الأحد ٢٣ أيار (مايو) ٢٠١٠
فصل من رواية
بقلم فؤاد قنديل

فتاة روما 

 

وهى تعبر حجرتها إلى المطبخ في بلوزة قصيرة وشورت.. قالت:

ـ استرح بالداخل وتخفف.

دخلت حجرتها.. فرغت كل جيوبي من الأوراق والنقود ووضعتها على سطح الدولاب بعيدا عن أي يد أو عين.. تخلصت من الحذاء والجوارب.. تأكدت من أن النافذة مغلقة.
سألتني من المطبخ: ما اسمك؟

لا يجب أن أذكره.. أجبتها بلا جهد:

ـ صادق.. وأنت؟

ـ ماري.. ماري ويزل.

وجدت على منضدة صغيرة عدة كتب.. قلبت فيها، رواية لكاتب إيطالي اسمه دينو بوتزاتي ورواية يبدو أنها جنسية لكاتبة فرنسية اسمها مونيك لانج.. ورواية تسمي "رابت" الأرنب لجون أبدايك.. فتحت دولابها.. بعثرت نظراتي فيه بلا عناية.. أغلقته.. مضيت إلى الحمام.. تأملته وأنا أتبول البيرة.. مررت عليها بالمطبخ ودارت فيه نظراتي.. كانت تعمل بحماس ورشاقة وفخذاها المرمريان يتألقان أسفل "الشورت".

ـ تعال.

ـ لا أحب المطبخ.

عدت إلى حجرتها، وفى الطريق فتحت باب غرفة صديقتها، لكني أسرعت فأغلقتها وتمددت على السرير.

كان ثمة إلحاح يبقيني هنا في قلب المعركة، على أمل أن أذوق طعماً خاصاً وفريداً للتجربة.. 
 
تقدمت إلى ساحة العرش الممتد بأبهاء روما، قلبي يدق، لكني أتقدم.. قلبي يحدثني بقرب النهاية المفجعة، هاأنذا أتأهب لها وأستسلم.. فلتكن النهاية ما تكون.. يكفي أن أتخلص من اعتيادي لون الأيام الصدئة وطعم الأحلام الخرساء والدوائر المرسومة، لتكن النهاية ما تكون، لكني أخشي على أمي المنتظرة من سيف الصدمة.

ـ اختفي ولا أثر له.

ـ ولدي.. كبدي.

ـ روحي وضناي.

ـ وجدوه مقتولا بغرفته بالفندق.

لن تنطق حرفاً.. ستموت على الفور.. لا.. اطمئني يا أمي ولا تقفي أمام الأيام المجلوة.. روما مرآة تعكس قلب الشمس.. روما كأس ذابت فيه تواريخ الكواكب.
مضت الأفكار تطارحني التأمل.. تخيلت حوارا بيني وبين بلدي التي تختزلها القرية.
تذكرت قريتي المسكينة التي تقبع راضية و مكرهة على بعد من المدينة مقداره خمس كيلومترات من التراب.. طال دورانها حولي وإلحاحها علىّ.. وجدتني أقول لها:
أيتها القرية الطيبة..

يا أطيب قرى العالم.. أرجو أن تصرفي عني الآن تذكاراتك الأثيرة.. اطمئني فمنقوش في صدري إلى الأبد عرق حواريك المظلمة وصفصافتي وأرضنا الصغيرة، والبهائم وأكوام السباخ والطيور الوديعة والأشجار الحنون.

حصى السيجة وزفة المولد والعيش السخن ومقام سيدي أبو نوار.. حياء النساء وأسرارهن.. حكمة جدي وسيرة عنترة والهلالية وبيبرس وهوجة عرابي ومشية أبو قردان وتوتر الهدهد وقفز الأرنب وصوت الخفافيش في الطاحونة المهجورة، وزحام المتسولين أمام السيد والسيدة.. اطمئني فما زالت بأنفي طيوب المساجد وأمام عيني الآن أقدام أهالينا المشققة، وديوكنا الرومية تتهادي في صحن الدار وضحكاتها المتغطرسة تجلجل إذا الصمت ساد، وألفونس الذي كان في رمضان يصوم معي.
يا صاحبة القلب المتأجج دوما بالشوق إلى الأحباب.. لا تخافي.. لن تحرضني البيضاء الجميلة عليك.. ولا تخشي علىّ من دهشتي، أنا كما عهدتني أسلمها لله فسلميها.. خلي الآن ما بيني وبين التجربة.. لن أقطع حبلي السري، ولو حاولت لا ينقطع.

وجهك لا ينطمس، ولا تعلوه كتابة أخرى غير ما كتب الله في الزمن الوليد فاطمئني.. قد يكون الرجوع إليك أمان من مهالك، ولكن فيه الندم، وأنا كما تعلمين لا أطيق الندم.

هذا أنا كما أردت، أنت صنعت بي ذاك الولد.. ساذج.. متوجس.. مرتعد.. يخشى على القلب من حرق الثياب.

(سمعت صراخ اللحم المستجير.. بلغت أنفي رائحة الشواء).. كيف حالهم في مصر.. أمي وأبي وأخوتي.. هل تراها آخر مرة يخطرون ببالي؟، لم أشتر بعد الهدايا الواجبة.

ظهرت أمامي فجأة تجفف يدها في منشفة ملونة، ابتسمت وهى تقول: أرأيت لقد انتهيت.

ـ برافو.

كان بجواري دينو بوتزاتي.

ـ هل تحب القراءة؟

ـ نعم.

ـ أي لون من الكتب؟

ـ أي لون يضيف لي معرفة بالنفس البشرية.

ـ هذا ليس في الكتب.

أيدتها وحسدتها على إجاباتها الجاهزة.. ماذا أفعل وأنا مغرم بالكتب؟.. تذكرت من جديد أنها يهودية.. تمثل لي الرجل الأحمر ذو العين الزجاجية الذي رأيته قريبا منها في المقهى حيث تعرفت إليها.

ـ دقائق في الحمام وأكون بعدها معك.

مضت إلى الحمام وأسرعت أنا إلى المطبخ، فأخذت سكيناً وضعته فوق سطح الدولاب مع الأوراق، لم أشأ أن أضعه تحت الوسادة فالعثور عليه سهل.

طلعت علىَّ في قميص قصير شفاف، لا شيء تحته إلا الجسد المتألق.. كانت نظرة واحدة إلى الصدر المستبد كفيلة بطرد الأفكار المحمومة.. وكان لخطوها دمدمة وهزيم.. قفزت نحوها لأستقبلها.. دنوت منها.. سبقتها رائحة ناعمة ومميزة.

ـ لقميصك رائحة المطر.

ـ قميصي قطعة من جسدي.

تفجر الشره المختزن في دمائي منذ ولدتني أمي، قبلتني على خدي وأبعدتني عنها.. هجمت عليها وأخفيتها في صدري.. غمرتني رائحة لحمها الطري الطازج الفواح.. برقة أبعدتني.

ـ تمهل.

جلسنا على منضدة في المطبخ نأكل دون أن أستمتع بطعم الأكل الذي كان ولا شك شهيا.

ـ هل هذه الفتاة يهودية؟

ـ ولماذا لا تكون، ما دخل ديانتها في جسدها وجمالها؟.

ـ الصهاينة غيروا فكرتنا تماماً عن اليهودية بوصفها دين.

ـ توقعت أن يكون لجسدها رائحة منفرة.

ـ هل حقاً سيسلم نفسه كل هذا الجمال الموغل في الوحشية؟!.

ـ ماذا بعد التهام الجمال؟

ـ لتكن النتائج ما تكون.

ـ لماذا لا تأكل؟

ـ بل آكل.

ـ ألا يعجبك؟

ـ إنه..

انشق جسدي نصفين عندما سمعت جرس الباب، كان يرن في عنف زائد.. ارتعدت كل خلية في جسدي وتوترت كل أعصابي.. قست بسرعة المسافة بيني وبين الدولاب الذي يعلوه السكين، ثم تذكرت أن بيدي سكيناً.

همت ماري بالقيام أشرت إليها محذرا من التحرك.إنه لابد الرجل ذو العين الزجاجية.

أطبقت على المكان لحظات صمت، حتى تصورت أن هذه الشقة نقلت من موضعها إلى أعماق الأرض. سقط قلبي في قدمي وكاد يئن من الرهبة وسوء الظن.. بدا الصمت كأنه يتحداني، ولم أستطع أن أري نفسي في أي ضوء بطولي.. تأكدت الآن أن الطريق مفتوح تماماً كي تتقدم نحوي موتة بشعة. 

توجهت صوب الباب.. نظرت بالعين السحرية.. لم أجد أحدا.. ثم دوي جرس آخر.. تملكني الرعب.. فتحت الشراعة بحذر ربع فتحة، وجدت طفلاً جميلاً، ينتظر في أدب أن يفتح الباب.. أعدت الشراعة بنعومة شديدة، وأعدت كل قطعة في جسدي إلى موضعها.

ـ سألتني.. قلت لها: طفل صغير.

ـ لعله باولو ابن جارتنا.. إنه حبيبي، لماذا لم تفتح له؟.

دنوت منها.. أبعدتني بلباقة وقامت ترفع الأطباق، غسلت يديها وفمها بالصابون مرتين.. وغسلت أسنانها بالفرشاة، وتعطرت وصبت علىّ عطراً رجالياً.

تأملتها وهى تتقدم نحوي في هدوء، وعلى الشفتين ابتسامة مرحبة ومشجعة..
القميص الشفيف يبرق على الجسد الرخامي الأحمر، فيبدو لحظة أبيض وفى لحظة أخرى فضي وفى ثالثة رمادي، ثم لا يبدو على الإطلاق.

داهمتني رعشة.. لمحت الكتف العاري البض المستدير، كرة من الوهج المستعر.. دنوت منها.. بذلت جهداً خرافياً كي أبدأ في هدوء.. قبلتها.. كان لشفتيها طعم البارود.. نفس رائحة حبش وإيطاليا الذي كان لعبتنا الأثيرة ونحن أطفال.. توالت القبلات في احتدام وتأهبت لاجتياز العتبات المتوهجة.

حين لمس جسدها العريان جسدي العريان، تكشفت بعض الأسرار المبهمة، وقرأت بعض حروف من كتاب الخلق، وأتيح لي في البداية أن أتذوق طعم اللحظة بكل كياني.. أحسست بالحر الشديد فجأة وطرقت رأسي صورة الرجل الأصلع، فطردته بعنف وطردت كل شيء.. أطلقت لنفسي العنان واستسلمت للبحر العاتي.. نسيت الأصلع ذا العين الزجاجية، والسكين والقضية، ونسيت أنها يهودية، وأني...

بدأت تتلوي كالثعبان، وتنقش على جسدي صوراً لحيوانات مجنونة لا أظنها تعيش إلا في أعمق أعماق البحر، وصوراً لطيور بأجنحة فضية لا تكف عن الغناء.. هل يمكن أن تعيش هذه الطيور إلا في السماء السابعة؟

شرعت في الطلوع نشوتها الوهاجة وأنا مبهور أتعلم، وبسرعة غريبة أتعلم.. هل كانت مهرة اليهود أم مهرة الغرب أم مهرة العشق.. أم تراها كانت الحكم الصادر بإعدام السنوات المملة؟

تغلغل فيّ عطرها وضوءها والسحر الجميل.. تلاشت المسافات والكلمات وأوهام الذاكرة.. تكشفت لي أعماقي الخربة وجوعي للسرور الشجي.
اجتزنا ممراً إلى الليل المبارك وطلعنا منه إلى ربوة ووقت كسول.. ها هو النبع الذي تاقت إليه حقولي.

عدت أتأمل ـ حين أتيحت الفرصة ـ في دراما الوجود وعبقرية الخلق.. هذا التشكيل الإلهي، وكيان المرأة اللطيف المسيطر وجسدها ليس فقط القائد السيمفوني البارع ولكنه فرقة موسيقية هائلة.. لا أستطيع المقارنة بين ما أنا فيه وما تصورته جنساً.
 أحسست بعد حين بالمساء وتحلل الأشياء، وأبصرت دمي يتسرب من عروقي كدخان يعلو ثم يتلاشى، وتكسرت في جسدي المرايا وأعتم اللؤلؤ.. في سكون تمدد النخيل ونام.

ـ استيقظ وشاهد جسدي المشوه، لن أصلح لشيء بعد ذلك.

صحوت دون أن أفتح عيني.. على قبلاتها تغمر وجهي، فتذكرت أين أنا، وأدركت أن لي جسدا محطماً وجفناً ثقيلاً.

ـ صباح الخير.

ـ أرني يديك.. أنت بلا أظافر، فكيف نبتت بالليل لك المخالب.

فتحت أخيراً عيني، فداهمني ضوء نهار جديد.. كانت عريانة يمتلأ جسدها بالبقع الحمراء.. هالني ما فعلت وما تخلف عن النار من رماد.. أسرعت بارتداء ملابسي.. وضعت على المنضدة ثلاثين ألف ليرة.. سألتني:

ـ إلى أين؟

ـ إلى الشارع

ـ ألم تقل أنك ستبقي عدة أيام أخرى؟

ـ......

ـ ما رأيك أن تبقي معي وسأقوم أنا بعرض روما عليك والذي ستدفعه في الفندق، ادفعه لي، ولن تدفع شيئا في الأمسيات ولا حتى في الطعام، أما البنزين فعليك.

ـ سأذهب أولا ثم أفكر.

ـ هيا إذن.. سآخذك في طريقي.. أين الفندق؟

ذكرت لها اسم فندق قريب من الذي أنزل فيه، أوصلتني بسيارتها المدورة، وقبل أن أنزل قالت:

ـ هل يسمحون لي بالعيش في مصر؟

أظنني كنت سأقع من طولي لو كنت واقفاً، قلت لها أني إيراني فلماذا تسألني عن مصر؟.. كنت لا أزال بالسيارة، نهضت لأكسب وقتاً وأفكر.. انحنيت وسألتها:

-  ولماذا مصر بالذات!؟

ضحكت ونظرت إلىّ نظرة ذات مغزى، ثم قالت:

ـ سأمر عليك بعد خروجي من الشركة.

دخلت الفندق حتى تغيب عني وأغيب عنها.. استقبلني بسرعة شخص أنيق.. سألته على الفور:

ـ هل تنزل هنا سيدة اسمها ماري ويزل.

بحث في دفتره ثم قال: لا..

شكرته وعدت إلى الفندق.. أنهيت إقامتي فوراً وأسرعت بمغادرة روما. 
 
 


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى