احتفالية (ديوان العرب) في ضيافة (أدب ونقد) الرصاصة الأخيرة صمود غزة

الصفحة الأساسية > ديوان الدراسات المحكمة > إشكال التصنيف والتجنيس

القصص الشعبي المغربي:

إشكال التصنيف والتجنيس

٢٧ نيسان (أبريل) ٢٠١٠بقلم مصطفى يعلى

تعد دراسة القصص الشعبي دراسة علمية، إنجازا حديثا بمعنى الكلمة، حيث لا تتجاوز في صورتها العلمية، بداية القرن العشرين على وجه التقريب. لذلك يتسع حقل هذا السرد الشعبي العريق، لمزيد من الأبحاث والدراسات المتنوعة، من مختلف الزوايا والمنظورات وبشتى المناهج. وتبقى الخطوة الأساس الأولى في هذا الطريق، ممركزة حول جمع المتون، وتصنيفها، وتجنيسها، من أجل الاستفادة الكبيرة المثلى من هذا المأثور الشعبي الثمين.

وإن القصص الشعبي في المغرب ـ شأنه شأن مثيله في كثير من شعوب العالم ـ من الكثرة والتنوع إلى درجة يصعب معها حصره أو دراسته في شموليته. لهذا كان من اللازم أن تمر عملية التعاطي معه بمجموعة من المراحل الأولية الضرورية، ومنها جمعه وتصنيفه وتبويبه وأرشفته، قبل مقاربته بمختلف المناهج ولغايات متعددة. وقد سبق لفلاديمير بروب [1] أن لاحظ «ربما أن الخرافات شديدة التنوع، ومن البين أنه لا يمكن دراستها مباشرة على تنوعها، فيجب تقسيم المتن Corpus إلى عدة أقسام، أي يجب تصنيفه. والتصنيف الصائب هو إحدى الخطوات الأولى في الوصف العلمي. كما أن دقة الدراسة اللاحقة، رهينة بدقة التصنيف» [2].

لكن، الملاحظ أن معظم المحاولات السابقة المبذولة من أجل تحقيق تلك الغاية، ارتبطت أساسا على المستوى العالمي، في الدرجة الأولى، بنمط واحد معين من أنواع القصص الشعبي هو الحكاية العجيبة (وإن خالطتها بعض النصوص المتخللة المنتمية إلى غير هذا النوع، مثلما هو الشأن في مجموعة حكايات بيرول الفرنسية في القرن السابع عشر، ومجموعة حكايات الأخوين جريم الألمانية ، ومجموعة الحكايات الشعبية الروسية لأفاناسييف في القرن التاسع عشر).

والحقيقة أن عملية جمع القصص الشعبي وتصنيفه، تمثل إشكالا عويصا، يضع أكثر من علامة استفهام أمام طرق إنجاز هذه العملية، لاسيما فيما يتعلق بحصر الحدود الفارقة بين أنواع السرد الشعبي المختلفة، وكيفية ترتيب نصوصها إحصائيا وجماليا ودلاليا. بدليل كون هذه العملية لا تزال تتعثر حتى الآن، رغم الجهود المضنية التي بذلت منذ بداية القرن العشرين، في هذه الأمة أو تلك من أمم العالم.

فالمتصفح للمجاميع القصصية الشعبية في كثير من أقطار العالم العربي، التي أنجزها باحثون متخصصون وغير متخصصين، يدرك بسهولة مدى التخبط الذي يسم تلك المجاميع، حيث تراوحت بين لا تصنيف، وتصنيف ثلاثي ( دهاليز ـ حكايات طويلة ـ حكايات قصيرة)، وتصنيف خماسي (دهاليز ـ المرأة ـ المرأة والرجل ـ الحماة والكنة ـ من الحياة )، وتصنيف سباعي ( حكايات الواقع الاجتماعي ـ الحكاية الخرافية ـ الحكاية المرحة ـ حكايات الحيوان ـ حكاية المعتقدات ـ حكايات التجارب الشخصية ـ حكاية الشطار )، وتصنيف جغرافي حسب المدن أو الأحياء.

وفي المغرب، يلاحظ الباحث المتتبع لمشهد الأدب الشعبي، أن المتن المغربي من القصص الشعبي كما المتن العربي، قد عرف مجموعة من المحاولات المبذولة من طرف الأجانب والمغاربة، لجمعه وتبويبه. على أن هذه المحاولات قد اتسمت بالاضطراب والمزاجية، بحيث لم تخضع لأية منهجية مرسومة قبلا، ولا توخت غاية محددة. فكشأن المحاولات الفردية غير العلمية، تراوحت تلك التجميعات التصنيفية البدائية، ما بين لا تصنيف، والتصنيف المبتسر، والتصنيف الأحادي المختص بنوع قصصي شعبي واحد، أو الثنائي المنحصر في نوعين اثنين، أو الثلاثي، أو الخماسي، أو التصنيف الجغرافي المهتم بجمع النصوص السردية الشعبية في مدن مغربية معينة، أو التصنيف الرقمي التسلسلي غير المبرر،أو التصنيف حسب الموضوعات، مما يتأكد من الأمثلة التوضيحية التالية:

لقد أصدر كل من محمد الفاسي وإميل درمنجهيم [3]، مجموعة (حكايات فاسية) [4] باللغة الفرنسية سنة 1926 ، محتوية على خمس عشرة حكاية عجيبة دونما تنصيص على التبرير العلمي المطلوب، أو المقصدية المتوخاة من الجمع أصلا؛ هل هي التسجيل للتسجيل، أم التمثيل الأجناسي للنمط العجائبي، أم الإعلاء من غنى تراث الشعب بمدينة فاس؟. أم ماذا؟

وعاد الرجلان بعد سنتين، لتتمة مسيرتهما في طريق جمع الحكايات الشعبية الفاسية، بإصدار مجموعة ثانية باللغة الفرنسية أيضا، حاملة لعنوان ( حكايات فاسية جديدة ) [5]، مكونة من ثلاث وعشرين حكاية تكاد أن تكون ممركزة على الحكايات العجيبة بالذات، لولا أن تخللتها خمس حكايات نوعية تنتمي إلى نمط مغاير هو الحكاية الشعبية، لكن من غير تمييز أو إشارة توضيحية من الجامعين من أجل استبعاد اللبس. وتلك الحكايات الشعبية المختلفة هي:

- (لولا جرادة ما حصل برطال) (ص.74)
- (سلطان كناوة محرف بالقنديل) (ص.88)
- (التاجر الذي ذهب إلى مصر لبيع القباقيب) (ص.91)
- (الرجل الذي يسرق مرة في العام) (ص.112)
- (امحمد السايح) (ص.177)

وفي سنة 1937، نشر جورج كولين مجموعة (حكايات ونوادر) [6]، تحمل أربعين حكاية مغربية، لكن دون عناوين، بل مرقمة من واحد إلى أربعين بالأرقام الرومانية. ويتبين الباحث من التدقيق فيها، أن متنها يتوزع إلى حكاية مرحة ( 29 حكاية )، وحكاية شعبية ( 10 حكايات )، وحكاية عجيبة ( حكاية واحدة )، وهو ما لم يوضحه معد هذه المجموعة.

وسبق أن نشر إ. دستينك سنة 1940 كتاب (نصوص بربرية في عامية شلوح سوس) [7]، مخصص كله لنوع آخر من القصص الشعبي المغربي، ويتعلق الأمر بالحكاية الخرافية، بمظاهرها المختلفة من حيوانية ونباتية وجمادية، في حين يشير عنوان الكتاب إلى مطلق نصوص، وليس إلى النصوص الخرافية حصرا.
كما صدر لفرانسواز بونجان (حكايات لالاّ ثريا : طائر أصفر وطائر أخضر) [8] ، سنة 1952، من ثلاث عشرة حكاية عجيبة حصرا، خالية من أي تبرير علمي كذلك.

