من رسائل المنفى والغياب

نفس القيادات، نفس الهزائم

، بقلم أحمد أبو مطر

كتب قبل أن يغادر، وأرسل ما كتب لمن وصلته الرسائل فكان أمينا وحريصا عليها كأنها ثروة بنكية لا يجوز التفريط بها، أو الدخول بها في سوق المضاربات كي لا يخسرها. من ولد في مايو عام 1948 فهو اليوم في الثانية والستين من عمره. أي اثنين وستين عاما وهو في المنفى إن كان من اللاجئين الذين طردوا أو نزحوا أو هجّروا من بيوتهم، ولا يهم نوع الإسم من طرد إلى نزوح إلى تهجير، فالنتيجة واحدة وهي المنفى واللجوء والخيام في البداية ثم بلوكات من الاسمنت وغرف لا تتوفر فيها الحدود الدنيا للحياة الإنسانية الكريمة. كان واحدا ممن هجّروا ونزحوا وطردوا، عاش من منفى إلى منفى، من غياب إلى غياب، وكتب كثيرا، وكان قد أوصى بنشر ما كتب، ومن تلقى فقد كان أمينا، وهاهو يطلب أو يأمر بالنشر، لنكتشف أن حياة الستين عاما تستنسخ نفسها في حياة الفلسطيني مرة كل عشر سنوات بنفس الحيثيات والقيادات، من نضال وشهداء إلى فساد ومفسدين، ومن مناضلين رائعين كحكيم الثورة إلى عملاء ومخبرين بالآلآف دون ذكر أسمائهم، لكنهم من كافة المراتب : أعضاء لجان مركزية ووزراء ومدراء دوائر إلى شباب مراهقين ليس اولهم عدنان ياسين ولا آخرهم مصعب حسن يوسف. فماذا كتب ذلك المنفى والغياب في السادس والعشرين من أبريل عام 1994 أي قبل ستة عشر عاما، لنكتشف بعد القراءة كأنها كتبت اليوم.

الصديقة العزيزة ماجدة،

من منفى إلى منفى ومن غربة إلى غربة، تنتقل تحياتنا وأمانينا عبرالأثير والورق، لأن حياة سمتها التشرد لايملك أصحابها سوى الأماني والمحبة، فهما كفيلان بتخفيف حدة المنفى وقسوة الغربة ومرارة التشرد. رسالتك المثقلة بأسى المنفى وشقاء الغربة، وقسوة وعقاب حكام هذا العالم غير المتحضر، إنها رسالة حياة مئات ألآلآف من شعبنا. أكتبها أنا وأنت بالقلم، و ثلاثة ملايين ونصف من شعبنا في غزة والضفة يكتبونها بالدم واللحم الطري، بدم ولحم الشباب والأطفال والرجال والنساء، الذين يموتون يوميا برصاص الاحتلال ومستوطنيه، وقيادة هذا الشعب غير آبهة بذلك وتخاف من اثارته في المفاوضات. في مجزرة الحرم الابراهيمي بالخليل، مات أو قتل أو سقط أو استشهد (لا فرق فالموت واحد وإن تعددت الصفات) ما لا يقل عن خمسين فلسطينيا. استنكرت القيادة الفلسطينية المجزرة، ولكن منذ يوم المجزرة وحتى أمس الخامس والعشرين من أبريل عام 1994، مات وقتل من شعبنا حوالي ثمانين فلسطينيا، دون أي استنكار أو كلمة من هذه القيادة..لماذا؟.

يبدو أنه كما قال غسان كنفاني (خيمة عن خيمة بيتفرق) يقصد خيمة الفدائي بيتفرق عن خيمة اللاجىء، وكذلك عند القيادة الفسطينية (موت عن موت بيفرق)، فالموت على يد جيش الاحتلال مشروع (ذبح حلال) تسكت عنه وعليه، أما الموت على يد المستوطنين فهو حرام تعترض عليه وتستنكره، ربما لأنه لم يتم حسب الأصول العبرية التوراتية. وهناك مليون وربع من الشعب الفلسطيني في داخل دولة إسرائيل، يكتبون هذه الرسالة الألم بالسكوت والاحتجاج السلمي أحيانا، وهذا ما يستطيعونه لأنهم كحملة للجنسية الإسرائيلية لا يملكون حق مقاومة الدولة التي (يتشرفون) بحمل جنسيتها، وتسمح لهم بالتنقل في وعبر كافة دول العالم بعكس اللعنة العربية المسماة " وثيقة سفر للاجئين الفلسطينيين". وهناك حوالي ثلاثة مليون أردني من أصل فلسطيني، يحملون الجنسية والجواز الأردني، وهم أكثر الفلسطينيين حظا بسبب حملهم للجواز الأردني الذي يسمح لهم بتنقل حر كريم بعكس الوثيقة اللعنة التي يبدو أن أوراقها طبعت وهي ملوثة بفيروس الإيدز، لذلك يخاف منها ويحتقرها كل موظفي المطارات العربية بلا استثناء. وهناك في دول الخليج العربي ما لا يقل عن مليون إلا ربع فلسطيني أفضل الجهاد عندهم نسبة إل 10 % التي تقتطع من رواتبهم لتذهب لما يسمى الصندوق القومي الفلسطيني الذي اتهم أحد مدرائه بسرقة الملايين لجيبه الخاص، وتم حبسه بعد تسليمه من دولة عربية. أما الذين لم ولن يحبسوا فهم بالمئات، وأغلبهم نعرفهم معا في بيروت ودمشق وتونس وقبرص، وكانوا دون مبالغة لا يملكون إلا راتبهم الشهري، فإذا هم في لحظة عرفاتية بامتياز، أصبحوا يملكون الملايين والشركات والوكالات من السلطة والاحتلال معا. إنهم خريجو مدرسة الفاكهاني اللاديمقراطية التي نادرا ما حصلت زوجة شهيد على مخصصها قبل الاحتيال عليها بطرق مختلفة لا داعي لذكر بعضها، فبعض الأعمال الوسخة تعرف من الإشارة إليها ونوعية مرتكبيها خاصة إذا كانوا من اللصوص الذين أثروا على حساب دماء الشهداء، وغالبا يحملون أسماء لها شخصيات تاريخية صادقة، كأن يحمل أحدهم إسم (محمد) وأنت تعرفين ذكرى ونصاعة هذا الإسم، و (رشيد) اي انه رجل راشد مستنير، وهو في واقع الحال الفلسطيني العرفاتي سارق لما لا يقل عن مليار دولار باعتراف ما يسمى المجلس التشريعي الفلسطيني، بعد عودتهم المظفرة للقطاع والضفة.

