ما الجديد في كتاب عبد القادر الجنابي قصيدة النثر وما تتميز به عن الشعر الحرّ

، بقلم أحمد أبو مطر

صدر حديثا عن دار نشر «الغاوون» في بيروت بالتعاون مع قسم «ثقافات» في موقع إيلاف كتاب جديد للأستاذ عبد القادر الجنّابي بعنوان ( قصيدة النثر وما تتميز به عن الشعر الحر )،وذلك كالكتاب رقم (ا) في سلسلة "كتاب قصيدة النثر"، وهذا الكتاب هو السادس في قائمة كتب عبد القادر الجنابي باللغة العربية التي كان أولها " مرح الغربة الشرقية"1983 ،وآخرها " الأفعى بلا رأس أو ذيل " ترجمة عن الفرنسية- 2002 . ومن المعروف في الساحة الإبداعية العربية أنه كان قد أصدر في العالم 1973 في باريس مجلة "الرغبة الإباحية"التي صنفت حقيقة بأنها( أول مجلة سوريالية عربية)، وأحدثت ضجيجا هائلا عند صدور عددها الأول مطبوعا بالأوفست،وكان يتم تبادلها بين القراء المهتمين في أكثر العواصم العربية كبيان سياسي محظور أو ممنوع من التداول الصريح،وأتذكر أنني كنت ذلك العام أواصل دراستي العليا في القاهرة ، ولا أعرف كيف وصل عدد منها للشاعر أمل دنقل،فكنا نتسابق من أجل تصويره أو الحصول على نسخة مصورة منها بسبب الصدمة التي أحدثتها في ساحة الإبداع العربي آنذاك، حيث عبّرت ( عن موقف أخلاقي في عالم بلا أخلاق )،وصححت كتبه ودراساته بعد ذلك العديد من المفاهيم الخاطئة في ساحة التقييم والنقد المتعلق بأنواع وأشكال الشعر العربي الفنية،خاصة أنّ بعض هذه المفاهيم كانت منسوبة لأسماء شعرية حققت قداسة لم يكن مسموحا مناقشتها أو التشكيك في آرائها وتقييماتها تلميحا أو تصريحا.

هذا غير العديد من المجلات المتمردة التي أصدرها بالعربية والفرنسية ومنها " النقطة" و"فراديس"،وكان تمرده صدمة أو مفاجأة لغالبية المبدعين العرب، خاصة عندما توج هذه الصدمات بجرأة غير مألوفة في كتابه ( تربية عبد القادر الجنابي ) الذي صدرت طبعته الأولى عام 1995،حيث قدّم أهم المحطات في حياته ( تربيته ) بجرأة غير مألوفة في كتب السيرة الذاتية للكتاب العرب،الذين يكتبون سيرهم الذاتية بشكل وردي جميل كلها خير وبركة وطمأنينة خالية من السلبيات والمتناقضات،إلا أن تربية الجنابي هذه جاءت صريحة بوضوح مباشر بعيدا عن التلميحات،مقدما نفسه كما كان وعاش ودرس في تمرد واضح على المألوف الأسري والمجتمعي، موضحا الدور التدميري والتضليلي الذي مارسته أقلام معروفة مثل أدونيس، وكما يتساءل الجنابي :( متى سيأتي الأوان الذي الذي تجترح فيه إعادة نظر جدية في كيفية ظهور مجلة شعر،ولماذا كان التجديد الشعري العربي لبنانيا و مسيحيا،ولماذا يعمل أدونيس على تمييع هذا التجديد وإلى اليوم ببهلوانية ليس لها نظير). هذه الجرأة والصراحة اختلفنا معها أم اتفقنا فهي غريبة على ساحة الإبداع العربي حيث يتسابق الكثير من الكتاب والمبدعين العرب لنيل رضا وبركات الأسماء المشهورة، كطريق للشهرة أيضا من خلال العمل ك"حراس ثقافيين" لهذه الأسماء المشهورة حسب وصف الشاعر الفلسطيني باسم النبريص.

