دور القرآن الکریم في تطور اللغة العربیة وآدابها

، بقلم عبد الكريم البوغبيش

المقدمة

تحاول هذه المقالة أن توضح أثر القرآن الکریم في تطور اللغة العربیة وآدابها،کما نعلم أنّ اللغة العربیة لم تکن موّحدة قبل نزول القرآن بل کانت لهجات متعددة تغلبت علیها لهجة قریش، ولکن کانت ذات غنیً ومرونة، ولما نزل القرآن سحر العقول ببیانه، وأعطی اللغة سیلاً من حسن السبک وعذوبة السجع، وعمل علی توحید اللغة العربیة توحیداً کاملاً وحفظ العربیة من الانقراض . وقد أتـینا في بحثنا هذا بکلام حول نشأة اللغة العربِیة وتطورها، و اسباب تکوینها وأغراضها في الجاهلیة، وبعد ذلک طرنا إلی صلب الموضوع وهو القرآن واثره في تطور اللغة العربیة و آدابها، حیث ذکرنا أثر القرآن في اللغة العربیة وأیضاً أثره في الشعر العربي وما دخله منأ ألفاظ جدیدة في اللغة، ومضامین جدیدة للشعر العربي.

نشأة اللغة العربیة وتطورها

اللغة العربیة هي إحدی اللّغات السّامیّة ،وقد تباینت آراء العلماء في تعیین منشإ هذه اللغات وما قد یکون لها من الصّلة باللّغة السّامیّة الأصلیّة . والثابت أنّ بین اللغات السامیّة قرابة واضحة، و أنها جمیعاً ولیدة لغة سامیة عامّة قد بادت وصارمن المتعذّرعلینا أن نعرف شیئاً یذکرمنها،والذي نعرفه إنّما هو نتیجة مقارانات نقیمها بین شتّی الفروع. [1] ویرون أنّ صفات السامیّین العنصریّة، و منها الإیمان الشدید والتعصّب والتصوّر، تدلّ علی اصل صحراويّ یجعلونه بلاد العرب.
یری جماعة من الباحثین والمحققین أنّ العربیّة أقرب من أخواتها إلی الأصل السّامیّ وإن کانت الآرامیّة أقدم منها عهداً ؛ و قد تکون العربیّة أرقی اللّغات السامیّة وأشدّها فصاحة و إتساعاً. یذکر الفاخوري نقلاً عن الدکتورطلس حول تطور اللغة العربیّة حیث یقول:«إنّ أقدم النصوص العربیّة الفصیحة الّتي عُثر علیها ترجع إلی الفترة الّتي تمتدّ من القرن الثالث بعد المیلاد إلی القرن الخامس . وهذه النصوص هي الشعر الجاهلي ، والحکم الجاهلیّة .ولکن من یدقّق في هذه الّنصوص یجدها کاملة مهذّبة، ذات نحو متّسق وصرف منظم، و قواعد عروضیّة و شعریّة راقیة،ولا شکّ في أنّ اللّغة العربیّة قد مرّت بأطوار بعیدة العهد تطورت فیها وتدرجّت إلی هذاالکمال الّذي وجدناه في الشعر الجاهلي ثمّ في القرآن.» [2]

وإذا تدبرنا تاریخ کلّ ظاهرة من مظاهر الأمة کالآداب أو اللغة أو الشرائع أوغیرها باعتبارما مرّ بها من الأحوال في أثناء نموّها وإرتقائها و تفرعها ، رأیتها تسیر في نموها سیراً خفیاً لا یشعر به إلا بعد إنقضاء الزمن الطویل .ویتخلل ذلک السیر البطئ و ثبات قویّة تأتي دفعة واحدة ، فتغیر الشؤون تغیراً ظاهراً وهو ما یعبرون عنه بالنهضة.وسبب تلک النهضات في الغالب احتکاک الأفکار بالإختلاط بین الأمم علی إثر مهاجرة إقتضتها الطبیعة من قحط أو خوف ... أو یکون سبب الإختلاط ظهور نبیّ أو متشرع أو فیلسوف کبیر أو نبوغ قائد طمّاع یحمل النّاس علی الفتح و الغزو أو أمثال ذلک من الإنقلابات السیاسیّة أوالإجتماعیّة. [3] فتتحاک الأفکار وتتمازج الطبائع، فتتنوع العادات و الأخلاق و الأدیان والآداب ،واللّغة تابعة لکلّ ذلک بل هي الحافظة لآثار ذلک التغییر فتدخرها قروناً بعد زوال تلک العادات أو الآداب أو الشرائع، و إذا تبدل شئ منها حفظت آثار تبدیله.

فاللغة العربیة تعرضت لهذه الطوارئ مثل سائر اللغات الحیّة ، وتقلبت علی أحوال شتی ، فتنوعت ألفاظها بالنحت و الإبدال و القلب ، و دخلها من الألفاظ الأعجمیّة في أعصر مختلفة قبل أن تدوّن وتضبط في أزمنة لم یدرکها التاریخ.

کانت اللغة العربیة قبل الإسلام لغات عدیدة تعرف بلغات القبائل ، وبینها إختلاف في اللفظ والترکیب کلغات تمیم و ربیعة و مضر وقیس و هذیل و قضاعة وغیرها کما هو مشهور ...
وأقرب هذه اللغات شبها باللغة السّامیّة الأصلیّة أبعدها عن الإختلاط . وبعکس ذلک القبائل التي کانت تختلط بالأمم الأخری کأهل الحجاز مما یلي الشام و خصوصاً أهل مکة من قریش، فقد کانوا أهل تجارة و سفر شمالاً إلی الشام و العراق و مصر و جنوباً إلی بلاد الیمن وشرقاً إلی خلیج فارس و مکا وراءه و غرباً إلی بلاد الحبشة.

وفضلاً عمّا کان یجتمع حول الکعبة من الأمم المختلفة وفیهم الفرس والأنباط والیمنیّة والأحباش و المصریون ، غیر الذین کانوا ینزحون إلیها من جالیة الیهود والنصاری . فدعا ذلک إلی إرتقاء اللغة بما تولد فیها أو دخلها من الإشتقاقات و التراکیب مما لا مثیل له في اللغات الأخری. [4]

اسباب تکوین اللغة العربیة الفصحی:

جاء فِي معظم کتب التاریخ أنّ اسباب تکوین اللغة الادبیة الفصحی فِي عصر ما قبل الإسلام عدیدة ولکن اشهرها تأثیراً هي :1-الأسوق :والأسواق أمکنة منتشرة في شتّی الجزیرة العربیّة کان العرب یذهبون إلیها في مواسم معیّنة لشؤون تجاریة و أدبیّة ونسبیّة و غیرها من الشؤون السیاسیّة والإجتماعیة و الأدبیّة و...فیعالجون فیها مفادیات الأسری ، والخصومات، وینصرفون إلی المفاخرة و المنافرة بالشعر والخطب في الحسب والنّسب و الکرم و الفصاحة والجمال والشجاعة،کما ینصرفون الی مسابقات الخیول و إقامة الألعاب، وتبادل عروض التجارة و غیر ذلک .فکانت تلک الأسواق إشبه بمعارض عامّة یفد إلیها الناس من مختلف انحاء الجزیرة ؛ومن أشهرها سوق عکاظ قرب مکة ،و مجنّة و ذو المجاز وکلاهما في ضواحي مکة أیضاً .
 [5]

وکما نعلم أن لسوق عکاظ دوراً هاماً في رقيّ اللغة العربیّة حیث کانت مکاناً للتحکیم بین الشعراء والخطباء، فیمیز الحَکمُ بین الکلام الجید من الکلام الغیر الجید ویعلن علی الحاصل علی الرتبة الاولی في السباق الأدبي .وکان الکلام فیها بلغة یفهمها الجمیع ،وکان الشاعر أو الخطیب یتوخّی الألفلظ العامّة و الأسالیب في لغة مثالیة موحّدة تروق کل سامع،ولا ینفر منها أو یستغربها أحد.فکان منثمب للأسواق أثر بلیغ في توحید اللسان وتعمیم اللغة المثالیّة.و تغلیب لغة قریش علی سائر اللغات ،لأنّ أشهر الأسواق في بلادهم.

2-قریش:کانت مکة محطّاً للقوافل من زمن بعید ،وکانت موطن قریش موضع إجلال العرب لما ورثته من شرف و سؤدد و ثراء؛کما کانت مقام الکعبة یفد إلیها الحجّاج من جمیع الآفاق . فکان لقریش نصیب وافر في توحید اللغة،تهذّب لهجتها بما تأخذه من لغات القبائل الوافدة علی بلادها،مما خفّ علی اللسان و عذُب فيِ السمع؛ وکان العرب یقلّدون لسانها ، و الشعراء و الخطباء یؤثرون ما هو من ذلک اللّسان لأنّ أهمّ الأسواق کانت في قریش و المحکّمین فیها منهم أحیاناً کثیرةً؛ وکان الشّعر ینتشر من تلک الأصقاع في جمیع نواحي البلاد حاملاً إلیها لهجة قریش وأُسلوبها . وهکذا کانت اللغة المشترکة المثالیّة قریبةً من لغة قریش کلّ القرب.

3- الحضارات المجاورة: نستطیع القول بجزم بآنّ عرب الجزیرة لم ینحصروا بمعزل عن تأثیرات الحضارات المتاخمة بل کانوا في احتکاک مع جیرانهم. فأضیت إلی لغة عدنان ثروة الحضارة القحطانیة وحضارة مصر وفارس و الوم والحبشة عن طریق التجارة أو طریق التنافس بین الحیرة وغسّان ، والفرس والروم من ورائهما.فکانت اللغة تواصل تطورها مکمّلةً ما ینقصها بما تأخذه من لغات تلک الحضارات الواسعة النطاق.
وهکذا وصلت اللغة العربیّة إلی عصرالأدب الجاهلي ،راقیّة ،مزودة بمحاسن لغات عدیدة وحضارات کثیرة ، تستطیع التعبیر عن کلّ شئ مهما دقَّ وسما. وتستطیع الإفصاح عن خلجات النفوس و لواعج الصدور ،وتصویر المناظر و الخواطر ،وما إن ظهر فیها القرآن الکریم حتِّی ثبّتها و عمل علی حفظها بالرُّغم من تقلّبات الأیام و أحداث الزمان.

هذا ماعثرناعلیه في کتب تاریخ الادب العربي حول نشأة اللغة العربیة وتطورها،أمّا بالنسبة لأغراضها فیذکر لنا السید الهاشمي اغراضاً ثلاثة للغة في الجاهلیة وهي کما یلي:

1-کانت اللغة تستعمل في أغراض المعیشة البدویّة ، ووصف مرافقها من حِلّ وترحال، و إنتجاع کلأ.واستدرار غیث،و إستنتاج حیوان.

2-وفي إثارة المُنازعات والمشاحنات ، و ما یتبعها من الحضّ علی إدراک الثّأر .والتفاخر بالإنتصار ، والتباهي بکرم الأصل و النّجار.

3- شرح حال المشاهدات والکیفیات و الإخبار عن الوقائع و القصص وغیر ذلک.

 [6]

القرآن واثره في تطور اللغة العربیة و آدابها:

کان لظهور الأسلام تأثیر کبیر في تطور اللغة العربیة و أسالیبها و ألفاظها لتشرب قرائح المسلمین روح القرآن ، وحفظهم کلامه وإعجابهم به. فلا غرو أذا ظهرت أسالیب القرآن و ألفاظه في لغة المسلمین:شعراً و نثراً ، کتابةً وخطابةً. ویذکرجرجي زیدان اسباب ذلک التغییر إلی قسمین:تغییر في الإسلوب و تغییر في الألفاظ.

یذکر جرجي زیدان أنّه تولّد في صدرالاسلام ضرب من الإنشاء من أبلغ ما یکون . وأحسن الأمثلة علیه مخاطبات الخلفاء والقوّاد ، وکلها من السهل الممتنع..ویقول:تجد أمثلة من المخابرات السیاسیّة و الخطب و نحوها علی إسلوب صدر الإسلام في کتب الفتوح والغزوات ، کفتوح الشام للواقدي ،وفتوح البلدان للبلاذري، ومنها جانب کبیر في خطط المقریزي عن فتوح مصر.وتجد معظمها مجموعاً في کتاب فتوح الشام للشیخ أبي إسماعیل محمد بن عبدالله الأزدي البصري من أهل أواسط القرن الثاني للهجرة طبع في کلکته سنة 1854،و قد شاهدنا فیه ما لم نشاهده في غیرها مما وصل إلینا م کتب الفتح ..فإنّه عبارة عن مجموع المخابرات السیاسیة أو الأوامر الرسمیة التي جرت بین الخلفاء الراشدین و قوادهم أو ما تکاتب به القواد أو ما کتبوه إلی کبراء الروم وغیرهم. أوما عقدوه من العهود في أثناء حروبهم في الشام إلی فتحها وفتح أجنادها .. کأنها الأصول التي أخذت أخبار الفتح عنها. [7]

اثرالقرآن في تطور اللغة والأدب:

بقاء اللغة العربية حيّة الى يومنا هذا مدين دون شك للقرآن، فلولاه لبادت هذه اللغة كما بادت اللغات الاثرية القديمة. و القرآن الکریم نمط باهر معجز ببیانه و بلاغته،أعجز الجمیع علی أن یأتوا بمثله« قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ». [8]

كان العرب في شمال الجزيرة العربية حين بزوغ الاسلام يتكلمون بلهجات متعددة وإن كانت لغة قريش شائعة بينهم. وكان الجنوبيون يتكلمون بلغة حمير. والقرآن نزل بلهجة قريش فوحّد شمال الجزيرة على هذه اللغة ثم توغلت لغة القرآن الى الجنوب فأصبحت الجزيرة العربية كلها تتكلّم بهذه اللغة. فالقرآن له الفضل في توحيد اللغة العربية وانتشارها و بقائها. و ظلت اللهجة القریشیّة في إنتشارها تکتسح ما یقابلها من لغات ، فاتخذتها شعوب عدیدة لساناً لها ، وأصبح لسانها الأدبي من أواسط آسيا حتى المحیط الأطلسي یعبرون به عن مشاعرهم و عقولهم ،کلّ ذلک بفضل القرآن الکریم ، الّذي حفظ العربیّة من الضیاع ، وجعلها لغة حیّة خالدة منتشرة في بعض أقطار الأرض. [9]
کما أسهم القرآن إسهاماً فعّالاً في ظهور معانٍ لم تکن معروفةً من قبل مثل:الفرقان و الکفر و الإیمان و الإشراک و الإسلام والصوم والصلاة والزکاة و الرکوع والسجود . ولم یقف الأمر عند هذه المعاني فقط، بل کان للقرآن مضمونه الذي لم یکن یعرفه العرب کالدعوة إلی عبادة الله –والبعث والعقاب و الثواب- فشرع للناس ما ینبغي أن تکون علیه حیاتهم و ما یسودهم من علاقات.

ونستطیع القول بأنّ القرآن هذّب اللغة العربیّة من حواشي اللفظ وغریبه، وأضفی علیها لوناً من الطلاوة، مع وضوح القصد والوصول إلی الغرض ،فاللفظ علی قدر المعنی.

من هذا النبع الصافي أخذ الأدباء ینهلون ویسیرون علی هدیه في خطبهم وأشعارهم وکل آثارهم الأدبیّة ، فهو معجمهم الأدبي واللغوي. [10]

و نستطیع القول بأنّ القرآن الكريم منطلق الحركة العلمية التي نشأت حول القرآن بمرور الزمن، والدافع المحرك وراء كل النهضة العلمية التي شهدها العالم الاسلامي منذ القرن الهجري الاول.
لصيانة لغة القرآن إعرابا و قراءة نشأت علوم النحو والقراءات، و لفهم مضامينه ظهرت علوم التفسير و أسباب النزول و الناسخ و المنسوخ و المحكم و المتشابه، و لفهم إعجازه البياني وضعت علوم البلاغة، ولمعرفة أحكامه تفرّع عنه علم الفقه و أصوله.وینبغي التأکید علی أنّ العلوم الاسلامیة کلها إنما قامت لخدمة القران الکریم.

و تأكيد القرآن على العلم و تفضيل منزلة العلماء وفّر قِيماً جديدة في المجتمع المسلم تحثّ على المعرفة في حقولها المختلفة، فكان له الفضل في كل ما دوّنَ بلغة القرآن من علوم في الفلك والطب والكيمياء والرياضيات وغيرها من العلوم التي ترتبط بفهم تركيب الانسان و الطبيعة.

والقرآن الكريم أحدث ـ إضافة الى ماتقدّم ـ تحوّلا كبيراً في أسلوب اللغة العربية، و نستطيع أن نفهم هذا التحوّل من مقارنة أسلوب القرآن مع ما وصل إلینا من الادب الجاهلي. ولقد أدرک العرب الجاهليون هذا الاعجاز في الاسلوب القرآني، وعلموا أنه يختلف تماماً عمّا سمعوه من فصحائهم.

روي أن الوليد بن المغيرة سمع شيئا من القرآن الكريم، فكأنما رقّ له قلبه. فقالت قريش: صبأ والله الوليد، ولَـتَصبونّ قريش كلهم. فأوفدوا إليه أبا جهل يثير كبرياءه واعتزازه بنَسـَبه وماله، ويطلب أن يقول ما فيه ذمّ القرآن. قال: فماذا أقول فيه؟ فو اللّه ما منكم رجل أعلم مني بالشعر ولا برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن. واللّه ما يشبه الذي يقوله شيئا من هذا . واللّه إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وانه ليعلو و ما يُعلى.

قال أبو جهل: واللّه لا يرضى قومک حتى تقول فيه.

قال: فدعني أفكر فيه . فلما فكر قال: إن هذا إلا سحر يؤثر. أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله ومواليه؟!و في ذلك يقول القرآن الكريم في سورة المدثر:« إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ*فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ*ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ*ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ* فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * ». [11] و لقد تحدى القرآن العرب مرّات:« أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ»، [12]« قل فأتوا بسورةٍ مِثلِه» [13]. و لكنهم عجزوا، بل لم‏ يحاولوا هذه المحاولة أصلاً، سوى ما روي عن بعض المتنبئين بعد الرسول الخاتم، و هي أقرب الى الهزل منها الى الجدّ و لا قيمة لها، كما لا قيمة لما قيل، ان اللّه سبحانه صرفهم عن المحاولة.

ويلاحظ في رواية الوليد بن المغيرة أن الرجل كان عالما بفنون البيان لدى قومه، ولذلك كان سريع التأثر بلغة القرآن، وعميق الفهم لسحر الكتاب القرآني. ويسجل القرآن صوراً من تأثير القرآن في نفوس بعض علماء أهل الكتاب : إنّ الذين أوتوا العلمَ من قَبلِه إذا يُتلى عليهم يخرّون للاذقان سُجَّدا * و يقولون سبحانَ ربّنا إنْ كان وَعدُ ربّنا لمفعولا * و يخرّون للأذقانِ يبكون و يزيدُهم خُشوعا . [14]
و يقول: لَتَجِدنَّ أشدَّ الناسِ عداوةً للذين آمنوا اليهودَ و الذين أشركوا و لتجدنّ أقربَهم مودةً للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأنّ منهم قِسّيسين و رُهباناً و أنهم لا يَستكبرون * و اذا سَمِعوا ما أُنزل الى الرسولِ تَرى أعينَهم تفيضُ من الدمعِ ممّا عَرَفوا من الحق يقولون: ربّنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين . [15]
لقد كان لعلماء النقد و البلاغة آراء مختلفة عن منبع ‏السحر في القرآن لا مجال لاستعراضها. و لکن علینا أن ‏نفهم أن هذا القرآن الکریم ترک في نفوس کل‏ من‏ إستمع‏ له ‏تأثيراً عميقاً ،نجد آثاره ‏بوضوح ‏في اللغة‏ العربية‏ و الادب‏ العربي.

أثرالقرآن الکریم في الشعر

لا ریبَ أنّ الشعر العربي ازدهر بتأثیر القرآن خاصة في معرکة الأسلام مع المشرکین وعبدة الأصنام والمرتدین عن دین الله عزّ و جلّ ،بل إنّ من یقرأ شعر الشعراء المخضرمین یجد أنّه یصدر عن قِیم الإسلام الروحیّة التي انبروا للدفاع عنها ،وکان في مقدمتهم شاعر الرسول حسان بن ثابت وکعب بن مالک و عبدالله بن رواحة وغیرهم، وکانوا یستلهمون من القرآن ما یعینهم علی هجاء المشرکین، یقول عبدالله بن رواحة:
شهدت بأنّ وعد الله حقّ
و أنّ النار مثوی الکافرینا [16]
وأیضاً نری هذه الأبیات لأبي الدرداء حیث یتجلّی فیها إیمانه العمیق:

یرید المرء أن یؤتی مناه
و یأبی الله إلا ما أرادا
یقول المرء:فائدتي و مالي
وتقوی الله أفضل ما استفادا [17]

ویذکر الاستاذ الکبیر الدکتورشوقي ضیف اشعاراً من أحد الشعراء حیث یوصي ابنائه بتقوی الله وبرّ الوالدین:

أوصیکم بتقی الإلـــه فـإنّــه
یعطي الغائب من یشاء ویمنع
وببر والدکم و طـاعة أمــــره
إنّ الأبرّ من البنین الأطــلوع [18]

والصلة واضحةبین هذه الأبیات و آي الذکر من حیث التقوی «واتقوا الله واسمعوا والله لا یهدي القوم الفاسقین» و بر الوالدین« وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ». [19]
ولم یقف الأمر عند هذا الحد بل أخذ شعرهم یصدر عن حِکم و مواعظ ، یقول کعب بن زهیر:

لو کنت أعجب من شئ لأعجبني
سعي الفتی و هو مخبوؤ له القــدر
یسعی الفتی لأمور لیـــس یدرکها
و النفس واحدة و الـــهمّ منــتشر
و المرء ما عاش محدود له أمل
لا تنتهي العین حتّی ینتهي الأثر [20]

وإذا القرآن أثّر في معاني الشعر فقد أثّر أیضاً في موضوعاته فالغزل اتصف بالبراءة والطُّهر والصفاء والنقاء مما هیّأ لظهور الغزل العذري والذي أضفی علی المرأة وعلاقتها بالرجل لوناً من القدسیّة و الأحترام فجمیل حین یشکو الآمه وعذابه في حبه یضرع إلی ربّه شاکیاً:

إلی الله اشکو لا إلی الناس حبها
ولا بد بمن شکوی حبیب یروع
ألا تتقین الله فــیمــن قــتــلـتــه
فـــأمسی إلیکم خاشعاً یتضرع
فیا ربّ حببني إلیها و أعطني
العودة منها أنت تعطي و تمنع [21]

بل إنّ الغزلیین جمیعاً عذریین وغیر عذریین یستلهمون في غزلهم بعض الألفاظ الإسلامیّة کالعفو والغفران ،یقول ابن أبي ربیعة:

فدیتک أطلقي حبلی و جودی

فإنّ الله ذو عفو غفور [22]

وإذا نظرنا إلی المدیح نجد أنّه یتجه إلی تصویرالفضیلية الدّینیّة في الممدوح و قد سار الشعراء علی النهج هذا في مدحهم الخلفاء و تصویر تقواهم و إقامتهم للعدل بین الرعیّة ، ولذا أکثروا في مدحهم عمر بن عبدالعزیز،فقد کان مثالا للحاکم الاموي التقي کما یذکرالدکتورشوقي ضیف.یقول کثیر:

وصدقت بالفعل المقال مع الذي
أتیت فأمسی راضیاً کل مسلم
وقد لبست لبس الهلوک ثیابها
تراءی لک الدنیا بکفّ ومعصم
فأعرضت عنها مشمئزاً کأنّما
سقتک مدوفا من سمام وعلقم
ترکت الذي یفنی و إن کان مونقا
وآثرت ما یبقی برأي مصم [23]

أما عن شعرالحماسة فقد کان أکثر تأثراً بالقرآن والاسلام لإرتباطه بالجهاد من أجل الدعوة الإسلامیة، وقد انتظم عدد من القصاص والوعّاظ فيصفوف المحاربین یحثونهم علی الاستشهاد في سبیل الله،کما حوّل بعضهم هذا اللون إلی مواعظ خاصة کقول نصربن یسار:

دع عنکدنیا وأهلا أنت تارکهم
ما خیر دنیا و أهل لا یدومونا
وآثر تقی الله في الإسراءمجتهداً
إن التقیي خیره ما کان مکنونا
و امنح جهادک من لم یرج آخرة
وکن عدواً لقوم لا یصلونا
فاقتلهم غضباً لله منتصراً
منهم به و دع المرتاب مفتونا [24]

و قد طبع الرثاء بهذه الرّوح الدّینیّة أیضاً ،فعندما توفي الرسول صلی الله علیه وآله وسلّم قیل انّ أبنته فاطمة تندبه وتقول:

فلیبکه شرق البلاد وغربها
ولیبکه مضر و کل یمان
ولیبکه الطود المعظم جــوه
والبیت ذا الأستار والأرکان
یاخاتم الرسل المبارک صفوه
صلی علیک منزل القرآن [25]

وظلت هذه الروح الدّینیّة سائدة في مراثیهم مع التسلیم بقضاء الله و الرّضاء به، یقول جریر في عمر بن عبدالعزیز:

حملت أمراً عظیماً فاصطبرت له

وقمت فیه بأمرالله یا عمر [26]

وعلی هذا النحو أثّر القرآن والإسلام في نفسیّة الشعراء، وانعکس هذا التأثیرعلی الموضوعات المختلفة التي نظما فیها حتی وصف الصحراء فإذا قرأنا هذا الوصف عند ذي الرمة أحسسنا أن قلبه یمتلئ رحمة بالحیوانات ومن أروع ما یصور ذلک قوله في ظبیة و ولدها:

إذ استودعته صفصفاً أو صریمة
تنحت ونصت جیدها بالمناظر
حذارا علی وسنان یصرعه الکری
بکل مقتل عن ضعاف فواتر
وتهجره إلا اختلاسا نهارها
و کم من محب رهبة العین هاجر
حذار المنایا رهبةأن یفــتـنـها
به وهي ألا ذاک أضعف ناصر [27]

ولم یقف الامر عند حد إسـتـلـهـام المعاني القرآنیة في صور الشعراء التقلیدیة، بل لقد أسهم في إضافة صورجدیدة لم تکن معروفة من قبل، کالزهد و ما یتصل به من الدعوة إلی الصلح والتوسط في عرض الدّنیا الزائل إلتماساً لخیرالآخرة.و لم یکن الزّهد الذي تردد في القرآن یعني الانقطاع عن الدنیا، وإنمّا هو زهد معتدل و دعوة الی العمل و الکسب، یقول الله عزّ وجلّ في محکم کتابه : « وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ» [28]

و زاهد الأمة الاسلامیة الاول هو النبي محمد صلی الله علیه واله وسلم،ومع الفتوح وکثرة الغنائم لم ینس المسلمون تعالیم دینهم الحنیف فقد وجدت طائفة کبیرة من الوعّاظ عاشت حیاتها تعظُ النّاس وتدعوهم الی الله وعبادته مستلهمة من القرآن الکریم قدرة الله في خلقه للسموات والأرض، و في الموت وما ینتظرهم من الحساب یوم القیامة ، و تذکرهم بالنار یقول عروة:
لقد علمت وما الإسراف من خلقي

أن الذي هو رزقي سوف یــأتیني
أســعــی لــه فــیـعـنـیـنـي تطلبه
و لو قـــعـدت أتــانـي لا یعنیني
خـیـمـي کریم و نفس لاتحدثني
إن الإله بلا رزق یــخـلـیـنـي [29]

والحق أنّ القرآن قد أثر في نفوس الشعراء تأثیراً قویاً، ولا یزال هذا الأثر یتعمق في نفوس العدید منهم حتی یومنا هذا.

المصادر

  1. القرآن الکریم
  2. ابن خلدون:المقدمة،دارالفکر،بیروت2007م.
  3. دیاب،محمدبک:تاریخ آداب اللغة العربیة،المجلس الاعلی للثقافة،الطبعة الاولی،القاهرة2003م.
  4. زیدان،جرجي:تاریخ آداب اللغة العربیّة،دارالفکر،بیروت2005م.
  5. ــــــــــــــــــ:تاریخ التمدن الاسلامي،دارمکتبة الحیاة فبیروت،بلاتاریخ.
  6. ضیف ،شوقي:تاریخ الادب العربي( العصرالاسلامي)، دارالمعارف ،مصربلاتاریخ.
  7. ـــــــــــ:فنون الادب (الرثاء)،دارالمعارف ،مصربلا تاریخ.
  8. عبدالحمیدعلي،عبدالرحمن:الادب العربی(العصرالاسلامي والاموي)،دارالکتاب الحدیث،القاهرة2005م.
  9. الفاخوري،حنّاء:الجامع في الادب العربي (الادب الدیم)،دارالجیل،الطبعة الثانیة،بیروت1995م.
  10. الهاشمي،احمد:جواهرالادب،دارالتراث العربی ،الطبعةالاولی،بیروت1999م.

ملاحظة

إعداد: عبدالکریم البوغبیش،استاذ مساعد بجامعة آزاد الاسلامیّة فرع آبادان-ایران

حواشي

[1الفاخوري،حنّاء1995،ص48-49

[2المصدرالسابق،ص50.

[3زیدان،جرجي،2005، ص36.

[4المصدرالسابق،ص37.

[5الفاخوري،حنّاء1995،ص51.

[6الهاشمي،احمد،1999،ص235-236.

[7زیدان،جرجي،2005،ص210.

[8الإسراء/88.

[9عبدالحمیدعلي،عبدالرحمن،2005،ص24.

[10المصدرالسابق،ص25.

[11المدثر/18-24.

[12هود/13.

[13یونس/38.

[14الاسراء/107-109.

[15المائدة/82-83.

[16ضیف ،شوقي: العصرالاسلامي،ص68.

[17المصدرالسابق،ص68.

[18المصدرالسابق،ص69.

[19لقمان/14.

[20ضیف ،شوقي: العصرالاسلامي،بلاتا،ص87

[21عبدالحمیدعلي،عبدالرحمن،2005م،ص26.

[22لعصرالاسلامي،ص177.

[23المصدرالسابق،ص179.

[24عبدالحمیدعلي،عبدالرحمن،2005،ص27.

[25ضیف ،شوقي:الرثاءص35.

[26العصرالاسلامی،ص393.

[27عبدالحمیدعلي،عبدالرحمن،2005،ص28.

[28القصص/77.

[29العصرالاسلامي،ص372.


عبد الكريم البوغبيش

باحث، وأستاذ مساعد بجامعة آزاد الإسلامیة، فرع آبادان، إيران

من نفس المؤلف