احتفالية (ديوان العرب) في ضيافة (أدب ونقد) الرصاصة الأخيرة مجازر الاحتلال الصهيوني في غزة ٢٠١٤

الصفحة الأساسية > ديوان الدراسات المحكمة > التصوف والخَلوَة الصوفية

التصوف والخَلوَة الصوفية

٢٨ آذار (مارس) ٢٠١٠بقلم منذر الحايك

من المعروف أن الفكر الصوفي يسعى، في كل مكان وزمان وجد فيه، لتلبية حاجة سامية من حاجات النفس البشرية، ألا وهي النزوع نحو السعادة والكمال، وإن اختلف التعبير عن هذه الفكرة وعن طرق بلوغها، ولكنها في كل الحالات اتخذت الدين، والذات الإلهية بالتحديد، منطلقاً لها، لأن الإنسان، بقواه الفكرية والجسدية المحدودة، غير مؤهل ليكون هو غاية الحياة لأن مصيره الفناء، ولأن الفكر الصوفي يرى أن هذا الإنسان، على ضعفه، يمثل طوراً من أطوار الإلوهية، فعلى السالك أن يتجاوز كل ما يحول دون ارتقائه في تلك الأطوار، وإلا فمصيره الفناء المطلق. لذلك قالوا: أن طريق الصوفي ما هو إلا محطات يقطعها السالك ليصل إلى السعادة في الاتحاد بالله.

أن التصوف، بوصفه تجربة إنسانية تنشد تحرير النفس البشرية من أسر المادة والشهوات والانطلاق بها نحو عوالم الغيب والسمو، هو فكر وسلوك منتشر بين شعوب الأرض على اختلاف أصولها وعقائدها. فلقد بدأ التصوف جوهراً فكرياً يمثل مرحلة راقية من مراحل تطور الفكر الديني والأخلاقي للبشر، وتمكن من تمثيل كفاءة القوى العقلية في إثبات قدرتها على الإدراك إلى جانب الالتزام بالنص الديني، وانتهى به الأمر مدارس فلسفية حقيقية ذات تجارب راقية، شكلت حركة إيقاظ تأويلية للفكر الإنساني في مواجهة جهله بالكون وخفايا النفس وحقيقة الخالق وطريق الوصول إليه، فاختط الفكر الصوفي بذلك طريق جديدة للمعرفة والإدراك تجاوز بها حدود عقل الإنسان ومقاييسه، فكانت لهم رموز خاصة ومصطلحات تعارفوا عليها وأسموها الإشارات.

وانطلق الصوفيون يجوبون عوالم الفكر بحرية مطلقة، متوارين عن نقادهم خلف مفهومي الإشارة والعبارة. يقول الحلاج: (من لم يقف على إشارتنا، لم ترشده عبارتنا)، فمن لا يعرف رموز الصوفية لا يمكن أن يفهم عباراتهم، وهذا هو سر غموض التجربة الصوفية، وكونها عصية على الفهم والاستيعاب من دون تجربة فعلية ذاتية، وانخراط شخصي كامل بها.

أما بالنسبة للإسلام فيعد الفكر الصوفي بعداً روحياً أخلاقياً أصيلاً فيه، فقد حاول الصوفيون المسلمون الأوائل جهدهم إتباع طرق لم تخرج بمعظمها عن حظيرة الإسلام، بحيث أنهم استلهموا ملامح فكرهم ونسكهم ومجاهداتهم من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فاستخلصوا مثلاً من قوله تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَة - آل عمران: 164). بأن التزكية بفقه الباطن هي تهذيب النفوس، وتحليها بالفضائل وتركها الرذائل. وهذه التزكية دعاها الصوفيون بالإحسان، واصطلحوا على تسميتها: طريق التصوف.

لهذا انقسم علم الشريعة لدى الصوفية إلى: (علم ظاهر الشرع)، وهو يدرس العبادات والمعاملات، ويقوم به أهل الفقه، وإلى: (علم أعمال الباطن)، أي أعمال القلوب، أو علم الحقائق وباطن الآيات الذي ينكشف للخواص من عباد الله الذين اختصوا بفضل التأويل. ولهذا تبنى الفكر الصوفي مفهوماً واحداً شاملاً لكل القواعد، وهو: بطلان الظواهر وقيام الحقيقة فيما وراءها.

وعبر شيوخ الصوفية عن عدم رضاهم على طريقة عمل الفقهاء، بقولهم: إن الدين قد أصبح في يد الفقهاء رسوماً وأوضاعاً لا حياة ولا روحانية فيها، وهي إن أرضت ظاهر الشرع، فإنها لا تتسق مع باطنه.

ويعتقد الصوفية بأن جمهور الناس مساكين، (فقد أخذوا علمهم من ميت عن ميت، أما الصوفي فقد أخذ علمه من الأصل الذي لا يزول ولا يحول وهو الحي الذي لا يموت). فالتصوف كما يبدو ليس نظرية علمية بل تجربة عملية لها أبعادها العرفانية، ترى في العبادة الحقة طريقاً ثالثة ترقى على نمطي العبادة السائدين: عبادة الرغبة وهي عبادة أهل الطمع، وعبادة الرهبة وهي عبادة العبيد، أما عبادة الصوفي فهي عبادة الشكر والمحبة وحسن التقدير. فالصوفي حين يناجي ربه بقوله: (إلهي الكل يطلب منك، وأنا أطلبك)، فهو يخالف جمهور العابدين في تقلبهم بين طلب الثواب أو رهبة العقاب، وحتى الجنة فهي تغدو، كما يقول البسطامي: (حجاباً وأهلها محجوبون عن رؤية الحق).

وتوقف الفكر الصوفي مطولاً عند موضوع المحبة، أو الحب المقدس وهو لذات الله، والمحبة في تعريفهم هي: (سفر القلب في طلب المحبوب، ولهج اللسان بذكره على الدوام). وللحب درجات لدى الصوفية وأعلى درجاته ما وصفته رابعة العدوية بقولها:

(أحبك حبَّين: حب الهوى وحبًّا لأنك أهل لذاك)

تشترك معظم الطرق الصوفية الإسلامية في أفكار ومعتقدات واحدة، وإن كانت تختلف في أسلوب سلوك المريد أو السالك وطرق تربيته، فالتصوف الإسلامي نشأ في بيئة الزهد الديني، واستمر الزهد كواحد من أهم سمات هذا التصوف، من حيث الانقطاع عن الدنيا والاشتغال بملذاتها، وقد بدا ذلك واضحاً عند الصحابة والتابعين، فكانت الطرق الصوفية كلها تدعو إلى الزهد وتزكية النفس وإلى العمل الصالح.

ومن دعوة الإسلام إلى الزهد كان الكتاب والسنة هما المنهل الذي نهل منه المتصوفة المسلمون الأوائل تعاليمهم، ولكن بعد أن كثر اختلاط المسلمين بالأعاجم، سواء من بقي منهم على دينه أو اعتنق الإسلام، كان لا بد من أن تنتقل الأفكار الغنوصية والفلسفات اليونانية والأفكار الدينية للهنود والصينيين والفرس، وخاصة أثناء حركة الترجمة الواسعة للعربية في القرن الرابع الهجري، فتفاعلت كل هذه الثقافات لينتج عنها علم الكلام الذي يعد الأساس الذي قام عليه التفكير الصوفي في مختلف طرقه.

ولهذا كان مما يميز التجربة الصوفية الإسلامية هو شموليتها، وتنوعها غير المسبوق، فالتصوف الإسلامي من أهم سماته التنوع في التجربة، فتجربة الحلاج هي ليست ذاتها عند ابن عربي أو عند الجنيد أو التستري، فلو كان المؤثر واحداً، ما تنوعت هذه التجارب، التي أثمرت طرقاً صوفية بل مدارس تربوية في التصوف.

وهنا نلاحظ أن بعض الكتاب يبذلون جهدهم لنفي ما قيل عن التأثيرات الفكرية الخارجية على المعتقدات والطقوس الصوفية، ويصرون على أن الصوفية بكل ما فيها نابعة من بوتقة الإسلام. ومع أننا جميعاً نعرف بلا شك بأن هذه القضية شغلت الناس قديماً وحديثاً، عرباً ومستشرقين، كما نعرف بأن جمهرة الباحثين يخالفون هذا الرأي، وقد استند هؤلاء إلى ما ذكره البيروني من انتماء التصوف الإسلامي إلى أصول هندية، ولا سيما تناسخ الأرواح الذي يقابله مبدأ الحلول والفناء عند متصوفة المسلمين.

وأنا لا أرى غضاضة من كون الفكرة الصوفية الإسلامية متأثرة بأفكار من فلسفات أو ديانات أخرى، حتى أن هذا هو الأمر الطبيعي، فالمسلمون كانوا رواد التمازج الفكري والحضاري في العالم، وربما ساعد على ذلك انتشار الإسلام فوق بقاع شاسعة يحوي كل منها ما يحويه من أديان وأفكار وطقوس متجذر بعضها منذ آلاف السنين.

ولكن بتزايد التأثيرات الخارجية على الفكر الصوفي المسلم، وإتباع العوام للطرق الصوفية إبان رواج سوقها، بدأ انحراف كثير من الطرق عن تعاليم الإسلام. ثم قام بعض الأدعياء بتحويل الفكر التربوي السامي إلى مجرد طقوس تحكمها الضلالات والبدع، واستغل بعض الأتباع الجهلة، فكرة التصوف فأدخلوا إليها مزاعم متعددة هي ليست من التصوف في شيء، وكثير منها، مع الأسف، مستمر وجوده إلى أيامنا هذه.

وربما كان الذي شجع الصوفية على التمادي بالشطح ما تقرره قاعدتهم من أن: (أصحاب الفتح الأكبر لا يتقيدون بمذهب من مذاهب المجتهدين، بل يدورون مع الحق عند الله تعالى أينما دار)، ولهذا فكل عمل يقوم به مشايخ الطرق من مدعي الفتح والكشف يعتبر من باب التشريع للمسلمين. إن طريق الكشف الذي يوصل إلى اليقين تجعل الصوفي يعتقد أن مذهبه وما وصل إليه هو استمرار لنبوة الأنبياء وكرامات الأولياء، منها يستمد نور هدايته، ومن تعاليمها وإلهاماتها يسلك في الناس، فهو داعية لهذا الفكر النوراني، يرافق ذلك قناعة تامة لديه بقصور إدراك الناس عن فهم سلوكه مقاصده.

وكان أهم ما أخذه الفقهاء وعامة المسلمين والنقاد على الطرق الصوفية كافة هو تثبيط الصوفية أتباعهم عن الجهاد وقتال المعتدين، وتسميتهم للجهاد بالجهاد الأصغر، بينما يعدون جهاد النفس الجهاد الأكبر، قال الفوتي: (انعقد إجماع الأمة على وجوب جهاد النفس، والهجرة عن مألوفاتها وردها إلى الله تعالى، أكبر من جهاد الكفار بلا ريب). وعدد الفوتي أسباب لذلك، منها: (أن جهاد النفس فرض عين وجهاد المعتدين فرض كفاية، وأن النفس أعدى من كل عدو لصاحبها، وإن ضرر الأعداء مقصور في الدنيا وهي فانية، ولذلك كان جهادهم أصغر، وأن جهاد الأعداء يقدر عليه كل أحد وجهاد النفس لا يقدر عليه إلا الموفقين، وأن القائم بجهاد نفسه قائم لإصلاح نفسه وساع في تخليصها والقائم بجهاد الأعداء قائم لإصلاح غيره، ولذلك فإن شهيد جهاد النفس أفضل من شهيد جهاد الكفار بدرجات). وكان من أبلغ مارد فيه عامة المسلمون على جهاد الصوفية، قول أحدهم:

يا عابد الحرمين لو أبصرتنا
لعلمت أنك بالعبادة تلعـب
 
من كان يخضب خدّه بدموعه
فنحورنا يوم الكتيبة تخضب

خلوة الصوفية:

كانت الخَلْوةُ من أهم الطقوس التي مارسها الصوفية على اختلاف طرائقهم، فقد تداولوا هذا المصطلح باهتمام شديد، وكانت الخلوة إحدى أهم مجاهداتهم ورياضاتهم الأثيرة على قلوبهم طوال تاريخهم، ثم أنها فاتحة الحياة الصوفية للمريد، الذي يبتدئ بالخلوة ثم يتدرج حتى ينتهي بالفتح.

والخلوة بالعرف الصوفي هي: (انقطاع عن البشر لفترة محددة، وترك الأعمال الدنيوية لمدة يسيرة، كي يتفرغ القلب من هموم الدنيا التي لا تنتهي، ويستريح الفكر من المشاغل اليومية التي لا تنقطع، ثم ذكر الله بقلب حاضر خاشع، وتفكر في ذات الله تعالى آناء الليل وأطراف النهار، ولا يتم ذالك إلا بإرشاد شيخ عارف بالله، يعلم المختلي إذا جهل، ويذكره إذا غفل، وينشطه إذا فتر، ويساعده على دفع وساوس الشيطان وهواجس النفس).

ويبين الغزالي طريقة الخلوة فيقول: (إن الشيخ يلزم المريد زاوية ينفرد بها، ويوكل به من يقوم له بقدر يسير من القوت الحلال، ويلقنه ذكراً من الأذكار حتى يشغل به لسانه وقلبه، فيجلس ويقول مثلاً: الله، الله، أو: سبحان الله، سبحان الله، أو ما يراه الشيخ من الكلمات. فلا يزال يواظب عليه حتى يسقط الأثر عن اللسان وتبقى صورة اللفظ في القلب، ثم لا يزال كذالك حتى تمحي من القلب حروف اللفظ وصورته، وتبقى حقيقة معناه لازمة في القلب، وحاضرة معه غالبة علية، قد فرغ عن كل ما سواه، لأن القلب إذا اشتغل بشيء خلا عن غيره).

ومدة الخلوة الصوفية مختلفة، منها: خلوة الأربعين يوماً، لكن الأشهَر الثلاثين، إذ هي، كما يقول القوم: (أصل مواعدة موسى، وخلوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم كانت بغار حراء شهراً). ولديهم خلوة فاتحة الكتاب، وهي: (أن تصوم أربعين يوماً، تحترز فيها من أكل الحيوان وما يخرج منه). وتتضح هنا المؤثرات المسيحية في الطقوس الصوفية فهذا هو الصوم المسيحي عينه.

أما عن شروط الخلوة فقد ذكر لها ستة وعشرين شرطاً، منها: (السهر، والذكر، وخفة الأكل، والعزلة، ودخولها لا يصح بدون حضور الشيخ ومباركته للمختلي وللمكان. وأن يستعين المختلي ويستمد من أرواح مشايخه بواسطة شيخه المشرف. ويباشرها غير مستند إلى جدار المكان، ولا متكئاً على شيء. مغمضاً مطرقاً رأسه تعظيماً لله. ثم يجعل خيال شيخه بين عينيه، فإنه معه وإن لم يره المريد. وأن تكون الخلوة مظلمة، لا يدخل فيها شعاع الشمس ولا ضوء النهار. وأن يداوم السكوت إلا عن ذكر الله، وأن تكون الخلوة بعيدة عن حس الكلام، ولغط الناس .وألا ينام إلا إذا غلبه النوم).

ويستدل الصوفية بما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (أول ما بدئ برسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه. . .). يقول الفوتي: (فهذا الحديث المنبئ عن بدء رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأصل في إثبات المشائخ للخلوة لمريد من الطالبين).

بينما يعتقد جمهور الفقهاء أن خلوة الرسول إنما كانت بإلهام له من الله عز وجل ليهيئه لحمل الرسالة. كما أنه لم يأمر بها النبي ولا أشار إليها، وكذلك لم يفعلها أحد من الصحابة ولا من جاء بعدهم من التابعين. ويقولون بأن الخلوة تنافي الشريعة الإسلامية، وأنها بدعة مستحدثة ليس فيها نفع لا للصوفي ولا لمجتمعه، بل على العكس فإن متبعها يخرج مظلم الفكر مكتئباً، نافراً عن الناس، تلاحقه الوساوس، وهذا ما يؤيده علم من أعلام الصوفية وهو السهروردي بقوله: (وقد رأينا من يتشوش عقله في خلوته).

الرد على هذا المقال

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

نلفت انتباه زوارنا الكرام الى اننا لن ننشر:
- أى مداخلات تتهجم على اشخاص لا دخل لهم بموضوع المقال وتستخدم ألفاظاً غير لائقة.
- أي مداخلة غير مكتوبة باللغة العربية الفصحى.

من أنت؟
مشاركتك
  • لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

١ مشاركة منتدى