وفي شمال المغرب، نشر أواخر الحماية الإسبانية ، لأركاديو دي لاريا بالاسين (حكايات شعبية ليهود شمال المغرب ) [9]، في جزئين . صدر الجزء الأول سنة 1952، بينما انتظر صدور الجزء الثاني إلى 1953 . وقد بلغ مجموع حكايات المتن فيهما مائة وستة وخمسين حكاية، ما بين عجيبة، وشعبية، ومرحة، في تداخل لا يستطيع فرز هذه الأنواع الحكائية سوى المختصين المدققين.
وقد يستغرب الباحث، حينما يلاحظ أن هذا النهج قد استمر إلى أيامنا هذه، رغم ما عرفته الدراسات الأدبية الشعبية من تقدم معرفي وتطور منهجي، ومن وعي بأنماط القصص الشعبي على المستوى الأجناسي. بل ورغم أن محاولات رائدة، قد تعمدت مبكرا تقسيم المتن القصصي الشعبي المغربي، إلى أنواعه المختلفة ـ سنقف عند بعضها بعد قليل ـ كما يتضح من هذه النماذج الدالة، على سبيل المثال وليس الحصر:
ـ ( من أجل الوردة الحمراء سال دمي ) [10]، حكايات مغربية باللغة الإسبانية. جمعها رودولفو خيل ومحمد بنعزوز في منطقة غمارة وجبالة بشمال المغرب، ونشرها المعهد الإسباني ـ العربي للثقافة بمدريد سنة 1977 . وقد بلغ عدد حكايات هذا المتن مائة وإحدى وثلاثين حكاية مغربية، لم تخضع لأي تصنيف أو تأطير، رغم كون نصوصها قد تنوعت أجناسيا ما بين حكايات مرحة، وحكايات شعبية، وحكايات خرافية، وحكايات عجيبة.

ـ ( حكايات من الفولكلور المغربي ) [11] ، في جزئين، صدر الجزء الأول سنة 1978 ، وأما الجزء الثاني فقد تأخر صدوره إلى سنة 1985. وقد حشد فيهما صاحب هذه المجموعة يسري شاكر، مائة حكاية مغربية متداخلة نوعيا، إذ تراوحت بين العجيبة والشعبية والخرافية والمرحة، من غير اتكاء على منهجية ما، بل تم ترتيبها ترتيبا عشوائيا لا يخضع لأية قاعدة.
ـ ( راوي مراكش ) [12] . مجموعة من سبع حكايات مغربية طويلة، جمعها طوني بارطون من راوية مغربي اسمه أحمد بن شاكة ، ونشرها بالإنجليزية سنة 1980. وبالطبع لم ترتب الحكايات هنا أيضا على أساس أجناسي أو غيره، بل اختلطت الحكايات فتداخلت أيضا الحكاية العجيبة والحكاية الشعبية والحكاية الخرافية، بصورة توحي وكأن حكايات المجموعة من طراز نوعي واحد.

وقل نفس الأمر في مجموعة ( حكايات بيتي ) [13]، الخاصة بجنوب المغرب، الصادرة سنة 1986. وهي من جمع مشترك بين مبارك قدوري وإيرين ريبول. و مجموعة ( حكايات بربرية من الأطلس الكبير ) [14] ، و(حكايات بربرية من أطلس مراكش ) [15] لألفونس ليغيل . بل إن هذه الملاحظة تطال حتى بعض الرسائل والأطاريح الجامعية [16] التي نوقشت حديثا في الجامعة المغربية.

بيد أن هناك في المقابل، من انتبه إلى طبيعة النصوص النوعية، فأعد مجموعات منها، تم ترتيبها وفق تبويب خاضع للاختلاف الأجناسي المخصوص بكل نوع من الأنواع السردية الشعبية المغربية، وإن خلا الأمر من أي تبرير شكلي/ نظري، أو وعي مفهومي.

فقد وقع تقسيم نصوص مجموعة ( حكايات وأساطير شعبية من المغرب ) [17] لدكتوريس ليجي Doctoresse Legey المنشورة سنة 1926 ، إلى ثلاثة أقسام؛ قسم أول عنوانه ( حكايات عجيبة )، ويضم سبعا وخمسين حكاية عجيبة. وقسم ثان بعنوان ( حكايات الحيوان )، اندرجت تحته سبع عشرة حكاية خرافية. وقسم ثالث موسوم بعنوان ( حكايات وأساطير القديسين )، وقد اشتمل على تسع عشرة حكاية منتمية إلى هذا النوع.

كما بوّب إ. لاوسط مجموعته ( حكايات بربرية من المغرب ) [18] ، التي صدرت سنة 1949 ، محتوية على 150 نصا؛ في أربعة عناوين كبرى، هي : حكايات الحيوان ـ حكايات فكاهية ـ حكايات عجيبة ـ أساطير القديسين. علما بأن المجموعة مذيلة بسبع عشرة حكاية إضافية غير معنونة نوعيا، سبق أن نشرت ضمن دراسة أخرى للاوسط بعنوان ( بحث حول عامية بربر نتيفة ).

أما أنخيل دومينيتش لافوينطي، فقد ارتأى تصنيف مجموع الحكايات التي سجلها من أفواه الباعمرانيين، ونشرها سنة 1953 تحت عنوان (حكايات إفني ) [19]، عبر خمسة عناوين نوعية، هي : حكايات الحيوان ـ حكايات فكاهية ـ حكايات شرقية ـ حكايات عجيبة ـ أساطير القديسين.

في حين بوب موسى أغربي مجموعة من الحكايات البربرية المعنونة ( من حكايات البربر الشعبية ) [20]، والصادرة سنة 2003 ، إلى : حكايات الملوك والجن والقديسين ـ حكايات الحيوان ـ الحكايات الاجتماعية.
وفي رسالتها الضخمة، لنيل دبلوم الدراسات العليا، بعنوان (الحكاية الشعبية في مراكش )، التي نوقشت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط يوم 29 يونيو 1987، تحت إشراف د. عباس الجراري؛ فضلت مالكة العاصمي، تصنيف كمّ الحكايات المراكشية، الواردة في الأجزاء الثلاثة من الرسالة، وفق تقسيم متعدد المستويات؛ يركز أساسا على الموضوعات ( قيم اجتماعية ـ نظريات ومواقف فكرية ـ وأحداث ترفيهية )، لكنه ينتقل إلى تصنيف الحكايات حسب شخصيات أبطالها وهدفية مغزاها (حكايات النساء ـ حكايات الرجال ـ حكايات مشتركة ـ حكايات الأطفال ـ حكايات الحيوان ـ حكايات القبائل ـ حكايات حكمية).

ولعل هذا الاضطراب في تصنيف القصص الشعبي المغربي، يدعونا جميعا إلى ضرورة إعادة النظر في كيفية جمعه وضبطه وتبويبه وتصنيفه وأرشفته، على أسس مغايرة وواعية بحقيقة كل هذه العمليات وآلياتها ومناهجها. ولسنا في حاجة إلى أن نذكر بأن الأمر يحتاج إلى فريق عمل متخصص لإنجاز هذه المهمات الصعبة، فقد أصبحت هذه الضرورة في حكم البديهيات.

وفي انتظار تحقيق ذلك الإنجاز، لا بأس من أن نقدم هنا اقتراحا مبدئيا بمصطلحات ومفاهيم الأنواع الحكائية الشعبية، التي ينبغي اعتمادها إن أمكن خلال أية عملية ترمي إلى جمع القصص الشعبي المغربي وتصنيفه. وهو اقتراح يستفيد مما هو متداول في الكتابات العربية والأجنبية حول الأدبيات الشعبية.

إن القصص الشعبي المغربي يحتاج لدى جمعه، إلى تبويبه ضمن فئات فنية نوعية، يمكن حصر مفرداتها المصطلحية ومفهوماتها التحديدية، من خلال استيعاب مكوناتها الأجناسية. وهاهي محاولة تقريبية في هذا الشأن:

ولنبدأ بالحكاية العجيبة، نظرا لمكانتها الاعتبارية لدى الجامعين والدارسين الأجانب والعرب والمغاربة على السواء. فهي نوع سردي شعبي لا يكتمل إلا بتوفر مجموعة من الشروط التكوينية الأساسية. إذ تهيمن عليها الظواهر الخارقة من سحر وجن وأفعال خارجة عن المنطق والمعقولية، منفلتة من إسار المكان وسلطان الزمن، مع ابتعاد المغزى الوعظي والأخلاقي المباشر عن مقصديتها. وهي تقدم عوالمها العجائبية كما لو كانت أمرا طبيعيا. زد على هذا أنها تتهيكل عبر بناء واحد مكرور غالبا، وإن اختلفت بعض التشكلات من نص إلى آخر. فإضافة إلى البناء الثلاثي ( مقدمة، عقدة، خاتمة )، وتقنية التكرار الملحة، فمن الثابت أنها تتكون دائما من وحدات وظيفية بنائية، اجترح فلا ديمير بروب [21] طريقة إحصائها وتحديد مقولاتها بكثير من الدقة والتفصيل والعمق والابتكار، متراوحة بين وحدة خروج البطل بسبب إساءة أو نقص، وظفره بالفتاة المبحوث عنها، وزواجه بها، أو وصوله إلى ما افتقده هو أو أحد من أقربائه، فيحصل عليه بمساعدة قوة خيرة خارقة. ولمّا كانت الحكاية العجيبة ذات بعد تنفيسي، لذلك تختتم غالبا بالنهاية السعيدة للأخيار والقاسية للأشرار.

أما الحكاية الشعبية ، فهي عكس سابقتها، تعبير موضوعي واقعي، غير منقطع عن الزمن والمكان. حيث تجري في واقع تاريخي فعلي، وبطابع جدي، مما جعل بعض الباحثين العرب يسمونها (الحكاية الواقعية) على غرار المصطلح اللاتيني المتداول في الغرب. وتتحدد أهم عناصرها التجنيسية المخصوصة بها، في الوعي بمفارقات الحياة الواقعية، والارتباط بها، وإعادة تشخيص المواقف التي حدثت فيها من أجل المعرفة، وكشف الحقائق المجهولة وغرابة الواقع الحسي المألوف، ونقد سلبيات المجتمع، بهدف إصلاحه، والاضطلاع بوظيفة تعليمية ترسخ القيم الأصيلة بين الجماعات الشعبية وتدافع عنها. ومن هنا يؤخذ هذا النوع من القصص الشعبي مأخذ الحقيقة والجد. علما بأن الحكاية الشعبية تتميز ببساطة بنائها ومحدودية وحداتها الوظيفية. كما تتنوع أشكالها وأصنافها بصورة لافتة، مما ينزع عنها ثبات صفة التكرار الملازمة لأشكال وبنيات الحكاية العجيبة كما هو معروف.

وأما الحكاية الخرافية، فهي نوع آخر مختلف بين أنواع الجنس السردي الشعبي. وهي ذات مكونات أجناسية مميزة لها، تتحدد في شدة قصرها المطرد. وفي بساطة بنائها المهيكل على أساسين اثنين؛ تعرض في الأول الحادثة المجسدة للمغزى، ويركز في الثاني الموقف الأخلاقي المباشر. كما أن أبطالها بلا أسماء، وعددهم جد قليل، بحيث لا يتجاوز الثلاثة غالبا، يتعلق الأمر بـ ( المعتدي، الضحية، الوسيط ). وهم إما من الحيوان، أو النبات، أو الجماد، أو الظواهر الطبيعية كالشمس والريح الخ.. وأهم ما في أمر هؤلاء الأبطال، كونهم يؤنسنون بإسقاط الخصائص البشرية عليهم، رغم احتفاظهم بالسمات الطبيعية الأصيلة فيهم، بل وقد يكون البشر أحيانا من أبطال الحكاية الخرافية أيضا.ومثل الحكاية الشعبية، تدور أحداث هذه الحكاية في فضاء متصف بواقعية كل من الزمن والمكان، لكن بصورة مكثفة ومضغوطة إلى درجة قصوى. كما تتميز الحكاية الخرافية على المستوى الدلالي والوظيفي بكونها ترمي دائما إلى التربية الأخلاقية والوعظية أساسا، عبر تجسيد الحكم والأمثال والمواعظ والأقوال المأثورة السائرة، وما أشبه، مما يتطابق والتجارب الإنسانية المتوارثة، ويكرس القيم المثالية النبيلة.

وعند الانتقال إلى الحكاية المرحة، نجدها تشترك مع الحكاية الخرافية في الاتصاف بالقصر الشديد. لذا فهي أيضا تتميز تكوينيا ببساطة البناء، وتكثيف الزمن والمكان، ومحدودية الشخوص، والتركيز على حدث واحد مفرد، والارتباط بالواقع الاجتماعي، وبراعة التجسيد والتشخيص، ودينامية الحوار وعضويته، واندماج الوصف المركز في السياق سردا وحوارا. بيد أن طبيعة أبطال الحكاية المرحة ليست ذات تجليات عدوانية كما هو الشأن بالنسبة لأبطال الحكاية الخرافية، ولا هي مبنية على المكر والخداع مثلما يلاحظ في معظم أبطال الحكاية الشعبية. كما تستند الحكاية المرحة على ثنائية شخوصية، يتقابل فيها النقيضان لصنع جدلية المفارقة المكونة لجوهر الحكاية دونما تمركز حول عداوة أو مكر، بل إنهما كثيرا ما يتساويان في المحنة ذاتها، رغم تفاوت الوضعية الاجتماعية، فيتحولان معا إلى ضحية الحكاية. وفي سياق حصر خصوصيات الحكاية المرحة، نشير إلى أن هذه الحكاية لا تحمل درسا تعليميا وعظيا مباشرا كما في الحكاية الخرافية إلا نادرا؛ بحيث لا تجعل وكدها تمثيل الحكمة أو المثل أو القول المأثور، بل إنها تروم داخل مركز انشغالها الاضطلاع بالنقد الاجتماعي اللاذع، من منظور ساخر من الظواهر السلبية في المجتمع، مثل البخل والنفاق والغفلة والحمق والتهور وغيرها. لأن غايتها محددة في التنفيس عن مواقف الكبت الاجتماعي، والتنديد بالطغيان والجبروت، والثورة على الإشكالات الوجودية الكبرى التي تعجز الإنسان، منجزة كل ذلك عن طريق التعريض الذكي الشفاف، والتلميح الساخر الموحي، مما يهيئ هذه الحكاية للقيام بوظيفة ثانية أصيلة فيها، هي وظيفة الإمتاع والترفيه عن نفس المتلقي. وإضافة إلى كل هذه الخصوصيات، تحتفظ الحكاية المرحة بعنصر جوهري مميز بصورة جذرية لطبيعتها التكوينية، ومؤكد لهويتها الأجناسية بين الأنواع السابقة من القصص الشعبي، والمقصود بهذا العنصر: تكسير الجدية والرزانة، والاستعاضة عنهما بحس الفكاهة والسخرية، ورهافة التندر على النماذج المقتنصة من الواقع الاجتماعي. غير أن هذا الولع بالموضوعات المرحة، لا يستطيع أن يمنع المتلقي المفترض، من إدراك ما يختفي تحت السطح الساخر المرح، من جد وصرامة ناتجين عن ارتباط الحكاية المرحة بالحياة والمصير، وتمركزها على المفارقة باعتبارها شكلا أثيرا في انبنائها. إذ بدون تعارض المعنى الظاهر السطحي والمعنى الباطن العميق، تصير هذه الحكاية مجرد نص هازل، نكتة، أو سخرية مجانية، هدفها التسلية وتجزية الوقت لا غير. في حين تمكن المفارقة هذا النوع السردي الشعبي، من تسلية المتلقي إلى جانب شحذ تفكيره، وتحريضه على التحرك [22].

ولعل هذا التحديد الأجناسي المقترح لتمييز أنواع القصص الشعبي جماليا ودلاليا، سيساعد كثيرا على إعادة جمع القصص الشعبي المغربي، في إطار منظم، يتم تبويب متنه ضمن أنواع سردية شعبية محددة، تمتلك كل منها مكوناتها البنيوية المخصوصة، ومقصديتها الوظيفية، ودلالاتها الاجتماعية.

إلا أن مهمة المختصين المغاربة، ينبغي ألا تقف عند هذا الإجراء، إذ يجب أن يتلوه إجراء ثان حاسم، لا يقل أهمية في عملية الجمع والتصنيف. ويتلخص هذا الإجراء في تصنيف التراث السردي الشعبي المغربي تصنيفا علميا قائما على الأساسين الترقيمي والوصفي، لكن في إطار التبويب الأجناسي السابق.
ففي انتظار إنجاز هذه المهمة وطنيا، يمكن مرحليا استلهام نظام التصنيف الدولي، الذي اجترحه العالم الفنلندي آنتي آرن ونشره سنة 1910، ثم راجعه واستكمله العالم الأمريكي ستيت طومسون سنتي 192 و1964، بحيث بلغ مجموع أرقام الحكايات المتنوعة بتفريعاتها المختلفة في هذا التصنيف العالمي 2499 . وذلك على غرار مشروع بول ديلارو، المستلهم لتصنيف آرن ـ طومسون، انطلاقا من سنة 1954، بالنسبة للقصص الشعبي المتداول باللغة الفرنسية، إن في فرنسا أو فيما وراء البحار، والمستكمل من طرف ماري لويز طونيز فيما بعد، مثلا. وهكذا يتم البحث عن الحكايات/ النماذج من كل نوع من الأنواع السردية الشعبية السابقة، وإثباتها مع رواياتها المختلفة بما فيها الروايات غير المكتملة، مرقمة ترقيما متسلسلا، ومعنونة بعناوين مميزة، وموصوفة بأهم مكوناتها في تركيز متناه.

وبذلك نستطيع أن نقدم شيئا لهذا التراث الثمين، استقصاء وجمعا وتصنيفا وأرشفة، حماية له ومحافظة عليه، بعد أن أصبح مهددا بالانقراض، في ظل ثقافة الفيديو والبارابول والحاسوب والأنترنيت وباقي أدوات العولمة الكاسحة، وأكثر بسبب تناقص رواته في البادية والمدينة.


[1Vladimir Propp

[2تر. إبراهيم الخطيب، الشركة المغربية للناشرين المتحدين ، الرباط، 1986، ص. 21.

للوقوف على هذه الأمثلة من التصنيفات العربية، يمكن الرجوع إلى النماذج التالية :
ـ سمير طحان : الحكواتي الحلبي ـ حكايات شعبية للأطفال، دار الشورى، بيروت، 1980 .
ـ رابح بلعمري: الوردة الحمراء ـ قصص شعبية من شرق الجزائر، المنشورات الجامعية والعلمية، باريز، 1983.
ـ د. عمر عبد الرحمن الساريسي : الحكاية الشعبية في المجتمع الفلسطيني، ج.2 (النصوص )، دار الكرمل للنشر والتوزيع، عمان 1984.
ـ عبد الفتاح الجمل : حكايات شعبية من مصر، دار الفتى العربي، القاهرة / بيروت، ط. 1، 1985.
ـ جمال محمد أحمد : حكايات من النوبة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، [ د. م. ]، 1987.
ـ منير كيّال : حكايات دمشقية، مطابع ابن خلدون، [ د. م.]، 1987.
ـ د. عبد الله الطيب : الأحاجي السودانية، دار جامعة الخرطوم للنشر، الخرطوم، ط . 2، 1990.
ـ د. أحمد زياد محبك : حكايات شعبية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1999.
ـ نزار الأسود : الحكايات الشعبية الشامية، مطبعة خالد بن الوليد، [ د. م. ]، ط . 2 ، 2003.

[3Emile Dermenghem

[41926 Contes fasis, Ed. Rieder,Paris,

برر محمد الفاسي فيما بعد كتابة حكايات المجموعتين باللغة الفرنسية، وليس بالعامية المغربية، بكون المغاربة في عهد الحماية كانوا يحاربون كل نزعة ترمي إلى إضعاف الفصحى، فضلا عن استعصاء العامية على المطبعة، بسبب انتفاء الحروف المسعفة في أداء حركات العامية وسكناتها.(انظر:مجلة البينة، ع.4، س.1، الرباط، غشت1962، ص.6.

[51928Paris. Nouveaux contes fasis, Ed. Rieder

[6. Recueil de textes en arabe marocaine :-I- Contes, et anecdotes, Maisonneuve, Paris,1937

[7‏ Poul Geuthner: Textes berbères en parler des chleuh du Sous Maroc),Paris, 1940

[8‏ Contes de Lalla Touria : Oiseau jaune et oiseau vert, Ed. Atlantid , Casablanca, 1952

[92/1953// 1952 –1Cuentos populares de los judios del norte de Marruecos, Editora marroqui, Tetuan

[10Que por la rosa roja corrio mi sangre, Instituto hispano-arabe de cultura, Madrid, 1977

[11حكايات من الفولكلور المغربي، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، ج. 1/1978 ، ج. 2/ 1985

[12Le conteur de Marrakech, Castor poche, Flammarion, France, 1981

[13Les contes de chez moi-Sud Maroc, Fleuve et flamme, Paris,1986

[14Contes berbères du Grand Atlas, Fleuve et flamme, Paris, 1985.

[15Contes berbères de l’Atlas de Marrakech, l’Harmattan, paris,1988

[16انظر مثلا :
ـ مالكة العاصمي : الحكاية الشعبية في مراكش، ( الأجزاء 2، 3، 4 الخاصة بالمتن )، رسالة مرقونة، نوقشت لنيل دبلوم الدراسات العليا، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط ، سنة 1987، تحت إشراف د. عباس الجراري.
ـ محمد فخر الدين : البنية السردية والمتخيل في الحكاية الشعبية المغربية، ( الجزء الرابع الخاص بالمتن )، أطروحة مرقونة، نوقشت لنيل دكتوراه الدولة، بملية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش، سنة 2000، تحت إشراف د. محمد السرغيني.

[17, 1926 . Paris Contes et l’égandes populairs du Maroc, Leraux, Ed. Ernest,

[18Contes berbéres du Maroc, T. L, Publications de l’institut des hautes études marocaines,1949

[191952 Cuentos de Ifni, Editora marroqui, Tetuan

[20من حكايات البربر الشعبية، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، سل. بحوت ودراسات، وجدة، 2003.

[21راجع : مورفولوجية الخرافة.

[22لمزيد من التفاصيل حول الأنواع السردية الشعبية الأربع، راجع د. صطفى يعلى: القصص الشعبي بالمغرب ـ دراسة مورفولوجية، المدارس، الدار البيضاء، 2001.

الرد على هذا المقال

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

نلفت انتباه زوارنا الكرام الى اننا لن ننشر:
- أى مداخلات تتهجم على اشخاص لا دخل لهم بموضوع المقال وتستخدم ألفاظاً غير لائقة.
- أي مداخلة غير مكتوبة باللغة العربية الفصحى.

من أنت؟
مشاركتك
  • لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.