احتفالية (ديوان العرب) في ضيافة (أدب ونقد) الرصاصة الأخيرة صمود غزة

الصفحة الأساسية > ديوان الدراسات المحكمة > مصادر الشعر الصوفي

مصادر الشعر الصوفي

الشعر الديني، الرّمز، الغزل، الخمر

٢٧ أيار (مايو) ٢٠١١بقلم طاهرة كرباسفروشها

- الکاتبة: طاهرة کرباسفروشها، طالبة ماجستير بجامعة آزاد الإسلامية في کرج
- هذا النص تحت إشراف: الدکتور محمد هادي مرادي

المقدمة

إن الشعر أداة في يد الشعراء الصوفيين، يسقون به أنفسهم وأتباعهم من ينابيع الحقيقة والمعرفة الإلهية، ويصوّروا به أدقّ حقائق الكون والمعرفة الإلهية ويجعلوا قلوب العارفين بعيدة عن الظواهر الماديّة و يوصلونها إلى أعلى وأسمى درجات الكمال التي هي القرب الإلهي.

إنَّ للأدب الصوفي أهمية کبيرة في الأدبين، الفارسي والعربي من حيث التنوع والغَنی. وهذا الأدب يشمل النّظم، النّثر، الأخلاق، المناجاة، الحديث، الفلسفة، التاريخ ...الخ. يتّصل هذا الأدب الواسع بالحياة العقليّة والفكريّة تارة، وبالحياة الذّوقيّة والروحيّة تارة أخرى. ومن ثمارة الأولی، العرفان والحكمة الصوفيّة ومن ثمارة الثانية، الشعر والغزل الصوفي. وأيضاً يمزج الشّعر الصوفي العقل والذوق معاً، ويُنشأ قصائداً شعرية طريفة منها المثنوي للمولوي والمنظومة الشعريّة للعطّار والتائية الكبرى لابن الفارض المصري.

إنَّ الشعر الصوفي وخصائصه ومصادره ليست منفصلة عن تاريخه فبهذا قد نشأ الشعر الصوفي من الأشعار الدينية والزّهدية كما نشأ التصوّف من الزّهد.

الکلمات الدليلية: الشعر الديني، الرّمز، الغزل، الخمر

الشّعر الديني

« الشعر الديني في الإسلام هو أول منابع الأدب الصوفي الإسلامي، بدأ هذا الشعر في الإسلام مع انتصار الدّعوة الإسلامية ». [1]

فهو « ظهر في شعر الفتوح وتمجيد البطولة وذكر البلاء في الحرب، والإشادة بالإسلام، وما يتّصل بذلك من مدح للرسول ( ص ) والمهاجرين والأنصار ». [2] « ولمدح الرسول ( ص ) أهمية خاصة في هذا الموضوع وتلك الأهمية ترجع إلى أنَّ هذه المدائح كان لها تطوّر بعيد المدى في القرون التالية في ظل التصوف الإسلامي ». [3]

« الشعر الذي بدأ بحكم الأمويين لم يستمر بالشعر في الطريق الذي رسمه الإسلام في الفترة السابقة فظهر في غير الطريق الإسلامي الأول وهو "شعر التدين" ». [4] كان لشعر التدين غرضان رئيسيّان ؛ الأول : الوعظ والتذكير بالحياة الآخرة ووصفها، والثاني : الحكمة الدينية والأخلاق.

قد تطوّر شعر التّدين مع تطوّرالحياة الروحية في المجتمع الإسلامي وقد بقي منه النّصوص الشعريّة الكثيرة.

« فظهر في هذا شعر الدعوة إلى ترك الدنيا، ذمُّ الإقبال عليها والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى والإنقطاع إليه والمجاهدة في سبيل مرضاته والتزام ألوان من العبادة لا يفرضها الدين... وأطلق عليه اسم الزهد. ومن الطبيعي أن يطلق على شعر التدين في صورته الجديدة " شعر الزهد " أو " الشعر الزهدي " وهو طور جديد من أطوار " شعر التدين " يختلف عن طوره الأول في شدّة توغّله في الروحانية ». [5]

وأيضاً تطور " الشعر الزهدي " بتطور الحياة الروحية في المجتمع الإسلامي وقد بقي منه النّصوص الشعرية الكثيرة وكان لهذه النصوص « حظ من الروحانية أكثر من غيرها وتناولت بعض المسائل التي كانت نواة لحركة التصوف القويّة، وقد كانت هذه النصوص بذور الشعر الصوفي الذي اكتمل في القرن الثالث وما بعده ». [6].

إنَّ الشّعر الزّهدي في سبيل تطوره أصبح أداة لبيان المحبة الإلهية. « فقد كانت السيدة رابعة العدوية ( توفی 185 هـ ) أول من كتب شعراً في الحب الإلهي، ولها الفضل في إِشاعة لفظ الحب عند من جاؤوا بعدها من الصوفية ». [7]

« والواقع أنَّ أهل الحقيقة تكلموا جميعاً في الحب، لأنَّ هذه الحال هي الفصيل بينهم وبين أهل الشريعة الّذين يعبدون الله طمعاً في الثواب وخوفاً من العقاب، ولا يستقيم حال المتصوف إلّا إن خلص من دنياه وأخراه فلا يكون له مأرب غير لقاء الحبيب ». [8]

الرّمز

الرّمز لغةً :

« الرمز: تصويت خفي باللسان كالهمس، ويكون تحريك الشفتين بكلام غير مفهوم باللّفظ من غير إبانة الصوت إنما هو إشارة بالشفتين، وقيل : الرمز إشارة وإيماء بالعينين والحاجبين والشفتين والفم والرمز في اللغة كلّ ما أشرت إليه مما يبان بلفظ بأي شيء أشرت اليه بيد أو بعين ». [9] وجاء الرمز « في التنزيل العزيز في قصة زكريا ( ع ) : ألّا تكلّم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً [ آل عمران : 41 ] ».

الرّمز اصطلاحاً :

« هو معنى باطن مخزون تحت كلام ظاهر لا يظفر به إلّا أهله ». [10]

« وأقرب التعاريف للرمز أنّه الإغراق في أوجه البلاغة وخصوصاً الإستعارة ويری علماء البلاغة أنَّ التشبيه يحسن أن يکون بعيداً والاستعارة فيجب أن تکون قريبة ( ذلک لأنَّ الإستعارة تقوم علی حذف المشبّه أو المشبّه به، وهذا مما يجعل فيها بعض الغموض ) ». [11] «الرمزأسلوب من أساليب التعبير شاع في الكتابات الصوفية، نثرها وشعرها، سواء كانت هذه الكتابة في التصوف أو في أدبه، لأنّه أسلوب ألجأتهم إليه الحاجة، فهم يتكلمون أو يكتبون عن مشاهد لا عهد للغة بها فمن الطبيعي إذن أن يلجأوا إلى هذا الأسلوب الذي يعينهم بعض الشيء على نقل أفكارهم وتصوير إحساساتهم ». [12]

أغلب الظن أنَّ « اللغة، هي أصوات يعبِّر بها كل قوم من أغراضهم... وليس المتصوفة بدعاً في استعمال لغة خاصة بهم ». [13]

ولامفرّ من الإعتراف بأنَّ استعمال الألفاظ والمصطلحات الخاصة أمر شائع بين جميع الأقوام من العلماء والباحثين حيث « قد يقال : إنّ لكل قوم ألفاظاً وتعابيراً حتى النجارين والحدادين ». [14]

ولكن اللغة الصوفية وألفاظها متميزة عن اللغات الأقوام الأخرى لأنّ « طبيعة التجربة الصوفية القائمة على الكشف والذوق ». [15]

و « إنّ ألفاظ الصوفية جرت في الأغلب حول معان وجدانية وروحية و نفسية و إجتماعية ». [16]

وفي هذا المجال نذكر بعض الأسباب التي قد لجأ إليها شيوخ الصوفية لإستعمال هذه " اللغة الرمزية الإيحائية "، ومنها :
- الأول : إنّ التجربة الصوفية تقف عند الكشف والذوق والوجد وتكون أداة ادراكها، الروح والقلب والتخيل القوي، فلا تدرك بالعقل والحس، لذا لا مفرّ من استعمال الألفاظ المتشابة والرمزية.
- الثاني: إنّ التصوف حالات وجدانية خاصة يصعب التعبير عنها بألفاظ اللغة، فنرى أنَّ الصوفي يظهر المحبة الإلهية والأحوال التي قد حصل له في العالم الكشف، باللغات والمصطلحات التي تستعمل لأحوال المادّة والعالم المحسوس « لأنَّ كلامهم لا يرضي العامة فلهذا استعملوا كلمات وتعبيرات الغزل المادي من سكر وخمر ووصال وهجران إلى غير ذلك " ». [17]

في الواقع إنّ المتصوفة قد أخذت هذا الأسلوب الرمزي من أساليب آيات القرآن الكريم، قد ورد في بعض آيات القرآن الكريم حديث عن اللذائذ الحسية والمادية. مثلاً : " وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن " [ توبه: 72 ]. يظهر لنا إنّ هذه اللذائذ الحسية التي قد وصفها الله في القرآن الكريم، مظهر من مظاهر اللذائذ المعنوية في عالم الآخرة والجنة. وهي رمز أرضي ودنيوي من رموز العالم العلوي.
- الثالث : توجد بعض التجارب الصوفية التي لا يمكن توصيفها إلّا بلسان الرمز فمثلاً، القول بأنّ الإنسان الكامل يفنى في الحق ويهلك في وجود المطلق ويصل الى مقام الإتصال والإتحاد، يمكن أن يؤدّي الى تألّه الإنسان والحلول فنرى بأنّ الصوفيين يخفون هذه الأسرار، وفي صورة الإجبار، لإظهار هذه الأسرار لابدّ أن يتمسك بالرمز. ومن هنا نرى بأنّ أغلب مشايخ الصوفية حين يصلون إلى هذه الأحوال يلجأون إلى الصّمت لأنّهم يعتقدون بأنّ كل ما يوجد عندهم أعلى من التعبير والتوصيف.
- الرابع : الأمان من اتّهام الفقهاء والعلماء حين إظهار آرائهم و عقائدهم في المواقع الإجتماعية والسياسية الخاصّة.
- الخامس : تعليم الأسرار والحقائق للطلاب والأمناء ومريديهم.
- السادس : الصيانة الأسرار الإلهية التي قد أودعها الله تعالى عند أهل الطريقة.
« ومن هنا يمكن اكتشاف قصدية المتصوفة لابتكار معجم خاص يقوم على الرمز الصوفي ويحمل خبايا اللغة الصوفية التي قصد بغموضها أن تبقى مصطلحاتها واضحة بين أهل الطائفة لا يلم بها إلّا المريد الذي يتقدم لعالم هذه اللغة بقلب راغب ويمر بمراحل المكابدة التي يسلكها الصوفي في الوصول إلى ربه ». [18]

في الواقع« الميدان الذي يجول فيه شعراء الحب الإلهي دائماً في رمزهم هو ميدان " الغزل الإنساني " و" الخمريات " لأنّه أقرب الميادين صلة بموضوعهم، وأخلقها بأن يمدّهم بالمادة التي بها يعبرون ». [19]

فلهذا « يلاحظ أنَّ نصوص الغزل الصوفي تعمد إلى الرمز بمعاني الغزل الإنساني حين الكلام عن المحبوب، أمّا حين الكلام عن الحب نفسه وبيان آثاره فتعمد إلى الخمريات ». [20]
الغزل
الغزل لغةً :

« حديث الفتيان مع الجواري، يقال : غازلها مغازلة والتغزّل : التكلّف ذاك ». [21]
وأيضا ً: « مغازلة النساء : محادثتهن ومراودتهن، تقول : غازلها وغازلتني، و الإسم : الغزل، وتغزّل، أي تكلّف الغزل، وتغازلوا ». [22] « الغزل : فهو إلف النساء، والتخلق بما يوافقهن ». [23]

الغزل اصطلاحاً:

« يعتبر الغزل من الناحية الأدبية فناً من فنون القصيدة الغنائية للتعبير عن الحب وأحاسيس المحبين وانفعالاتهم وما تعكسه في النّفس من ألوان الشعور ». [24]

الغزل وتطوّره في الشعر العربي

الغزل في الشعر الجاهلي :

« والواقع إنّ قراءتنا للشعر الغزلي الذي نُقِلَ إلينا عن الجاهليين يمكن أن يندرج في هذه الأقسام التالية : -# الوقوف على الأطلال

  1. مشاهد التحمل والإرتحال
  2. وصف المحاسن الجسدية
  3. الغزل المفحش
  4. أبيات يتحدّث فيها الشاعر عن رأيه في الحب ونظرته إلى المرأة : آراء في الحب... إنّ هذه الأنواع المختلفة تأتي في كثير من الأحيان متداخلة متمازجة، فيبكي الشاعر الجاهلي أطلال صاحبته على حين يذكرها واصفاً لها، مشيداً بجمالها... ثم هو قد لا يقتصر على غرض واحد منها وإنّما يذهب هذه المذاهب المتنوعة يضرب في كل منها بسهم » . [25]

الغزل في الشعر الأموي :

اتّجه العصر الأموي في اتّجاهين جديدين في الغزل : الأول: الغزل الإباحي أو المدرسة الإباحية، الثاني : الغزل العذري أو المدرسة العذرية، فكان عمر بن أبي ربيعة رائد الأول، والرائد الثاني جميل بثينة وكثيّر عزّة ومجنون ليلى. [26]

« لقد قامت المدرسة الأولى على التلذذ باستباحة جميع المعوّقات في سبيل الوصول إلى المرأة والتمتع بها، أما المدرسة العذرية فكانت نقيضاً لمدرسة " عمر " في رؤيتها إلى العلاقة بين الرجل والمرأة، فالشاعر العذري لا يرى من النساء إلّا إمرأة واحدة، هي معشوقته التي قدّر له أن يهيم بحبها، فالعلاقة بينهما شيء من القدر، لا تحدها ظروف زمانية، ولا يؤثر فيها شيء، إنّها قائمة قبل الولادة ومستمرة ما بعد الموت... لقد حقق الشعراء العذريون النقلة من المادي إلى الروحي ». [27]

الغزل في الشعر العباسي :

ينقسم الغزل في العصر العباسي إلى ثلاثة أقسام، الأول : الغزل الماجن، الثاني : الغزل العفيف، الثالث : الغزل الصوفي.

الغزل الماجن : « هو الذي ينظر إلى المرأة بمنظار الشهوة، أي أنّه ينظر إلى جسدها في المقام الأول، والمجون هو دفع بالشهوة إلى حدودها القصوى، حتى أنّها قد تبلغ الفحش أو الشذوذ، وقد كان أبو نواس أكبر ممثِّل لهذا الإتجاه ». [28]

الغزل العفيف : « مثل هذا الإتجاه، في الغزل "العباس بن الأحنف"، الذي يبدو في شعره وريثاً للمدرسة العذرية، و"الشريف الرضي"الذي كانت العفة لديه من مقوّمات المجد والشرف...لقد ألحق الشريف الرضي، العفة بنظام متكامل من القيم، فباتت جزءاً من موقف فكري – أخلاقي، لم تكن لديه مجرد تعفف أو تلاف للموانع الإجتماعية، بل غدت رداءً من التقوى يتلفع به الحب الصادق ». [29]
الغزل الصوفي : « إنّ الإتجاه الذي عبّر عنه الشريف الرضي قد أوجد تصعيداً له في الغزل الصوفي، فالشعراء الصوفيون نزّهوا الحب عن أن يكون بشرياً، ووجدوا من الحريّ به أن يكون إلهيّاً، هكذا سمّوا بالحب عندما ألحقوا بعواطف العشق والهيام نزعة من التسامي إلى مراتب روحية تجعل الحب في منتهى النقاء، خالصاً من كل حضور مادي أو جسدي، فلا يبقى سوى الله مؤهّلاً للتوجّه إليه بهذا الحب ». [30]

« الغزل بنوعيه العذري والصريح [ أو الإباحي ] مصدر مهم من مصادر الأدب الصوفي. إنّ الحب الإلهي في الشعر الصوفي فرع من فروع الغزل، لا يختلف عن الغزل العادي في المعاني والألفاظ ولكن في التفسير والتأويل فقط ». [31]

لقد كانت المرأة موضوع الحب والغزل في القصيدة العربية الغنائية « كأنّ الصوفية قد أهابوا في تركيب رمز المرأة بأمشاج من مذهبين رائدين في فن الغزل، فأخذوا من الغزل الصريح، شيئاً من الحسية والشهوانية والتغني بمظاهر الجمال الفيزيائي، واستعاروا من الغزل العذري لغته المفعمة بالتعالي والتطهّر والعفة والمعاناة الرومانسية التي تدور حول الهجر وتمنّي الوصول، ومزجوا هذين النمطين في بناء شعري مرموز ». [32]

« وفي أشعار ابن الفارض، نلاحظ الدلالة التلويحية في رموزه الشعرية التي أهاب فيها بالجوهر الأنثوي إذ وصف من خلال العواطف الإنسانية والجمال الأرضي الزائل، حبه الإلهي وتعشقه بالجمال في علوه واطلاقه، مميزاً في هذا الوصف الشعري بين الجمال الحقيقي المتّسم بالوحدة والشمول والأبدية، والجمال المجازي أو المعار بحسبانه مظاهر متنوعة للتجلي ». [33]

« وكثيراً ما يعوّل ابن الفارض في التغني بحبه الإلهي على ذكر الشعراء العذريين الذين هاموا بمعشوقاتهم، وتغنوا بهن في قصائد رومانسية رقيقة ». [34]

حيث يقول في تائيته الكبرى :

وصرّح باطلاق الجمال ولا تقل بتقييـده ميـلاً لـزخرف زينـة
فكـلّ مليح حسنـه من جماله معـارٌ له بـل حسن كـلِّ مليحة
بها قيس لبنى هام بل كل عاشقٍ كمجنـون ليلـى أو كُثَيّـِر عزّة
وتظهـر للعشاق في كلُّ مظهرٍ من اللّبس في أشكال حسنٍ بديعة
ففي مـرّةٍ لبنى و أخـرى بثينة وآونـةً تدعـى بعـزّة عـزّت
وما القوم غيري في هواها وإنما ظهرت لهم للّبس في كـلِّ هيئة
ففـي مـرةٍ قيساً وأخرى كُثَيّراً وآونـةً أبـدو جميـل بثينـة

 [35]

الخمر

الخمر لغةً :

« ما أسكر من عصير العنب لأنّها خامرت العقل، والعرب تسمي العنب خمراً، وقال في قوله تعالى: " إني أراني أعصر خمراً " [ يوسف:36 ]، إنَّ الخمر هنا العنب، الخمر: ما خمَّر العقل وهو المسكر من الشراب، وهي خمرة وخمر وخمور مثل تمرة وتمر وتمور، والمخمّر: متّخذ الخمر، والخمّار: بائعها، وتخمّر بالخمر: تسكّر به، ومستخمر وخمّير: شرّيب للخمر دائما ً». [36]

أمّا اصطلاح الخمر في الأدب :

« إنّ الأدب الخمري عامة، هو أدب وجودي، أي أنّه يبين قلق الإنسان وحيرته بين حقائق المصير والتصرف، يتأملها ويحدّق فيها، لكنه لا ينفذ منها إلى يقين دائم، فيتردى في المجون، وهو وجه من وجوه العبث الذي يتخبط فيه الإنسان، بعد أن تستحيل عليه الحقيقة ». [37]

الخمرة وتطورها في الشعر العربي

الخمرة في الشعر الجاهلي :

« إنّ الخمرة الجاهلية لم تستقل في قصيدة واحدة متكاملة، ولم تتخطّ صفاتها مرحلة التقرير العفوي الذي لا تشرق فيه رؤی الخيال، ولا تکسوه الصّور البلاغية المنعمة، بل إنّها وردت ضمن قصائد عامة... ومن الناحية النفسية، فإنّها تدلّ على أنّ الخمرة كانت مادة لهو وعبث للجاهليين يتعاطونها في إقامة أعراس لهوهم، وقلّما ظهرت فيها النزعة الوجودية ». [38]

الخمرة في الشعر الإسلامي :

« حرّم الإسلام الخمرة ولم يتحرم عنها المسلمون جميعاً ، بل إنَّ بعضهم أقام على احتسائها سرّاً وعلانيّة ». [39]

الخمرة في الشعر الأموي :

« وفي العصرالأموي، فقد طغت على الخمرة نزعات ثلاث : الأولی : النزعة الوصفية التقليدية، الثانية : النزعة الإلحادية المتهتكة، الثالثة : نزعة التنازع والتورع». [40]

في الواقع« ليست الخمرة الأموية خمرة جاهلية خالصة، إذ أنّها تحررت من حسيتها ووصفيتها المغرقة وعبارتها المتجهّمة، كما أنها ليست الخمرة العباسية المشبعة بروح البديع، المأخوذة بهموم فلسفية وغيبية، فهي ابنة عصرها وشعرائها». [41]

الخمرة في الشعر العباسي :

« يكفي هنا بأمير هذا الفن أبي نواس الحسن بن هاني الذي لم تختلف خمرياته عن خمريات الصوفية المتأخرين إلّا بتأويل فقط، فلقد سار شعراء الصوفية في الخمر على آثاره وغرفوا من عبقريته وعبقرية أقرانه ». [42]

اتّجه الصوفيون إلى خمريات أبي نواس، وسبب هذا الإتجاه يرجع إلى المفاهيم الفلسفية والوجدانية التي توجد في أشعاره حيث هو يصف قدم الخمرة معتمداً على علوم الفلسفة ويقول :

كريمـة أصغر آبـائها إن نسبت كسرى وسابور
طوى عليها الـدهر أيامه وعُمّيـت عنها المقاديـر
فلم تزل حتـى إذا صـار إلـى النصف بهـا الصير
جاءت كروحٍ لم يقم جوهر لطفـاً به أو يحصه نور

 [43]

ما زلت استلُّ روح الدَّنَّ في لطفٍ واستقي دمه من جوف مجروح
حتى انثنيت ولـي روحان في جسدٍ والدنُّ منطرح، جسماً بلا روح

 [44]

في هذه الأبيات ينسب الشاعر الخمرة إلى كسرى وسابور ومن إليهما من الملوك القدماء الذين إمّحت أصول أسمائهم في غيابة الزمن لقدمها. « الخمرة التي تطالعنا في هذا البيت، فتكاد أن تكون خمرة صوفية تنحلُّ ذات الشاعر في ذاتها، كما تنحلُّ ذات الصوفي في ذات الله، لقد ارتقى أبو نواس عن واقع المشاهدة وتغيّب في نشوة ذاتية، جعلت الخمرة تبدو له وكأنّها روح تجرّدت عن الجوهر، حتى أنّه لم يعد لها مظهر معيّن، فهي لكثرة الإختفاء لا يحصيها النور لأنها بلغت بذلك غاية اللطافة... وهكذا، دخلت معادلة الفلسفة في شعر أبي نواس، وقد نفذت إليه من الداخل بصورة عفويّة حيّة ». [45]

في هذين البيتين، توحّدت ذات الشاعر في ذات الخمرة، حتى جعل يتعاطاها،كأنّ روحه تذوب في روحها، وهذه النزعة الوجدانية ظهرت في هذين البيتين. [46]

« لقد انتقل هذا التراث الخمري بإكسير العرفانية إلى رموز شعرية، لوّح المتصوفة بها إلى معاني الحب والفناء والغيبة عن النّفس بقوّة الواردات، والوجد الصوفي العارم والسّكر الإلهي المعنوي بمشاهدة الجمال المطلق ومنازلة الأحوال والتجارب الذاتية العالية ». [47]

« إنّ الخمريات الصوفية استلهمت من الشعر الخمري، استلهمت صوره وأخيلته وأساليبه، ولم تستلهم ما حفل به من مجون وإباحية ». [48] « نشوة الحب عند الصوفية يسمّونها سكراً، وهي تشبه في آثارها إلى حد كبير السكر الحسي ». [49]

فقد استخدم القرآن الكريم صورة " السكر " في التعبير عن حالة الذهول الشديد أمام أهوال يوم القيامة، فقال تعالى : " وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكنّ عذاب الله شديد " [ سورة الحج، آية :2 ]. « فالسكر في هذا الموقف الرهيب حالة من الذهول والغياب عن الوعي من شدة الألم والترقب وعذاب الانتظار وأهوال يوم الحساب، وهو بخلاف ما عليه حال شارب الخمر من لذة وطرب وفرح، مع ذلك فكلّ منهما ذاهل غائب عن الوعي، لذا صحّ، بل كان لائقاً وبديعاً في التصوير أن تشبّه هذه الحال بتلك ». [50]

« للخمر وضع متميّز في تراث الصوفية الأدبي، إذ كانت لديهم رمزاً من رموز الوجد الصوفي ». [51]

ولشرف الدين عمر بن الفارض قصيدة شهيرة، عرفت باسم الخمرية، تعد بحق نموذجاً لاكتمال الرموز الخمرية في الشعر الصوفي، وهي:

شربنـا على ذكر الحبيب مدامةً سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم
لها البدر كأسٌ وهي شمسٌ يديرها هـلالٌ وكم يبـدو إذا مزجت نجم
ولـولا شذاها مـا اهتديت لحانها ولولا سناها مـا تصوّرها الوهم

 [52]

النتيجة:

« للصوفية شعر جميل مملوء بالحبّ والغناء وحدّة العاطفة وقوّة الوجدان وقد استعملوا فيه التعبيرات الدنيوية على سبيل الرمز من خمر ونساء وبكاء أطلال، وحبّ وهيام وقطيعة ووصال... الخ. يعنون بذلك أحوالهم مع ربّهم كالذي نراه في ديوان ابن العربي " ترجمان الأشواق " و" ديوان ابن الفارض " ». [53]

المصادر والمراجع

  1. ابن رشيق القيرواني، أبي علي الحسن ، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، قدم له وشرحه: صلاح الدين الهواري، دار ومکتبة الهلال، بيروت، لبنان،2002م.
  2. ابن الفارض، عمر بن علي ، ديوان، تحقيق:د. درويش الجويدي، المکتبة العصرية، بيروت، 2008م.
  3. ابن المنظور، جمال الدين محمد بن مكرم : لسان العرب، علق عليه ووضع فهارسه:علي شيري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولی،1988م.
  4. ابو رحاب ،حسان، الغزل عند العرب،دار المناهل، بيروت، 1983 م.
  5. أبي نواس، الحسن بن هاني، ديوان، شرحه وقدم له: علي العسيلي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان، الطبعة الاولی،1997م.
  6. أمين، أحمد ، ظهر الإسلام، دار الکتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الاولی،2004م.
  7. جودت فخر الدين وحسن عبدالله : الغزل، دار المناهل، بيروت، لاتا.
  8. جودة نصر، عاطف ، الرمز الشعري عند الصوفيه، دار الأندلس، بيروت، لاتا.
  9. جوهري، أبي نصر اسماعيل بن حماد، الصحاح، اعتني به خليل مأمون شيحا، دار المعرفة،بيروت، الطبعة الأولی،2005م
  10. حاوي، ايليا ، فن الشعر الخمري وتطوره عند العرب، دار الثقافة، بيروت، لبنان،1997م.
  11. حسان عبد الکريم، التصوّف في الشعر العربي، نشأته وتطوّره حتى آخر القرن الثالث الهجري، القاهرة، مکتبة الأنجلو المصرية،1954م.
  12. سامي،سحر،شعرية النص الصوفي في الفتوحات المکية، الهيئة المصرية العامة للکتاب، القاهرة،2005م.
  13. عجم، رفيق ، موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي، مکتبة لبنان ناشرون، بيروت، لبنان، الطبعة الأولی، 1999م
  14. فراهيدي، خليل بن احمد، ترتيب کتاب العين، تحقيق: مهدي المخزومي، قم، الطبعة الأولی، 1414هـ.ق.
  15. فرخ، عمر، التصوف في الإسلام، دار الکتاب العربي، بيروت، لبنان،1981م.
  16. فيصل، شکري ، تطور الغزل بين الجاهلية والإسلام، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الرابعة،1959م.
  17. مبارک ، زكي ، التصوّف الإسلامي في الأدب والأخلاق، دار المصري، القاهرة، مکتبة الثقافة الدينية،لاتا
  18. محمد منصور، ابراهيم ، الشعر والتصوف، دار الامين، القاهرة، الطبعة الاولی، 1999م.

Tahereh Karbasforushha

Graduate Student of Islamic Azad University, Karaj, Iran.

Department of Arabic language And Literature,Karaj Branch, Islamic Azad University, Karaj, Iran.


[1التصوف في الإسلام، ص: 96

[2التّصوّف في الشعر العربي، نشأته وتطوره حتى آخر القرن الثالث الهجري، ص: 134

[3المصدر نفسه،ص:136

[4المصدر نفسه،ص:142

[5المصدر نفسه،ص:172

[6المصدر نفسه،ص:187

[7الشعر والتصوف، ص: 44

[8التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق، ج 1 ، ص: 287

[9لسان العرب، ج5،ص:312

[10موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي، ص: 411

[11التصوف في الإسلام، ص: 99

[12التصوف في الشعر العربي نشأته وتطوره، ص: 318

[13لشعر والتصوف، ص: 55

[14التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق، ج 1 ، ص: 71

[15الشعر والتصوف، ص: 55

[16التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق، ج 1 ، ص:71

[17الشعر والتصوف، ص: 304

[18شعرية النص الصوفي في الفتوحات المکية، ص: 56

[19التصوف في الشعر العربي نشأته و تطوره، ص: 318

[20المصدر نفسه، ص:323

[21العين، ج2، ص:1341

[22الصحاح، ص:774

[23العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ج2 ، ص: 188

[24الغزل عند العرب، ص 7 و 8

[25تطور الغزل بين الجاهلية والإسلام، ص: 36

[26الغزل، ص: 8

[27المصدر نفسه، ص: 19

[28المصدر نفسه، ص: 25

[29المصدر نفسه، ص:27-29

[30المصدر نفسه،ص:29

[31التصوف في الإسلام ، ص: 98

[32الرمز الشعري عند الصوفيه، ص: 138

[33المصدر نفسه، ص:174

[34المصدر نفسه، ص:175

[35ديوان ابن الفارض،ص:94،92

[36لسان العرب،ج4،ص:211

[37فن الشعر الخمري وتطوره عند العرب، ص: 6

[38المصدر نفسه،ص:26،25

[39المصدر نفسه،ص:79

[40المصدر نفسه،ص:163

[41المصدر نفسه،ص:170

[42التصوف في الإسلام، ص: 98

[43ديوان أبي نواس،ص:201

[44ديوان أبي نواس،ص:129

[45فن الشعر الخمري وتطوره عند العرب، ص: 293

[46فن الشعر الخمري وتطوره عند العرب، ص: 284

[47الرمز الشعري عند الصوفية، ص: 340

[48المصدر نفسه،ص:339

[49التصوف في الشعر العربي نشأته وتطوره، ص: 295

[50الشعر والتصوف، ص: 58

[51الرمز الشعري عند الصوفية، ص: 357

[52ديوان ابن الفارض،ص:191

[53ظهر الإسلام ، ج 2 ، ص 53

الرد على هذا المقال

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

نلفت انتباه زوارنا الكرام الى اننا لن ننشر:
- أى مداخلات تتهجم على اشخاص لا دخل لهم بموضوع المقال وتستخدم ألفاظاً غير لائقة.
- أي مداخلة غير مكتوبة باللغة العربية الفصحى.

من أنت؟
مشاركتك
  • لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.