احتفالية (ديوان العرب) في ضيافة (أدب ونقد) الرصاصة الأخيرة صمود غزة

الصفحة الأساسية > أقلام الديوان > رسومات ناجي العلي لا تزال في الذاكرة

في الذكرى الثالثة والعشرين على اغتياله

رسومات ناجي العلي لا تزال في الذاكرة

٣ أيلول (سبتمبر) ٢٠١٠بقلم أوس داوود يعقوب

«حنظله هو المخلوق الذي ابتدعته، لن ينتهي من بعدي بالتأكيد،‏
وربما لا أبالغ إذا قلت إنني أستمر به من بعد موتي»‏

تحل هذه الأيام ذكرى اغتيال رسام الكاريكاتير الفلسطيني الشهير ناجي العلي في لندن على يد مجهول قبل أكثر من عقدين من الزمن.

ومع مضي هذه المدة الطويلة لا تزال رسومه في ذاكرة كثر من قرائه العرب الذين طالعوها في الصحف والمجلات إبان حياته أو عبر معارض كثيرة منذ وفاته.

و تحل هذا العام أيضاً الذكرى الثالثة والثلاثين لشخصيته الكرتونية المبتكرة التي أصبحت علامة ثابتة في رسومه منذ نهاية ستينات القرن الماضي، والتي اسماها (حنظلة)، وواضح ما لهذا الاسم من علاقة بمرارة الواقع الفلسطيني.. وهل ثمة ما هو أشد مرارة في الحلوق من طعم الحنظل؟!.

* قصة (حنظلة)..

ناجي العلي (المولود عام 1938م في قرية الشجرة في الجليل الفلسطيني)، رسامٌ مبدعٌ استثنائي، لا تتكرر حالته إلا نادراً في تاريخ الشعوب، فقد انغمس في وجدان شعبه وعبّر عنه بصدق وبساطة يسهل فهمها من كل فئات المجتمع ، فكل لوحة رسمها تحمل رسالة إنسانية ووطنية أو سياسية يستطيع كل مواطن أمياً كان أو مثقفاً أن يقرأها بحروفها ورموزها وحركات أشخاصها.

وهو لم يرسم لجيله وإنما للأجيال التي تعاقبت ولا زالت تعاني مرارة النكبة وما خلفته من معاناة وظلم من الأقربين كما الأبعدين. رسم بشفافية جارحة في قراءتها للواقع وفي غاية الوضوح في رؤيتها للمستقبل، وكان انتماؤه الفعلي والروحي إلى المخيم الذي لعب دوراً كبيراً في تشكيل وعيه الذي قدمه عبر رسومه، مما أبقاه حياً في الشهادة، وحياً في التراث الهائل الذي خلفه في رسوماته المبدعة، ويشهد (حنظلة) على التزامها المبدئي لتحرير الوطن والشعب، ويشير بصمته الأبدي إلى الأعداء التاريخيين والمستجدين، يدير بظهره للمتخاذلين، ويسير بخطى رجل الحكمة يعقد يديه خلف ظهره كمن يقول: هذه هي الطريق إلى العودة إلى الوطن، إلى فلسطين إلى الشهادة.

وكان ابتكاره شخصية (حنظلة) ينطوي على الذكاء والإحساس الفني العميق و(حنظلة) يصور طفولة ناجي العلي في فلسطين، وهو شاهد على سوءات العالم ومأساة شعبه، لأنه الضمير الإنساني في شموله وبالرغم من أن هذه الشخصية إنسانية، فانه أحاط الرأس بما يشبه الأشواك كالقنفذ الذي يتخذ من الشوك سلاحاً للدفاع عن نفسه، فضلاً أن القنفذ مرتبط بالأرض ارتباطاً وثيقاً.

وبالرغم من أن (حنظلة) مثل شخصية ناجي العلي الفنية ، إذ بدا أشبه بالتوقيع وحسب ، فانه اكتشف بعد حين أن لهذه الشخصية دوراً مهماً في رسومه فقد عبر بها عن الإنسانية في كل مكان من العالم .

و(حنظلة) كما يعرف نفسه ـ بقلم ناجي العلي ـ ولد في (5 حزيران 67) ، وهو « مش فلسطيني مش أردني مش كويتي مش لبناني مش مصري مش حدا .. الخ ، باختصار معيش هوية ولا ناوي اتجنس .. محسوبك إنسان عربي وبس .. ».

يقول ناجي: « ولدي (حنظلة) موجود في كل لوحة من لوحاتي يراقب ما أرسم ، إنه ذلك الرمز الصغير الذي أثار جدلاً دون أن يدير وجهه.. ورسومي لا تباع لأن (حنظلة) عنصر ثابت فيها ..

حاولوا أن يجعلوني (رسام القبيلة) ... مع هذا النظام ضد ذاك .. ولكن كيف أقبل و(حنظلة) معي دائماً .. إنه رقيب لا تتصور مدى قسوته .. إنه يعلم ما بداخلي، وهو يراقب هذا الداخل كحد السكين، فإذا أردت أن أستريح لكزني، وإذا فكرت في الرفاهية وحسابات البنوك ذكرني بنفسي .. بأصلي وبناسي وأهلي وشعبي .. أستطيع أن احتال على الرقباء الرسميين ، فبعضهم لا يفهم المقصود من رسمي، وأغلبهم لا يفهم أصلاً ، ولكنني لا أستطيع أن احتال على (حنظلة).. لأنه ولدي.

سنوات طويلة مرت وأنا أرسم .. شعرت خلالها أنني مررت بكل السجون العربية، وقلت: ماذا بعد ذلك؟ «كان لدي استعداداً عميقاً للاستشهاد دفاعاً عن لوحة واحدة .. فكل لوحة أشبه بنقطة ماء تحفر مجراها في الأذهان».

وعندما سئل ناجي العلي عن سبب عقده يدي (حنظلة) خلف ظهره أجاب: « كتفته بعد حرب تشرين لأن المنطقة كانت تشهد عملية تطويع وتطبيع شاملة، وهنا كان تكتيف الطفل (حنظلة) دلالة على رفضه المشاركة في حلول التسوية الأمريكية في المنطقة، فهو ثائر لا يقبل التطبيع.. ».‏
وحين سئل: متى يمكن أن نرى وجه (حنظلة)؟.. أجاب: «عندما يتوقف نهائياً تهديد الكرامة العربية ويسترد الإنسان العربي شعوره بحريته وإنسانيته».‏

وقد بقيَّ ناجي حتى آخر يوم في حياته، وحتى آخر لوحة رسمها ، محافظاً على عهده مع (حنظلة) فلا ساوم ولا تنازل ولا دار ظهره لشعبه ولمقاومة العدو الصهيوني وأذرعه في وطننا العربي وفي صفوف منظمة التحرير الفلسطينية.

* بين ناجي وغسان كنفاني

نشرت أولى إبداعات ناجي العلي في مجلة الحرية في أيلول /1961م.. وذلك من قبل الكاتب الشهيد غسان كنفاني الذي رأى بعض رسومه وأعجب بها في إحدى زياراته مخيم عين الحلوة، وكانت اللوحة المنشورة تمثل خيمة تعلو قمتها يد تلوّح مشيرة إلى المعاناة مبشرة في الوقت عينه بيوم عودة كان العرب يأملون أن يكون قريباً..

وكان غسان يرفق نشر اللوحات بكتاباته وتعاليقه، مبشراً في بعضها بموهبة الفنان ناجي الكاريكاتيرية، حيث ذكر في العدد 88 من المجلة - السنة الثانية وبتاريخ (25/9/1961م) ما يأتي: «وصديقنا الفنان ناجي، لا يجد خيراً من الكاريكاتير ليعبر عما يرتجف في نفسه، وقد لا يعلم - ناجي نفسه - أن الحدة التي تتسم بها خطوطه، وأن قساوة اللون الراعبة، وأن الانصباب في موضوع معين يدلل على كل ما يجيش في صدره بشكل أكثر من كاف ».
يضيف غسان: «وهو يحمل إلينا قصة فلسطين، لا ما حدث منها، ولكن ما يجب أن يحدث، لكي يعود الذين شردوا من ديارهم إلى خير الأرض والوطن».
والرسومات هي أربع أهمها وأشهرها الأولى التي تظهر فيها خيمة في مخيم للنازحين تبرز من أعلاها يد قوية قابضة علـى شعلة.

ويحدثنا ناجي عن تلك الفترة وبدايات تعارفه على أول شهداء الكلمة الفلسطينية المقاتلة الشهيد غسان كنفاني (اغتاله جهاز الموساد‏ الصهيوني في بيروت صباح يوم 8/7/1972م)، يقول: « حاولت أن أنتمي إلى حركة القوميين العرب 1959 إلا أنني اكتشفت، واكتشفوا هم معي، أنني لا أصلح للعمل الحزبي. فخلال سنة واحدة أبعدت أربع مرات عن التنظيم بسبب عدم انضباطي .

في تلك الفترة كنت أقرأ كتباً قومية لساطع الحصري وكان شباب الحركة هم الذين أشاروا علي بذلك ، كما كنت طبعاً أقرأ مجلة «الحرية» التي كانت تصدر شهرياً آنذاك.

غسان كنفاني لم أقرأ له شيئاً في تلك الفترة، غير أنني تأثرت به منذ رأيته يتكلم في إحدى الندوات في المخيم. رأيت أنه يعبر عن هموم الناس، كانوا يحبونه. ونحن كنا نحب كل من يستطيع أن يقترب من همومنا الوطنية. في فترة لاحقة صرت اقرأ له كتاباته السياسية في مجلة «الحرية» .. وفي فترة لاحقة قرأت لغسان «موت سرير رقم 12 روايته رجال في الشمس» أثرت بي كثيراً كما أثرت بمعظم أبناء جيلي من الفلسطينيين . كانت صرخة «لماذا لم يدقوا جدار الخزانة» تصفعنا صفعاً وتجعلنا نفكر كثيراً.

كانت تلك الجملة تعني لي أنه مع كل الحصار المضروب حول شعبنا لا نستطيع أن نطلب النجدة من أحد أبطال رواية غسان ماتوا على جمارك الخليج دون أن يكون لديهم أي أمل في أن أحداً سيساعدهم أو يسامحهم. كنا نعتبر أنهم ماتوا أمام جمارك الأنظمة العربية جميعها . إذ ليس الخليج إلا رمزاً ».

* فكره السياسي من خلال رسوماته

انتمى ناجي العلي منذ بدايات مشواره الفني والنضالي إلى الثوار والفقراء والمخيم ، الذي لا يستطيع الحياة خارجه نفسياً ، ليتذكر دوماً أنه لاجئ، وأنه لابد من العودة إلى الوطن المغتصب، إلى فلسطين التي كان يراها ممتدة جغرافياً على امتداد مساحة الوطن العربي ..

يقول ناجي العلي في إحدى المقابلات الصحفية:

« فلسطين عندي الأرض التي حدودها من المحيط إلى الخليج؛ لا ضفة غربية، ولا غزة ولا الجليل ولا حيفا»، وفي موقع آخر يقول: « مهمتي كمناضل فلسطيني التحريض.. تحريض هذه الجماهير ضد واقعها المزري. وهذه هي حدودي. وهذا هو دوري ، كشف الواقع ، التعبئة، والباقي مهمة الثوار».
وحول انتمائه إلى المخيم يقول « أنا من عين الحلوة، وعين الحلوة مثل أي مخيم من فلسطين آخر، أبناء المخيم هم أبناء أرض فلسطين، لم يكونوا تجاراً ولا ملاكاً، كانوا من المزارعين، فلما فقدوا أرضهم، فقدوا حياتهم فذهبوا إلى المخيمات».

ويصف الصحفي اللبناني الكبير الأستاذ طلال سلمان رسومات ناجي العلي بصدق حين قال « لا تقرأ ناجي العلي إذا كنت تبحث عن بسمة، عن قهقهة، عن إجازة من السياسة وهموم الحياة، اقرأه لتغوص أكثر في همومك ، حقائق تاريخك، اقرأه لتكون أنت أنت».

وقد اعتمد ناجي في بداياته الفنية على الوضوح والمباشرة، إلى جانب الإسهاب في التعليق حتى تصل أفكاره بوضوح إلى القارئ الفلسطيني والعربي البسيط ، وإلى الفدائيين في القواعد.
واستحوذت فكرة الفداء والافتداء والصلب والصليب على ذهن ناجي لفتــرة زمنية معينة، حيث أن توقيعه على لوحاته المنشورة الأولى كان يحمل صليباً مؤطراً بمستطيل، أو بشكل قريب من ذلك لكن بغير تناسق.

ومع مرور الوقت تطور فن ناجي العلي تطوراً ملحوظاً، فبعد أن كانت المسامات البيضاء سمة عامة في لوحاته خلال عمله في الكويت ، طفق حين عودته إلى بيروت، يمد ظلال اللون الأسود إذ جعله أرضية للوحاته وملأ الفراغ بكلمات تبرز مضمون الرسم، ففي اللون الأسود إشارة إلى مصائب الأمة فهو يعطي الكثير من خلال المسامات اللوحة، ففي المرحلة تختفي البسمة التي كانت ترتسم على الشفاه حين لوحاته، فحين تطالع لوحاته تحس بخوف عميق.

* ثمن الديمقراطية.. لا لكاتم الصوت

يقول الكثير من الكتاب والفنانين ومن أصدقاء العلي وممن عرفوه عبر رسومه فقط إن شخصية (حنظلة) ستظل باقية لأنها تجاوزت قضية محدودة إلى دلالات إنسانية أوسع. ورغم مرور السنين وتغير الأوضاع، يظل هناك للطفل الفلسطيني الذي يعطي ظهره للجمهور في رسوم العلي ما يشهده ويشهد عليه.

وقد اشتهرت رسومات ناجي العلي الكاريكاتيرية بانتقاداتها الحادة واللاذعة، لكن بلغة راقية ورسومات سلسة مشحونة وموحية في الوقت ذاته. ولم يقتصر هجومه وانتقاده على العدو الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية فقط، وإنما طال الحكام العرب والقيادة الفلسطينية وكان معبراً إلى حد كبير عن تيار غالب في العالم العربي، حتى أن صحيفة نيويورك تايمز قالت عنه يوماً «إذا أردت أن تعرف رأي العرب في أمريكا فانظر في رسوم ناجي العلي». وقال عنه الاتحاد العالمي لناشري الصحف انه «واحد من أعظم رسامي الكاريكاتير منذ نهاية القرن الثامن عشر».

ولعل مرد ذلك لما تجسده رسومه، وما تسجله من مواقف وإدانات وتحريض بسخرية لاذعة ونقد شجاع، والتوجه إلى لب الأشياء ومفاصلها ومحاورها المهمة، وعدم التلهي أو الدوران لاصطياد الأفكار السهلة والنكتة المفتعلة، إن كل ذلك وغيره، مع ما سجلته اللوحات من مواقف واستحضار مدلولاتها، خصوصاً في ظل أوضاع ضاغطة معيشياً وقامعة سياسياً ، جعل من رسومات ناجي جزءاً من الذاكرة الإنسانية العربية بل والعالمية، وبالتالي ذاكرتنا الوطنية الفلسطينية ، فضلاً عن أن كثيراً من هذه الرسومات تجاوزت راهنية الزمان والمكان، لتجد لها المدلول والفاعلية والقيمة والموقف نفسه في زمان ومكان آخرين.

وهذا يدلل من وجهة نظر النقاد على:
- أولاً: عمق التشوف والانكشاف المعرفي لدى الفنان ووجود منجم من التخزين المر الذي يتحول إلى سخرية مدموجة ومرفوقة بشجاعة وعدم مهادنة.
- ثانياً: تناسل الأوضاع العامة في شكل لا يولد إلا القليل من النقلات والاختلافات الفارقة والنوعية بين مرحلة وأخرى.

أصدر ناجي ثلاثة كتب تضمنت رسومه الكاريكاتورية أكثر من 40 ألف لوحة كاريكاتيرية في حياته. وأقام العديد من المعارض العربية والدولية.

* اغتالوه مرتين !!..

بعد ظهر يوم 22 تموز (يوليو) 1987م ، غادر ناجي العلي بيته متجهاً إلى مكتبه في صحيفة (القبس الدولية) في لندن، وعندما وصل شارع «آيفز» حيث مقر عمله اقترب منه شاب وسدد رصاصة مسدس أصابته في وجهه، سقط بعدها شاعر القصيدة المرسومة قابضاً على رسومه، ونقل فاقد الوعي إلى أحد المستشفيات لندن حيث أسلم الروح بعد 38 يوماً من إصابته وذلك في صباح يوم 29 آب (أغسطس)، وتم دفنه في مقبرة «بروك رود» في بريطانيا.

وناجي العلي كان المبشر بانتفاضة الحجارة قبل اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في كانون الأول (ديسمبر) 1987م. وناجي كان من أوائل الفنانين والمثقفين العرب الذين قالوا لا لكاتم الصوت، «لا للقتل» وكان يعرف تماماً أن ثمن الممارسة الديمقراطية في وطننا العربي الموت.

وبعد رحيل ناجي العلي ودفنه بعيداً عن أرض الوطن، وعن أرض المخيم الذي ولد فيه، أنجز الفنان شربل فارس تمثالاً لناجي تم تثبيته على قاعدة في مدخل مخيم عين الحلوة الشمالي في الشارع التحتاني، إلا أنه لم تمض أيام إلا وكان التمثال قد اغتيل أيضاً وقُلع من مكانه وأُطلقت على عينيه ويديه النيران ـ حواس الرؤية والعمل ـ من قبــل مجموعات مسلحة، قد يكون لمن أعطاها الأوامر يد في اغتياله الأول في لندن، ولم يتم تحديد المكان الذي نُقل إليه التمثال فيما بعد.

الرد على هذا المقال

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

نلفت انتباه زوارنا الكرام الى اننا لن ننشر:
- أى مداخلات تتهجم على اشخاص لا دخل لهم بموضوع المقال وتستخدم ألفاظاً غير لائقة.
- أي مداخلة غير مكتوبة باللغة العربية الفصحى.

من أنت؟
مشاركتك
  • لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.