احتفالية (ديوان العرب) في ضيافة (أدب ونقد) الرصاصة الأخيرة مجازر الاحتلال الصهيوني في غزة ٢٠١٤

الصفحة الأساسية > ديوان الدراسات المحكمة > ابن الفارض رائد الشعر الخمري الرّوحي

ابن الفارض رائد الشعر الخمري الرّوحي

١٠ حزيران (يونيو) ٢٠١١بقلم یوسف هادي بور

- الدكتور: یوسف هادی پور، أستاذ مساعد بجامعة آزاد الإسلامیة ،کرج، إیران

الملخص:

علمنا بأنّ الشعر الخمري الروحي قد تمخض من الشعر الخمري المادي. وأنّه شعراء الخمرة الروحية هم متأثرون بشعراء الخمرة المادية ولاسيّما هم متأثرون بخمريات أبي نواس لفظاً ومعنىً. التعابيرالمستخدمة عند وصف الخمرة الروحية من جانب الشعراءالروحيّين نفس التعابیرالتی استخدمها شعراء الخمرة الحسیة فی قصائدهم الخمریة.فی هذا المقال نقوم بدراسة أشهر قصیدة خمریة روحیة فی عالم الشعر العربی لتبیین الخصائص الموجودة فیها.

المقدمة:

قبل أن نعالج خصائص الشعر الخمری الروحی كما فعلنا فی دراسة خمریات أبی نواس، نشیر إلی أن الشعراء الصوفية قد ذهبوا مذهبالشعراء القدماء فى وصف خمرتهم الروحيّة وقالوا في الخمر الإلهي كناية عمّا قال أبونواس وأمثاله في الخمر المادي صراحةً، ومن أشهرهم ابن الفارض الملقب بِسلطان العاشقين، الشاعر الصوفي المصري.

بانتقالنا إلى القرن السادس الهجري يطلع صوفي كبير بمجموعة من القصائد الغنائية ذات الطابع الرمزي، وهوشرف الدين
عمربن الفارض المتوفى سنة 632 ه. إنه كثيرا ًما يعوّل في التغنّى بحبه الإلهي على ذكر الشعراء
العذريّين الذين هاموا بمعشوقاتهم، وتغنّوا بهنَّ في قصائد رقيقة.
وغضّا عن النظر فی ألفاظ خمرته التقليدية الّتي هومتأثر فيها بالشعراءقبله فهوفي ضروب أخرى من خمريته مبدعٌ مُجيد.أعطى للخمرةطاقاتها الفنيّة البيانية الرائعة للتعبيرعن الحالات الروحية عندالصوفية. إنه قام بإكمالها وأعطاها غايتها التعبيريّة عن الحب الإلهي والمعاني الروحية فی خمریته المشهورة،وفی الحقیقة به انتهت طاقات الشعر الخمری البیانیة.فلهذا لا نجد شيئا ًجديداً في الشعر الخمري من بعد ابن الفارض. مع أنّه لايخفى على الباحث بأنّ ابن الفارض نفسه كان متأثرا بأبي نواس من الناحية اللفطيةتأثّراً شديداً بحيث ما أتى بشيءٍ جديد من ناحية الألفاظ بل إنّه اتّخذ نفس الألفاظ والتعابير الّتي استخدمها أبونواس في خمرياته. قبل أن نتوغل فی دراسة خمریته المشهورة نتحدث عن حیاته وشخصیته الفذة.

نبذة من حياته:

«هوعُمَر بن الحسين بن علي بن المرشد بن علی، شرف الدین أبوحفص الحموی الأصل ،ولد بالقاهرة في الرابع من ذي القعدة سنة 576 الهجرية الموافق للعام1181م. قدم أبوه من "حماة" في بلاد الشام إلى مصرَ، فأقامَ فيها وكان يثبت الفروض للنّساء على الرجال بين أيدي الحكّام،فلقّب بالفارض وهناك رُزِق بولده عُمَر، ولذلك سُمّي بابن الفارض المنعوت بشرف الدين والملقّب بسلطان العاشقين.فكانت إقامته في مصرَ بحكم إقامة والده، حيث كان في أوّل صباه،يستأذن والده ويذهب إلى وادي المستضعفين بالجبل الثاني من المقطّم ويأوي إليه ويقيم في هذه السياحة ليلاً ونهاراً، ثمّ يعود إلى والده كيلايخالف أوامره. فكان والده يجبره على الجلوس في مجالس أهل العلم،يتزوّد منهم بلطائف المعارف وحقائق العلوم، وكانت نفسه تشتاق دوما ًإلى العالم العلوي، والحضرات القدسية والأسماء الربّانية، فنشأ زاهداً،عابداً، متصوفاً.»

 [1] وأمّا حنينه إلى الحجاز، فيعود لوجود المقامات والحضرات المحمدية في تلك الربوع، وكيف لايصبوإليها وقد تعلّقت نفسه بهذه المقامات، حتى كاد لسانه لايتلفّظ إلّا بها وقد كان يشتاق دائما ًللوصول إلى مكة وشعابها، وإلى الحجاز وركّابها،لكنّ الله لم يفتح عليه إلّا بعد وفاة والده في مصر. «فحصل ذلك لِشيخنا إثر التقائه بشيخ بقّال عند دخوله ا لمدرسة السيوفيّةبالقاهرة،إذ وجدَ ذلك الشيخَ على باب المدرسة، وكان يتوضّأ بوضوء غير مرتّب .فقال له :یا شیخ أنت فی هذا السن ،علی باب المدرسة بین فقهاء المسلمین وتتوضأ وضوءاً خارجاً عن الترتیب الشرعی ؟فنظر إلیه وقال:یا عمر أنت ما یفتح علیک فی مصر،إنما یفتح علیک بالحجاز،فی مکة،شرفها الله تعالی،فاقصدها،فقد آن لک وقت الفتح. فعلم أن الرجل من أولیاء الله ،وإنه یتستر بالمعیشةوإظهار الجهل بلا ترتیب الوضوء،فجلس بین یدیه وقال له:یا سیدی أین أنا وأین مکة؟ لا أجد رکباً ولا رفقة فی غیر أشهر الحج.فنظر الشیخ إلیه وأشار بیده وقال:هذه مکة أمامک . یقول ابن الفارض:فنظرت معه فرأیت مکة، شرفها الله،فترکته وطلبتها فلم تبرح أمامی إلی أن دخلتها فی ذلک الوقت، وجاءنی الفتح حین دخلتها فترادف ولم ینقطع.ثمّ شرعت فی السياحة في أوديةمكة وجبالها وكنتُ أستأنس فیها بالوحوش لیلاً ونهاراً»
 [2]
وإلى ذلك یشیر في تائيّته:
‎فَلي بعدَ أؤطاني سكونٌ إلى الفلا
وبالوحش أنسي إذ مِن الأنسِ وحشتي
ثم يقول: «وأقمتُ بوادٍ كان بينه وبين مكة عشرة أيّام للرّاكب المُجّد، وكنتُ آتي منه كلّ يومٍ وليلةٍ، وأصلّي في الحرم الشريف الصلوات الخمس ومعي سبع عظيمُ الخلقة يصحبنى في ذهابي وإيابي، وينخّ لي كما
يَنخّ الجمل ويقول: يا سيّدي اركب، فما ركبته قطُّ» [3]
أقام في مكّة وشعابها خمس عشرة سنة، ثمّ عاد إلى مصر وهناك أيضا قصة في كيفية رجوعه إليها، تشبه بكيفية رحلته منها: إذ يسمع صوت ذلك الشيخ البقّال يقوله له: «يا عُمَر، تعال إلى القاهرة، احضر وفاتي وصلِّ عَليّ. فيعود شيخنا، عُمَر، إلى القاهرة ويحضر على جنازته.» [4]

«كان ابن الفارض مضرب الأمثال في وسامة الوجه، ونضارة الجسم وحسن التقاسيم، وإشراق الجبين ويقول ابن بنته "عليّ" في هذالأمر:
كان الشيخ ،رضي اللّه عنه ، معتدل القامة، وجهه جميل حسنٌ مشرّب بحمرة ظاهرة، وإذا استمع وتواجد وغلب عليه الحال، يزداد وجهه جمالاً ونوراً ويتحدّر العرق من سائر جسده، حتّى يسيل تحت قدميه على الأرض، ولم أرَ فى العرب ولا في العجم مثل حسن شکله وكان عليه نور وخفر وجلالة وهيبة» [5]

ولا شكَّ في أنّ ابن الفارض، كان يعيش في حالات الوجد والفناء باللّه كما عاش كبار مشايخ الصوفية كالحلّاج، والسهروردي، وابن عربي وغيرهم. فقد كان يعيش في غيبوبة تطولُ لِأيّام، حتّى أثناء صحوه، كان ابن الفارض في أحايين كثيرة لايسمع كلام محدّثه ولايراه، ويقول"الشيخ محمّد" ابنه : «كان الشيخ في غالب أوقاته لايزال دهشاً وبصره شاخصاً لايسمع من يكلّمه ولا يراه. فتارة يكون واقفاً، وتارة يكون قاعداً، وتارة يكون مضطجعا ًإلى جنبه، وتارة يكون مستلقيا ًعلى ظهره كالميّت ويمرّ عليه عشرة أيام متواصلة وأقلّ من ذلك أوأكثر، وهوعلى هذه الحالة، لا يأكل، ولايشرب، ولايتكلّم ولايتحرّك، ثم يستفيق وينبعث من هذه الغيبة، ويُملي من الشعر أبياتاً.» [6]وعن منزلته في عصره، يقول حفيدهُ، ابن بنته ـ الشيخ عليّ ـ رحمهما الله: «كان إذا مشى في المدينة، يزدحم الناس عليه، يلتمسون منه البركة والدعاء، ويقصدون تقبيل يده فلايمكن أحدا ًمن ذلك، بل يصافحه، وكانت ثيابه حسنة ورائحته طيّبة، وكان إذا حضرَ في مجلسٍ،يظهر على ذلك المجلس سكون وهيبة، وسكينة ووقار. ورأيتُ جماعة من مشايخ الفقهاء والفقراء، وأكابر الدولة من الأمراء والوزراء، والقضاة ورؤساء الناس يحضرون مجلسه، وهم في غاية مايكون من الأدب معه،والاتّضاع له، وإذا خاطبوه فكأنّما يخاطبون ملكاً عظيماً، وكان ينفق على من يردّ عليه نفقة متسعة، ويعطي من يده عطأء جزيلاً، ولم يكن يتسبّب في تحصيل شيءٍ من الدنيا، ولايقبل مِن أحدٍ شيئاً.» [7]

أمّا قصّة وفاته، فقد ذكرها سبطه الشيخ عليّ، كمايلي:
« كانَ الشيخ، رضي الله عنه، يتردّد إلى المسجد المعروف "بالمُشتهى"في أيّام النيل، ويُحبّ مشاهدة البحر، فتوجّه إلى "المشتهى" يوماً، فسمع قصاراً يقصر ويضرب مقطّعا ًعلى حجرٍ ويقول: قطعَ قلبي هذا المقطّع،
ما كان يصفوا أويتقطّع. فمازال الشيخ يصرخ ويكرّر هذا السجع، ساعة بعد ساعة، ويضطرب اضطراباًشديداً، ويتقلّب على الأرض، ثم يسكن اضطرابه،حتّى يُظَنَّ أنّه قدمات، ثم يستفيق ويتكلّم معنا بكلامٍ لَدُني، ما سمعنا مثله
قطّ، ولانحن أن نعبّر عنه، ثمّ يضطرب على كلامه ويعودُ إلى حال وجده،ودخل إلينا رجلٌ من أصحابه، فلمّا رآه وشاهد حاله، قال:

‎أموتُ إذا ذكرتكَ، ثم أحيا

فكَم أحيا عليكَ وكَم أموتُ

فوثبَ الشيخ قائما ًواعتنقه، وقال له: أعِدْ ما قلتَ. فسَكَتَ الرجلُ شفقة منه عليه، وسأله أن يرفق بنفسه، وذكر له شيئا ًمن حاله عند غلبة الوجد عليه، فقال:

‎إنْ ختمَ اللّهُ بغفرانه فكلّ مالاقيتُه سهلٌ

ولم يزل على هذه الحال من حينَ سمعَ كلام القصّار إلى أن توفّي رحمة الله عليه.» [8]وكانت وفاة سلطان العاشقين، شرف الدين عمربن الفارض «في العام الثاني وثلاثين بعد المائة السادسة للهجرة (632 ه) الموافق العام
1234 للميلاد، ودفن في سفح جبل المقطّم في مكانٍ يُدعى اليوم، قرافة ابن الفارض، ومازال قبره حتى الساعة مزارا ًيزدحم بأفواج المؤمنين.» [9]

ديوانه وأدبه:

شغل ابن الفارض بالشعر نحوأربعين سنة وذلك أمد طويل، ولكن قيمة شعره بقيمة معانيه وليس بقيمة ألفاظه. «فهومن حيث الديباجة والسبك شاعر ضعيف ولكنّه من حيث المعاني فحلٌ من الفحول. لأنّه استطاع الجمع بين الحقيقة والخيال. فالحقيقة عند هذا الشاعر، هي الصورة الروحية، وأمّا الخيال فهوالصورة الحسيّة التي رمز بها إلى المعنويات.»
 [10]

دیوانه:

لابن فارض ديوان شعر صغير الحجم، عظيم المحتوى، كلّه في الغزل. من هذا الغزل ما هوصوفي ومنه ما مشتبه به. طبع مراراًفي الشرق وفي الغرب «يحتوي على حوالي 1861 بيتا ًمتشكلّا ًمن 24قصيدة و31 دوبيتاًو16 لغزا ًومواليا واحدة.»
 [11]

وأشهر ما في الديوان«التائية الكبرى» أو«نطم السلوك» وهي قصيدة طويلة تقع في 761 بيتا ًمن الشعر، ضمّنها الشاعر تجاربه الصوفية، والتدرّج في سُلّم الكمال الروحي حتى الفوز بمشاهدة الجمال الإلهي.«وقد شرح ديوانه الشيخ حسن البورينى سنة 1024 الهجرية بحسب المعنى الظاهر، وشرحه الشيخ عبدالغني النابلسي سنة 1143الهجرية شرحا ًصوفياً. وطبع الشرحان معا ًلأوّل مرّة في مرسيلية سنة1853 للميلاد بعناية الكونت رشيد الدحداح، وعن هذه الطبعة نقلت الطبعة المصرية سنة 1888 للميلاد.» [12]

أدبه:

نشأ ابن الفارض في عصر الأيّوبيّين وهوعصر تنازع النفوس، وفيه عاملان مختلفان: الأوّل هوعامل التصوّف والتّقوى، لدوام الحروب وتوالي الكروب، والثاني هوعامل الفسوق والمجون لانحلال الأخلاق وتحكّم الشهوات. فاتّجه الشعر في مصر وغير مصر إلى هاتين الوجهين وكما شاهدنا، قد نشأ ابن الفارض نشأة دينيّة وربّي تربية صوفية وأصبح«رجلَ التوجّد والانطلاق الروحاني، سبيله في الحياة أن يتجرّدَ من الجسد والمادة، وأن يصعد في مدارج العلاء سعياً وراء مشاهدة اللّه والفناء فيه، وراح يصبّ معانيه في قوالب غزلية وخمرية.» [13]فلم يكن له بدّ من سلوك طريقة القوم فى شعره، لينظم إشاراتهم، ويصف مقاماتهم، ويكثر في نعت الخمر وذكر الغزل، مزيداً بذلك الذّات الإليهة عن اصطلاحهم. فكان بذلك موجد الطريقة الرمزية في الشعر العربي وهوأكثر الشعراء تعمّدا ًللكلام، وتكلّفاً للبديع، وولوعا ًبالجناس والطباق.

لسلطان العاشقين ابن الفارض قصيدة خمرية رائعة، تَعدُّ بحقّ نموذجا ًلاكتمال الرموز الخمرية في الشعر الصوفي بشكل عام. وقد أشار"النابلسي" وهوواحد من شرّاحها: «اعلم أنّ قصيدته مبنيّة على اصطلاح الصوفية فإنّهم يذكرون في عباراتهم الخمرة بأسمائها وأوصافها،ويريدون بها ما أدار اللّه على ألبابهم من المعرفة أومن الشوق والمحبّة،والحبيب في عبارته، عبارة عن حضرة الرسول عليه الصلاة والسّلام وقديريدون به ذات الخالق القديم جلّ وعلا.» [14]

فالخمر في شعر ابن الفارض، رمز على المحبّة الإلهية بوصفها أزلية قديمة، منزّهة عن العلل المجرّدة عن حدود الزمان والمكان، وهذه المحبّة في الأسرار العرفانية هي التي بواسطتها ظهرت الأشياء، وتجلّت الحقائق وأشرقت الأكوان، وهي الخمرة الأزلية الّتي شربته الأرواح المجرّدة فانتشتْ وأخذها السكر واستخفّها الطرب قبل أن يُخلق العالم، على حدّ قول ابن
الفارض في ميميّته المشهورة الّتى تتكّون من واحد وأربعين بيتاً، وهي بكاملها:

‎شَربنا عَلى ذكر الحبيبِ مُدامةً
سَكِرنابها، مِن قبل أن يُخلَقَ الكَرْمُ
‎لَها البَدرُ كأسٌ، وهي شمسٌ، يُديرها
هلالٌ، وكم يبدوإذا مُزِجتْ نَجْمُ
‎ولولا شَذاها ما اهتديتُ لِحانِها،
ولولا سناها ما تصوّرها الوَهْمُ
‎ولَمْ يُبقِ منها الدهرُ غيرَ حُشاشةٍ،
كأنّ خفاها، في صدور النُّهى، كَتْمُ
‎فإن ذكرتْ في الحيّ أصبحَ أهلُهُ
نشاوَى، ولاعارٌ عليهم، ولا إثمُ
‎ومِن بينِ أحشاء الدّنانِ تصاعدتْ،
وَ لَمْ يبقَ منها، في الحقيقة، إلّا اسمُ

فلما كانت الخمر رمزاً على المحبّة الإلهيّة بحسب ما يقتضيه البناءالعرفاني لهذا الشعر، اقتضى ذلك أن تنحلّ المفردات الأخرى المرتبطةبهذه الخمرة، كالكرم، والبدر، والهلال، والشمس، والنّجم، والشّذا، والحان والدّنان إلى ما يساوق البناء العرفاني للرّمز في جوهريته، فالبدر من حيث إنّه كأس هذه المدامة إنّما هورمز الإنسان الكامل بوصفه أفقاًلتجلّي المحبّةومظهراً للمقام الأعلى.

ولهذه المدامة تحوّلات رمزية، فهي تبدوشمسا ًمشرقة على كلّ تقدير وتصوير، وليس الهلال والنجم إلّا تحوّلين من التحوّلات الرّمزية للبدر، فهوهِلال إذاما احتجب بظهور نفسه عن اظهار بقيّة النور، وهونفسه
نجمٌ إذاما نظر إلى غيره فاهتدى به.

وقد تحدّث ابن الفارض عن عرف المُدامة الشّذي الّذي يُفعم المشامَ. ووصف ما ينبعث منها سنا رائق، وضوء شفّاف، مستعيراً ذلك كلّه من أساليب الخمريين. فشذا هذه المدامة رمزٌ على عالم الروح الأعظم، وسناها تلويح إلى نورانية العقل الإنساني الذي لولاه لما أثبتَ الوهم لهذه المدامة الرمزية صورة ذهنية لأنّها لاصورة لها في نفسها.

‎وإن خَطرتْ يوما على خاطر امريءٍ
أقامتْ به الأفراحُ، وارتحلَ الهمُّ
‎ولونَظر النّدمانُ ختمَ إنائِها،
لَأَسكَرَهم مِن دونها ذلك الختمُ
‎ولونَضحوا منها ثرى قبر ميّتٍ،
لعادتْ إليه الروحُ، وانتعشَ الجسمُ
‎ولوطَرحوا، في فيءِ حائطِ كرْمِها
عليلاً، وقد أشقى، لَفارَقه السّقمُ
‎ولوقرّبوا، مِن حانِها، مُقعدا مَشَى،
وتنطقُ مِن ذِكرى مذاقِتها البُكمُ
‎ولوعبقتْ في الشّرق أنفاسُ طيبها
وفي الغرب مزكومٌ، لعادَله الشمُّ
‎ولوخُضِبتْ مِن كأسها، كفُّ لامسٍ
لَما ضلَّ في ليل، وفي يده النجمُ
‎ولوجُليت، سِرّا، على أكمهٍ غدا
بصيرا، ومن راووقها تسمع الصمُّ
‎ولوأنّ ركْبا يمّموا تُربَ أرضِها
وفي الرّكب ملسوعٌ، لَما ضَرّهُ السَّمُّ
‎ولورسمَ الرّاقي حروفَ اسمِها، على
جَبينِ مُصابٍ جُنَّ، أبرَأهُ الرَّسْمُ
‎وفوقَ لِواءِ الجيشِ لورُقِمَ اسمُها
لَأسكَرَ مَن تحت اللّوا ذلك الرّقمُ
‎تهذّبُ أخلاق النّدامى، فيهتدي
بها لطريق العزمِ، مَن لالَهُ عَزْمُ
‎ويكرُمُ مَن لَمْ يَعرفِ الجودَ كفّهُ
ويَحْلُمُ، عند الغيظ، مَن لالَهُ حِلْمُ
‎ولونالَ فدمُ القومِ لَثْمَ فِدامِها،
لِأكسَبَهُ مَعنى شمائِلها اللَّثْمُ

وليس يخفى أنّ ابن الفارض قد لوّح إلى العرفاء والسالكين بالندامى، وهم أولئك الذين يجمعهم تراب المحبّة الروحية بحيث يذهب السكرُ بهم إذا وقع نظرهم على ختم الدنان. وختم الآنية عن الناحية العرفانية هي أثر من آثار التجلّي الواقع عن
النفس الإنسانيّة بوصفها إناءً للحكمة ومحلّاً للظهور الإلهي.

‎يقولون لي: «صِفها، فأنت بوصفها
خبيرٌ» أَجَلْ!! عندي بأوصافها علمُ
‎صفاء ولاماء، ولطفٌ ولا هوا،
ونور ولا نارٌ، وروح ولاجسمُ
‎تقدَّمَ كلَّ الكائناتِ حديثُها،
قديما، ولا شكل هناك، ولارسمُ
‎وقامت بها الأشياءُ ثَمَّ لحكمةٍ،
بها احتجبت عن كلّ مَن لاله فهمُ
‎وهامتْ بها روحي، بحيث تمازجا، اتّ
ـحادا، ولاجِرمٌ تخلّلهُ جِرمُ
‎فخمرٌ ولاكرمٌ، وآدمُ لي أب
وكرمٌ ولاخمرٌ، ولي أمُّها أمُّ
‎ولطف الأواني، في الحقيقة، تابع
للطف المعاني، والمعاني بها تنمُو
‎وقد وقع التفريق، والكلّ واحد
فأرواحنا خمر، وأشباحنا كرمُ
‎ولا قبلها قبلُ، ولابعدَ بَعْدَها
وقبليّة الأبعاد، فهي لها حتمُ
‎وعصرُ المدى من قبله كان عصرها
وعهدُ أبينا بعدَها، ولها اليتمُ
‎محاسنُ، تهدي المادحينَ لوصفِها
فيحسُنُ فيها منهُمُ النثرُ والنّظمُ
‎ويطربُ من لم يَدْرِها، عند ذكرها
كمشتاق نعم، كلّما ذكرتْ نُعمُ

وهكذا لم يبق من الخمر في شعر الصوفية إلااسمها، وما يوحى به من سكر وانتشاء قارن الصوفية به أحوال الوجد الإلهي. وتدلّ هذه الخمرية وغيرها من الخمريات الّتي حفل بها الشعر الصوفي على الكيفيّة الّتي تمّ بواسطتها تحوّل الموضوع إلى رمز شعري فيه كلّ ما يمكن قوله بالرّمز. فهذه الخمرة في واقعيتها المليئة وطابعها الحسّي المباشر تتجاوز المعطيات المادية إلى المعطيات الروحية، ولعلّنا نلاحظ هذا التجريد المثالي في وصف الخمرة العرفانية بالخلوص من العناصر المادية: فهي
صافية لطيفة، نورانية، بها قامت الأشياء، وإليها اشتاقت أرواح العرفاء،حتّى اتّحدت بها.
ولقد كان الشاعر يشهد خمرا ًبلا كرمٍ تارة، وكرما ًبلاخمرٍ تارة أخرى، ويؤوّل هذا التجلّي الشهودي من حيث الطابع العرفاني للرّمز إلى ماعبّر عنه ابن الفارض بقوله: فأرواحنا خمرٌ وأشباحنا كرمُ.

وهكذا آل التركيب العرفاني للرّمز إلى ما قرَّرَ النابلسي في شرحه بقوله: «فالأشباح هي الصور التي عليها الكائنات في عالم إمكانها وعالم إيجادها وقوله كرم متضمّن للعصير الروحاني الّذي يكون خمراً، فيسكرالعقول بما يلقى إليها من العلوم والحقائق العرفانية.» [15]

وقد ختم ابن الفارض قصيدته بأبيات استقرّت في صميم الرمز العرفاني الّذي تحدّثنا عنه من قبل، وكأنّه ضرب صفحاً عن التجرّد الأوّل ليواكب لغة الخمريين في طابعها الحسّي المفرّق، كقوله:

‎وقالوا: شربتَ الإثمَ! كلّا، وإنّما
شربتُ الّتي، في تركها عنديَ الإثمُ
‎هنيئا لِأهلِ الدير! كم سكروا بها،
وما شربوا منها، ولكنّهم همّوا
‎وعندي منها نشوةٌ، قبلَ نشأتي،
معي أبدا تبقى، وإن بَليَ العظمُ
‎عليكَ بها صرفا، وإن شئتَ مزجَها
فعدلكَ عن ظَلم الحبيب هوالظُلمُ
‎فدونَكَها في الحانِ، واستجلها به،
على نغم الألحان، فهي بها غُنمُ
‎فما سكنت والهَمَّ، يوما بموضع،
كذلك لم يسكُن، مع النغم، الغمُّ
‎وفي سكرة منها، ولوعمرُ ساعةٍ،
ترى الدّهرَ عبدا طائعا، ولك الحكمُ
‎فلاعيشَ في الدنيا لِمن عاشَ صاحيا،
ومن لم يمُت سكرا بها، فاته الحزمُ
‎على نفسه، فليبكِ مَن ضاعَ عمرُه ُ
وليسَ له فيها نصيبٌ، ولاسهمُ
 [16]

النتیجة:

يبدوأنّ المفردات والأساليب الّتي استعارها الشاعر هی من معجم شعراء الخمرة الحسیة والّتي نتعرف عليها في حديثه عن الحوانيت والأنغام وترشف رضاب الحبيب في وصف الخمرة ،وبأنّها تبدّد الهموم وتقشع الأحزان، وأنّه لاعيشَ لصاح، وإنّما العيش لمن سكر بخمرة الوجد والمحبّة الإلهية حتّى يموت بها سكراً، وإشارته إلى ما يوصف بأنّه محاجة بين أن يكون شربها هوالإثم، وأن يكون تركها إثماً كبيراً، لاتكشف الرمز العرفاني بقدرما تلفّه بالإبهام والغموض، وشأن الرمز الخمري في ذلك شأن الرموز الغزلية الّتي عوّل الصوفية في تركيبها أحياناً على لغةذات طابع شهواني.والثانی أنه یکثر فی شعر ه تعداد أسماءالخمرة وأوصافها،وما ذلک إلا تعبیر عن حالات الغیبوبة والفناءفی الله.

المصادروالمراجع:

  1. الترجمة والنقدوالتحلیل لخمسین بیتاً من دیوان ابن الفارض:د.محمد هادی مرادی،طهران،1376ه.
  2. التصوف الإسلامی فی الأدب والأخلاق:زکی مبارک،القاهرة1990م.
  3. الجامع فی تاریخ الأدب العربی:حنا الفاخوری،دار الجیل،بیروت1985م.
  4. ديوان ابن الفارض :مهدي محمّد ناصرالدين ، دارالكتب العلمية ، الطبعة الأولى ،بيروت،
1990م.
  5. شرح دیوان ابن الفارض:الشیخ حسن البورینی والشیخ عبدالغنی النابلسی،المطبعة العامرة الشرقیة،الطبعة الأولی،القاهرة1306ه.
  6. المجاني الحديثة : فؤاد إفرام البستاني وآلاخرون ، المطبعة الكاثوليكية ، الطبعة الثانية ،
بيروت 1960 م.

Dr.yousof Hadipour

Assistant Professor

Department of Arabic language And Literature,Karaj Branch,Islamic Azad University,Karaj,Iran.


[1دیوان ابن الفارض:مهدی محمد ناصرالدین،ص3

[2شرح ديوان ابن الفارض: الشيخ حسن البوريني والشيخ عبدالغني النابلسي، ص 5.

[3المصدر نفسه، ص 5.

[4المصدر نفسه،ص5

[5دیوان ابن الفارض :مهدی محمد ناصر الدین،ص 3و4

[6المصدر نفسه، ص 9.

[7المصدر نفسه،ص9

[8المصدر نفسه، ص 10ـ11

[9المصدر نفسه، ص 11.

[10التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق:زکی مبارک، ص 247

[11الترجمة والنقد والتحليل لخمسين بيتا ًمن ديوان ابن الفارض:د.محمد هادی مرادی، ص 12.

[12المجاني الحديثة:فؤاد إفرام البستانی ، ج 3، ص 316

[13الجامع في تاريخ الأدب العربي:حنا الفاخوری، الأدب القديم ،ص 860

[14شرح الديوان، ج 2، ص 138و139

[15شرح ديوان ابن الفارض : ج 2، ص 150.

[16ديوان ابن الفارض: ص 179ـ180.

الرد على هذا المقال

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

نلفت انتباه زوارنا الكرام الى اننا لن ننشر:
- أى مداخلات تتهجم على اشخاص لا دخل لهم بموضوع المقال وتستخدم ألفاظاً غير لائقة.
- أي مداخلة غير مكتوبة باللغة العربية الفصحى.

من أنت؟
مشاركتك
  • لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

١ مشاركة منتدى