عندما كانت صقلية معبراً للتفاعل الحضاري بين العرب والغرب

بدأت محاولات فتح المسلمين لجزيرة صقلية منذ عهد الخليفة عثمان بن عفان بواسطة والي الشام معاوية بن أبي سفيان في القرن السابع الميلادي. ومرة في أوائل القرن الثامن الميلادي بواسطة عبدالله بن موسى بن نصير ومرة بواسطة بشر بن صفوان. وقد توالت محاولات فتح الجزيرة مرات عدة الى أن فتح العرب العاصمة بالرمو عام 831م، بعد أم مهّد لهذا الفتح القائد أسد بن الفرات الذي استشهد عند أسوار مدينة سيراكوزه عام 213 هـ – 828م. ثم افتتحت بقية مدن صقلية، وتمت السيطرة عليها نهائياً عام 902م.

وبين أعوام 831م – 1092م حكم المسلمون صقلية أي ما يقارب (260) سنة، كما استمرت مؤثراتهم الحضارية في الجزيرة أكثر من مائتي سنة أخرى. وكان التفاعل الحضاري بين العرب والصقليين والأوروبيين طيلة خمسة قرون في أوسع مدى حضاري. خاصة أن سكان صقلية في فترة الحكم العربي قاربوا مليوناً وستمائة ألف نسمة (1600.000) بينهم ستمائة ألف مسلم وهي كثافة سكانية مرتفعة إذا ما قيست بالنسبة للفترة التاريخية في العصور الوسطى.

ومن الأهمية بمكان القول، إن انتهاء الحكم الإسلامي في صقلية لا يعني مطلقاً انتهاء حضارة العرب والمسلمين. بل بقيت الحضارة العربية مؤثرة وفاعلة في صقلية وبقية المناطق الإيطالية وبالتالي الأوروبية. ولقد تمتعت صقلية خلال العهدين الأغلبي والفاطمي بحكم إسلامي مزدهر، وانتشرت فيها القصور والعمارة العربية، بما فيها المساجد والزوايا والتكايا، والبيمارستانات (المستشفيات) والأسواق والأسوار والقلاع والمدارس والمعاهد العلمية، وصناعة السفن والورق والحرير والفسيفساء، كما استخرج المسلمون منها النفط والحديد والرصاص وبقية المعادن. وتفاعل العرب مع الصقليين في الزراعة والصناعة والتجارة. وانتشرت اللغة العربية وآدابها على نطاق واسع، كما انتشرت العادات والتقاليد العربية، وعومل أهل صقلية معاملة إسلامية حضارية لم تشهدها صقلية في أي عهد سابق على عهد المسلمين.

والأمر الملاحظ أن النورمان بعد أن استعادوا صقلية حصروا على إبقاء المسلمين فيها للاستفادة من حضارتهم وخبراتهم العلمية والإدارية والمالية والاقتصادية والسياسية. وكذلك الخبرة العسكرية، لهذا فإن ملوك النورمان سبكوا عملة ونقوداً تحمل في أحد وجهيها آية قرآنية كريمة هي "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون". [سورة الصف، الآية 9].

تفاعل حضاري

حرص الملك روجر الأول (1092 – 1101م) منذ أن تولى حكم صقلية بعد استعادتها من المسلمين، على الاقتداء بالعرب والمسلمين والاستمرار في مسألة الانفتاح والتفاعل الحضاري بين الجانبين. فقد عامل روجر الأول المسلمين معاملة حسنة، وعمل على استمالتهم وحمايتهم وأقرهم على دينهم وأعيادهم، بل لم يمانع من تجنيد فرقة منهم في جيشه، وقد رفض الاشتراك في حملات الإفرنج (المعروفة باسم الحملات الصليبية) على الشرق العربي رغم إلحاح البابا.

وتذكر المصادر التاريخية المعاصرة لروجر لأول، أن الأسقف أنسلمو الكنتريري الكاثوليكي سأل حاشية روجر: "لماذا لم يأمر روجر المسلمين بالتنصر؟" فكان جوابهم بصوت واحد: "لا تقل هكذا، بل منع روجر المسلمين أشد المنع عن ترك دينهم".

ومن الملاحظ أيضاً أن روجر الأول أو كما أطلق عليه العرب اسم "رُجار" شيد القصور والكنائس والحمامات والدور على النمط المعماري الإسلامي، وهذه الملامح العمرانية هي أقدم الآثار الصقلية الباقية حتى اليوم في صقلية. وأشارت المصادر التاريخية المعاصرة الى أن صقلية في زمن روجر الأول كانت "مملكة نصف إسلامية في دينها ونظامها الإداري والعسكري". وكان يسمع من المساجد الآذان، وأطلقت حرية المسلمين في الاحتفال بأعيادهم. ومما قاله الرحالة المقدسي في كتابه "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم"، ". . . حُسن رمضان بمكة وليلة الختمة بالمسجد الأقصى والعيدين بصقلية. . ".

السلطان المعمد

وقد اتفق المؤرخون على أن روجر الثاني (1101 – 1154م) كان كوالده، بل أكثر منه حرصاً في حماية ورعاية المسلمين الصقليين، فأحبه المسلمون ومدحوه في شعرهم، لدرجة أن بعضهم اعتقد خطأ أنه كان مسلماً في السر. وقد اتخذ لنفسه لقباً إسلامياً. فسمى نفسه "المعتز بالله" والمقتدر بقدرته على ما جاء في كتاب الإدريسي "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"، كما ضرب نقوداً باللغة العربية إضافة الى اللاتينية. وأصدر قراراته باللغات العربية واللاتينية واليونانية. وقلّد العرب المناصب والواظائف المهمة، وكان له جيش إسلامي، واتخذ لنفسه شعاراً هو "الحمدلله حق حمده" و "الحمدلله وشكراً لأنعمه".

ونظراً للباس العربي الذي لبسه، وللعادات والتقاليد العربية التي اتبعها في قصره وحياته، فقد عرف باسم "السلطان المعمد"، وكان بلاطه يحفل بالعلوم والآداب العربية، وبأساليب العرب والمسلمين في تلقي العلوم، بل وفي إجراء الامتحانات، فضلاً عن أن طبيب ومنعجّم وفلكي القصر كان عربياً هو العالم محمد بن عيسى بن عبد المؤمن.

ومن السمات البارزة في عهد الملك روجر الثاني دعوته للجغرافي الأندلسي الشريف الإدريسي (1100-1154م) الى المجيء الى بلاطه لتأليف كتاب له عن جغرافية العالم، ولإعداد خريطة وكرة أرضية. وبعد أن قضي الإدريسي خمسة عشر عاماً في بالرمو أنهى في أوائل عام 1145م كتاب "نزهة الشمتاق في اختراق الآفاق" وكرة أرضية وخريطة للعالم تفوق خريطة بطليموس في دقتها ووضوحها وقلة أخطائها.

والجدير بالذكر أن روجر الثاني بما لديه من اطلاع على علوم وحضارة وثقافة العرب، وبما امتاز به من تسامح وعدل مماثل لتسامح وعدل المسلمين، قد ساعد كثيراً على تفاعل وامتزاج الحضارتين العربية والأوروبية في جزيرة صقلية، التي سهّلت انتقال الحضارة العربية والاسلامية الى بلدان أوروبية عدة، وبذلك أصبحت صقلية – مثل الأندلس وبلاد الشام – معبراً مهماً من معابر الحضارة الاسلامية.

ويلاحظ أن المسلمين في صقلية في عهد وليم الأول بن روجر الثاني (1154 – 1166م) وفي عهد وليم الثاني بن وليم الأول (1166-1189م) قد عوملوا معاملة حسنة، واستمرت حضارتهم سائدة في صقلية، لولا بعض المتعصبين من الصقليين، ولولا ضغوط البابا، حيث شهدت البلاد بعض الحملات ضد المسلمين، بالرغم من استمرار مساجدهم وتجارتهم وصلواتهم.

عهدالأسرة الألمانية

وبالرغم من أن عدد المسلمين بدأ يقل تدريجياً في صقلية عامة وبالرمو خاصة، نتيجة للهجرة أو للتنصير، فإن الحضارة الاسلامية والتفاعل الحضاري استمر قائماً في صقلية أو بينها وبين المشرق العربي. وأهم من تولي الحكم في عهد أسرة الهوهنشتاوفن هو الملك فريدريك الثاني بن هنري السادس الألماني، الذي لم يستطع التخلي عن المسلمين رغم ثوراتهم ومعارضتهم للحكم. فقد أتقن اللغة العربية، وأمر بترجمة المؤلفات العربية العلمية والأدبية الى اللغة اللاتينية، وأقام صلات ود وصداقة مع سلاطين مصر وبلاد الشام الأيوبيين لا سيما الملك الكامل. كما جرت مراسلات سياسية وعلمية بين فريدريك الثاني والملك الكامل، كان فريدريك خلالها يسأل الكامل عن بعض المسائل العلمية. فكان يحولها الى علمائه للإجابة عنها.

وفضلاً عن ذلك، فقد قال فريدريك الثاني لمبعوث الملك الكامل السفير فخر الدين بن يوسف حمويه: "لماذا تكون الحرب واستخدام القوة وسيلتي تفاهم بيني وبين السلطان؟ لماذا لا يمد الرجلان المحبان للفكر والثقافة والكارهان للعنف وإراقة الدماء يد الصداقة الخالصة كل منهما للآخر؟ أيجوز لهما أن يتوانيا والفرصة سانحة أمامهما عن حقن الدماء التي طال هدرها وتوحيد الشرق والغرب، وقد طال صراعهما؟" وقد استجاب الملك الكامل في حينه لهذه الدعوة مما عرّضه للانتقاد والشتائم لأنه سلّم القدس الشريف سلماً.

وكان للسفارات بين الحاكمين نتائج علمية وسياسية، فمن المعروف أن المبعوث فخر الدين بن يوسف حمويه كان عالماً. وقد استفاد فريدريك من علمه وثقافته خلال إقامته في صقلية أو خلال لقائهما ثانية في الشرق أثناء لقاء فريدريك الثاني بالملك الكامل في فلسطين عام 1229م.

المسائل الصقلية

ومن مظاهر التبادل الحضاري والعلمي بين الشرق والغرب استفادة صقلية وأوروبا من كتاب "المسائل الصقلية"، وهي المسائل التي التي وجهها فريدريك الثاني الى علماء المسلمين. وأجاب عنها الفيلسوف الأندلسي "ابن سبعين" بأمر الخليفة الرشيد خليفة الموحدين، بل أكثر من ذلك فإن فردريك الثاني حرص على مرافقة العلامة ابن الجوزي الصقلي في الشرق ليواصل تدريسه في علم الجدل كما استفاد فريدريك الثاني من العالم والشاعر والفيلسوف صلاح الدين الأريلي. ومن بين مستشاري فريدريك، الثاني الفيلسوف "ميشال اسكوتوس" الذي كان يتقن العربية والاسبانية واللاتينية. وهو الذي ترجم له عن العربية "كتاب الحيوانات" فضلاً عن أن آخرين ترجموا له كتاب البيطرة وشروح ابن رشد، وكتاب الشباب والملاح للرازي، كما طلب فريدريك الثاني حل العديد من المسائل الرياضية والفلكية والفلسفية. فلم يكشف بما أمده "ابن سبعين" بل إن الملك الكامل دعا العالم الرياضي "تعاسيف" (علم الدين قيصر الأسفوني الصعيدي الحنفي) للإجابة عن كل ما طلبه الملك فريدريك الثاني.

ومما يلاحظ أيضاً، أن فريدريك الثاني كان محباً للمسلمين ولسماع أذانهم، فعندما كان في بيت المقدس، حاول قاضي المسلمين منع الآذان احتراماً له، فإذا بفريدريك يبدي اعتراضه ويقول:"أخطأت فيما فعلت، والله إن كثر غرضي في المبيت في المقدس أن أسمع أذان المؤذنين وتسبيحهم لله". وبلغت الصداقة بين فريدريك الثاني والملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل حداً دعا فريدريك الى إرسال مبعوث خاص في زي تاجر الى الملك الصالح لإبلاغه بحملة لويس التاسع على مصر. ولما استرد المسلمون القدس الشريف عام 642هـ – 1244م رفض فريدريك الثاني تحريض بطريرك انطاكية للقيام بحملة صليبية لاسترداده. واتهم وقتذاك أنه يقرب المسلمين اليه أكثر من المسيحيين.

والحقيقة، فإن الملك منفرد ( MANFRED) ابن فريدريك الثاني غير الشرعي سار على سياسة والده، لذا فإن البابا أصدر قرار الحرمان بحقه، وكان قراراً مماثلاً قد صدر بحق والده في عام 624هـ – 1227م.

وهكذا يلاحظ أن صقلية كانت ولا تزال – تمثل معبراً حضارياً مهماً للتفاعل الحضاري بين الشرق والغرب، وبين العرب المسلمين من جهة، والغرب من جهة ثانية. وأن العلاقات الحضارية لم تكن أقل تأثيراً من العلاقات العسكرية، بل كانت أكثر فعالية وتأثيراً، لهذا فإن بالرمو لا تزال الى الآن تتميز بالروح العربية والإسلامية في كثير من مظاهرها العمرانية والاجتماعية والثقافية. وهناك حرص من الصقليين على إحياء العلاقات الحضارية بينهم وبين العرب، لهذا فقد افتتح عام 1959 في جامعة بالرمو قسم خاص لتعليم اللغة العربية وآدابها، مع الحرص على إحياء التراث الصقلي العربي، من خلال الدراسات التاريخية والمؤلفات والبحوث المتنوعة.

ملاحظة

د. حسان حلاق
أستاذ التاريخ والحضارة العربية والإسلامية في الجامعة اللبنانية

عن "العربي"