الجمعة ٢١ كانون الثاني (يناير) ٢٠١١
بقلم ذياب ربيع

دياب ربيع

ولد في بئر زيت، فلسطين، في 1922/10/10، و هو العام الذي ولد فيه صديقه الشاعر المناضل كمال ناصر، و تلازما مقاعد الدراسة في جميع مراحلها الابتدائية والثانوية.

عاش ثورات فلسطين ضد الانتداب البريطاني، و كانت "عِليَّة" والده ملتقى الثوار والمجاهدين من القرى المجاورة من أمثال عطارة وأبو قش ودير غسانة وعين سينا بلد الشهيد عبد القادر الحسيني.

في أواخر عام 1947، سافر في مهمة صحفية لجريدة الشعب التي كانت تصدر في يافا آنذاك، وفي نيويورك التقى بالأستاذ فارس الخوري، ممثل سوريا في الأمم المتحدة. و بعد صدور قرار تقسيم فلسطين واندلاع الثورة الفلسطينية من جديد تعذرت عودة الشاعر إلى مسقط رأسه ووطنه الأم، فبقي في أمريكا وتوفي فيها.

نشط الشاعر أدبيا و سياسيا، و نشر قصائده و مقالاته في صحيفتي "السمير" و "البيان" الصادرتين في الولايات المتحدة، وكذلك صحف المشرق العربي والمهجر، وديوان العرب.

دياب ربيع زيتونة فلسطين الخالدة التي اقتلعتها العواصف العاتية ، عواصف البغي والظلم والارهاب، يوم كانت غضة يانعة، فقذفتها بعيدا عن الأرض التي أحبتها وضربت جذورها في أعماقها منذ آلاف السنين.

في العام الذي ولد فيه الشاعر المناضل كمال ناصر رأى دياب ربيع نور الحياة في بئر زيت الحبيبة الصامدة، وتعفر كلاهما بترابها وتروى الإثنان من مياهها العذبة وجلسا تحت أشجارها الوارفة، متمتعين بجمالها الأخاذ، وبطبيعتها الساحرة، وبقيا كذلك إلى أن فرقتهما النكبة، فكانت نورث كارولينا في الولايات المتحدة مقرا لشاعرنا الأول، وأصبحت الغربة القسرية قدرا مقدورا لشاعرنا الثاني الذي اغتالته الوحدات الاسرائيلية الخاصة في منزله في بيروت ليلة العاشر من نيسان عام 1973.

وفي مدارس بئر زيت تعلم الشاعران المرحلة الابتدائية والثانوية، ولا غرو فقد كانا صديقين حميمين، لذلك عندما أتحدث عن كمال لا بد وأن أتحدث عن دياب، وإذا ما تحدثت عن دياب كان لزاما علي أن أتحدث عن كمال.

ولد دياب في بيئة وطنية عرفت قيمة الارض، فكان والده فلاحا عرف قيمة الأرض فتبادل معها الحب صباح مساء، وكثيرا ما كان يحض شاعرنا على حب الوطن. وروى لي دياب، خلال لقائنا في مدينة الكويت عام 1977، كيف كانوا يستقبلون الثوار المجاهدين من القرى المجاورة من أمثال عطارة وأبوقش وديرغسانة وعين سينا، بلد المناضل الشهيد عبدالقادر الحسيني، وغيرها من القرى القريبة من بئر زيت. ولقد كانت مضافة والد دياب مقرا لهؤلاء المجاهدين، وكثيرا ما كان دياب يجلس إليهم ويحدثهم ويحدثونه، وكان يومها في ريعان الصبا، حتى أن البندقية كانت أطول منه. وقال دياب أنه كان يذهب مع والده إلى وادي البلاط، وهوواد سحيق تكسوه أشجار الزيتون والسنديان، لتقديم الماء والغذاء للمجاهدين. وعندما بلغ أشده تعلم فك وتركيب البارودة وأحسن استخدامها، واشترك بعدها في أكثر من عملية عسكرية إلى أن أسر ووقع في أيدي القوات البريطانية ، وبما أن القوانين البريطانية لا تسمح بإعدامه ، فقد سجنوه في بئر سحيقة كانت معتقلا للشباب الصغار من أمثاله.

ويكبر دياب ربيع وتكبر الثورة، ويكبر عنفوان الغضب في نفسه الأبية ، وتأتي الحرب العالمية الثانية لِتُقمعَ الثورة الفئسطينية المسلحة لأجل غير مسمى. وفي أواخر سنة سبع وأربعين وتسعماية وألف، سافر دياب إلى الولايات المتحدة في مهمة صحفية لجريدة الشعب، التي كانت تصدر آنذاك في يافا ، وهناك التقى دياب بالمفكر العربي الأستاذ فارس الخوري، ممثل سوريا في هيئة الامم المتحدة ، وكان الخوري يزوده بأخبار ومعلومات نشرتها الشعب في حينها، وكانت من الأسباب التي دعت قوات الاحتلال البريطاني إلى إغلاق الجريدة المذكورة عدة مرات.

ويبقى شاعرنا في أمريكا عند عمه ينتظر العودة الى بلده فلسطين ، وكان على أهبة الاستعداد حازما حقائبه تواقا الى وطنه الأم الذي تعفر بترابه، وتروى بمياهه العذبة، وتفيأ ظلال أشجاره الوارفة. وتمر الأيام سراعا ويبدأ النضال والصراع، وذلك بالمواجهة اليومية مع التجمعات والعصابات الصهيونية، فعمل محاضرا عن القضية في أكثر من ناد ومقر اجتماعي في أمريكا، مما دفع السلطة المحلية، بتحريض من التجمعات الصهونية، إلى اتخاذ الاجراءات اللازمة لإبعاد شاعرنا المناضل عن التراب الأمريكي، ولولا وجود السناتور الأمريكي الراحل كلايد هوي، ممثل نورث كارولينا في مجلس الشيوخ، لتم طرده. وقد قدم كلايد هوي احتجاجا في إحدى جلسات مجلس الشيوخ مطالبا بإبقاء دياب في أمريكا، ولقد قال السناتور هوي لدياب "إنني أخشى عليك من الصهاينة".

وتبدأ المسؤوليات بالتراكم، حيث الدراسات في القانون، والعمل من أجل مساعدة الأخوة الصغار والوالدين الشيخين في الوطن، فعمل دياب بالتجارة، ولم تستطع الغربة بكل قسوتها ووحشتها وجبروتها أن تحني رأسه، ولكنه بنفسه الكبيرة الأبية ذلل الصعاب وحطمها على صخرة صبره وجلده، ونضاله وسهره الدؤوب. لم تستطع الغربة أيضا أن تحول بينه وبين أهله وشعبه ووطنه، فكان يغني لهم عن بعد وكأنه فيهم، وحقا فقد كان بينهم بقلبه وجوارحه، وهذا يبدوفي قصائده الكثر التي نشرتها الصحف العربية في المشرق وفي أمريكا الشمالية من أمثال "السمير" لصاحبها الأستاذ الفيلسوف إيليا أبي ماضي و"البيان" لصاحبها راجي ظاهر.

وحتى نتعرف على دياب الشاعر والمناضل علينا أن نغوص في أعماق نفسه، ونقرأ أشعاره المتمردة الغاضبة. إن الغربة كان لها أثر كبير في نفس الشاعر، وإن للبعد عن فلسطين صدى عميقا في وجدانه، فجاءت قصائده مثقلة بالحنين الى الارض والوطن، فيقول :

فلسطينُ الحبيبةُ هل أراكِ
وَ أهجعُ بالسنينِ على ثراكِ
 
أَعودُ اليكِ في غزواتِ شوق
وأشربُ كل يوم من ظماكِ
 
أَيسكُنكِ الغريبُ وصرتِ داراً
لمن هتك العروبة فأدعاكِ؟
 
توحدتِ الخيانةُ وأستعدتْ
قيادتُها لببعكِ لا شِراكِ

في الغربة حنين، وفي الرجوع الى الوطن ألم، حيثُ الاحتلال البغيض، وها هودياب يرد على صديق له يسأله عن العودة إلى فلسطين، حيث أصبحت عودته إليها ميسورة، بعدما حصل على الجنسية الأمريكية، فيقول:

أتسألني الرجوع الى بلادي
وسكناها على مرأى الاعادي
 
أشاهدها فتجأر في خيالي
مآسيها وأفواه العوادي
 
وما بعدت وفي قلبي هواها
ولا قربت وفى الغرب ابتعادي
 
فكيف أعيش في وطني شريدا
وأسمع غير نبضي في فؤادي

وهكذا فجراح الوطن النازفة تبدوفي غضب الشاعر الأصيل الذي يتسلسل في موسيقاه العذبة ذات الغضب المقدس، تارة على الاحتلال وتارة على الأنظمة العربية، فيقول:

كم من زعيم فيك يا وطني وكم رجل كفور

فالاجنبي له الصدارة في المجالس والقصور

لكن بنوك محرومون عليك من حق المرور

ويقول أيضا:

أشرب الذل في الحدود وغيري
يشرب العز والرضى أجنبيا
أسمر تعرف الصحاري إهابي
وتحن الرمال فيها إليّا

إن القارئ لشعر دياب ربيع، وبخاصة المتعمق والمتفحص، يجد فيه نغمة عربية صادقة تنم في لبها عن شاعر وحدوي عربي يعيش في قلب الاحداث من أولها لآخرها. فجراح فلسطين جرحه الدامي، وتمزيق الأمة العربية والوطن الكبير سهاده الطويل، وها هويقف على الشواطئ الغربية للأطلسي ، مُعنِّفا بعض الحكام العرب الذين تآمروا على فلسطين، وكان وجودُهم سببا في نكبتها، فيقول:

يا من طغى ملكا على أفراحنا
أوجعت فيها الحقد والآلاما
 
وخطفت عن ثغر الزمان مسرة
كانت عروبتها عليك ذماما
 
ياتيك يوم بالحساب فتنحني
متضرعا وتقبل الأقداما
 
وتدوسك الأحرار تحت نعالها
ويعف حتى الدور عنك طعاما
 
في كل قبر فد حفرت لماجد
من دون ما ندرى حفرت وساما

دياب ربيع، عدا كونه شاعرا عربيا مرهفا، فهوصاحب رسالة طلائعية. تجد في شعره آمال وآلام الأمة العربية بوطنها الكبير، فالذي يؤلمه هوالتمزق والتفرق، والذي يأمله هوالوحدة ورأب الصدع، والتنبه إلى الخطر الكبير الذي يلم بالوطن العربي ، وهنا نرى دياب وكأنه أستاذ يلقي محاضرة في تلاميذه أومهندس يرسم مخططا لعملية البناء الشامل. وفي تجربتي الشخصية، لم أجد من أمثال دياب ربيع سوى القليل من شعرائنا الذين يشخصون الداء ويصنعون الدواء ، فهويفتش عن الجراح ، يتحسسها ويضع عليها البلسم دواء ناجعا. فالأمة العربية من محيطها الى خليجها تعاني من الخلافات الشخصية، وكأن الوطن العربي جسد مصاب بكل الأمراض النفسية والخبيثة ، ففي كل يوم تجد قرحا جديدا، ومن النادر أن تجد دولة عربية على حسن جوار مع الدولة المجاورة الأخرى، وهذا يعود طبعا الى المرض الخبيث الذي ينخر جسم هذا الوطن، وحكام هذه الدول لهم أكبر دور في تمزيقه بالتواطؤ مع الصهيونية العالمية من جهة، وضرب الاحرار والمناضلين من جهة اخرى ، وهذا هودياب ربيع يشخص الداء ويعطي الدواء، فيقول:

الوحدةُ الكبرى وليس بغيرها
نبني لنا بين الشعوب مقاما
 
إن كان دجلةُ لايفيض بمائه
من أين يا بردى تبل أواما
 
لن تستقر بنا الحياة عروبة
إلا وبغداد تناجي الشّاما
 
أختان تحتدم القلوب إليهما
في مصر حبا أيقظ الأهراما

ويقول ايضا:

هذي بلادك أيها العربي من أمد الدهور
هذي بلادك كنت من نجد أوالقدس الطهور
هل أنت غير أنا وإن سموك لبناني وسوري؟
أوأنت غيرك في العراق وبين أهلك والحضور؟
من هذه الدنيا انطلقنا أمة خلف البحور

وأما عن الحكام المتواطئين مع أعداء عروبتهم وشعوبهم، فيقول أيضا :

نحن أبناؤك في محنتنا

لم نجد اقسى من الأم الرؤوم

لا تلومي مجرما شردنا عن حمانا

بل ملوك العرب لومي

ويقول:

وأعجب من أمير أو مليك

يزين تاجه هذا الهلال

وتبقى راية الاسلام نهبا

لمن بالاثم قد صالوا وجالوا

أما احتشدت جيوشك واستردت

لنا الأقصى وأذن لي بلال؟ [1]

وكان لتوقيع اتفاقية كامب دفيد بين الرئيس المصري أنور السادات وحكومة العدوالصهيوني صدى عميق في نفس الشاعر، حيث رأى أن هذا الاتفاق الذي بموجبه خرجت مصر الرسمية من دائرة الصراع مع العدوأول مسمار في نعش الوحدة العربية والمشروع العربي المقاوم. إن قوى الإمبريالية العالمية تعرف جيدا دور مصر التأريخي في الحفاظ على عروبة فلسطين، ودحر الغزاة عنها منذ فجر التأريخ. وما كتبه دياب ردا على اتفاق كامب ديفيد يذكرنا بأبيات قالها أبوسلمى، شاعر فلسكين الكبير، للحكام العرب الذين تخاذلوا عن نصرة فلسطين، فوقعت في أيدي الصهاينة عام 1948، حيث قال:

قل لمن أغفوا على الذل
الا بئس من كان عن العز أشاحا
 
باسم شعبي حكموا لكنهم
ظلموه، ثم يرجون فلاحا
 
إن تسليم بلادي للعدى
جعلوا منه انتصارا ونجاحا
 
وأما شاعرنا دياب ربيع فقد قال:
 
فلسطين الحبيبة كيف أنسى
هزيمتك التي عقدت بنصر
 
وكان الظن أن لنا حماة
تضحى دون عزتها بفخر
 
فأنور بات في مصر يغني
على النغم الذي أودى بمصر
 
يهودى يُساوم في علاها
ويخطوخطوة الذئب االأشر

ولعل مأساة دياب ربيع المتجددة يوميا في المواجهة المجسدة مع الأحداث الدامية، والتمزق المتواصل لجسد الأمة العربية، كانت أكثر إيلاما يوم وصله خبر اغتيال صديقة الشاعر كمال ناصر في بيروت، فرثاه بقصيدة رائعة، كانت الأكثر تعبيرا عن دماء كمال التي سالت لتكون نورا يضيء الدرب، الدرب الطويل الشاق لتحرير الأرض، كل الأرض من النهر الى البحر. لهذا الهدف عاش كمال ورفاقه، ولهذا استشهدوا. إن القصيدة التي قالها دياب ربيع في كمال ناصر ليست لكمال وحده، بل تصلح أن تكون لكل من حمل قضية فلسطين ومات دونها ، وها هي بعض أبياتها التي تشف عن معان بعيدة يصعب على القارئ العادي أن يسبر أعماقها:

والله لوكان الخلود مراتبا
لعلوت فوق خلودك استشهادا
 
علمتهم حب الدبار فدبروا
لك مصرعا سيذكر الأجيالا
 
إن العواصف لا تموت وإنما
تطوي ليوم تستفيض عهادا
 
شتظل موجا هادرا لا ينثني
حتى ترى الوطن السليب معادا

هذه انطباعات سريعة عن دياب ربيع، الشاعر البعيد القريب، الغائب الحاضر، الثائر المناضل، الذي عرف الغربة والتشرد منذ نعومة أظفاره، فعاش آلام وآمال أمته وشعبه وكأنه فيهم. أرجوالله أن يمد في عمر شاعرنا الكبير ليغني للنصر بعد أن هز المشاعر بأناشيد الجراح. [2]

هذه السيرة بقلم المحامي الدكتور حلمي الزواتي صديق الشاعر

[1ذُكر في التأريخ أن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد استقدم بلال بن رباح، مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم، ليؤذن في المسجد الأقصى بعد فتح بيت المقدس.

[2توفي دياب ربيع في شارلوت، عن عمر ناهز الثامنة والثمانين، بعيدا عن بئر زيت يوم 14 تموز/يوليو2010، فنعته جمعية بئر زيت في الولايات المتحدة، وكذلك مجلة ديوان العرب، ومؤسسات وشخصيات عديدة داخل الوطن المحتل وفي الشتات.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى