الاثنين ٧ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٥
بقلم بسام السلمان

الجسد المستباح ـ القسم الثالث

قال المختار:
والله الواحد لا يأمن النوم مع زوجته منك .
-  لا تخف يا مختار نسوان القرية مثل هذه السنة ناشفة ما فيها مطر.
-  والله هذه السنة لن نرى الزرع الجيد.
-  العام الماضي كان الموسم أحسن.
*****
دخل الراعي بيته فنبح كلبه فقال:
-  أصبحت هرماً…وأصبحت تتخيل أشياء لا وجود لها
-  …أعذرني يا كلبي الأمين إذا سميتك أحياناً الأجرب…هل أنت أجرب ؟.
نبح الكلب معاتباً، فقال معتذراً:
- لا تلمن يا صديقي.. لقد سخروا منك ومني الليلة.
نبح الكلب مرة ثانية فقال الراعي وقد أشعل عود ثقاب وأضاء السراج:
-  أنت صادق يا صديقي ولم تهرم!! أعلم أنك تحزن وتبكي…أتذكر زوجتي…إنني أذكرك يوم موتها بكيت ونزلت دموعك، والناس لا يصدقون أن للحيوانات دموعا ومشاعر وعواطف وأحاسيس…ولكني متأكد من بكائك ودموعك لما علمت أنها ماتت. أتذكر تلك اللحظة …كنا أنا وأنت ننتظر أمام الدار ننتظر القابلة لتخرج وتبشرنا بولد يحمل اسمي من بعدي وتلعب معه

…وخرجت القابلة… ونبحت يا صديقي مستبشراً وارتفعت دقات قلبك مع دقات قلبي…نعم يا صديقي الوفي خرجت القابلة والدموع بعينها فقلت وأنت بجانبي
-  أنها دموع الفرحة…
ولكن …ولكنها كانت دموع الموت…ماتت زوجتي … ماتت حبيبتي وبكينا عليها… ماتت بالنزيف ولم تستطع القابلة إسعافها.
نبح الكلب فقال الراعي:
- اعرف.. اعرف الأعمار بيد الله .. عمرها انتهى .. وبقينا أنا وأنت سنوات طوالا معا لم نفترق لحظة واحدة.
وضع الراعي إبريق الشاي على النار وقال:
- وأنت يا صديقي ألم تحن للنسوان.. لم تشته زوجة تعيش معك..لقد أخلصت لي ورفضت أن تتزوج.. أم انك عاجز..لا أنت فحل .. .أنت فحل..صحيح انك هرمت ولم تعد الكلب الذي يعرفه حتى اللصوص .. قائد الكلاب وحامي القرية .. فأنت تعرف كل أهل القرية. أنت أفراحهم .. تفرح لمن فرحوا.. كنت تنبح أسبوعا كاملا إذا كان هناك زواج أو ختان أو ولادة أتذكر يوم ولدت حمدة الفالح ولدا بعد تسع بنات كيف نبحت سبعة أيام بلياليهن. أنت يا صديقي أحزان الرمثا كلها .. كل أحزان الذين ماتوا كانت في عينيك وفي صوت نباحك دموع.. عندما يموت أحد أبناء القرية تنبح أربعين يوما… وعندما يطارد رجال الوالي الشباب تثور حزنا وقهرا وعندما استشهد علي بكيت، وعندما ترى جميلة جميلات الرمثا مريم حزينة تلطم على وجهك وتشق جيوبك لو كنت تلبس ثيابا ولك جيوب.
- وقال صديقي الملتزم بصلواته الخمس خلف الإمام:
- بعد إن أدينا صلاة الفجر جلسنا حول الإمام في دائرة وقال البقال:
- سمعت يا سيدنا الشيخ أن من يريد آن يتهم زوجته بالزنا يجب أن يحضر أربعة شهود.. هل هذا صحيح؟
-  قال المختار:
-  ما هذا الكلام؟ من أين يحضر الشهود الأربعة؟
- قال رجل كبير بالسن:
- إذا لم تحضر الشهود تجلد.
-  قال الإمام:
-  هل تسمحون لي أن أجيب على هذه المسألة… إذا رأى رجل امرأة تزني واتهمها بالزنا دون أن يحضر أربعة شهود يجلد.
-  قاطعه المختار:
-  وهل يبقى في رأسه عقل؟
ابتسم الإمام وقال:
-  لم أكمل كلامي…إن هذا الحكم هو في حالة المرأة غير الزوجة، قال تعالى في سورة النور بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم (سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون * الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين* الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين* والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون) صدق الله العظيم. هذا يا أخواني من جهة الزوج أما الزوجة يا إخواني…

قاطعه البقال: يقتلها!
قال صاحب المقهى:
إذا قتلها يطالب بدمها.
قال الإمام:
اسمحوا يا إخواني إذا دخل بيته ورأى رجلا مع زوجته تزني فإنه يقع عليه حكم اللعان.
قال البقال:
-لعنة الله على الزوجة الزانية.
- والرجل الزاني لعنه الله.
قال المختار:
-يظل الرجل رجلا ويحافظ على شرفه.
قال الإمام:
- اللعان أن يحلف الرجل أربع مرات أنها زانية والخامسة لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين وتحلف الزوجة لتبرئة نفسها أربعة أيمان والشهادة الخامسة أن غضب الله عليها إن كذبت وكان الزوج من الصادقين، وقال تعالى في سورة النور (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ويدرؤوا عنها العذاب إن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين* والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين) صدق الله العظيم.

قال صديقي سألت الإمام:
-وإذا حلف الزوجان؟
قال الإمام:
-يفرق القاضي بينهما ولا يرجعان أبداً.
قال صديقي:
خرج الجميع من المسجد مع بزوغ أول خيوط الشمس وما زال حديث الزنا في أذهانهم قطعه منظر كلب الراعي وبجانبه رجل ممدد على الأرض. فقال البقال: أليس هذا كلب الراعي؟
-  صحيح ولكن الراعي لم يأت اليوم لصلاة الفجر!!
-  انظر يوجد رجل بجانب الكلب!
ضحك البقال وقال:
- الله يجازي الراعي طول الليل على شبابيك الخلق وعند الصباح ينام في الشارع.
حاول الجميع إيقاظ الراعي ولكنه ميت.
قال صديقي:
- ذهل كل المصلين.
-  إنه ميت!!
-  ميت؟!!
-  نعم ميت.
-  كيف مات؟ ومن؟ ولماذا؟ …
وفحصه الممرض وحاول التأكد ثم أعلن الخبر …
-الراعي مات خنقاً.
-  من القاتل؟
-  لا أعداء للراعي!!
-  من يقتله ويرميه قرب المسجد؟
قالت أمي :
إن النساء اجتمعن في بيت جدتي وشربن الشاي من يد أمي .
وقالت جدتي:
-  رحمه الله كان طيب القلب.
قالت إحدى الجالسات:
-  ولكن من قتله؟
-  يقال أن رجال الأتراك خنقوه ورموه في الشارع.
قالت إحدى الجالسات بعد أن وضعت كأس الشاي من يدها:
-  أنا أعرف القاتل.
-  تعرفين ؟!!
-  نعم أعرف.
-  من هو؟
قالت وقد رأت كل الجالسات أذانا صاغية:
-  إن الذي قتل الراعي كلبه .
-  ماذا؟؟ كلبه!!؟
-  نعم …لقد سمعت الراعي يقول إنه حلت به روح شريرة.
-  وأين الكلب؟
-  خرج من الرمثا ولم نره منذ أول أمس.
وقال صديقي:
إن الخبر انتشر…الكلب غدر بصاحبه وقتله…ويجب قتل هذا الكلب الأجرب النجس.

اسمع يا ولدي كلامي الذي دعوت الله أن أسمعك إياه قبل موتي، حتى تعرف حقيقتي مني أنا ومن ذكريات مريضة يدعيها كل من نصب نفسه على ذاكرتنا وماضينا وحاضرنا وأجسادنا.
-  حاولت المستحيل مع والدك لكي نكون أسرة سعيدة، ولكنه ظل بذاكرة مريضة.
…اعذرني يا ولدي كانت حياتي ليلا حالك العتمة سواده كبحر الظلمات طبقات سوداء متتالية ليس لها نهاية…
كانت القرية تقيم الأفراح بعودة ابن خالي سالماً…كان أسيراً وكنا نظنه ميتاً…وفي اليوم الذي كانت فيه الرمثا تقيم الأعراس دخل والدك وقال:
-  أراك فرحة اليوم …ما الأمر؟
-  لا شيء…
-  لماذا تخفين عني ابتسامتك…أنت فرحانة !
-  أنت دائماً تذكرني بهذه القصة وتسمعني كلمات جارحة…
-  أنا أجرحك معاذ الله…أنا أذكرك أني غير مغفل…وأحذرك من أن تسول لك نفسك بشيء.
وقال لي والدك عندما أراد أن يطلقني وقد رأيت الحزن في عينيه…
كنت أحترم والدك لأنه زوجي ووالد ابني وأتمنى أن نكون معاً أسرة سعيدة ولكنه أبى أن يغير ما بنفسه وظلت ذاكرة الأيام تذكره بأني كنت أرتبط بعلي بشيء من الحب… ولكن أقسم لك يا ولدي إننا كنا أطفالاً ولم يكن الحب يعرف طريقه إلى قلبينا.
( في طريقه إلى المقهى حدثه ضميره لماذا لا تطلقها ؟ ولكن إذا طلقتها سوف يقول الناس أنه طلقها لأنه ضعيف.)
وأخبرني أنه جلس ليشرب فنجان قهوة وكان الحزن جليسه وظل يسأل:
-لماذا لا أطلقها؟ وهل فعلاً أنا أحبها أم ماذا؟
وقال لي:
-  قطع عليّ الفقير حديثي مع نفسي .
والفقير يا ولدي له كرامات ويرى الجن ويتحدث معهم ويبلغ من العمر خمسين سنة، وكثيراً ما طلب من الله في أوقات الجفاف فينزل المطر ،وتحدث أهالي القرية عن رؤيته في مكانين مختلفين في نفس الوقت، حتى أنهم كانوا يرونه في المدينة وعندما يعودون يشاهدونه في الرمثا…وأذكر عندما أمسك رجال الدرك أحد الشباب طلبت أمه من الفقير فدعا الله وفي اليوم الثاني خرج الشاب وأقامت أمه وليمة رفض الفقير حضورها.
قالت أمي بعد أن سكبت الشاي في قدحي:
-  الفقير رجل مسكين فقد عقله عندما هجرته زوجته، يقول سكان القرية أن له حكاية حزينة طويلة تصدق أحيانا ولا تصدق أحيانا أخرى..يقولون كان قبل سنوات طويلة شابا يحترمه الجميع وكان له ابنة عم تصغره بخمس سنوات وكانت جميلة توفي والدها وهي طفلة فكان يعيلها حتى بلغت سن الزواج…وكانت سعيدة بحياتها مع ابن عمها، وبدأ حزنه مع قدوم أحد الأطباء إلى القرية، وكانت نساء الرمثا الأكثر حاجة للطبيب فكثرة الحمل والولادة والعمل في البيت والحصيدة والحياة لا راحة فيها يا ولدي ما دامت الأرض ليست أرضنا وما زالت الحرية عبثاً بأيدي زمرة كل همها تحقيق مكاسب شخصية.
وكانت زوجة الفقير حاملا في شهرها الأخير…وكانت جميلة زادها الحمل جمالاً أعجب الطبيب وأغرتها المدينة التي حدثها عنها…فأحبته وظن الفقير أن يوم مغادرة الطبيب سيكون يوم سعادته.
وذات صباح مشمس غادر الطبيب وغادرت زوجة الفقير الحامل بابنه معه ولم يرها منذ تلك الساعات الحزينة ومنذ ذلك اليوم أصيب الفقير بالجنون…والفقير يا ولدي لم يمت ، اختفى فجأة ولا أحد يعرف أين ذهب
قال لي والدك إن الفقير جلس على طاولته وقال له:
-لم أنت حزين يا ولدي…
-  لا شيء … لا شيء.
-  المرأة سبب تعاستك.
-  وكيف عرفت؟
-  وهل هناك تعاسة للرجل إلا المرأة، إن المخلوق الوحيد الذي يغلب الشيطان هو المرأة.
*****
لم أكن أعرف عن الأيام شيئاً، كل ما أعرفه أن الشمس خرجت مستدلة من ضوئها وأعرف أن الليل الحزين المظلم الغارق في سواده يعود بالظلام، و السماء تعود إلي بنجومها الحزينة المليئة بالذكريات الحزينة.
أخبريني أيتها الشمس عن المستقبل ماذا يخبئ لي؟ هل يبتسم الحظ لي ذات مرة؟.
لا أظنك تعرفين، أما أنا فأستطيع أن أخبرك وأستطيع أن أحدد مسار حياتي لأن الشقاء والتعاسة قد أحاطتني بحنانها ورعايتها، وألبستني ثوب الكآبة…
ماذا يخبئ لي اليوم؟
إنه يوم مشرق فهل يكون في حياتي يوم واحد مشرق؟ إنها مجرد شمس تخرج كي تضحك لها طيور السماء…
نسيت الابتسامة، ونسيت الفرح…حياتي أيتها الشمس رغيف كآبة أكلته كاملاً.
دخل إلي والدك وقال:
-  هل تريدين الطلاق؟
لم أحرك ساكناً…هل يضعف الإنسان للحظات؟ وهل يشعر الإنسان بالخير في أوقات يحتاج فيها إلى خير الناس؟
-  هل تريدين الطلاق؟
-  لا … أريد ابني.
-  سأخبره إنك متِ.

حملتُ حقيبة من الدموع في قلبي مع حقيبة ملابسي بعد أن نطق والدك كلماته ثلاثاً (طالق … طالق … طالق). ربما تسألني لماذا لم أحملك معي … وقد يدور في ذهنك إني تخليت عنك … لا يا بني أنا لم أتخل عنك لحظة واحدة، لكنها الغابة البشرية التي تخذل الضعيف وتنصر القوي على الضعيف والرجل على المرأة والجسد على الذاكرة. وثارت يا ولدي زوبعة في بيت والدتي …
- (مريم طلقت)..
وانتشرت الزوبعة وتوسعت وامتدت إلى كل أطراف الرمثا … مريم طلقها زوجها …
-  ولماذا؟
-وكيف؟
-ولمن تركت صغيرها …
-مريم طلبت الطلاق …
-قاسية القلب …
-  هل بكيت وبالأصح هل سمعتي صوتي وأنا أبكي عليك؟ وهل رأيت دموعي تحرق جسدي وذاكرتي؟
- حاولت ضمك لصدري ولكنه أبعدك عني وأنت تصرخ أمي أمي أمي …
-  بكيت بدموعك طفلاً صغيراً تمنى أن تكون له أسرة صغيرة وأم تحضنه في مرضه وتودعه صباحاً عند ذهابه للمدرسة وتنتظره عند عودته بجسدها وقلبها وكل أحاسيسها، إن الآم الأطفال يا أمي تعد الشوك في الورد والخبز المر.
-  عندما دخلت إلى أمي ورميت بجسدي على صدرها شعرت بالموت يقترب مني.
عدت إلى بيتي الذي لم أكمل فيه طفولتي، ولدت هنا تحت هذا السقف البالي وفرح بي والدي ووالدتي.
قيل لي أن والدي أطلق عليّ اسم مريم تيمناً باسم السيدة العذراء، كان يحلم بولد ذكراً، وليس الذكر كالأنثى …
أمي حزنت عندما علمت أن مولودها أنثى واكفهر الجميع وقالت لي أمي :
-  لم اتناول الطعام لمدة أسبوع من الحزن .
عادت لتواسيني وقالت:
-  أنت خير من كل الأولاد يا مريم.
هنا كنت ألعب مع نفسي … وتحت شجرة الزيتون كانت أمي تغسل ملابسنا وما زالت الشياه تنتظرني وكأنها على موعد معي … مع ملكتها وراعيتها.
ودخلت غرفتي الصغيرة ووجدت كل أشيائي كما تركتها … كانت جدتك تنظفها وتتركها كما هي ولا تمسها إلا للتنظيف.
جاست مع جسدي بعد أن تحرر ممن استباحوه..جلست أراجع ذاكرتي وذكرياتي..كنت الوحيد الذي ما زال جسدي يحتاج إلى سيطرته، جسد ألام دائما تحت تصرف الأبناء.
ماذا حل بابني؟ هل يبكي؟ وإذا بكى هل يضربه لكي يسكت..
كنا… أنا وأنت رفيقين..لم اكن أمك وأنت ابني.. كنا صديقين مع فارق السن ..ليلنا نقضيه معا ونهارنا نلعب فيه معا.
كنت النافذة الوحيدة التي اطل منها على الفرح والسعادة.
كنت من يخفف عني ألمي وحزني ..عندما كنت تراني ابكي ترمي بجسدك الصغير في حضني لكي لا ابكي.
كنت تقول لي:
- لماذا دائما تبكين يا أمي؟
وكنت اخفي عنك عذاباتي واقول لك :
- رأسي تؤلمني..
وكنت ببرأتك الصادقة تقول:
- دائما رأسك تؤلمك.
بعدها كنت اضحك وأنا أتألم لك ..لك وحدك كنت أعيش الألم ومنك وحدك استمد قوتي.. ولكني ألان بعد إبعادي عنك ماذا افعل؟

اتفقت وأصدقاء الطفولة أن نذهب صباح هذا اليوم إلى الشلالة لقضاء يوم من أيام ذاكرة الرمثا، كان أصدقائي حدثوني عن الشلالة وجمالها وعذوبة ماء نبعها وحلاوة ثمار التين فيها، وقال صديقي:
-  إن تين الشلالة من التين الذي أقسم به الله في سورة التين والزيتون.
-  وقال الصديق الأخر؟
-  من يشرب من نبع الشلالة ويأكل من تينها لا بد أن يرجع إلى ترابها.
-  وقال الصديق الثالث:
-  إنها غنية بالآثار ..
-  وقال:
-  تعتبر منطقة الشلالة من المناطق الأثرية والسياحية .
-  وقال الصديق الرابع:
-  أنها مليئة بالذهب
-  ذهب…
-  كانت طريق للجيوش التركية وكان الجنود يدفنون فيها رواتبهم.
قال الصديق الأول ساخرا:
-  الذهب..ذهب مع الريح.
-  وقال الصديق الثاني:
-  إنها خالية حتى من الفخار ..
توجهنا خمسة أصدقاء نحمل خبزنا وطعامنا والسكر والشاي، كانت الشمس خجولة وكان الصبح يتنفس ، ومضينا سيراً على الأقدام نسير ونتحدث حتى أصبحت الشمس ضحاً، دخلنا باب الشلالة فواجهنا هواءها العليل ، أسرعنا إلى نبعها وشربنا عطشاً وحباً بمائها العذب البارد.
لن يختلف هذا اليوم عن باقي أيام الرمثا
… فحكاية الشلالة مرتبطة بذاكرة القرية وحروبها مع البدو والقصائد التي تتغنى بتلك المنطقة السياحية والعسكرية في نفس الوقت … فقصة أشجار التين كأي قصة من قصص صبايا الرمثا وذاكرتها هي ذاكرة الرجال الذين يذكرون كل شجرة تين، وحكاية وقعت تحتها.
قال صديقي الجالس أمامي:
-  إن الشلالة قطعة من الجنة.
وقال الصديق الجالس بقربي:
-  هل ستأخذ والدتك معك عند عودتك إلى عمان.
وقال صديق آخر:
-  وهل سيتركها لوحدها، لقد عانت من الوحدة …
تذكرت وحدتي في غربتي وتذكرت غربة جسدي وروحي وذاكرتي بعيداً عن أمي عشرات بل مئات السنين.
تركت الأصدقاء يطهون لنا طعام الغداء وسرت بين أشجار التين استمع لأصوات الطيور التي تذكرنا دائماً بلغة لا يفهمها إلا من عاش الغربة، تذكرنا بالعودة لأوطاننا ولأهلنا ولأجسادنا …

كنت وحيداً أول ما وصلت باريس … وبكيت بصوت مرتفع … كل شيء غريب، الوجوه واللغة، وتذكرت أمي … أمي التي لم أرها ولم أحفظ صورتها، وتذكرت أبي الذي ما قسا عليّ للحظة واحدة وكأنما كان يريد تعويضي حرماني أمي. وتذكرت زوجة أبي الحنون الأم التي ما ولدتني …
وشعرت أن جسدي فارغ من كل شيء، إلا الذكرى … ذكرى الأهل والأحبة ، ذكرى عمان وسقف السيل وسوق السكر والمدرج الروماني الذي حفرت اسمي واسم حبيبتي على مدرجاته.

وخطر ببالي أن أغمض عيني لحظات وأعود إلى حارتنا حيث النساء الجميلات، النساء الشركسيات والشاميات …

عدت بذاكرتي إلى طفلتي … الطفلة الشركسية التي أحببتها … تذكرتها بحجابها وثوبها الشركسي الرائع، فأهلها جيران لنا … كانوا أهلي في غربتي الأولى وكانت حبيبتي أمي في غربتي عن أمي وكانت ذاكرتي وجسدي معاً … وصديقتي وملاذ همي وفرحي وحزني .
سبع سنوات مكثتها في باريس كانت فيها سناء رفيقة كتابي وقلمي ودروسي وواعظتي إذا ما أخطأت … وكانت تغفر لي غربتي …
عندما تعلق قلبي بسناء منذ أن كنا طفلين كنت متأكداً أنها لن تكون زوجتي لأنهم لا يزوجون غير الشركس …
وكنت أتألم لذلك وكنت أبكي وتبكي هي أحياناً ولكننا تركنا هذا الأمر للنصيب كما يقال …
وكانت زوجة أبي تؤكد لي أن سناء لن تكون إلا لي.
كنت في كل مرة أعود فيها إلى عمان أشعر بانقباض في صدري أخشى أن تكون سناء تزوجت غيري … مع أنها لم تقطعن من رسائلها الجميلة والرائعة بروعة شعرها وجمال عينيها، ولكني كنت اسمع في داخلي زغاريد زواجها.
كنت في غربتي الفرنسية أعيش بجسدي هناك وذاكرتي مع سناء … أما في هذه الغربة التي جئت فيها باحثاً عن أمي فإني أعيش غربة في جسدي وذاكرتي باحثاً عنها في شوارع الرمثا الضيقة وحاراتها الحزينة.
عندما نزلنا من السفينة في الميناء الفرنسي شعرت بالخوف ..كنت طفلا في الثامنة عشر، فالغربة قادرة على قتل اعتى الرجال فكيف بطفل عاش وحيدا ، كنت وحيدا فلا اخوة أو أم حقيقية،
أصدقائي قلائل ، كنت ابتعد عن الناس من اجل الدراسة ، هذا كان ظاهري ، أما ما كان في ذاكرة جسدي فاني ابتعد عن كل من له أم ..
ليس حقدا على أحد أو حسدا لاحد ..كنت أريد أن أريح قلبي وجسدي ونفسي من الحسرات والأحزان وبكاء النفس والقلب والجسد.
استيقظت من ذاكرتي على صوت صديقي ينادي …
الطعام جاهز يا دكتور…
عدت لأصدقائي الجالسين تحت شجرة تين وسألتهم:
- كيف عشتم أحداث الحرب في الرمثا؟
قال صديقي الذي وضع إبريق الشاي على الفحم:
-  كأي جزء من أجزاء الوطن العربي.
قال لي أبي:
-  عندما أطلق الشريف الرصاصة الأولى على مقر الأتراك في مكة معلناً الثورة كنا نجلس في المقهى ، وقتها سمعنا بيان الشريف من الراديو الذي اتهم فيه الأتراك بالكفر والخروج عن الدين وأن الأتراك بدلوا الأحكام واعدموا الأحرار فقتلوهم جماعات وفرادى وشردوهم وأخذوهم أسرى … ونهبوا الأموال ولقد قدمنا لهم النصح فلم ينفع النصح وقد وفقنا الله لأخذ الاستقلال فضربنا على أيدي الاتحاديين وانفصلت بلادنا عن الدولة العثمانية انفصالا تاما.

قالت أمي:
أخر وفاة جدتك موعد زفافي من ابن خالي لعدة اشهر..دخل خلالها الأمير لسوريا الكبرى وحكمها.. واحتلت فرنسا دمشق وأعطت بريطانيا وعدا لزعماء الحركة الصهيونية واقر الوعد الرئيس الأميركي وأيدته الحكومة الفرنسية والحكومة الإيطالية.
وقالت أمي:
في ثورة العرب تزوجنا … وزغردت الرمثاويات ودبك الشباب فرحاً بزواجنا … وبكيت … بكيت فرحاً أول مرة، وبكيت حزناً وقهراً عندما علمت في يوم زواجي أن والدك ترك القرية إلى عمان…
صرخت كالمجنونة …
بحثا عنك ولكن صوتي كان في صدري ولم يتجاوز دقات قلبي.
وصرخت … ابني …
وسمعت الزغاريد تنعي سعادتي، فأنت سعادتي وأنت حياتي.
قلت لأمي:
وصلنا إلى عمان في المساء دخلنا بيتنا الجديد … وكنت في غرفتي أبكي … أبكيك يا أمي … أذكر مع أن ذاكرتي صغيرة أن زوجة أبي مسحت دمعتي وقالت لي:
-  سوف تجد في المدينة ما ينسيك الرمثا.
-  أريد أمي … أريد أمي …
-  أنا أمك.
ورميت برأسي على صدرها وشعرت بها تبكي، تبكي صغيراً خسر أمه ومسقط رأسه في يوم واحد ورفاق دربه والأطفال الذين لعب معهم سنوات وعيه.
*****
روت لي أمي عن المأساة الكبيرة التي عاشتها الرمثا قبل سنوات قليلة عندما تعرضت لوباء الكوليرا.
وقالت أمي:
إن حلاق القرية حذر الرجال الجالسين في المقهى من اقتراب الوباء فهذا موعده
-  أي موعد وأي وباء؟
هز الحلاق رأسه وقال:
-  الكوليرا … إنه وقتها.
-  الكوليرا!!؟
-  إنه قاتل.
- قتل الوباء العام الماضي أكثر أطفال القرية.
قال الحلاق:
- كونوا حذرين.
-  الآن؟
-  وقعت حالات لأطفال يشك الممرض بأنها الكوليرا.
-  وهل تأكد من المرض؟
-  يقول الممرض الأعراض هي نفسها لأعراض الكوليرا الإسهال عل شكل ماء الرز وماء النشا وتطورت الحالات إلى الجفاف نتيجة فقدان الجسم للكثير من السوائل والأملاح.
-  وهل سنبقى تحت رحمة المرض … ألا يوجد حل؟
-  يوجد.
-  الموت.
قال صديقي الذي كان يلازم والده في المقهى:
-  سحب أبي نفسا عميقا من الأرجيلة ونفثه باتجاه الباب المظلم وقال لصاحب المقهى:
-  هل تعلم أن الوباء قادم؟
-  وهل دخل الرمثا؟
-  إن الداء مستوطن في أرضنا ولا يريد الخروج.
قالت أمي:
وسط القيظ وارتفاع درجات الحرارة ملأ الخوف النفوس وقلل الناس من الزيارات … وأصاب المرض أغلب السكان ووصل المرض إلى أعلى قوة له، وجمع كل قواه وانقض على الرمثا … وأصبحت الأجساد الكبيرة تصفر والجمال يموت والبراءة تختفي من البيوت مع موت الأطفال
وحاولنا مكافحة هذا العدو القاتل …
وفي يوم سبت أسود أخبرتني أختك أن أخاك أصيب بالإسهال، وتكررت الإصابات … حتى أصيب جميع من في البيت وطواهم جميعاً تحت جناحيه.
دمعت عيون أمي وانتظرت لحظات ربما لكي تستحضر ذاكرتها الحزينة التي استباحت جسدها وقالت:

أصبحت صباح شمس سوداء على عدة جثث مات الزوج والأولاد … وبقيت جثتي تصارع المرض … وعشت وحيدة أعاني من جسدي وذكرياتي وآلامي وأعيش أحزاني كلها منذ البداية وحتى جئت إليّ … أنت بفرحك وحبك تحمل إليّ سعادة ما بعدها ولا قبلها سعادة، وقالت أمي:
اختلف أهل الرمثا فيما يفعلونه بالجثث الكثيرة التي حصدها الوباء … هل يحرقونها؟ وإذا دفنوها ألا يصابون بالوباء؟ موت كثير وأجساد ناحلة لم تعرف الرمثا سنة كهذه … وتجمدت العواطف … الحريق للجثث …إنه الغضب … غضب رب العالمين على القرية … لا إنه وباء نشره الإنجليز … لو أن سالم الفقير على قيد الحياة لدعا الله فهو مستجاب الدعاء.
ودع الوباء الرمثا وتركها تضمد جراحاتها … وجعل من أهلها أناسا يخافون الشمس…

هذا الصباح سأغادر إلى عمان … أغادر الرمثا المدينة الحبيبة وأهجرها مرة أخرى حاملاً معي ذكريات من ماتوا ومن عاشوا … أمي منذ الصباح مستيقظة وهي تبكي لفراقي مرة أخرى …
قلت لها :
-سأعود لاصطحبك معي بعد أسبوع … فأنا جئت من المطار إلى الرمثا مباشرة … وأبي ينتظر عودتي اليوم … فهو لا يعلم أني بين أحضانك منذ أيام … أتلمس جسدك وأعيش طفولة حرمتها … أبكي ليلي دون أن تعرف أمي … عندما تنام أبكي سنين طفولتي التي عشتها بعيداً عنها … آلامي أحزاني أفراحي … نجاحاتي في المدرسة وتفوقي في الثانوية … كل الأمهات زغردن ودموع الفرح تبلل عيونهن إلا أنا … أمي بعيدة عني تعيش أحزانها وذاكرتها مليئة بالأحداث السوداء.
مع أنه رفضت اصطحابي لها إلى عمان إلا أنني لن أتركها … يجب أن أعوضها سنين أمومتها الضائعة وأعوض نفسي طفولتي المحرومة مني … أريدها أن تمنح أطفالي ما حرمتنا الأيام.

هجرتي الثانية تبدأ اليوم … أو هجرتي الثالثة … فذاكرتي التي استبيحت منذ زمن وطفولتي التي أجبرت على هجرانها تعود اليوم …
تجولت ساعة في طرقات الرمثا الضيقة وودعت أصدقائي بدموع واعداً إياهم بعودة طويلة ودعوتهم لزيارة عمان وقضاء بعض الأيام فيها … في ساعة من الزمن زرت كل أماكن الرمثا وتجولت في ساحاتها ورأيت أشجارها.


مشاركة منتدى

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى