الجمعة ١٩ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠١٠
بقلم بطرس دلة

العفويـّة الجميلة في شعر شفيق حبيب

في هذه المداخلة سأحاولُ استعراضَ شيءٍ مما جاء في هذا الديوان، ولنبدأ أولا ً بالتسمية.
فاسم الديوان " صارخ ٌ في البرِّيـَّة " يذكـِّرُنا بالمسيحية أولا ثم بيوحنا صاحب الإنجيل الشهير الذي يعتبر نفسَه " صوتا ً صارخا ً في البرِّيـَّة " يُعِد ّ لطريق الرب ويرجو أن يجعل سبله مستقيمة .

هذا الاستهلال ُ، وهذه التسمية ُ الشفافة، تـُغنينا من اللـَّمحة الأولى بفهم ما يريد شاعرُنا شفيق حبيب من أن ديوانه هذا هو صوتٌ صارخ ٌ في البرِّية على شعوب العالم الواسع، والشعوب العربية كي تصحوَ من سُباتها لمعالجة قضية شعبنا العربي الفلسطيني.

وإذا كان الأستاذ شفيق يقف مناديا ً ومُنبِّها ً، فإن دافعه لذلك هو عشقه لوطنه الجريح ولما عاناه من ملاحقة السلطات له ومحاولة كمّ الأفواه التي تمارسُها أجهزة ُ الظلام إلى جانب مصادرة الكلمة وحرية الكلمة بالرغم من الادّعاء بأننا نعيش في ظل نظام ديمقراطي أو في واحة الديمقراطية الشرق- أوسطية .
إلى جانب ِهذا كله يُفاجئنا الشاعر بالتذمُّر الشديد من الشعب العربي كل الشعب لأننا كما يقول: " نلحسُ الأيدي ونستجدي رضا الأسيادِ ذ ُلا ً " ونقف هامشيين " كذبيح الطير الذي يحيا مأتـَـمَــه "، ثم يستنجد بأبي ذر ٍ الغفاري، كبير الصعاليك كي يقف حاكما ً يحاسب خونة الشعب على ما جنت أيديهم لأن الجهل صادَرَ فمَ هذا الشعب، وليس لنا من منقذ سوى الثورة لأن الثورة نارٌ ونورٌ وهـُدىً لهذا الشعب الذي باع دمَــهُ ذلا ًّ وهواناً وانكسارات.

في قصيدته " أصوات صارخ في البرية " يحاول شاعرنا أن يعلن ثورته- انتفاضته على الباغي الذي حاول أن يكسر جناح الشاعر ليمنعه من التحليق، فهو يؤمن أن الحرف أقوى وأبقى من كل مشاريع إسرائيل الصهيونية التي اغتصبت أرض فلسطين كما تغتصبُ الفكرَ العربيَّ الذي أنار الدنيا وألقى علينا وشاحـَــه:

حلـّقَ الشاعرُ في الأجواءِ لكن
حاولوا أن يكسِروا يوما ً جناحَــه ..
خسىءَ الباغي ..
فإن الحرفَ أبقى
من مشاريع ِاغتصابِ الأرض ِ..
والتاريخ ِ..
والفكر ِ الذي أعلى
على الدنيا وشـاحَـــه ..

وإذا اتفقنا على أن الشاعر، كلَّ شاعر، هو مرآة عصره، فإن مَهَمـَّته الأساسيّة تكمن في رؤية المستقبل وتوضيح الحاضر والتحذير من أخطاء الماضي.

من أجل هذا التوضيح والتحذير، نجد شاعرَنا مستعدا ً لأن ينكأ جراحَه فيجهش الحرفُ بالبكاء انحسارا ً.. وانكسارا ً ويسمع الله نواحَه فيقدّس كفاحَ الشاعر .. أجل يقدسه ليصبحَ عزيزَ الله.

وفي مكان آخر يرى نفسه" عصفور القرن الضـِّـلـّـيل " فيأخذ من الأناجيل صورة السيد المسيح مُعلـّقـا ً على الصـّليب مطعونا ً في خاصرته؛ وليس له حولٌ ولا قوة ٌ ولا سلاحٌ يدافع به عن نفسه سوى بعض التمائم والتعاويذ والأدعية، وتاريخ ُ هذا العصفور، هو تاريخ ُ قمع ٍ ورياءٍ وبيوتِ بغاء وأرصفةٍ أكلت لحمَ الفقراء، وهو يشكو أن زمانه مشروخ ٌ منكفىءٌ كمرايا حدباء، ومع ذلك فهو يرى أن من واجبه التغريدَ على الرغم من الأشواك الكثيرة التي فقأت أحداقـَه كما التهمت النيران كلَّ أوراقه فباتت دنياه صحراءَ كما باتت أفكارُه عجفاء.

قضيـَّــة ُ اللاجئيــن

نحن نعرف كما تعرف كافة شعوب الأرض أن ما من قضية لاجئين إلا ووجدت حلا ًّ ما عدا قضية اللجوء الفلسطيني، فاللاجىءُ الفلسطينيّ هو غريبٌ حيثما حلّ وارتحل، غريبٌ في لبنان وسوريا العرب، وغريبٌ في أردن السلالة الهاشمية كما هو غريبٌ في ليبيا القذافي مطرود ٌمنها.

يتحدث شاعرُنا في قصيدته" لنـا مَوْعِــدٌ " عن تاريخ اللاجئين الفلسطينيين بلسان المتكلم:
كانت لنــا، لعبنا صغارا ً.. هربنا كبارا ً، وعادت جموع القبائل عادت فـُلولا ً ( لتحيا فلولا ً ) على الخبز والسّمن من مانحات المُؤن، ويختصر كل المعاناة فيصِل إلى اتفاقية غــزه وأريحا أولا ً، ويهزأ من هذه الاتفاقية الهزيلة بقولــه:

إذا ما أعادوا لنا كَسْرة ً
من ترابِ الوطــن ْ ...
تـُغـَنـّيكَ شـُــطآن ُ غــزّة َ يا سيِّدي !!
ويبكي الجليلُ انهيار َ الجبــــال ِ
ومـــوْت َ الــرّجـــال ِ
ونصرَ الوَثــَـــن ْ... .

وهو يعيش على أمل المستقبل الكفيل بقيام الكيــان الفلسطيني ّ إلا أن هذا الكيانَ لم تأت ِ ساعتـُه بعد:

لنا مَوْعِدٌ سوف يأتي ..
فما زالَ سِـــرّا ً دفينا
في ضمير ِ الكبير ِ..
..........
سنشرب ُ من بحر ِ غز ّة َ
وحْلا ً..
وذ ُلا ًّ..
وخـلا ًّ.. "

وهكذا فإنه يعيش كما يعيش جميع اللاجئين على هذا الأمل الموعود، وإلى أن تقوم الدولة الفلسطينية سنشرب نحن العرب من بحر غزة وحلا وذلا وانكسارا على" ناضِرات الـدِّمَـن "، أي بقايا القرى التي هدمتها جرافات الاحتلال، وقد بلغ به الحزن أي مبلغ لأنه يرى أن الإنسانَ العربيَّ يشكو وضعَه إلى الله ولا يلجأ للقوة المسلحة كما جاء في ديوانه السابق" تعاويذ من خـزف " حيث يقول في قصيدته" أغلقتُ أبوبي ":

تمضي بنـــا الأيــام ُ تأكل ُ لحمَـنــا

فنقـــــولُ تلك َ مشيئــــة ُ الأقـــدار ِ

كما يدخل أحيانا في مقارنة، يعرف أنها خاسرة ولكنه يرمي من ورائها إلى كشف مَواطن الضعف لدى الإنسان العربي ّ.
ففي ديوانه المذكور يقول:

غيرُنــا يغزو مجاهيل َ الفضـــاءْ
يزرعُ الدّنيـــا
علوما ً.. ونجومــا ً.. وسنـــاءْ
ويظلّ الناسُ في شرقي عبيـــدا ً
جُهَـــلاءْ ..

من هنا فإنه لا يرى النور في آخر السرداب وكأنّ العالم سينتهي غـدا ً أو بعد غد ٍ وسيظلّ اللاجىءُ الفلسطينيُّ على لجوئه غريبا ً ومطاردا ً وغير مرغوب فيه حيث حلّ.

وبما أن العالم العربي، يتهافت على توقيع الاتفاقيات مع إسرائيل، فإن القضية الفلسطينية ليس لها إلا البارود والشهادة أو الاستشهاد.

في قصيدته " عاصفة ُ الدّهــور " لم أتمالك نفسي عن البُكـــاء ، فنحن شعب الانتفاضة الثانية، انتفاضة الأقصى نقدّم الشهداء كل يوم، والأمهات الثكالى يبكين بصمت، ويطلقن زغاريدهن عندما يستشهد أبناؤهن الصغار، ولسوف ينتظرن عودة هؤلاء الأبناء في كل صباح وهن واثقات من أنهم لن يعودوا، وطالما كانت النتيجة كذلك فإن شاعرنا غير راض عن النتيجة، لا بل ثائر متمرد عليها لأن العمل الفلسطيني يودِّعُ الشهداء يوما ً بعدَ يوم ومع الشهداء نودِّعُ عيوننا وقلوبَنا، فحتى متى ....؟؟! .

إن الانتفاضة هي حلم الشاعر المنشود، لأن الدول العربية كما ذكرنا تلهث خلف أمريكـــا والعولمة، وضمير العالم مهترىٌْ يجثـو لمن يغزو ويغتصبُ الأرض بقوله:

وضميرُ هذا الكون ِ مُهترىءٌ..

يجثــو لمن يغزو ويغتصـــبُ..

وعلى الرغم من نداءات الشعراء لكل شعوب العالم وللدول العربية، إلا أنه لا سميع ولا مُجيب:

أنادي .. أنادي ..
صدى الصوت ِ يخبــو
وفوقَ بلادي يموتُ القمـــر ْ
وفي جَوف ِ هذا الثرى عظمة ٌ ..
صرخة ٌ .. :
إنني الصّوت َ كنت ُ
وأنت المدى والخبـــر ْ

ثمّ يعود ليتساءل:

لماذا يجفُّ النـَّهَرْ؟ لماذا تجفو الحمائمُ أعشاشـَها الدافئة َ ويغادرُ فـَوْح ُ الزهر الخميلة؟ وتموتُ ألحانُ الوتــرْ ليبقى الحنينُ والذكريات في رماد السـِّــيَرْ؟؟؟ْ .
في صفحة 90 ينصِّبُ الشاعرُ نفسه شاهدا ً على ويلات العصر، فالشهادة ُ هنا هي وثيقة ٌ وتوثيقُ إدانةٍ لمأساة شعبنا الحقيقية، وهو يؤرخ هذه الشهادة لئلا تضيع على مزبلة التاريخ وهو واثق أنه لن يستطيع أحد تكذيبه في المستقبل حيث أن شهادته هي من مصدر أول ورأى ملاحقة الإنسان الفلسطيني بعينه، وأحسّ الكثير من الملاحقات على جلده...!!.

في ديوانه السابق " تعاويذ من خزف " الصادر عام 1996 يدعو الأستاذ شفيق بشكل واضح إلى أن روعة الحرف والكلمة تكون أحيانا أقوى من كل الأسلحة، وقد تبيد الحضارات المختلفة، إلا أن الحرف يظلّ مشعاعا ً في قولــه:

ارفعْ عيونكَ نحوَ أروقـَة ِ الخيــال ْ
واكتـُب ْ !!
فإنّ الحرفَ مُلتهبـــا ً
أشـــد ُّ منَ النـِّصـــال ْ
بادتْ حضارات ٌ ..
وظلّ الحرفُ مِشـْعــــاعا ً
ونــارا ً لا تـُطال ْ ... .

ومع ذلك يشعر القارىء من حين لآخر، أن شاعرنا ملتهبُ العواطف متحمسٌ جدا في كل ما يكتب، إلا أن نغمة الحزن تسيطرُ عليه، الحزن على أربعة ملايين ونصف لاجىء فلسطيني مُشرَّد، يحلمون بأمل العودة ويحلمون بالآتي وكأنه قريب المنال إلا أنه يتوب فجأة من هذا الحماس، ويتذكر ما مرّ به من عنــاء لأيام الرجوع ولعودة اللاجئين الفلسطينيين، فيتنبه إلى أن فرسان الخنوع من حكـــام العالم العربي، كانوا قد خيّبوا أماله بالعودة:

كم تغنـَّينا بأحلام الّرُّجــــــوع ْ

خيـَّبَ الآمـــالَ فرســانُ الخـُنوع ْ ..

ألناحية ُ الفنيّة ُ في الدِّيــوان :

يقول الدكتور عبد الهادي محبوبة في مقدمته لكتاب نازك الملائكة" قضايا الشعر المعاصر " ما يلي:
" إن شعرنا العربي- بين الآداب والفنون الجميلة العالمية- كان ولم يزل في طليعة فن القول من حيث معانيه وأساليبه، ومن حيث ُ مضامينـُه وأغراضـُه، وصُوَرُ التعبير فيه، ثم من حيثُ موازين ُ عَروضه وقافيته وتنوع أشكاله.. فقد دلـّتنا المجموعات الضخمة من الدواوين المطبوعة والمخطوطة.. على مدى الخصب الذهني والعاطفي، والثراء اللغوي- التعبيري الذي كان يتميز به الشاعر العربي ".
تـُعتبر نازك الملائكة، أولى شعراء العربية التي كتبت الشعر الحرّ واستجاب لها العَروضُ العربيّ وذلك منذ عام 1949، ونحن نعي فكرة أن الأدب كل أدب، ليس له تاريخ ليدّعي الباحث أن الشعر العربي يتغير في كل زمان ومكان.

الأستاذ الشاعر شفيق حبيب، يتألق في ديوانه هذا والذي نحن بصدده حيث أجاد في بعض القصائد العمودية، أي ذات تفاعيلَ وبحر ٍ عربيّ- كما هي قصائد الشعر الحر- أيضا التي جنـّد فيها كل طاقاته فجاءت على أوزان بحور الشعر العربي للخليل بن أحمد- واضع أسس علم العَروض، وبما أن الشعر وكل إنتاج شعري وُضع أساسا ليُغنى فإن الأستاذ الشاعر أجاد في استعمال بحور الشعر في القصائد العمودية المقفـّاة كما أجاد في قصائد الشعر الحرّ أيّما إجادة.

ولذلك أيضا لم يتنازل عن إدخال بعض القصائد العمودية إلى جانب القصائد غير العمودية.
وبما أنه شاعرٌ متمرس ٌ في كتابة الشعر، فهو ليس بحاجة لإثبات أن لديه موهبة ً في كتابة الشعر من أي لون، وفوق ذلك وهذا هو الأهم؛ لم ألاحظ صناعة ً لغوية ً خاصة ً على مدى هذا الديوان، بل بالعكس ما نلمَسه هو أن معظمَ القصائد سـَـلِسَــة ٌ منسوجة، والمعنى هو الأهم، أما القالب اللغوي فهو مُسَخـَّـرٌ لديه لنقل المعنى ليصل ويدخل نفس كل قارىء، وقلتُ في الصفحات السابقة إنني لم أتمالك نفسي من الدموع في قصيدته " عاصفة الدّهــور " التي منها ما يلي:

قلبي معَــك ْ ..
ورصاصُ وحش ِ الغاب ِ
يحرق ُ أضلعَــك ْ ..
قلبي معــك ْ ..
ودماءُ قلبك َ نازفات ٌ
كي تضيءَ الدرب َ ..
يا زين َ الشـّباب ِ -
فلم أ ُصَــدِّق ْ مَصْـــرعَــك ْ ..
يا أيها الثاوي !!
على صدر ٍ حنون ٍ أرضعــك ْ
تدعوكَ أمـُّـكَ في الصّباح ِ
فمَن يُجيــبُ ؟؟؟
وصوتـُها الباكي يُهدهِدُ مَسْــمعَـك ْ :
عُــدْ يا بـُنيَّ !!!
فكيف تهجُر ُ مضجـَعَــك ؟؟!.

وإذا كان شاعرنا لم يعتن ِ بشكل خاص بالصناعة اللغوية؛ فليس معنى ذلك أن الديوان خال ٍ من المحسنات
البلاغية بل على العكس من ذلك، تجد المحسنات منتشرة ً على مساحة كل القصائد؛ ولكن بشكل طبيعي وليس
مصطنعا ً فالجناس مثلا يردُ على الشكل التالي في صفحة 42:

سنشــربُ من وحْـل ِ غزَة َ وحْلا ً وذ ُلا ًّ وخلا ّ ..

والاستعارة في كل بيت تقريبا؛ " فجذوري عشـّشَ فيها الـدّاء / فسلاحي بعضُ تميمات ٍ وصلاة ٌ خاسرة ٌ ودُعــاء ْ " أو في صفحة 31 يقول: " إنـّا في زمن ٍ مشروخ ٍ / منكفِىءٍ كمرايا حدبــاء ! " فكيف يكون الزمن مشروخا ً؟! وكيف ينكفىُْ كمرايـا حدباء!؟ ؛ ثم أنه لا يبخل على القارىء عندما يقول " أنا أومن ..! فالدِّين عندي صفاءُ النفس .. مع الله ، حيث يقول:

ديني مع الله ِ لا أرضى لــه وســَـطــا ً
ما أ ُنزلـَت للدّمـا والعُنف ِ أديـــان ُ
والجَهلُ يطغى على عقل ِ الذين غَدَوْا
كالعيس ِ في البيد ِ لا قيد ٌ وأرسان ُ
والعدلُ أضحى قتيلا ً في ضمائرهِـم
والناسُ فوق دروب البَغي ِ ذؤبـان ُ

هذه مقابلة جميلة بين العدل والدِّين ، بين الناس والذؤبان ، بين زارع الأرض وبين جامع الخير والغلات لأن
ذلك منبوذ ومحتقر وجوعان وهذا مُتخـَمٌ وهلمَّ جرا ...
ما نلمسه أيضا بشكل واضح هو الحرية في اختيار الأوزان والقوافي الحُـرّة، ثم الموسيقية التي تزيد الكلمات
روعة ً وبهاءً، ولكن فوق ذلك كله نلاحظ التدفق المتفجر كمياه المطر الزاحفة في مجاري الأنهار والوديان مما يجعل قصائد الديوان كلها قريبة من النفس سريعة المنال لا تعقيد فيها ولا صناعة تؤثر أثرا سلبيـّا في نفس القارىء بل عفوية جميلة مُحبـَّبة تطبع الديوان بطابعها الخاص وتـُمَيِّز شعر الأستاذ شفيق بميزة خاصّة وتنقله في طفرة نوعية خاصّة مبتعدا ً عما اعتدنا قراءتـَهُ لهذا الشــاعـر.

ولا يفوتنا أن نذكر أن المضامين باتت لدى شاعرنا أهم ّ من القوالب الشعرية، وهذا ما جعله يلجأ إلى الشعر الحرّ، وفي هذا الشىء الكثير من النضوج الفني الإبداعي والوعي السياسي الاجتماعي، ونحن نعرف أن الإنسان إذا ما قاسى وعانى من وضع ٍ مُعيّن ولم يجد له منفذا منه فإنه سوف يلجأ إلى إبداع ٍ من نوع خاص يُعينه على التغلب على ظرفه والخروج منه شامخــا ً مرفوع َ الرأس، وهذا هو جوهر الانتقال والتداخل بين الشعر الحرّ والشعر الموزون المُقفـّى اللـّذ َيْن يتبادلان مواقعهما على صفحات ديوان " صارخ في البرِّيـَّــة " ، كما أن اتحاد الشكل بالمضمون يترك في نفس القارىء الذوّاقة أثرا ً كبيرا ً بسبب الانصهار الأصيل في اتحاد هذين العنصرين
( أعني الشكل وللمضمون ) اللـّذ َيْن ِ تصاحبهما حركة ٌ متدفقة ٌ لا نهائيـّــة.

دَوْرُ الكلمة في الشعر أن تتجاوز معناها الحقيقي الذي وُجدت من أجله إلى ما هو أكبر وأعمق، فالكلمة ُ يجب أن تعلوَ على ذاتها، وأن تزخرَ بأكثرَ مما وُجدت له، وأن تـُشير إلى أكثر من مدلولها الحقيقي.

يقول أدونيس في كتابه " زمن الشعر " ص 17: "علينا في الشعر أن نـُخرجَ الكلمات من ليلها العتيق ، أن نضيئها ، فنغير علائقها ونعلو بأبعادها ".

ولا شك أن شاعرنـا الأستاذ شفيق حبيب قد وُفـِّق َ إلى مثل هذا كثيرا، والنماذج على ذلك لا عـَد َّ لها لأنها تبرز في في جميع صفحات الديوان، والقارىء النبيه سوف يلاحظ ذلك منذ الصفحة الأولى والشطر الأول في كلمة عـُيون حيث يقول: " نحن شعبٌ نتغنـّى بعيون العولمة " فهل للعولمة عيون؟؟.

إذن هو يُحمِّل كلمة عيون شيئا آخرَ أكبرَ مما وُجدت له؛ كما يحوّل العولمة إلى كائن له عيون؛ وفي هذا وذاك يبرز التجديد والإبداع بشكل مميّــز.

حول ديوان «صارخ ٌ في البرِّيـَّـــة»

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى