك.

كان قد صيَّره المدرس مراقباً علينا.. واثقاً منه لجرأته..

ولعدائيته أيضا.. لا أجيبه.. سيقيد اسمي والمشاغبين.. وكالعادة، سيصدقه المدرس لا محالة، بلا شهود..
 
لا أشكوه لدى المدرس، أو إدارة المدرسة، لأنهما سيدعيان بأني أتبلّى عليه كونه مراقباً حازماً..
 
لا أخبر أبي بذلك، لأنه لن يتفهم الأمر، وسيعزوها حجة لشراء ثياب لي..
 
لا أفكر في مواجهة الصبي.. لخوفي من الشجار معه، أو مع غيره.. فيقتلني (أبي)..
 
بل لا أعيَّره بلسانه الألثغ.. لأنه معدوم الحياء.. كما أن رهابُ الخجل متمكن مني.. يقطع لساني..
 
فهكذا - كما كلُّ مرة - بين ضحكات البعضِ المتهكمة، وبين نظراتِ البعضِ الآخر، الذين يُطلقون ألفاظ المَسْكَنَة فقط.. انقلبَ وجهي حبة فراولةٍ صغيرةٍ ناضجةٍ جداً، وأنا أزدردُ حجراً جافاً مسنناً.. وأبكي في زواياي المجمّرةِ، بصمت..
 
لكثرة ما تجري هذه اللفظة على لسانه.. أصبحتْ لقباً أُعيَّرُ به.. 

في المدرسة.. لا أتحرُك بين طلابها, إلا مضطراً..

لا ألعبُ برفقتهم.. لشعوري بأن عيونهم تردد ذات اللفظة..

لا أحاولُ رفع سبابتي لتنبيه المدرس، للخروج لحلّ سؤالٍ ما، على اللوح الأسود، وإن كانت إجابته لديّ، خوفاً من تلفظ ذاك الألثغ كلمته المعتادة.. فأنسى الإجابة وأعود خجلاً فاشلاً..

في صباحِ صاغني برده القارس.. قبلَ بدءِ طابورِ المدرسة.. جلستُ بمنأى عن الطلاب.. مكفناً رأسي بغترتي الحمراء المهترئة.. لاتبين إلا حدقتي.. خلسةٌ.. أمدّدُ ثوبي القصير إلى أطرافِ أصابع قدمي لأدفئها.. فلا أراه يصل..
 
وليست مصادفة.. مرَّ بمكاني الألثغ مبتسماً بمرأى العيون المنتظرة إضحاكها بأي حركةٍ أوٍ قولٍ تهكمي عليَّ أو على الغير.. رآني.. فاندلع لسانه قائلاً:

-  متّْتْ* لمْتـَثـْمَلْ ما مَتـَّتـّهْ.. ما يوَثــّـل*...... لمْتـَثـْمَلْ.. أمْتـَثـْمَلْ..
 
وهكذا في شوارع القريةِ أيضاً.. غدا خيالُ ذاكَ الصبي- ذي السادسة عشر عاماً، الذي يصغرني بسنتين، حيث أبي أدخلني المدرسة متأخراً - يطاردني.. إن لم أرهُ عيناً.. فهو شبحٌ أتوخاه يراني.. بل أمسيتُ أرى عيونه في عيون الآخرين، ولسانه في ألسنتهم.. فلا أنشد أمراً.. ليلاً أو نهاراً.. إلاّ متلصّصاً.. إلى أن تشظى رجائي لربي - إن لم ينتشلني من أزمتي - فليُقَزِّمْ قامتي بقياس ثيابي، أو أموت.
 
-  أبو محمد.. صارتْ كل اثياب هالولد قصيرة..

- فتقيها.

-  شوفها.. مفتوقه، وتآكلت.

-  ما بعد يجي العيد.

-  بس أنت ماشريت له حق عيد هذي السنة... ولا للمدرسة بعد.. وطوله يزيد يوم بعد يوم..

-  أنا ما ألوم الناس، لأنهم ما يعرفون حالتنا.. لكني ألومك..

- بس........

- لا.. بس.. ولا غيرها.. ما أمداكِ شفتيني اشتغلت هاليومين إلا قلتي أشتر له.. واشتر له.. يعني، ما تشوفيني أشتغل يومين، وأسبوع بَطـّالي؟.. وبعدين.. اللي تصعبْ عليه حالة أي إنسان.. يساعدة.

- ......
 
أنصتُّ لهذا الحديث وأنا خلف باب حجرتي الخشبي المتثلم، دون علم أبي فقط.. كورقٍ يابس أحترق.. بينما أمي - التي لا ترى لها حولاً ولا قوة - تُطرزها اللوعة صامتة.. وتُرسلُ إليّ إشاراتٍ من اليأس.. وهالاتٍ من الاعتذار..

وكما في كلِّ يوم.. بعد نصفِ ساعةٍ من تناولِنا الغداء المكوّن فقط من (قليل من التمر.. وأرز أبيض، أحياناً تضاف إليه نصف حبة دجاج مسلوقة).. شربَ أبي الشاي، فقال بكلام غليظ:

يلله.. أنا بروح النخل*.. وقولي لولدك يجيني هناك.. ولا يتأخر.. نبغي نجز نصف أشراب* الجت* قبل الليل.. علشان بكره الصبح أخلص باقيه لحالي قبل الشمس، وأكاري له سياره بعد الظهر.. أوديه السوق.. أبيعه.. وأجي قبل المغرب.

حينئذٍ - باستغرابٍ عظيم - طعنتُ الخجلَ في الصدر.. سَهَمْتُ الخوفَ في القلب.. خرجتُ أمامهُ بكلَّ جسارة.. فارداً طولي.. لي أنفاسُ ثورٍ منازلٍ أنهكتْهُ المطاردة.. قائلاً بنحو شهابي:

-  مابروح وياك.

فاجأه حالي.. وجوابي.. عبسَ.. فنظر إليّ شزراً.. قائلاً بكلماتٍ ممطوطة:

- وييييش؟.. ما سمعتْ.

-  قلتْ ما بروح وياك النخيل.. ما بروح نهائياً.. وما بروح المدرسة بعد..
 
وقفَ زافراً أنفاسَ الغضبْ.. فقبضَ طوقَ أذني بقسوة:

- ليش.. يا روح أمك.. والله ونبت لك ريش.. وصار لك ألسان.. وبدأتْ توقف قدامي..

لم أتمالك نفسي من البكاء كطفل، فقلتُ مطلياً بالتذلل والمسكنة:

- يبه.. والله فشلان قدام نفسي.. فشلان قدام الناس.. حاولت أتحمل.. ما قدرت..

فكَّ طوقَ أذني، فبادرني مشيراً إلى ثيابه:

- طيب.. شوف اثيابي تعبانه أعظم من اثيابك.. ما فشلت.. ولا عطيت أنذال الناس أهمية.

-  لو كنت أنا فلاح مثلك.. كان ما استحيت.
 
لم يرُقْ له ردي.. فصاغ الغضبُ وجهَه.. أوداجاً كالبالون.. أقزاحاً تقذفُ الشرر.. ما امتلك نفسه.. صفعني بكف معروق قائلاً: الله يلعنك.. تسخر من شغلتي؟..

بادرته: أنا ما أسـ.......

قاطعني صارخاً: ولا كلمه.. انقلع عن بيتي.. الله يقلعك.. ولا أشوف رقعة وجهك أبدْ.. يلّله..

نظرتُ إليه بشراسة.. وعلا صوتي لأولِ مرةٍ في وجهه:

- بطلع.. بس ما برجع.. وما بروح المدرسة.. بدور لي على شغل.. بلا منة أحد.

فخرجتُ من البيت صافعاً الباب خلفي.. مكملاً سورة خلخلته.. فلو بقيتُ.. لقتلني..
بل خرجتُ فائض الرحمة بأمي.. التي شعرتُ بأنها ستدخل بيننا، وكالعادة لن يتوانَ عن إشباعها ضرباً..
 
أنسَبْتُ في الأزقة المتعرجة.. ببؤسها دثرتني.. فاضتْ على أوجاعها زفراتي..

سلْتُ فيها على حالٍ أختلفتْ عن حالي في المرات السالفة.. لا خذلان.. لا انكسار.. لا تلصص.. لا خوف.. لا خجل.. أمشي في وسطها، رافع الرأس.. بلا دموع..
 
احتضنتني الأزقة تصاهرني الحيرة حولَ ردةَ فعلي الأخيرة.. أخمّنُ شعورَ كلَّ جدارٍ يقبعُ على ضفافها، بلْ كلَّ عتبةٍ، وبابٍ، ونافذةٍ، وحبةِ رملٍ رماديةٍ.. أتراها تؤيدني؟.. أم توبخني؟.. أم تحذرني؟.. لا أدري.
 
ارتشفتُ بعضَ مسافاتِ الأزقةِ.. لا أعلمُ أين أتوجه.. أو أذهب؟.. رغم أني في كلِّ مرةٍ يحصلُ سوءَ تفاهمٍ بيني وبين أبي، أو يحصل أن أرفضَ له أمراً ما.. يطردني.. فأختفي في زاوية ما، ثم أعود بنفسي، وينتهي الأمر..
 
أبي طيبٌ جداً في داخله.. ولجورِ وقسوة الحياة عليه، يقسو ويجور.. بيد أني قررتُ ألا أبزغ عليه وأمي، إلا شمساً تمدُ الضوء بذاتها، وأنتشلـُـنا جميعاً من براثن الحرمان..
 
في أزقة القرية الطاعنة في المشيب.. أمشي كعذق يتفرع مني اليباس ، التيه ، التبعثر، الغبش الذي يحجبُ كل المنافذ.. أخطو وكل الزوايا السديمية.. تعكسُ صورتي البائسة.. تخفي أحشاؤها أحلامي.. تذوي بنجمي.. تجففه.. تنحته.. تهوي به كحجرٍ في نار نواةِ الأرض.. فبعضي ينسكبُ جحيماً.. وبعضي الآخر ينتشرُ دخاناً..
 
وإذا بالمصادفة الكبرى تُرسي مخالبها.. التقاني الألثغ.. وسرعان ما أسرجَ ابتسامته قائلاً:

- هلا بلَمْتـَثـْمَلْ..
 
ما إن وُلِدَتْ كلمتـُه من رحمها.. إلا وحجراً ضخماً.. صلداً.. تلقاه من بينِ فكيْ كفيّ.. رفضتْ أمامه جمجمتـُهُ البقاءَ متكورةً.. رفضتْ قامتهُ الاستمرارَ ثابتة.. بلْ أبى الحجرُ إلا أن يخمدَ صوتهُ للأبد!.

هوامش:

-  لَمْتـَثْمَلْ: لَمْقـَصْْمَلْ(القاف بثلاث نقاط): أي قصير الثوب.. يقولها الألثغ هكذا لاستبداله الصاد أو السين بثاء.

-  متّْتْ: مدّدْتْ، فعل (مدد).

- ما يوثـل: ما يوصل.

-  النخل: اسم يطلق على المزرعة.

-  أشراب: جمع شُرْبْ.. وهي مساحات مستطيلة متجانبة يقطعها الفلاح في أرض المزرعة بشكل متساوٍ أحياناً ليشتمل عليها الماء بسهولة.

-  الجَتّ: البرسيم الأخضر.

-  بخنقها : البخنق هو اللفافة التي تلف بلف بها المرأة رأسها في القِدَمْ، مُثَقَّبْ، كالمشخال.
 
 


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى