عُذراً يَاْ مَنْ كُنْتَ أبِيْ

، بقلم ياسمين محمد عزيز مغيب

"لستَ ابني" نعم قالها أبي أو من كنت أظنه أبي، قالها ولم يرحم طفولتي، ولم يشعر بحبي له وتعلق قلبي الغض بكل ركن من أركان بيتنا، وبمنتهى القسوة قال لي: مهما أحسن تربيتك فأنت ابن حرام.

كان عمري لم يتجاوز السادسة عشر، أخطأت في حقه عندما طلب مني ألا أتأخر عن الساعة الحادية عشرة، ولكني ضربت بكلامه عرض الحائط وتأخرت.

ليتني لم أتأخر، لأنه قررأن يعاقبني بأن يمحو كل ما بيني وبينه من علاقة، ويشطب اسمي من سجل حياته، أو بالمعنى الأصح قرر أن يُعلن وفاتي، وكأنني لم أكن بحياته قط.

أخذت أتوسل إليه أن يسامحني، ولكنه أبى وقام بطردي بمنتصف الليل وأغلق بابه بوجهي، تخيلت أن عصبيته جعلته يقسو علي، فذهبت لأحد أصدقائي وقضيت ليلتي عنده، وما إن أشرقت الشمس أسرعت الخطى، أخذت أدق الباب بشكل متواصل، لأدخل غرفتي، وأنعم بدفء أمي الحنون.

لكن ماذا حدث لا أحد يجيب؟؟؟ وبعد وقت طويل من انتظاري على درج البناية خرج أبي، وفرحت كثيرا لما رأيته وأخذت أقبل رأسه، ولكنه رفض، وقال لي: أسامة هناك مشوار لابد أن نذهبه سويا.

فقلت له أي مشوار الآن الساعة الثامنة صباحا، وأنا لم أذق طعم النوم عند صديقي، فعيناي تأبى النوم إلا بسريري.

رفض أبي.... أخبرني أنه مشوارلا يمكن تأجيله لأن وقته قد حان.
بالفعل جرني من يداي كعادته عندما كنت طفلا صغيرا، وقد ارتكبت خطأ، مشيت معه حتى أرضيه لا أكثر، حتى أن النوم كان يغشى عيوني وأنا بسيارته، ربما لأنني شعرت بالراحة والأمان.

أوقف سيارته، وأيقظني وإذا بي أجد أبي يجذبني من يداي ويدخلني دار الأيتام، سألته لماذا نحن هنا يا أبي؟

هل هذا وقت زيارة للدار؟ وأخذت أضحك فالأطفال لازالوا نائمين.

لم يعيرني أبي أي اهتمام ولم يرد علي ببنت شفة.

دخلنا عند السكرتيرة، وطلب أبي مقابلة مديرة الدار، كل هذا وأنا لازلت في حالة من النعاس.

أذِنت لنا المديرة بالمقابلة، ليُعلن أبي مفاجأة عمري، أو كابوس حياتي، الذي طير النعاس من عيناي، ليس النعاس فقط ولكن عقلي أيضا.

أخذ يحدثها قائلا: هل تتذكرين منذ خمسة عشرعاما عندما جئت أنا وزوجتي، نطلب طفلا نتبناه، حملقت مديرة الدار في وجهه، وقالت: "والله يا أستاذ أنا ما أفتكر شو أكلت بالأمس" وهنا أخرج أبي من حقيبة يده كيسا بلاستيكيا مربوطا بحبل ملفوفا عليه بإحكام، وأخذ يفتح هذا الكيس رويدا رويدا.

وذهني بدأ يشرد ويجمع الأفكار ويربطها، قال لي أنت ابن حرام، ثم جرني إلى دار الأيتام، والآن يريد أن يخرج أوراق من كيس متبالي.

وبرغم كل ذلك رفض عقلي تماما التصديق على الفكرة التي انتابتني، وفجأة أخرج أبي الأوراق وبدأت المديرة في قراءتها، ثم قالت: نعم تذكرتك، وهل هذا هو أسامة؟

فرد أبي قائلا: نعم هو. وهذه أمانتكم ردت إليكم، فلم يعد بإمكاني أن أقوّم هذا الولد أو أصلحه.

أخذت أستوعب ما يحدث حولي، شعرت بأن زلزالا أًصاب الأرض من حولي، بل أصاب جدران نفسي.

طفقتُ أصرخ أرجوك يا أبي لا تفعل هذ ا بي، فوعد مني ألا أعصى لك أمرا مهما حييت، قل لي أنك تمزح أو حتى تكذب، قل لي أنك ستسجنني بغرفتي، أو حتى تمنع عني الطعام والشراب والمصروف، احرمني من أي شيء، من كل شيء لكن لا تحرمني من آدميتي، من حياتي، من إخوتي، من أمي، من.......

أطرق أبي: ثم فجأة تحدث بصوتٍ هدم كل حب يكنه قلبي له.

لست بابني أخبرتك أنك ابن حرام ألا تستوعب بعد كل ما رأيت وسمعت، والدار أولى بك، فقد منّ الله علي بالبنين والبنات، ولست بحاجة لكلمة بابا تخرج من شفة ابن حرام.

توقفت عن التوسل ، واستجداء الرحمة والمغفرة، وأيقنت أنه ليس بأبي، لأنه لم يشفق علي ولم يرحم توسلاتي.

ضغطت المديرة على زر واستدعت السكرتيرة طالبة منها أن تستدعي رجلين من رجال الأمن، ووجدت أبي يوقع على أوراق تسليمي للدار.

أدركت الحقيقة التي رفض عقلي إدراكها، وجاء الرجلان، وأمسكاني بإحكام وكأنني مسجون مطلوب، وهنا لم أمتلك نفسي، فدموعي فضحتني، وظهر ضعفي الذي كنت أحاول أن أخفيه فحاولت أن ألبس ثوب الرجل المتجلد بالقوة والصبر، ولكن أي قوة وأي صبر.

وأخذ الرجلان يسحباني، وهنا صرخت مهلا قبل الإعدام يسأل المجرم ما الذي تهفو إليه نفسه، وهنا احتضنتني المديرة قائلة: أي إعدام يا بني فأنت هنا ستنعم برفقاء في مثل عمرك واهتمام ورعاية، وعلى العموم أخبرني ما الذي تهفو إليه نفسك.

سألتها: إن كان أبي أو من كنت أظنه أبي مسح اسمه من شهادة ميلادي، فماذا سيكون اسمي، وأين والدي الحقيقي؟ أم أنني ابن حرام كما يدعي؟

نظرت إلي المديرة نظرة مليئة بالعطف والشفقة، وردت قائلة: ستقوم الدار بعمل شهادة ميلاد جديدة باسم عشوائي ليس بحقيقي ننسبك إليه من باب حفظ النسب، لأنك لقيط، أي لم يعثر على أهل لك.

لم تعد قدماي تقوى على حملي، فسقطت مغشيا عليه، ولم أفق إلا وأنا بغرفة مليئة بأولاد منهم من هو بعمري ومن هو يكبرني، ومن هو أصغر مني، جلست على سرير أشبه بدرامات الزبالة في رائحته الكريهه، وكأنه شارع يعدونه للرصف، فقد كان مليء بالحفر والفراغات بين ألواحه الخشبية.

بدأت أستعرض شريط حياتي أمامي فأنا الطفل المدلل الذي تربى بمعلقة من ذهب، تعلم بالمدارس الإنجليزية، ونام بأفخر الفنادق، وسافر أجمل البلدان، ينتهي بي المطاف بسجن، أخضع فيه لحصار أشبه بأسرى الحروب.

امتنعت عن الأكل فأي طعام آكله وهذا ليس بطعامي الذي اعتدته، وساءت حالتي النفسية حتى أنني كنت أرد بأسلوب عنيف على أي شخص يحاول أن يكلمني أو يوجه لي سؤال، بل كنت أحيانا كثيرة أنهال عليهم بالضرب.

إلى أن قرر زملاء الشقاء أن يلقنوني درسا، ترحيبا بي وردا على تعاملي معهم، فأنهالوا علي بالضرب المبرح الذي أقعدني طريح الفراش لمدة أسبوع متواصل، وبرغم الضرب المبرح الذي ظهر أثره على كل أنحاء جسدي فأنا لم أشعر به، لأنني فقدت الإحساس منذ أن فقدت أمي وإخوتي، واستمرت المديرة تواسيني، وكانت تستدعي أخصائي نفسي للتحدث معي.

لكن أي عزاء يجوز لمن مات، فالميت لا يُعزى، اتصلت مديرة الدار بالرجل الذي تبناني وأخبرته أنني أوشكت على الضياع، مع أنني كنت قد ضعت بالفعل، حيث رفضت الذهاب لمدرستي برغم كوني من الطلاب المميزين، حتى الطعام امتنعت عنه، فهزل جسدي.

وذات مرة فوجئت بزميل يعطيني قطعة لحم، ويخبرني أنه قد أتى لي بها من المطبخ بعد أن غافل العامل، لأنه يعلم أنني لا أقوى على أكل طعامهم، وقال لي: "كل وعيش حياتك مافيش حاجة تستاهل بالدنيا، وحياتك اللحمة دي من أكل المديرة الخصوصي، عشان أفرحك بس"

فحاولت الابتسامة ولكني فشلت، وكيف أبتسم وأنا إنسان فاقد الهوية، فالحيوان أعلى مرتبة عني، على الأقل يدرك عائلته ويحيا مع قطيعه.

وأخذت أسأل أين أمي؟؟؟ هل تنازلت عني لهذا الرجل الذي ليس له قلب ليلقي بي إلى هاوية الضياع.

وجاء موعد زيارة لي، وسعدت كثيرا، فقد كنت أحلم أن يعود والدي ويخبرني أنه أراد تأديبي بهذه القصة الخيالية التي تشبه أفلام الأبيض والأسود.

خرجت من الغرفة وأنا سعيد لأول مرة منذ دخولي دار البؤساء، أو الأيتام كما يسمونها.

فتحت باب غرفة المديرة بشوق ولهفة، فوجتها أمي ارتميت بحضنها وأخذتُ أقبل يديها وقدميها، وأقول لها: أنقذيني يا أمي أهان ابنك عليك أن تتركيه هنا؟؟؟ انهارت أمي وبحر من العبرات غشى وجهها، أخذت تتحس وجهي وتمرر يداها بخصلات شعري، أنت ابني الذي لم تنجبه بطني، نعم ابني، فأنا أرضعتك، وغسلت ثيابك بيدي، وعلمتك أن تخطو أول خطواتك، وكم كنت سعيدة عندما خطوت هذه الخطوات، كان قلبي يزغرد قبل لساني، وأمسكتك القلم لتخط اسمك واسمي، فأول من قال لي ماما هو أنت يا أسامة، لا زال صداها يتردد بأذني، أنت ابني دون شك أنت ابني هل تفهم ابني؟؟؟ ليس لك أم سواي.

ولكن ماذا أفعل أمام هذا الرجل الظالم الذي حرمني منك، والذي لا أطيق العيش معه دونك، أين سأذهب بإخوتك؟؟؟ ومن يكفلنا جميعا؟؟؟ فأنا لست متعلمة وليس لي من أتكئ عليه بهذا الزمن، فاعذرني يا بني ما باليد حلية.

وانتهت الزيارة وفارقتني أمي، ولكن طيفها لم يفارقني، وحضنها الدافء لا زال يحييني في وحدتي، وظللت أبكي أياما كثيرة على حالي، إلى أن رويت دموعي الأرض كلها، وجفت عيناي عن الدموع فلربما فرغت عبراتها.

قررت أن أعيش ذئبا في قانون الغاب الذي يقول: إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب، وأنا صدمت صدمة ضيعت مستقبلي وطموحاتي، وهويتي وكياني، ولذا لابد من القصاص من الدنيا كلها، من الرجل الذي كان يدعي أنه رؤوف القلب، والذي تبناني عندما هفت نفسه لسماع كلمة بابا، وألقى بي لأنه أضحى لديه الكثير من الأبناء ولم يعد بحاجة لأن يسمعها مني، ومن المجتمع الذي مكن هذا الرجل مني، وأنا طفل لا حول لي ولا قوة، فلو كان قد تركني يتيما لما صدمت، ولأقلمت نفسي مع قدري المرير، وواقعي المؤلم.

وهنا بدأت أتقرب من زملاء الدار، لاكتسب منهم سبل العيش في دنيا قاسية ربطنا فيها رباط أكبر من رباط الدم والنسب، رباط الألم والعزلة وجمعنا معا الفقر واليتم في هذا المكان وترك علي أجسادنا ووجوهنا تشابها أكثر من تشابه الأشقاء تتناثر آثاره علي الوجوه والقلوب والعيون، استعمرْنا هذا المكان بعد أن استعمرَنا الضياع والتخبط فاستوطناه واستوطنا بعد أن نبذنا المجتمع وعدّنا أولاد حرام.

تعلمت كل فنون السرقة، وتعلمت كل الألفاظ التي تعينني على أن يهابني الجميع، لأنني بلغتهم أصبحت ابن شارع، وليس ابن حرام فقط.

انتظرت اللحظة التي أكمل فيها سن الواحد والعشرين حتى يُفك أسري، لأنال القصاص بكلتا يداي.

مرت السنون وجاء اليوم الموعود الذي طالما حلمت به، خرجت للشارع الذي جئت منه، وأول شيء فعلته سرقت مبلغا من المال ليعينني على شراء طعام يومي، ثم اتجهت لأقرب مطعم وتناولت الغداء.

بعدها ذهبت مع زميل الشقاء، إلى سوق السلاح، حتى نشتري سلاح الردع الذي لابد لأبناء الشوارع أن يحملوه، ولا يتركوه، وإلا فقدوا حياتهم، وأضحوا جُثث لا تساوي التراب الملقاة عليه.

قضينا يومنا سيرا على الأقدام مبهورين بالدنيا التي لم نر سماءها منذ سنين، وانتهى بنا المطاف فرافقنا الكلاب الضالة بفراشها تحت الكباري، إلى أن طلع علينا الصباح، استمرينا بالسرقة، لكل ما تطله أيدينا، فكم شعرت بالتلذذ وأنا أرى من سرقته يصرخ ويئن، وكأنني أنتقم لنفسي من الدنيا بشخصه.

استمريت هكذا أحيا حياتي ظنا مني أن هكذا يجب أن تكون الحياة، إلى أن جاء يوم أسود، وجدت فيه شخص ينزل من السيارة ويمسك بكتفي ويخبرني: أسامة ألا تتذكرني أنا زميلك أحمد بمدرسة "انترناشونال سكول"؟؟؟

ماذا دهاك؟؟ ولماذا ترتدي هذه الثياب؟؟ وأين تسكن الآن؟؟ ولماذا تركت الدراسة؟؟

انهالت أسئلته علي كالحجارة حجر تلو الأخر وكأنها تساقطت من جبل بسرعة جذب الجاذبية الأرضية ، لم أنطق وماذا أقول؟

أأقول له أنا ابن شارع أحمل بجيبي سكينا، والشارع هو بيتي وملجئي ومثواي؟؟ قلت له ظروف ظروف، ولكن كيف حالك أنت؟ وإلى أين وصلت؟؟

فأجاب أنا الآن بكلية الهندسة بالفرقة الثالثة، وكانت الإشارة قد فتحت فأسرع داخل سيارته التي انطلقت بسرعة البرق عن الأعين.

انتباني شعور كاد أن يقتلني بعد أن كنت قد تخيلت بأني أقتص من المجمتع، وسعدت بذلك القصاص، شعرت بالفشل، وأن المجتمع قد أصابني بمقتل.

فهاهو صديقي الذي كنت أتميز عنه في دراستي يدخل كلية الهندسة حلم عمري الذي طالما حلمت به.

ووجدت قدماي تجرني إلى سوق السلاح مرة أخرى، لاشتري سكينا كبيرا بكل ما معي من مال.

وذهبتُ إلى إحدى البنايات التي لازالت تحت الإنشاء، وقضيتُ يومي فيها، أنا وصديقي الذي سألني لمَ اشتريت هذا السكين؟ ولم هذه البناية بالتحديد؟ فم أجبه، وما إن أذن الفجر حتى صليت ركعتين فمنذ زمن بعيد وأنا لم أسجد لله لعلها السجدة الأخيرة بحياتي، لا أدري لماذا انتبابني هذا الشعور؟؟

وما أن رأيته خارجا من البناية حتى أسرعت الخطى ومن خلف ظهره انهلت عليه بسكيني، فأصبته عدة طعنات، وسط صراخ المارة، ولكن لا أحد يستطيع أن يقترب مني، وإلا سينال جزاءه، وكنت أستمتع وأنا أرى أنهارا من الدماء تسيل على الطرقات، وكلما طعنته طعنة كنت أخبره بسببها فالطعنة الأولى من أجل ضياع مستقبلي، والطعنة الثانية من أجل حرماني من أمي وإخوتي، والطعنة الثالثة من أجل امتهان كرامتي.

فوجئت بسيارات الشرطة والإسعاف تلف المكان والكل يخبرني بأن ألقي سلاحي، وصديقي يصرخ " ليه ضيعت نفسك يا أسامة المستقبل كان قدامك" أي مستقبل يتحدث عنه؟؟؟

وبكل هدوء رميتُ السكين وسلمتُ نفسي للشرطة وقلت لهم " الآن ارتحت، وأخذتُ أضحكُ ضحكاً هستيرياً، فقط الآن سأحيا فقد تخلصت من كابوس كان يقتلني كل لحظة.

وفي أثناء ركوب سيارة الشرطة أفلت أسامة من الشرطي ليلقي بنفسه تحت إطارات إحدى سيارات النقل الثقيل فيلفظ أنفاسه الأخيرة وهو يقول: عُذرا يا من كنت أبي فأنا أُحِبك .... أُحِبك ... أُحِبك ... أُحِبك....

من نفس المؤلف