وماذا عن إصداره الجديد؟

يحتاج كتابه الصادر حديثا(قصيدة النثر وما تتميز به عن الشعر الحر) إلى تركيز في القراءة والفهم خاصة لمن هم غير ملمين جيدا بالثقافة والإبداع الفرنسي مثلي، وقد تخصص وغاص فيه الجنّابي عميقا،مما أهله للعديد من الترجمات من الفرنسية وإنطولوجيا للشعر العربي باللغة الفرنسية. هذا الكتاب حسب فهمي المتواضع وآمل أن يكون صحيحا يمكن تقسيمه لثلاثة أجزاء:

الأول: تحديد الفواصل الفنية بين الشعر الحر وقصيدة النثر

وهذا يستغرق الفصول الأربعة الأولى من الكتاب ( حتى ص 46 ) ، خاصة الفصل الأول ( هذا هو الشعر الحرّ وليس)، إذ من المعروف لنا أن مصطلح الشعر الحرّ راج في الوسط الشعري العربي منذ أربعينات القرن الماضي تقريبا، كتعريف للنمط الشعري الذي تمرد على الموزون المقفى الذي استمر منذ ما يطلق عليه " الشعر الجاهلي "والمقصود به الشعر الذي تمّ نظمه قبل البعثة النبوية حيث تمّ تعميم التسمية على الفترة الزمنية بكاملها( العصر الجاهلي)،ومن أشهر أشعار ذلك العصر ما أطلق عليه(المعلقات السبع) لكتابتها بماء الذهب وتعليقها على جدران الكعبة حسب بعض الروايات ونفي روايات أخرى.

الفصل الأول من الكتاب يؤسس لمسألة مهمة ،وهي تخبط اطلاق التعريفات والمصطلحات في الساحة النقدية الأدبية العربية، بسبب أخذ المصطلح أولا من النقد الغربي دون التأسيس عليه لإنماء خصوصيات تتعلق بالظرف العربي ثقافيا وإنسانيا. فمثلا الشائع في الساحة النقدية الشعرية العربية هو أن الصراع حول مطلقي "الشعر الحرّ" يتمحور حول بدايات نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وجبرا ابراهيم جبرا، وكلهم من المنطلقين من الساحة العراقية ، بينما تطورات مسيرة هذا الفن لم تخلو من إقصائية متعمدة للآخر، حيث يدّعي العديدون أنهم هم الرواد في هذا الفن ، خاصة من قام بالتنظير لذلك مثل نازك الملائكة في كتابها "قضايا الشعر المعاصر" الصادر عن دار العلم للملايين عام 1962 ، وفي هذا الميدان هناك دراسة مهمة للباحث والشاعر المصري حسن توفيق ( إتجاهات حركة الشعر الحر) الصادر عام 1970 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، ومن بعده كتابه (شعر بدر شاكر السياب،دراسة فنية وفكرية) خاصة أنه كان على معرفة وثيقة بنازك والسياب.

يؤسس عبد القادر الجنابي في هذا الفصل لمسألة في غاية الأهمية، وهي عدم تتبعنا في الساحة النقدية العربية للظروف التاريخية التي انتجت الشعر الحر لدى الآخر الذي نقلنا عنه المصطلح ، وأنتجنا نظيرا أو مثيلا له في شعرنا العربي من خلال أولئك الرواد، ومن جاء بعدهم من أجيال لاحقة بالعشرات أو المئات في مختلف العواصم العربية ، إلى حد أصبح منذ ستينات القرن الماضي من النادر أن تقرأ قصيدة موزونة مقفاة حسب العروض الخليلي المعروف . ويرجع الجنابي السبب في ذلك هو أنّ غالبية هؤلاء المبدعين الجدد قرأوا النصوص الشعرية المترجمة من الشعر الحرّ للآخر،دون التبحر أو الغوص أو معرفة الظروف التاريخية التي أنتجت هذا الشعر الحرّ،والسبب في ذلك هو عدم الإطلاع التاريخي على تلك التجربة، وتجاهل الكتب النقدية التي ترجمها الرعيل الأول من المترجمين العرب عن الإنجليزية لهذه الظروف، "وأحد الأسباب هو أنّ هذه الكتب مكتوبة لقرّاء لهم أصلا معرفة أولية وأساسية بالمصطلح النقدي المعني،لذلك لم يجد مؤلفو هذه الكتب حاجة إلى إعطاء تعريف مدرسي وتاريخي لمصطلح الشعر الحرّ،مثلا،بل فضّلوا التبحر في النظريات النقدية التي أفرزتهاتجارب الشعر الحرّ،دون تزويدنا بخلفية مجمل المفاهيم المتناولة في كتبهم" ص 7 . وإطّلاع عبد القادر الجنّابي العميق على المصادر الأساسية باللغتين الإنجليزية والفرنسية، أهّله أن يضع نوعا من الفرز حول البدايات الشعرية العربية التي كانت ضمن انطلاقة ما عرف في الساحة العربية ب "الشعر الحرّ". لذلك فهو يورد بعض مظاهر إدعاء البعض بالأسبقية في هذا الميدان، مثل إصرار جبرا ابراهيم جبرا على أن (شعر الملائكة والسياب لا تصح تسميته بالشعر الحرّ،وإنما يجب أن تطلق هذه التسمية على شعره هو وشعر توفيق صايغ ومحمد الماغوط.لماذا؟

كيف؟ لم يعطنا تفسيرا مقنعا).وبناءا على مقارباته مع الشعر الحرّ في مصادره الإنجليزية، يرى " أنّ شعراء التفعيلة كالملائكة والسياب والبياتي هم نقطة الانطلاق الأولى للشعر الحرّ على الأقل بمفهوم أوائل الشعر الحرّ الإنجليزي، لكنهم توقفوا عند الأسس....مثبتينها قيودا خليلية جديدة دون أن يذهبوا أبعد من ذلك. لذلك أوجدت الرغبة بالتحرر في مطلع خمسينات القرن الماضي مغامرين آخرين كتوفيق الصايغ،محمد الماغوط، وجبرا ابراهيم جبرا،أرادوا التوسع في إمكانات الشعر الحرّ وكسر كل قيد سواء أكان عروضيا بالمعنى الكلاسيكي للكلمة أم بقياسات شعر التفعيلة"، ثم يورد نماذج من تلك القصائد وآراء لبعض شعرائها كتطبيقات على ما يقوله، وصولا إلى التحرر الأوسع الذي أطلق عليه اسم (قصيدة النثر) كنموذج "اختار بوجه الايقاع العروضي الوقع الانسيابي المعتمد على المعنى أكثر مما على الوزن،وعلى الاحساس أكثر من التفعيلات،معتبرا إيقاعات النثر التي هي أكثر مرونة وشمولية،مصادر عروضية جديدة". لذلك يلاحظ متتبع النتاج الابداعي العربي في نصف القرن الماضي، أن الكثيرين دخلوا الساحة بكتابات أطلقوا عليها اسم"قصيدة نثر" دون توفر أية شروط من أي نوع فيها ، والسبب في ذلك كما يراه عبد القادر الجنّابي بأسف شديد " أنّ ما يسمى خطأ قصيدة النثر العربية ( التي ماكانت لتظهر لو لم تحدث ثورة الشعر الحرّ العربي على قيود الأوزان الخليلية) بقيت محتقرة عروضيا حتى يومنا هذا،فرغم أنّ لها تجارب منذ نصف قرن،فإنها لم تجد متبحرا واحدا في العروض العربي،يخصص وقتا للعثور على تفاعيل/بحور غير معروفة للأذن العربية في عدد كبير من أفضل ما كتب تحت هذه اليافطة الخاطئة:قصيدة نثر،ويقوم بقراءة تقطيعية جديدة لها). ويعقب ذلك بتطبيقات من الشعر الفرنسي وما كتب حوله من دراسات أكاديمية، وصولا لسؤال مركزي:

والآن: ما هي قصيدة النثر؟

وهذا هو عنوان الفصل الثالث من الكتاب الذي هو في سبع صفحات فقط ، لكنّه يضع مفاهيم واضحة لقصيدة النثر،اعتمادا على شيوع المصطلح منذ القرن الثامن عشر عبر العديد من الأسماء في الأدب الفرنسي إلى ( أن بودلير أحدث تغييرا في مصطلح قصيدة النثر،حين أطلقها كدنس أدبي قائم بذاته،بل كان أول من أخرج المصطلح من دائرة النثر الشعري إلى دائرة النص:الكتلة المؤطرة). وكنتيجة فإن (قصيدة النثر هي قصيدة مادتها النثر)، لأنها تحاول التمرد على معطيات وقوانين سائدة سابقا، ما عادت تعطي المبدع حريته في التعبير عن مشاعر ومستجدات ميدانية وحياتية. وهذا التعبير الجديد (قصيدة النثر)، لا ينطلق من كسب أذن القارىء عبر تنغيمات موسيقية (عروضية) اعتاد عليها، بقدر ما تخاطب نفسية تشعر وتعيش ما تفكر فيه عقلية واعية لما يدور من حولها. وعبر استعراض نماذج وتعريفات لشعراء ونقاد غربيين عاشوا ومارسوا هذه التجربة النثرية الواعية رغم تمردها، يتوصل عبد القادر الجنّابي لرأيه أو صرخته حول مصطلح قصيدة النثر مقارنة بالسائد التطبيقي لها في الساحة العربية قائلا:( ما هي قصيدة النثر؟ إنها كل هذا وليس. لكنّ الشيء المؤكد هو أنها نقيض قصيدة النثر العربية السائدة التي لا تلبي مطلبا واحدا مما اتفق جلّ النقاد عليه، رغم كل الاختلافات بينهم بشأن قصيدة النثر). ورغم ذلك فهو لا يحجر على المبدعين في قالب هو يضع حدوده مع آخرين من النقاد، فيترك الباب مفتوحا لكل كاتب أو مبدع أن ( يكتب وفق نبض أحاسيسه وصوته الخاص، وليسمّ مخلوقاته كما يشاء، فقط عليه أن يعرف أن مصداقية الشكل والمضمون هي عين ثقة الشاعر بما يقول )....هذا الفصل من سبع صفحات لكنه يحتاج للقراءة والتمعن سبع مرات ليعرف القارىء حدود ما يقرأ والشاعر نوع ما يكتب .

الثاني: نماذج وتطبيقات لما سبق من مفاهيم نقدية

الجزء الثاني من الكتاب كما رأيت تقسيمه هو الفصل الخامس منه، وجاء تحت عنوان ( مختارات تضمّ أهمّ النماذج الكلاسيكية والحديثة لقصيدة النثر الفرنسية )، وقد جاء من الصفحة 47 حتى نهاية الكتاب ص 142 ، وهو فصل أو جزء لا يمكن تلخيصه أو عرضه، فهو للقراءة والتأمل في نماذج شعرية فرنسية لحوالي 14 شاعرا فرنسيا، والمهم عند قراءة الترجمة العربية لهذه النماذج تذكر ما كتبه الجنّابي في الجزء الأول عن حدود المصطلحات الفنية عندنا وعند من أسسوا لقصيدة النثر، لنرى مدى صحة حكمه النهائي الذي أوردته سابقا. وأكرر أهمية هذه النماذج لمن هو غير مطلع عليها في لغتها الفرنسية الأم مثلي.

الثالث: الملاحق

هذه الملاحق الخمسة ( من ص 143 إلى نهاية الكتاب ص 176 )، تضيف معلومات جديدة وتطبيقات لأسماء مشهورة في ميدان قصيدة النثر، منها النموذج الخامس لتجربة الكاتب العراقي (حسين مردان ) – 1927 ،1972 – الذي جاء تقييمه لتجربته النثرية من أدق ما كتب عن هذا الشاعر البوهيمي في شعره وحياته حسب وصف الجنّابي ، وهو ملحق جدير بالقراءة المركزة خاصة رأيه فيما أطلقه مردان على كتاباته بأنها ( النثر المركز ).

هذا الكتاب جدير بالقراءة من نقاد الأدب بفنونه المختلفة خاصة الشعر، كي يتم الوصول إلى ما يشبه توافق على تحديد مصطلحات الإبداع العربي، وهذه المراحل كما يفهم من الكتاب مرّ بها الإبداع الفرنسي الذي رسى أخيرا على مفاهيم نقدية ومصطلحات أدبية واضحة، مع معرفة دور كل شاعر وكاتب ناقد في هذا المضمار.


أحمد أبو مطر

الدكتور أحمد: كاتب وأكاديمي فلسطيني

من نفس المؤلف