أما ما لايقل عن مليون فلسطيني في العراق وسوريا ولبنان، فحالهم نفس الحال السيء ، لا يتنفسون إلا بعد مرور الهواء على مكاتب المخابرات السورية والعراقية، وفي لبنان حيث أسسوا عشرات الدكاكين الثورية الغالبية العظمى من الغلابى ممنوعين من العمل في ما لا يقل عن سبعين وظيفة. وهناك حوالي ثلاثة ملايين في أوربا وأمريكا والمنافي البعيدة، انخرطوا في حياتهم اليومية، فما العمل طالما العودة حلم يتنقل معهم من منفى إلى منفى وسط عذابات الغالبية وفساد ولصوصية الأقلية الذين يسمون "القادة" الذين سيقودوننا نحو حلم العودة.

هل تتصورين يا ماجدة كيف تتراجع حتى أحلامنا ؟ أتذكر في فترة المراهقة الثورية عام 1968 عندما جاءني قرار حركة القوميين العرب بترك عملي في الكويت والالتحاق بقواعد الجبهة الشعبية لتحرير (ما تيسر من فلسطين) في منطقة جرش الأردنية، كان الشباب يتسابقون للوصول من كافة المنافي القريبة والبعيدة، شباب في عمر الورود ومن كافة الأعمار، يحلمون باجتياز النهر والموت، كان حلم تحرير فلسطين بعيدا، وكان هذا واضحا لهم، ولكن حلم الموت هو ما كان يغلي في صدورهم. أتذكر - ومن الذكريات ما يبكي – أن أشدّ عقوبة كان يستعملها الملازم مسؤول القاعدة بحق الشاب الذي يخطىء أو يقصّر في واجباته، هي التهديد التالي : " فلان..محروم لمدة شهرين من الاشتراك في أية دورية ستعبر النهر نحو فلسطين ". آه يا ماجدة لو تدرين كيف كانت ردة فعل ذلك الشاب؟. كان يبكي ويتوسل الملازم ويقسّم أنه لن يخطىء بعد اليوم أو يقصّر في واجباته، وكان مستعدا أن يقبل قدميه ويديه كي يكون في دورية الليلة التي ستعبر النهر نحو فلسطين لمقاتلة الاحتلال !!! تخيلي أين كنا وكيف أصبحنا؟ لذلك ولكل ما سبق وما سيأتي وهو أعظم، أقول معك نعم " سنموت جميعا في المنفى دون أن نحقق الحلم الذي يراودنا " وانا مثلك أكتب وعيناي تغرق بالدموع في هذه اللحظة. هل تتصوري معنى أن تصبح الدموع سلاحا للمقاومة، أعني مقاومة من أجل البقاء والعيش والصمود حتى ولو على المستوى الفردي الحياتي. ومن وقت قصير فقط فهمت معنى قول فرويد عالم النفس اليهودي " أترك من يبكي يبكي، فالدموع تعبير ومقاومة ". لقد أدهشني تعبيرك " العتمة تزداد يوما بعد يوم. تهدد المستقبل. هذه العتمة تفزعني إلى آخر الرعب ". صحيح ذلك ومدهش، لقد عرفنا أول الرعب ولكن لم نعرف بعد ولا نعرف آخره. فإذا كان مانعيشه رعبا فماذا نسمي الآتي؟. لذلك أفهم وأتذكر دعاء جدّي وجدّتي الذي أكرره دوما " يا خفي الألطاف نجنا مما نخاف "،فهم كانوا يدركون خوفا قادما دون أن يسمّوه!!.

الجزء الثاني

نفس الأحلام في كل المنافي


أحمد أبو مطر

الدكتور أحمد: كاتب وأكاديمي فلسطيني

من نفس المؤلف