احتفالية (ديوان العرب) في ضيافة (أدب ونقد) الرصاصة الأخيرة مجازر الاحتلال الصهيوني في غزة ٢٠١٤

الصفحة الأساسية > أقلام الديوان > كلام في الحرية

كلام في الحرية

١ آب (أغسطس) ٢٠٠٥بقلم تركي بني خالد

تعالوا نحلم بعالم حر. الحرية كلمة جميلة وردية تشتاق لها قلوب المحرومون. الحرية تلك الكلمة التي في سبيلها مات الكثيرون. لقد ولدنا أحراراً، فلماذا يستعبدنا الناس إذاً؟ هل فعلاً أصبحنا عبيداً؟ وهل فقدنا زمام إرادتنا؟ أين نحن من العالم الحر؟ أم أن الحرية كلمة وجدت للشعراء الحالمين فقط؟ ماذا تعني لنا كلمة حرية؟ هل هي أن تكون قادراً على فعل كل ما تريد.. جسمياً.. وعقلياً؟ هل للحرية قيود؟ من يفرض هذه القيود؟ وهل هناك حرية مطلقة؟ وهل يمكن الوصول إليها؟

إن القيد الوحيد الذي يجب أن يوضع أمام حريتنا هو وازع من ضمير و إحساس داخلي بالعدالة، فبدونهما نصبح أسرى لأنانيتنا التي تدفعنا إلى التعدي على حرية الآخرين. الحرية حق لكل الناس و ليست امتيازاً تمنحه جهة معينة. الحرية هدية الله لمخلوقاته. لقد ترك الله لنا الحرية لأن نتعلم و منحنا الأدوات اللازمة لذلك و أهمها العقل، فلماذا يحاول البعض من البشر أن يمنع الآخرين من التعلم، من حقنا كبشر أن نتعلم أي شيء، أن نعرف أي شيء عن أي شيء.

أن تكون حراً هو أن يكون لديك القدرة على الاختيار، القدرة على الابتكار و الاكتشاف. و أن تكون حراً معناه أن يكون لديك حقوق وواجبات. فلا بد لنا من حرية التفكير واكتشاف أفكارنا نحو الأشياء، و لكنها لا تعني أن نحاول إجبار الآخرين على أن يعيشوا أو يفكروا على طريقتنا نحن. أن تكون حراً معناه أن لا يراودك الخوف حين تعبر عن نفسك، فالحرية هي أن تشعر بالأمان من العقاب لأنك لديك رأي في موضوع معين.

المجتمع الحر لا بد أنه أكثر إنتاجاً من المجتمع غير الحر. فالإنسان في المجتمع الحر لا بد أنه أكبر شعواً بالواجب و المسؤولية، ومجتمع الكبت و الحرمان لا بد أنه يولد الشعور بالنقمة والرغبة في ممارسة العنف.

الشعور بالحرية قد يشبه الشعور بالأحلام. الشعور بأنك سيد في هذا العالم و ليس بالضرورة أن تمتلك الكثير من الماديات. مشكلتنا في هذا العالم أن تعريفنا للحرية ارتبط بالرغبة في تجميع الأشياء في بيوتنا و في أماكن تواجدنا.

في كل دساتير الشعوب كلام جميل عن الحريات، لكن الحرية تبقى العملة الصعبة التي يتطلع إليها الكثيرون في هذا العالم المتلاطم الأمواج. الإنسان في داخله حر بطبيعته ولا يمكن لقوة في الدنيا أن تمنع الشخص من أن "يشعر" أو يعتقد بشيء ما، لكن المشكلة تكمن في التعبير عن ذلك الشعور أو ذلك الاعتقاد.

ربما لك الحق أن "تستمتع" بالتدخين، هذا إذا وافقناك الرأي على أن في التدخين متعة، لكن إذا كانت ممارستك للتدخين تتقاطع مع حريتي في تنفس الهواء النقي، فلا بد وأننا سندخل في نوع من الصراع.

لكي تكون حراً، لا بد من الحرية المادية و الحرية العقلية. ولكي تعرف مقدار حريتك المادية، حاول أن تمشي في أي ساعة من النهار أو الليل، وحاول أن تنفق نقودك على أي شيء تختاره، وحاول أن تقول أي شيء في ذهنك، حاول أن تفعل كل ذلك ثم راقب ردود فعل الآخرين من البشر طبعاً...

حاول أن تمارس هواياتك المفضلة وابحث عن أسباب سعادتك، لكن من دون أن يؤدي ذلك إلى اعتقالك، أو الاشتباه بك، أو السخرية من تصرفاتك. إن ذلك فأنت حر!

من حيث المبدأ، لكل منا القدرة على ممارسة الحرية، لكن الحرية لها حدود وقيود بدرجات نسبية، فحرية الأغنياء أكثر من حرية الفقراء، و حرية الذين يملكون الوسائل أكثر من حرية أولئك المعدومين، فالحرية هي أولاً و أخيراً القدرة على ممارسة الاختيار. فأنت حر إذا كان أمامك الخيار مفتوحاً لعمل ما تريد، وأنت حتماً سعيد بقدر ما تتاح لك الفرص لتعيش بدون قيود.

نولد أحراراً، ولكننا سرعان ما تتلقانا أياد الآخرين من حولنا، فيضعون لنا "القوانين" و يصنعون لنا القوالب لنعيش بداخلها مدى العمر، ظناً منهم أن هذا هو الأفضل لنا،فهم الذين يقررون مدى حريتنا من خلال تلك القوالب التي فصلوها لنا.

وليس الجسد وحده حبيس تلك القوالب، وإنما العقل أيضاً. الحرية إذن في انطلاق العقل من المصائد التي تنصب له، و لا قيمة للعالم من حولنا إن لم نره نتذوقه بعيون عقولنا. والعقل لا يمكن أن تقيده حدود الجسد، فحتى السجين في زنزانته يطلق لعقله العنان فيفكر في كل شيء بما في ذلك الظروف التي قادته إلى المكان المقيد لحركات جسمه.

لكن العقل يستجيب أحياناً كثيرة إلى القيود التي فرضها البشر على شكل قوانين بإدعاء أنها الطريقة المثلى لتنظيم المجتمع. وتساهم التنشئة الاجتماعية و من ضمنها اللغة التي يكتسبها الإنسان في تشكيل ما يسمى بثقافته، وعليه تلعب اللغة دوراً مهماً في تنميط العقل وطرق تفكيره، وهكذا يكتسب الإنسان مع لغته الأم قيودا على سلوكه دون أن يشعر.

ماذا يعني أن يصرخ في وجهك أحدهم قائلاً "أنا حر"؟ الحر هو الذي لا قيد له، الطليق الذي لا يشده رباط مثل ذلك العصفور الذي أفلت للتو من قفص أو من خيط أمسك بطرفه أحد الأطفال العابثين. الحر هو الذي خارج القفص.. إذن ما هو القفص الذي ينهي الحرية؟. و لماذا يسمي البعض الزواج "قفص" الزوجية؟ يا إلهي! هل الزوجية قفص؟ و هل يفقد الزوجان حريتهما؟ إذن الحرية موجودة حيث لا قيود أو محددات أو أقفاص.

الحرية مرتبطة بالرغبة بفعل شيء.. فإن فقدت تلك الرغبة أو الحاجة إلى ذلك الشيء، فلا معنى للحرية إذن.. فهناك أشياء كثيرة تم منعها بواسطة قوانين من نوع ما، فالتدخين مثلاً ممنوع في الأماكن العامة في كثير من الدول، و إن كنت من غير المدخنين، فأنت حر تماماً، لكن بالنسبة للمدخن الأمر أصبح قيداً و ربما احتسبه تعدياً على حريته.

فالحرية هي في محاولة تجاوز العوائق، و نحن نحب الحرية بقدر ما نكره تلك العقبات التي توضع أمام رغباتنا و حاجاتنا. ترى.. هل و متى يتحرر العالم من العوائق التي تواجه الحرية؟ لقد تحرر الإنسان بفضل الطب و تقدم العلوم من العديد من جراثيم الجهل و التخلف و الظلم.

ليس بيننا من يقول أنه لا يعشق الحرية.. لكن هناك الكثيرون حولنا ممن لا يدركون معنى الحرية الحقيقي، فما العمل؟ مطلوب أن يتعلم الناس منذ صغرهم الانطلاق خارج إطار الأنماط العادية والأطر الروتينية، أن يستجيبوا لنداءات حدسهم الداخلي وأن يستشعروا القوانين لا من المجتمع بل من وحي ضمائرهم، ففي كل منا منطق داخلي يؤثر على سلوكنا.

إن كبح وسائل التفكير الحر و مايتبعه من التعبير الحر أمر خطير، لأنه مع أول جرعة حرية، تنطلق سيول عارمة من مشاعر الغضب و ربما استخدام طرق غير مقبولة من التعبير.

مطلوب أن تستجيب الأنظمة التربوية لمتطلبات الحرية، فإذا كان هدف كل نظام تربوي هو "إعداد المواطن الصالح"، فإنه من غير المعقول أن يكون المواطن الصالح جباناً لا يمتلك وسائل التعبير عن ذاته و مكنونات نفسه بوسائل ملائمة. المطلوب هو أن تعاد صياغة البيئات التعليمية بشكل تدمج معه الحرية و الإبداع في كل منهاج و في كل طريقة تدريس.

المعيقات كثيرة أمام حريتنا التي أهدانا الله. لقد استطاع الإنسان عبر التاريخ التغلب على العديد من العقبات المادية و الطبيعية، لكن التحديات الاجتماعية تبقى و تزداد، فالمجتمع وحده و ليس الفرد هو الذي ما زال يحدد معنى السلوك المقبول من غير المقبول، المعقول من المخبول، كما أنه وضع أدوات و آليات لمعاقبة من يسلك في غير ا لقنوات التي حددها هو، المجتمع أو أولئك القلة الذين نصبوا أنفسهم ممثلين له.

الرد على هذا المقال

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

نلفت انتباه زوارنا الكرام الى اننا لن ننشر:
- أى مداخلات تتهجم على اشخاص لا دخل لهم بموضوع المقال وتستخدم ألفاظاً غير لائقة.
- أي مداخلة غير مكتوبة باللغة العربية الفصحى.

من أنت؟
مشاركتك
  • لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

١٤ مشاركة منتدى