نجاتي صدقي

ولد نجاتي صدقي في القدس يوم 15 أيّار عام 1905، أي أن دولة العدو ولدت في نفس يوم مولده علي أرض وطنه فلسطين ولكن بعد 43 سنة، فيا للمصادفة العجيبة!.

جدّه عسكري تركي، ووالده المقدسي كان عسكرياً مثقفاً مولعاً بالموسيقي، امتلك (غرامفون) كان يضعه في مكان مرتفع ليسمع الموسيقي المنبعثة منه كل مّار، أو مقيم علي مقربة من بيته، مستمتعاً بنشر رسالة حب الموسيقي، وتذوّق الفّن.

في هذا البيت نشأ نجاتي صدقي، ومنه خرج إلي العالم، مستطلعاً، باحثاً، منحازاً للحريّة.

عمل في البريد لفترة واحتكّ بالشيوعيين الذين أغروه بالسفر إلي موسكو، وعلى غير علم من أسرته غامر بالسفر إلي عاصمة البلاشفة للدراسة، تاركاً وراءه رسالة لوالده يخبره فيها بسفره ويطمئنه علي إنه سيعود، وهو ما دفع الوالد الحريص علي ابنه أن يتّصل بسلطة الانتداب طالباً منها إرسال بارجة إلى عرض البحر لاستعادته.

درس نجاتي صدقي في جامعة (كوتف) التي كانت تعّد طلاّب البلدان المستعمرة ليكونوا قادة، وكان التركيز في تلك الجامعة خّاصة للطلاّب القادمين من الشرق على تاريخ الاستعمار والفتح الأوروبي والامبريالي.
درس نجاتي صدقي الاقتصاد السياسي، وفي تلك الفترة حمل اسم (مصطفي سعدو)، واختصاراً (سعدي)، وهناك تعمّقت علاقته بالشاعر التركي ناظم حكمت، وخاض نقاشات عميقة مبكّرة حول حركة التحرر القوميّة العربية.

عاد نجاتي صدقي إلي فلسطين عام 1929 ـ وهو ما يؤكّد عليه الدكتور إبراهيم أبوهشهش في رسالة الماجستير التي أعدّها بإشراف أستاذه الدكتور عبد الرحمن ياغي والتي تحمل عنواناً لها: نجاتي صدقي: حياته وأدبه ـ فلاحقته قوّات الانتداب البريطاني واعتقلته... بعد الإفراج عنه توجّه إلي فرنسا في الطريق إلي إسبانيا للمشاركة في الثورة الإسبانيّة...
مذكرات نجاتي صدقي التي أجهد الشاعر والباحث الفلسطيني الكبير حنّا أبوحنّا نفسه وهو (يتابعها) إلى أن صدرت عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية عام 2001، يمكن اعتبارها كنزاً، لا لأنها تكشف لنا خفايا حياة هذا الإنسان الفّذ، ولكن لأننا نقرأ في فصولها أسرار وأسباب فشل الحركة الشيوعيّة في فلسطين، وطبائع الاستبداد التي كانت السمة السائدة على تفكير وسلوك قادة مستبدّين يتميّزون بالولاء الأعمي لموسكو، ويأتمرون بأوامر (الكومنترن)، ويجهلون ويتجاهلون ظروف بلدانهم، وأممهم، وشعوبهم.

عمق إنسانية نجاتي صدقي نلمسه في وصفه للسجناء البسطاء الذين تعرّف بهم في معتقلات الانكليز، ومنهم (أبو جلدة) و(العرميطي)، وهما بطلان شعبيان اشتهرا إبّان الثورة الفلسطينية الكبري...

اصطدم نجاتي صدقي مع خالد بكداش في موسكو حول الطبيعة الثوريّة لحركة التحرر القوميّة العربيّة، التي رأى فيها بكداش حركة رجعية منطلقاً من (كرديته)، في حين انتصر له ماوتسي تونغ البعيد النظر، والذي رأى إن حركات التحرر القوميّة لا بدّ أن تعادي الاستعمار، وبالحتم ستتصف بالثوريّة.

توجّه نجاتي صدقي إلي إسبانيا وأوكلت له مهمة الاتصال بالمغاربة الذين كانت تجلبهم قوّات (فرانكو) الرجعية من بلدهم بالقوّة، وتسوقهم إلي حرب لا مصلحة لهم فيها، ناهيك عن إنهم لا يعرفون شيئاً عن المتحاربين وأهدافهم الحقيقيّة.

نجاتي صدقي تعامل مع (الأسرى) المغاربة الذين يقعون في قبضة القوّات الثورية كضحايا لا كقوات رجعيّة معادية، وهو بذل جهداً في إعادة بعضهم إلى وطنه بعد أن شرح لهم طبيعة المعركة الدائرة علي الأرض الإسبانيّة
.

في فرنسا اختلف نجاتي صدقي مع الشيوعيين الفرنسيين ـ الملغومين صهيونيّاً ـ والذين طلبوا تجميده، ومن بعد مع تفاقم الخلافات مع بكداش تمّ فصله من الحزب، وبدأت مرحلة جديدة في حياته...

نجاتي صدقي الذي أجاد ثلاث لغات: الروسية، الانكليزية، الفرنسية، عني بتثقيف نفسه، وبفضل إجادته للغات العالميّة اطلع علي الأدب العالمي القصصي والروائي، وانعكس هذا علي كتابته القصصية المتطوّرة، وهو ما جعل كثيراً من النقّاد والدارسين يعتبرونه رائد القصّة في فلسطين والأردن ـ مع عدم التقليل من دور محمود سيف الدين الإيراني ـ ويكتبون حول نتاجه المقالات والدراسات والأبحاث، ويتوقفون عنده في رسائلهم الجامعيّة.
لعلّ نجاتي صدقي أوّل من كتب في الموسيقي الكلاسيكيّة، فدراسته عن السيمفونيّة التاسعة لبتهوفن ـ يتضمنها كتاب المذكرات في الملحق ـ تنّم عن معرفة عميقة تأسست في بيت أبيه المولع بالموسيقي ـ وثقافة موسيقيّة رفيعة، حتي إنه اشتّق مصطلحاًً عربيّاً للسيمفونيّة وهو (الإيقاع ) ففي عام 37 كتب مقالة بعنوان: الإيقاع الموسيقي التاسع لبيتهوفن، وتحت عنوان فرعي: أعظم قطعة موسيقيّة عرفها البشر حتى الآن...
صدرت لنجاتي صدقي ثلاث مجموعات قصصية نحا فيها منحي الكتابة الواقعية، والتعبيريّة، والرمزيّة، ولم يغلق علي نفسه الأبواب، فهو حرّ التفكير والرؤية، يلتزم بقضية وطنه ولا يتعصّب لمدرسة أدبيّة بعينها.
ترجم نجاتي صدقي أعمالاً أدبية، وفكرية، والأعمال الأدبيّة التي ترجمها فتحت الآفاق أمام القصاصين والشعراء، فقصص الأمريكي إدغار ألن بو الذي يعتبر رائد القصّة القصيرة، والمختارات القصصية العالمية، وغيرها، تدّل علي إنه لم يختر تلك الترجمات صدفة، ولكنه قصد تعريف المعنيين بما بلغته القصّة في العالم.

لنجاتي صدقي تحليلات فكرية للواقع الفلسطيني والعربي سبق بها زمنه، فهو بعقله المستقّل الرافض للتبعيّة درس واقع وطنه، وخرج بنتائج تتباين وتتناقض مع الأوامر الصادرة من موسكو، والتي ينفذها حرفيّاً قادة محليون تابعون مغلقو التفكير.

من يقرأ أطروحة نجاتي صدقي عن الحركة الوطنيّة العربيّة ربّما يفاجأ ويدهش لتحليلات هذا (المفكّر) و(الكاتب) و(المناضل) العضوي الميداني...
بعض فصول مأساته وأسرته أصغينا لها في الرسالة التي وجهتها ابنته (دولت): سنة 46 أتيحت لي فرصة العودة إلي فلسطين، لكن السلطات السوفييتيّة لم تسمح لي بالمغادرة. بعد سنين تكشّفت لي الحقيقة، فعندما كانت أمّي تستعّد للرجوع من موسكو إلي فلسطين، قال لها خالد بكداش: لن تري ابنتك أبداً..وقد حقق وعيده. إن مصير نجاتي ومأساة عائلتنا كلّها على ضميره.

رحل نجاتي صدقي عن الدنيا في السابع عشر من تشرين ثاني 1979 .

وتنوي أسرته نشر كامل مؤلفاته على حسابها الخاص .