احتفالية (ديوان العرب) في ضيافة (أدب ونقد) الرصاصة الأخيرة صمود غزة

الصفحة الأساسية > أقلام الديوان > سعد الله ونّوس مؤرخ الهزائم العربية .. ظل الغياب

سعد الله ونّوس مؤرخ الهزائم العربية .. ظل الغياب

٢٠ حزيران (يونيو) ٢٠١١بقلم أوس داوود يعقوب

قضى الكاتب المبدع، المسكون بعشق المسرح، الراحل سعد الله ونّوس (1941م ـ 1997م) حياته مقاتلاً بالكلمة وحالماً بالحرية حتى آخر لحظة في حياته، بعدما استطاع أن يعيش تلك اللحظة المتأججة بين الحياة والموت. وقد شكل راحلنا الكبير بحضوره، بالنسبة للكثير من المثقفين والمبدعين السوريين والعرب الضمير المعلن والقادر على الجهر، في مشهد الصمت. وكان (ونّوس) أحد علامات الضمير الشجاع الذي بات يتقلص ويندر. وهو صاحب بصمة في المسرح السوري والعربي اعترف به العالم عندما كُلّف بكتابة كلمة يوم المسرح العالمي عام 1996م، وهو شرفٌ لم ينله من قبل كاتب مسرحي عربي غير عميد الدراما العربية توفيق الحكيم.

«إننا محكومون بالأمل»، و«في الكتابة نقاوم الموت وندافع عن الحياة»، هذا ما كان يردده (سعد الله) حتى اليوم الأخير من حياته، ولا نستغرب إن كانت فترة صراعه مع المرض العضال أغنى فترة في رحلة عطائه الإبداعي. فقد كثّف إبداعه خلال سنوات صراعه مع المرض. وتحول موته إلى قيامة، كطائر الفينيق نهض من الرماد وعاش في داخلنا، وفي عقولنا من خلال أعماله الكبيرة، ودوره الرّيادي في دفع المسرح السوري والعربي خطواتٍ كبيرة إلى الأمام.
سيرة .. المعلم، الماهر

ولد سعد الله ونّوس سنة 1941م، وبدأ رحلة العمر والعطاء من تلك القرية الساحلية الجميلة «حصين البحر» ـ (شمالي غربي سورية، بالقرب من مدينة طرطوس) ـ فوق جبل يطل على الأفق الممتد عبر البحر اكتسب (سعد الله) النظرة الاستشرافية البعيدة. وهو من أسرة فقيرة عاشت ضائقة مالية وصفها (ونّوس) بأنها «سنوات بؤس وجوع وحرمان». ولما التحق بالمدرسة الابتدائية أظهر ضعفاً في مادة التعبير مما جعله يُكثِر من المطالعة عملاً بنصيحة مدرس اللغة العربية. وكان أول كتاب اقتناه هو «دمعة وابتسامة» لجبران خليل جبران. كان عمره اثنتي عشرة سنة، ثم نمت مجموعة كتبه وتنوعت (طه حسين، ميخائيل نعيمة، نجيب محفوظ، إحسان عبد القدوس...إلخ). وهكذا بعد انتهاء العام الدراسي قضى شهور الصيف يقرأ كل ما يقع تحت يديه، حتى عشق القراءة، وازداد ولعه بها إلى درجة أنه كان يشتري كتبه بالدَّيْن.

تابع (سعد الله) الدراسة في ثانوية طرطوس حيث حصل على الثانوية العامة في عام 1959م، وفي نفس العام حصل على منحة دراسية للحصول على ليسانس الصحافة في كلية الآداب بجامعة القاهرة. وفي هذه السنوات الأربع من الدراسة استطاع أن يطلّ على الأدب المسرحي من خلال محاضرات المرحوم الدكتور محمد مندور.
أثناء دراسته الجامعية وقع «الانفصال في الوحدة بين مصر وسورية» مما أثر كثيراً عليه، وكانت هذه الواقعة بمثابة هزة شخصية كبيرة دفعت به إلى كتابة أولى مسرحياته والتي لم تنشر حتى الآن، وكانت مسرحية طويلة بعنوان «الحياة أبداً» عام 1961م. وبعدها تخرّج عام 1963م وعاد إلى دمشق حيث عُيِّن مشرفاً على قسم النقد بمجلة «المعرفة» التي تصدر عن وزارة الثقافة. وخلال عمله بالمجلة أصدرت عام 1964م عدداً خاصاً عن المسرح كتب فيه قسماً خاصاً بمصر ودراسة عن «مسرح اللامعقول عند توفيق الحكيم».

وبعد ثلاث سنوات من العمل في مجلة «المعرفة» تركز اهتمامه على المسرح ـ عشْقه الأول ـ وعندما سنحت له الفرصة سافر عام 1966م في إجازة دراسية إلى باريس لدراسة الأدب المسرحي في «معهد الدراسات المسرحية» التابع لجامعة «السوربون». وهناك وصلته أنباء هزيمة حزيران (يونيو) 1967م فتأثر كثيراً واعتبرها هزيمة شخصية له. وعبّر عن ألم هذه الهزيمة في مسرحيته التي أخذ شهرة بها «حفلة سمر من أجل 5 حزيران» 1968م، حيث عرى فيها الهزيمة وشرح أسبابها، مبيناً أن المجتمع منهار من الداخل يقول: «وأنا أمضي في كتابة المسرحية لم أفكر بأصول مسرحية، ولا بمقتضيات جنس أدبي محدد. لم تخطر ببالي أية قضية نقدية كنت فقط أتصور وغالباً بانفعال حسي حقيقي، أني أعري واقع الهزيمة وأمزق الأقنعة عن صانعيها».

أثناء ذلك عاد إلى دمشق يعاني آلاماً نفسية مبرّحة، جعلته يصف الأربعة شهور التي قضاها فيها بعبارة «في بؤس تام وفي شبه غيبوبة». عاد بعدها إلى فرنسا التي سرعان ما شدته الحياة الفكرية فيها وأخرجته من عزلته.

مارس هناك حياة سياسية وساهم أثناء انتفاضة الطلاب في جامعات فرنسا مع زملائه في إقامة أحد المنابر للتعريف بالقضية الفلسطينية من خلال الخطب والمنشورات والكتيبات. وكان مؤمناً بالاشتراكية العلمية منهجاً وأسلوباً في الحياة، إلا أنه لم يعرف ارتباطاً بأي تنظيم حزبي. وأخيراً أنهى دراسته في فرنسا عام 1968 وعاد إلى دمشق، فعُيِّن رئيساً لتحرير مجلة «أسامة» الخاصة بالأطفال من عام 1969م إلى عام 1975م حيث أخذ إجازة بدون راتب وعمل محرراً في صحيفة «السفير البيروتية»، وعندما اندلعت الحرب الأهلية في لبنان عاد إلى دمشق ليعمل مديراً لمسرح القباني. وأسس مع شريكه وصديقه المسرحي فواز الساجر (1948م ـ 1988م) فرقة المسرح التجريبي في دمشق والتي قدمت عدة عروض. وكان يهدف إلى تقديم مسرح وثائقي وسينما وثائقية تساهم في اكتشاف مشاكل المجتمع وفهمها، وتدعو إلى الإصلاح والتغيير. كما عمل أيضاً مع مجموعة من المتحمسين للمسرح ومنهم المخرج علاء الدين كوكش على إقامة «مهرجان دمشق المسرحي الأول» عام 1969م، وعُرِضت خلال هذا المهرجان مسرحيته «الفيل يا ملك الزمان». ونجح المهرجان على مستوى الوطن العربي، ولكنه توقف بعد الدورة الثامنة عام 1978م بسبب الأحوال السياسية الصعبة التي شهدتها المنطقة، ومنها الحرب الأهلية في لبنان، والقطيعة العربية مع مصر.

وكانت وزارة الثقافة أصدرت عام 1977م مجلة «الحياة المسرحية»، وهي مجلة فصلية متخصصة في شؤون المسرح، وأوكلت إلى (سعد الله) رئاسة تحريرها منذ العدد الأول وحتى عام 1988م.

عنفوان وقوة الروح المقاتلة..

في أعقاب الاجتياح الصهيوني للبنان وحصار بيروت عام 1982م اعتصم (ونّوس) عن الكتابة لعقد من الزمن تقريباً، ليعود إلى الكتابة في أوائل التسعينات بمجموعة من المسرحيات السياسية بدءاً بمسرحية «الاغتصاب» (1990م) التي تدور حول الصراع العربي الصهيوني، والتي أثارت جدلاً كبيراً في حينه.

ومنذ ذلك الحين كتب «منمنمات تاريخية» (1994م)، «طقوس الإشارات والتحولات» (1944م)، «أحلام شقية» (1995م)، «يوم من زماننا» (1995م)، وأخيراً: «بلاد أضيق من الحب» (1996م)، و«ملحمة السراب» (1996م).

وقد ترجمت الكثير من أعماله إلى الفرنسية والإنكليزية والروسية والألمانية والبولونية والأسبانية.

ويكاد (سعد الله) أن يكون مؤرخ الهزائم العربية من «حفلة سمر من أجل 5 حزيران» إلى «طقوس الإشارات والتحولات» (1994م)، وعندما وقعت حرب الخليج (1990م) عدها الضربة الأخيرة الموجعة. يقول: «أشك معها في أنها كانت السبب المباشر لإصابتي بمرض السرطان، وليس مصادفة أن يبدأ الشعور بالإصابة بالورم أثناء الحرب والقصف الوحشي الأميركي على العراق».

وهكذا أصيب بالمرض الخبيث وهو «سرطان البلعوم» في عام 1992م، وقد حدد له الأطباء الفرنسيون مدة للمرض القاتل بستة أشهر وأنه سيفارق الحياة بعدها، لكنهم لم يدركوا عنفوان وقوة روحه المقاتلة، القابضة على جمر الإبداع، فقد عبّر هو نفسه أنه كافح المرض من خلال إصراره على الكتابة والتأليف والإبداع، ولم يدرك الأطباء أيضاً، أن هناك زوجته (فائزة) الفنانة والصديقة والحبيبة، التي وقفت ترعاه وتسهر عليه وتصارع معه المرض، وتساعده على الانتصار. وهكذا دخل (سعد الله) في صراع استمر خمس سنوات مع المرض.

وفي عام 1994م عاوده السرطان في الكبد وبدأ دورة علاج طويلة في دمشق.
ويواصل العلاج مع متاعبه وأثاره الجانبية، محاولاً الحضور في كل المناسبات التي تستدعي أن يتخذ المثقف موقفاً ويقول رأياً، وفي العام نفسه يكتب «ملحمة السراب».
الموت يسرقه من (نوبل)

عام 1995م ينتخب المعهد العالي للمسرح التابع لليونسكو سعد الله ونّوس لكتابة «رسالة يوم المسرح العالمي» لعام 1996م، كتب (ونّوس) الرسالة / الكلمة، الدالّة التي تتفجر بالحب والغضب معاً حب المسرح والغضب لما آل إليه هذا الفن الجميل من وضع متدنٍ. وقد ترجمت (الرسالة / الكلمة) إلى العديد من لغات العالم، وألقيت من على مسارح العالم يوم 27 / آذار (مارس) 1996م.

يقول سعد الله فيها: « لو جرت العادة على أن يكون للاحتفال بيوم المسرح العالمي، عنوان وثيق الصلة بالحاجات التي يلبيها المسرح ولو على مستوى الرمزي، لاخترت لاحتفالنا اليوم هذا العنوان «الجوع إلى الحوار». حوار متعدد، مركب، وشامل. حوار بين الأفراد، وحوار بين الجماعات. ومن البديهي أن هذا الحوار يقتضي تعميم الديمقراطية، واحترام التعددية، وكبح النزعة العدوانية عند الأفراد والأمم على السواء. وعندما أجس هذا الجوع، أدرك إلحاحه وضرورته، فإني أتخيل دائماً، أن هذا الحوار يبدأ من المسرح، ثم يتموج متسعاً ومتنامياً، حتى يشمل العالم على اختلاف شعوبه وتنوع ثقافاته. وأنا أعتقد أن المسرح، ورغم كل الثورات التكنولوجية، سيظل ذلك المكان النموذجي الذي يتأمل فيه الإنسان شرطه التاريخي والوجودي معاً. وميزة المسرح التي تجعله مكاناً لا يُضاهى، هي أن المتفرج يكسر فيه محارته، كي يتأمل الشرط الإنساني في سياق جماعي يوقظ انتماءه إلى الجماعة، ويعلمه غنى الحوار وتعدد مستوياته».

وفي عام 1997م كتب (سعد الله) آخر مسرحياته، «الأيام المخمورة»، وقد صوّر فيها تأثر المجتمع العربي في لبنان وسورية، ممثلاً بعائلة لبنانية سورية، بالغزو الفرنسي للبلاد في جانبه الحضاري القيمي قبل أي جانب آخر. بطريقة الإرتجاع الفني (الفلاش باك) ينطلق الكاتب من الحفيد، الجيل الثالث من العائلة، الذي ـ كما يبدو ـ هو جيل الكاتب نفسه أيضاً، لينقله وينقلنا معه إلى أواخر الثلاثينات، في رحلة وعي للذات، رحلة بحث عن سرّ في العائلة.
في نفس العام (1997م) يُعلّن عن اكتمال ترشيح سعد الله ونّوس لجائزة نوبل للآداب. وذلك عن ترشيح «المجمع العلمي» بمدينة حلب، ثم أجمعت على صحة الترشيح الأكاديميتان الفرنسية والسورية، فأبلغت لجنة الجائزة إدارة المنظمة العالمية للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو)، لإبلاغ المسرحي الكبير سعد الله ونّوس بنيله جائزة نوبل للآداب . ولاحظ الذين كانوا في عيادة مرضه أنَّ (سعد الله) لم يبتهج ولم يكترث لأن نيل الجائزة ليس في دائرة أحلامه، وقد سرقه الموت بعد أيام قليلة من هذا الخبر فلم ينل الجائزة.

في لقاء أخير معه قال (ونّوس): «إن إحساسي الجنائزي سيتضاعف أكثر وأكثر وأنا على حافة هذه التخوم الرجراجة بين الحياة والموت. أعتقد أن (إسرائيل) سرقت السنوات الجميلة من عمري وأفسدت على إنسان عاش خمسين عاماً مثلاً، الكثير من الفرح وأهدرت الكثير من الإمكانات».

تذكر زوجته الفنانة فايزة شاويش أنَّ (سعداً) «لم يترك الكتابة والورق والأقلام حتى في أيامه الأخيرة بالمستشفى وهو يودع دنيانا».

رحل سيد المسرح العربي سعد الله ونّوس عن عالمنا، في 15 أيار (مايو) 1997م. رحل وهو ممسك بالأمل، بعد أن وَهَبَنا مقولته الشهيرة: «إننا محكومون بالأمل».

- هكذا تكلم ونّوس

لا أظن أننا نحتاج إلى البرهنة على أزمة الثقافة، وما تعانيه هي الأخرى من حصار وتهميش شبه منهجيين، وإنها لمفارقة غريبة أن يتم ذلك كله، في الوقت الذي توفرت فيه ثروات حولت العالم إلى قرية واحدة، وجعلت العولمة واقعاً يتبلور ويتأكد يوماً بعد يوم. ومع هذه التحولات، وتراكم تلك الثروات، كان يأمل المرء، أن تتحقق تلك اليوتوبيا، التي طالما حلم بها الإنسان. يوتوبيا أن نحيا في عالم واحد متضافر تتقاسم شعوبه خيرات الأرض دون غبن، وتزدهر فيه إنسانية الإنسان دون حيف أو عدوان. ولكن،... يا للخيبة! فإن العولمة التي تتبلور وتتأكد في نهاية قرننا العشرين، تكاد تكون النقيض الجذري لتلك اليوتوبيا التي بشر بها الفلاسفة، وغذت رؤى الإنسان عبر القرون. فهي تزيد الغبن في الثروات وتعمق الهوة بين الدول الفاحشة الغنى، والشعوب الفقيرة والجائعة. كما أنها تدمر دون رحمة، كل أشكال التلاحم داخل الجماعات، وتمزقها إلى أفراد تضنيهم الوحدة والكآبة. ولأنه لا يوجد أي تصور عن المستقبل، ولأن البشر وربما لأول مرة في العالم، لم يعودوا يجرؤون على الحلم فإن الشرط الإنساني في نهايات هذا القرن يبدو قاتماً ومحبطاً. وقد نفهم بشكل أفضل مغزى تهميش الثقافة، حيث ندرك أنه في الوقت الذي غدت فيه شروط الثورة معقدة وصعبة، فإن الثقافة هي التي تشكل اليوم الجبهة الرئيسية لمواجهة هذه العولمة الأنانية، والخالية من أي بعد إنساني.

يتضمن الوعي التاريخي، أو تنبثق منه ضرورة البدء من الواقع، لأن الثقافة الوطنية تتوخى، وهذا من بعض مقوماتها، امتلاك وعي مطابق لمرحلتها التاريخية وواقعها الملموس. والبدء من الواقع ليس إعلان نوايا، بل هو انغماس في الراهن، ومحاولة بلورة وعي محدد لمشكلات الواقع المحددة، وكل ذلك في منظور وعي تاريخي دينامي يدرك تاريخية الماضي والحاضر والمستقبل. وفي واقعٍ تُخلخلهُ الهزائم والخيبات، وكثيراً ما يكون الانزياح عن هذا الواقع مغوياً. فإما أن نمتطي صهوات جيادنا. ونمضي مع الدون كيشوت لنسترد الفردوس المطمور تحت ركام الزمن، وأما أن نركب الصاروخ إلى زمن ناجز، فيه مجد وانتصار وألق، وإما أن نخفي الواقع بكيمياء عجيبة تحول القبح والجروح والانكسارات إلى صياغات ذهنية ذكية، وولودة ما تفتأ تتناسل حتى تبني حولنا أسواراً دافئة وكتيمة لا تنفد منها روائح الواقع وأنينه. وفي هذه الحالات كلها ينزلق المثقف من موقف وعي الهزيمة، إلى موقف هزيمة الوعي.

إن المثقف العربي يعيش اليوم مفارقة كئيبة. ففي الوقت الذي يهمّش فيه، والتهميش يتم على صعيدين متداخلين ومتساوقين، أحدهما كوني وثانيهما محلي، فإنه يجد نفسه مطالباً بمهمات زادت جسامةً وتعقيداً. وهو يعلم أن إمكانيته تتضاءل يوماً بعد يوم أمام موج التفاهة الذي تدفعه الرأسمالية «الظافرة» كي يتغلغل في كل زوايا المعمورة وأمام آلة القمع المركبة (غياب الديمقراطية، الفقر، الأمية، طغيان الإعلام وهزاله) التي تنتصب في بلاده. ومع هذا فإن عليه كسيزيف أن يحمل هذه الصخرة وأن يتسلق الجبل. وهو محكوم بأن يحمل الصخرة، ومحكوم بألا يتوقع ـ ولا سيما في هذه الأيام الكسيفة ـ أي تعويض. ينبغي أن يقبل هامشيته، وأن يواصل عمله. ليكن شاهداً أو ليكن خميرة. ليكن صوتاً صارخاً في البرية أو ليكن إرهاصاً. والمهم هو ألا تساوره الأوهام حول دوره، وألا يغفل، ويترك الهزيمة تتسلل وتهزم وعيه.

وإذن فلنحمل هذه الصخرة.. ولنواصل..

حين نحوّل التراث إلى تعويذة أيديولوجية، فإنه يغدو بالفعل إشكالية متوالية. سيثور خلاف حول تحديده. وستتشطى وحدته إلى مواقف ومقاطع انتقائية. وسيكون السجال بين هذه المواقف والمقاطع تزويراً للتراث، وتزويراً لمعركة الحاضر. هي تزوير للتراث لأنها تجزئه، وتقطع أجزاءه عن سياقها النسبي والفعلي وتقدم عنه صوراً مكبرة ومثالية. وهي تزور معركة الحاضر لأنها تخوضها بأقيسة غير صحيحة، ولأنها تحمّل التراث مهمات تتجاوز إمكاناته، وحدود تجربته المحدودة بزمانها ومعارف عصرها ولأنها، ومهما تحوطت، ستوقظ في قلب الحاضر خلافات وانقسامات الماضي.

إن التراث سيظل إشكالية تربك أكثر مما تسعف، ما لم يتم تحديده. ولا يمكن تحديد أي تراث إلا في ضوء تاريخه، ولهذا فإن تاريخنا هو بالضبط تراثنا، وهذا التاريخ لم يكتب بعد. وكتابته تقتضي منهجاً علمياً، يُنحّي سطوة اللاهوت، والتحيزات ودواعي الإيديولوجيا التعبوية ، ويمضي بعيداً في «إحياء الزمنية والتاريخية بين مفاصله وفي أصوله وفروعه»، على حد تعبير محمد عابد الجابري، وعندئذ فقط يستعيد التراث وحدته، ويصبح الماضي صيرورة تغذي وحدة انتمائنا، وتتيح لنا إمكانية وعيها وتأملها والإفادة من منجزاتها. وهذه مهمة عاجلة لم تعد تنتظر التسويف. وهي بلا ريب السؤال الملموس والراهن الذي ينتظر إجابته منذ بداية نهضتنا. وفي غياب مثل هذا الجواب الذي يحتاج إلى تضافر جهود المثقفين، ودولة مدنية الطابع، قومية الأفق، فإن التراث سيظل «ميتافيزيقيا» تُغرِق الحاضر والمستقبل، ولا تترك لنا إلا مبادرة التأويل، وتأويل التأويل في اجترار عقيم ودائري.

ها نحن ما زلنا نواجه الأسئلة ذاتها. ألا يبدو مريعاً أن يكون تاريخنا المعاصر وعلى مدى قرن ونصف هو تكرار للأسئلة ذاتها، علماً بأن كدر الوعي تهافت العزيمة يجعلاننا عَقْداً بعد آخر أقل كفاءة للإجابة! ما الذي يفسر دوراتنا حول إشكالية واحدة طوال هذه الحقبة التاريخية؟... لن يؤذي استنطاق الحقل الثقافي إلى شيء. فالتفسير لا يمكن في الثقافة بل في السياسة. ومن ينظر إلى تاريخنا منذ بداية القرن الماضي حتى الآن يفجعه ذلك التعاقب المحزن لمحاولات النهوض والانكسار، وخلال النهوض نواجه الإشكالية، إشكالية تعريف الأنا و الهو والتحديث بإيجابية دون شكوك محبطة، أما في الانكسار فإننا ننطوي على إشكاليتنا بخوف ومرارة، وغالباً ما نستمد من الخوف والمرارة مواقف وأجوبة تزيد انكسارنا انكساراً. (من المفيد مراجعة أدبيات ما بعد أي هزيمة من هزائمنا).

لقد صار المثقف جزءاً هامشياً من آلة تنتج الضوضاء، والخلط، والكلام الملتبس. وفي مثل هذا الوضع، كان طبيعياً أن تختفي من حياتنا المدارس و التيارات كما عرفناها في الأربعينات والخمسينات والستينات. لم تعد هناك مدارس تتحاور، ولا اتجاهات تتجاذب معمقة حركة الفكر مثرية مناخ الثقافة، بل تفتت المثقفون إلى أصوات مفردة تكاد تخلو من النبرة الشخصية، وسط الضوضاء و الترويض المستمر. ومع زيادة المنابر كان هناك خلط متعمد للقيم والمفاهيم في الثقافة بخاصة وفي السياسة بعامة. وإنه للافت للنظر أن يقل وعي المواطنين بواقعهم، وما يجري حولهم من أحداث بشكل مطرد مع الزيادة الهائلة في عدد الدوريات والمنابر الإعلامية.
وفي هذا السياق يمكننا أن نفهم أهمية تدمير بيروت، وتهميش القاهرة، وتكريس الحدود القطرية، حتى أن الكتَّاب نادراً ما يتاح لهم أن يقرأوا كتاباتهم لأن الصحف التي تنشرها لا تدخل أقطارهم.

منذ أربعة أعوام وأنا أقاوم السرطان، وكانت الكتابة، والمسرح بالذات، أهم وسائل مقاومتي. خلال السنوات الأربع، كتبت وبصورة محمومة أعمالاً مسرحية عديدة. ولكن ذات يوم، سئلت وبما يشبه اللوم: ولِمَ هذا الإصرار على كتابة المسرحيات، في الوقت الذي ينحسر فيه المسرح، ويكاد يختفي من حياتنا! باغتني السؤال، وباغتني أكثر شعوري الحاد بأن السؤال استفزني، بل وأغضبني. طبعاً من الصعب أن أشرح للسائل عمق الصداقة المديدة، التي تربطني بالمسرح، وأنا أوضح له، أن التخلي عن الكتابة للمسرح، وأنا على تخوم العمر، هو جحود وخيانة لا تحتملها روحي، وقد يعجلان برحيلي. وكان علي لو أردت الإجابة أن أضيف: إني مصر على الكتابة للمسرح، لأني أريد أن أدافع عنه، وأقدم جهدي كي يستمر هذا الفن الضروري حياً. وأخشى أنني أكرر نفسي لو استدركت هنا وقلت: إن المسرح في الواقع هو أكثر من فن، إنه ظاهرة حضارية مركبة سيزداد العالم وحشة وقبحاً وفقراً، لو أضاعها أو افتقر إليها. ومهما بدا الحصار شديداً، والواقع محبطاً، فإني متيقن أن تضافر الإرادات الطيبة، وعلى مستوى العالم، سيحمي الثقافة، ويعيد للمسرح ألقه ومكانته. إننا محكومون بالأمل، وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ.

ونّوس ... إنساناً ومثقفاً وكاتباً مبدعاً

شهادات في مسرح سعد الله ونّوس

في أعمال المرحلة الأولى كانت قضيته واحدة، من نحن، ولماذا يحدث لنا وفينا ما يحدث، وكيف السبيل إلى التجاوز، وكانت المسألة التي تشغله أكثر من سواها هي مسألة السلطة، طبيعتها وآلياتها وسبل الوصول إليها والحفاظ عليها، وكانت طريقته في صياغة أعماله واحدة تقريباً: يدور الصراع على المسرح بين مساحتين، والهدف هو الوصول إلى المساحة الثالثة الصامتة، الجمهور الذي يشهد الصراع، آمناً معزولاً، يقيم دفاعاته المتتالية ضد أن تقتحمه الحقيقة.

وكان هذا جوهر دعوة سعد الله «لتسييس» المسرح في هذه المرحلة: حفز الجمهور إلى الفعل، بعد أن يشهد جانبيْ الصراع، ويتعرف إلى وجهات النظر المتعارضة حول القضية المطروحة، كان عمله أقرب إلى المباشَرة، ولم يكن يترك شيئاً لفهم القارئ أو المتلقي، بل يوضح له كل شيء، مستعيناً بكل مفردات الصياغة المسرحية، العناوين واللافتات والجوقة وتوقف الممثل عن الأداء، والمفردات التي يستعيدها من التراث: المقهى والحكواتي والأراجوز والدمى. لقد أتقن سعد استخدام مفردات صياغة المسرح الحديث في الغرب، وأضاف إليها مفردات أخرى في سبيل الوصول إلى مسرح عربي الهوية والهموم والشخوص.

فاروق عبد القادر

شكل الوعي الثقافي لونّوس بذاته المبدعة أول نص درامي كتبه، وهو مازال في الثانية والعشرين من عمره، وهو نص «ميدوزا تحدق في الحياة» (1963م)، فجمع فيه بين الأساطير الإغريقية والفارسية والأجواء العصرية من منطلق ثقافي يؤسس الحاضر على أرضية ذات أبعاد غربية، وطرح فيه صارعاً إنسانياً أبدياً بين العقل والوجدان، يتحطم فيه الوجدان والفن المعبّر عنه، بشكل رومانسي، أمام العقل والعلم الرياضي المتبلور عنه، كما يدير داخله توجهاً سلطوياً للسيطرة على مقاليد العالم باكتشاف علمي جديد يحقق «ببساطة ما كان يطمح إليه التاريخ دائماً، أي توحيد السلطة وتكثيفها في بؤرة واحدة، كلية القوة. تعرف كل ما تشاء، وتصرف الأمور كلها طبقاً لما تشاء».

د. حسن عطية

أنتج سعد مسرحياته السياسية مسائلاً التاريخ، وخلق مسرحياته التاريخية محاوراً السياسة. ولم يكن، وهو المثقف الوطني بامتياز، مشغولاً بالسياسة والتاريخ لذاتهما، بل كان يرى فيهما متكأ، لا بديل عنه، لتوليد ثقافة وطنية حلمها المواطنة المتحقّقة، أو لتوليد مواطنة فعلية، تحتفل بالثقافة الوطنية وتحتفي الأخيرة بها. وفي كل هذا، وهو حلم صاخب يحبس المبدع به ولا يراه، كان سعد يجمع الأسئلة النيّرة ويطارد إجابات نضرة، كما كان يقول، ملاحقاً منظوراً وطنياً موحداً، يجمع بين المتفرج والرغيف، ولقمة الخبز والكرامة الفردية، ومشيئة الفرد الطليق وأحوال المدرسة النجيبة.

د. عبد الرحمن منيف}

مسرح التسييس يعني بالنسبة لسعد الله معنى مغايراً لـ(المسرح السياسي) حيث لا مسرح بدون السياسة.

فمسرح التسييس هو حوار بين مساحتين: الأولى هي العرض المسرحي الذي تقدمه جماعة تريد أن تتواصل مع الجمهور وتتحاوره، والثانية هي جمهور الصالة التي تنعكس فيها كل ظواهر الواقع ومشكلاته، الأمل الذي من شأنه أن يدفع الكاتب إلى ابتداع «بعض الوسائل الاصطناعية لكسر طوق الصمت، وتقديم أنموذج قد يؤدي تكراره إلى تحقيق غايتنا الأساسية في (إقامة الحوار).. إقامة حوار مرتجل وحار وحقيقي بين مساحتي المسرح! العرض والمتفرج... ولابد لموضوع الحوار أن يكون مرتبطاً بحياة المتفرج أو مشاكله من جهة، ونوع المعالجة وشكلها، لكي لا تكون المعالجة مسألة شكلية وتقنية، حيث لابد للهواجس الجمالية أن يتم تعديلها إلى (المشكلات السياسية و الاجتماعية للواقع) وذلك (لتشجيع المتفرج على الكلام و الارتجال و الحوار...)».

د. عبد الرزاق عيد}

يعد سعد الله ونّوس ظاهرة المسرح العربي الحديث بامتياز، لأنه صوته وفعله ومهندس رؤيته في تاريخ الدراما العربية، وفي تاريخ التقاطعات العنيفة العربية بين واقع يتأسس على تناقضات ترمي به في متاهات الترفيهية والمجانية، وبين مسرح يُحضر الثقافة في هذه التناقضات بهدف خلخلتها ليصعد بها إلى مستوى الفعل الثقافي الواعي بدور الصوت و الفعل و الرؤية البديلة في هذه الحتمية.

دخل سعد الله ونّوس المسرح من ثقافات متعددة أراد بها ـ كمرجعية متعدّدة ـ أن يسائل الذات و الواقع وكلّ الوطن العربي عن معنى التناقضات فيه، وأن يسائله عن الهامشية والسقوط والإلغاء والمسؤولية والفاعل في التاريخ، ومن يصير ضحية هذا الفعل في الزمن. لقد كان دخول ونّوس لهذه الثقافات محفوفاً برعشة السؤال و الحيرة في هذا السؤال عن كيفية إدخال المسرح إلى الكتابة (القيامية) كي ترى الذات العربية ذاتها في هذه الكتابة، أن تقرأها، وأن تتلو آيات بيّنات من الأنساق المكوّنة لهذه الكتابة لتسليط الأضواء على هذه التناقضات التي أفضت بالمثقف المسرحي إلى أن يصير رهين كتابة يريد أن يتحرّر منها، ومن أسرها. ومن غموضها، و من روعة العنف والجمال والصمت في واقعها ليقول كلامه على كلامها.

د.عبد الرحمن بن زيدان

قبل سعد الله ونّوس كان المسرح العربي حبيس علبة الطاعة الايطالية، ينوس بين نقيضين؛ حشمة مصطنعة مضجرة، وبذاءة ضحلة منفرة! ومن قلب زلزال الهزيمة الكبير أطل سعد الله ونّوس! مد لسانه للهزيمة! وجعل منصة المسرح تمد لسانها هي الأخرى لها، عبر الصالة، وصولاً إلى الشارع حيث يتسيّد صمت الخوف! اخترق الجدار الرابع الذي طالما وقف حائلاً بين خشبة المسرح العربي والحياة، أدخل شخصياته إلى الصالة من حيث دخلنا، لكي يشرح لنا لماذا انهزمنا، ولماذا صرنا إلى حيث صرنا! «كانت الضرورة تقضي أن يوجد أحد، مثل ذلك الطفل الذي أشار إلى الملك وقال إنه عار، ليقول شيئاً مماثلاً، وكان سعد الله ونّوس ذلك الطفل الذي قال».

لقد كانت «حفلة سمر من أجل 5 حزيران» لا بمثابة بيان مسرحي تطبيقي حي، يعلن رفض الهزيمة والموت، وينحاز للحياة والكتابة! ولهذا أحدثت المسرحية ضجة هائلة، عند عرضها في عدد من العواصم العربية، قبل دمشق، ولهذا لم يكن النجاح الجماهيري المدوي الذي حققه نص سعد الله ونّوس وإخراج علاء الدين كوكش مفاجئاً. ففي كل عرض كان مسرح الحمراء بدمشق يحتشد بالرواد، وفي كل عرض كان النجاح يتجدد ويتأكد!

حسن م.يوسف

تحاول مسرحية «منمنمات تاريخية» أن تقدم كما أراد سعد الله ونّوس مشهداً أو «جدارية» لحالة حضارية في فترة مأزومة من التاريخ العربي الإسلامي، وإذا كانت الفترة الزمنية التي تستغرقها المسرحية محدودة تتمثل في فترة حصار تيمورلنك لدمشق فإن هذه المسرحية تختزل مساحة واسعة من خلال التركيز على فترة «الذروة» التي قادت إلى انهيارات قاسية في أعقاب استسلام دمشق وتخريبها، والمسرحية تنحو أول وهلة نحو الإيهام المسرحي من خلال اصطناع تقسيمات شكلية لأجزاء المسرحية الرئيسية والثانوية، فقد قسمت المسرحية إلى منمنمات ثلاث متفاوتة الطول حمل كل منها عنواناً يجمع بين الشخصية والحادثة التاريخية أو الموقف ... وإذا كان سعد الله ونّوس يتأمل الواقع على ضوء حركة التاريخ فيلتفت إلى موقف المثقف أو المفكر من الحياة العامة أو من السلطة السياسي سلبياً في الأغلب، فإنه يوظف خبرته في التعامل مع الواقع التاريخي بصورة جدلية تبادلية دون أن يسقط الحاضر على التاريخ أو التاريخ على الحاضر. فثمة مفكرون أو مثقفون يقفون في وجه التشوهات والانهيارات في كل العصور. فالكاتب يضع يده على مواقف جريئة للمثقف منذ مطلع النهضة وحتى فترات التحدي الصعبة التي جابهته بعتو وشراسة تنزع منه الموقف و السلوك معاً مثلما يشير إلى رموز لها مواقفها الصلبة في الفترات التاريخية المتعاقبة من مثل موقف القاضي العز بن عبد السَّلام.

د. إبراهيم السعافين

تمثل مسرحية «طقوس الإشارات و التحولات» نقلة نوعية في إنتاج سعد الله ونّوس المسرحي، وضمن تطور رؤيته الفكرية.

فهو في هذا النص يقدم على نفس المهمة التي يتصدى لها في «منمنمات تاريخية»، أي تقديم صورة كلية لمدينة بعلاقاتها ومستوياتها، بما يحقق حواراً مع عناصر ما زالت راهنة و إشكالية. هذه الفاعلية لنصه تقوم عبر تحقق هذه المهمة الصعبة، إعادة بناء مدينة، لا تأخذ ملامحها إلا ببناء فترة تاريخية أيضاً. لكن خصوصية نصه هذا، تكمن عبر تطور الشخصية المسرحية لديه ضمن هدف صياغة المدينة، حيث امتلكت شخصياته زخماً و فرادة، أوصلت النص إلى تعددية الأصوات، التي تعني على المستوى الفني إمساكاً بخصوصية المسرح، وعلى المستوى الموضوعاتي جدلية ورؤية أكثر عمقاً، تخلق النص المفتوح وتحرض التأويل لدى المتلقي. و على مستوى النوع المسرحي تؤدي إلى الاقتراب من الدرامية، وهذا جديد لديه.
إلا أن تفكير الكاتب المطول، وبحثه الحقيقي في إشكالية صياغة نص مسرحي عربي، تجعله يتعامل مع مفاهيم النوع، بأسلوب حر منفتح، فيستخدم البناء الذي يشكله كي يحقق الحوار مع مرحلته.

أسامة غنيم

إن سعد الله استجاب في مسرحية «الأيام المخمورة» لداعي «الكلمة ـ الوعي»، من خلال بنيان فكري يزهو بالقوة والتماسك وبالغنى والعمق. كل هذا على أساس نواتي عادي وبسيط، متيسّر لأي أديب، وهو فرار زوجة مع عشيقها. لاشك أن سعد الله كان يحوز على مقدرة ثقافية كبيرة، لكن ثقافته وحدها ما كانت قادرة على إقامة ذلك البنيان الفكري الراسخ بلغة مسرحية أصيلة، لولا المهارة الفنية لمعلم خبير، يتساوى لديه الهمّ الاجتماعي والثقافي مع الهمّ فني. فقد رأينا ـ بكلمات موجزة ـ كيف سار في المسرحية على سكتين تمثيليتين متوازيتين، لتتحدا في النهاية، وهما: سكة شخصيات عائلة عبد القادر، وسكة فرقة الأراجوز. واكتشفنا أنه سيَّر على هاتين السكتين قطارين فكريين: قطار البحث عن الحقيقة وتداخل الحقيقة مع الحكاية؛ وقطار الصراع بين القيم، الذي هو صراع بين فئات وطبقات ممثلة بأشخاص، في مجتمع جرى للتو اختراقه من الداخل بعد غزوه من الخارج.

بوعلي ياسين

إذا كانت «الأيام المخمورة» ـ مسرحية سعد الله ونّوس الأخيرة ـ بعالمها تشكل استمرارية لما سبقتها، فإنها يمكن أن تعتبر أيضاً بداية محطة جديدة في الكتابة بالنسبة لمسرح ونّوس والمسرح العربي بشكل عام، فيها يتم التوقف عند أساسيات الكتابة المسرحية ومكوناتها، ويعاد النظر بالبديهيات. والكتابة بحد ذاتها تُطرح كموضوع بحث وكإشكالية، بغض النظر عن المضمون الذي تقدمه. من ناحية أخرى فإن مضمون المسرحية لا يمكن أن يُقرأ بشكل متكامل إلا ضمن لعبة الكتابة هذه. الجديد هنا يكمن في محاولة تعميق البحث المسرحي، وإمكانيات التعبير في المسرح، بحيث تصبح إشكالية الكتابة مجالاً لطرح قضايا إنسانية وذاتية ومحاولة سبر علاقاتها بالسياق الذي تتم فيه. وهذا الجديد يبرز على مستوى الكتابة أساساً في نقطتين هما كيفية التعامل مع البنية الدرامية، وكيفية بناء الشخصية المسرحية.

د. ماري إلياس

إن كانت القوة الحقيقية للمسرح العربي هي في الانعتاق من تابوت الطنين والتكدير للمجتمع العربي، وإن كان الدور الحقيقي هو أن يكون داعماً لحديث سياسي خالي من الملابسات. إذاً فالمسرحي الذي أبدى أكثر من الآخرين إهتمامه الذاتي في هذا الاتجاه هو السوري سعد الله ونّوس. ما دفع ونّوس للنضال من أجل مسرح مختلف ليست الضرورة فقط لكونه مسرحي، وإنما البحث عن أسلوب فني أصيل أو فوق ذلك الحاجة للوصول عبر المسرح إلى الحرية المطلقة في التعبير ضد أي شكل من أشكال السلطة.

الحرية في التعبير لأي إنسان وحاجته لممارسة حقوقه السياسية هي خيوط تنطلق من مسرح ونّوس وصولاً إلى تحليل السلطة السياسية.

في أعماله الأخيرة و بالأخص «منمنمات تاريخية» و «طقوس الإشارات و التحولات»، ونّوس ذهب إلى أبعد من ذلك، فالمسرحي السوري يأخذ إلى عاتقه في هذين العملين عملية إكمال التجربة، فهو تقريباً يجري بحثاً مضنياً في التحليل النفسي، للتنقيب في طبيعة الشخصية العربية في أيامنا هذه، في هذين الفصلين ونّوس يسبر أغوار عالمين/ ذلك العام و هذا الخاص فيكشف نقاط الضعف والتناقضات فيهما. المسرحي لا يطرح فقط في هذه النصوص اقتراح إعادة النظر في الأحكام التاريخية الموجودة والمعطيات المفروغ منها، وإنما يريد فتح ثغرة وخرق المعايير الأخلاقية من خلال الثقافة التي ليست بالضرورة أن تكون عربية و تقوم أحياناً بحراسة الأخلاق و الحفاظ عليها دون وعي منها.
الإشكالية المركزية لـ «منمنمات تاريخية» هي الصراع الذي ينّتمي إلى الوضع العام، بين السلطة والأدب الخاص والاجتماعي للإنسان و بشكل خاص المثقف.
ونّوس يحاول رسم دور للمثقف، ولحامل الثقافة والمعرفة واختياره لأن يكون أو لا يكون في خدمة الأغنياء والمتسلطين.

مونيكا ردكو

تتمحور أعمال سعد الله ونّوس حول فكرة أساسية ألا وهي مشكلة صراع الإنسان مع السلطة وصراعه مع كل أشكال القهر المقترن بها، السلطة المكتوبة بالأحرف العريضة.[Le pouvoir ecrit avec la p majuscule] هذا الصراع نجده في كل أعماله بدءاً من «حفلة سمر من أجل الخامس من حزيران» إلى «الملك هو الملك» و «الفيل يا ملك الزمان» مروراً بكل أعماله الأخرى وانتهاء بأعماله الأخيرة. إنها السلطة التي تسحق الإنسان وتحاول وتنبذ كل من لا يسير ضمن المسار الذي خطته وحددته له.

إن معرفة سعد الله ونّوس بقدرة المسرح على التواصل المباشر مع الجمهور وعلى تجاوز الحدود الضيقة لخشبة المسرح. جعلته يحمِّل أعماله المسرحية رسالة اجتماعية سياسية آملاً أن تحرك النفوس والضمائر ضد أي شكل من أشكال التسلط. وهكذا اقترن تطور الفن المسرحي عند سعد الله ونّوس كأداة للنضال السياسي بازدياد التزامه بتغير الواقع بشكل جذري وهذا ما وضحه بنفسه في مقدمة مسرحيته «مغامرة رأس الملوك جابر». ولقد اتخذت هذه الفكرة أبعاداً فكرية ونظرية في كتابه «بيانات لمسرح عربي جديد» حيث عبر وللمرة الأولى عن نظريته حول الفرق بين المسرح السياسي بشكل عام ومسرح التسييس. فهو يؤمن بضرورة إيجاد حوار بين الجمهور والممثلين. بين الخشبة والصالة بما يدفع المتفرج للاندماج في لعبة المسرح ليطرح عنه دوره السلبي ويدخل في دوامة الحديث المسرحي مشكلاً جزءاً أساسياً فعالاً فيه، وهنا ينهار الحد الفاصل بين الخشبة والصالة ليشكلا في النهاية حيزاً واحداً.

ايزابيلا كاميرا دافليتو

مسار سعد الله ونّوس هو مسار قلقه المبدع، الذي يتشجّر ويتسع ويظل لاهثاً وراء قول صحيح. وقد يكون في كتاباته الأولى ما يوحي بأسئلة مجردة، تحدّث عن غربة لا تحديد فيها، إلا أن من يقرأ الكتابات الأولى على ضوء ما جاء بعدها يكتشف، بيسر وسهولة، أن سعداً كان مشغولاً بقضية الإنسان وأسئلته المتعددة، لا بمعنى الوجود والعدم بل بمعنى الحرية والكرامة. ولعل هذه البداية، التي اتخذت من الكرامة الإنسانية مبتدأ لها، هي التي حكمت إشكالية سعد في أطوارها المتعاقبة. وكان على تلك البداية أن تولد من جديد، بعد حرب حزيران عام 1967م، حين رمى سعد بالأسئلة والإجابات معاً باحثاً، بغضب ولوعة، عمّا يربط الإنسان بالوطن، والوطن بالإمكانية الطليقة التي تدافع عنه. ولأن ونّوس كلن يشتق أسئلته من التاريخ، وبجانب الأسئلة العابثة التي لا تاريخ لها، فإنه رأى في هزيمة الأمة مرجعاً لتوليد أسئلة جديدة، تحاور الهزيمة كي تردّ عليها...

ولقد ربط سعد الله ونّوس ربطاً وثيقاً بين الثقافة والقيم، وأكّد، بلا انقطاع، أن فكر المثقف يساوي ممارسته. والعلاقة بين الثقافة والقيم جعلت سعد يتأمل طويلاً العلاقة بين الفكر والممارسة، وأملت عليه حواراً طويلاً مع أطروحة لبريشت، يقول فيها: «لا يكون الكاتب واقعياً في الكتابة إن لم يكن واقعياً خارج الكتابة أيضاً». ومع أن سعد كان يجافي الأحكام المتسرعة، وينبذ فكرة «المثقف ـ القاضي» نبذاً كاملاً، ويحتفل بإبداع المثقف قبل أن يقوِّم سلوكه، فإنه كان، طيلة حياته، يأخذ بوحدة النظر والممارسة والسلوك والموقف، أي بكل ما يعيّن سلوك المثقف أثراً لما يقول به.

د. عبد الرحمن منيف

تكاد تجربة سعد الله ونّوس الكتابية أن تكون شبه فريدة. فهي مشروع من أجل مسرح عربي، وهي خطاب نظري متماسك يسوغ المشروع ويشرحه، بل إن رصانة المشروع وجدته تجعل الخطاب النظري محايثاً له و جزءاً داخلياً فيه. فالوعي التاريخي، في علاقته بالمسرح، لا يبدأ بالمتفرج المباشر والنص المسرحي، بل من الشروط الاجتماعية التي تعطي نصاً مسرحياً ومتفرجاً محتملاً يذهب إليه. ولذلك فإن أعمال ونّوس لا تفاجئ أحداً حين تترك، وفي زمن مبكر، مساحة توحد بين التجربة المسرحية والخطاب النظري الضروري لـ«المسرح العربي». ففي تشرين الأول (أكتوبر) عام 1970م، كتب سعد الله «بيانات لمسرح عربي جديد»، مؤكداً وعيه المبكّر لخصوصية التجربة المسرحية و خصوصية الشرط العربي الذي تدور فيه. ومع أن سعداً يؤكّد في «بياناته» دور الجمهور، ويتّخذ من الجمهور قاعدة و منطلقاً، فإن ما يقصده بالجمهور هو الوعي الاجتماعي المتراكم الذي يحتفل بالظاهرة المسرحية ويعيد إنتاجها كظاهرة اجتماعية موسعة.

لقد جسّد سعد الله ونّوس في مساره الفكري الأطروحة الشهيرة التي تقول: إن الكتابة الأدبية، في شروط التباس الوعي، هي إعادة كتابة للتاريخ بشكل آخر، أي كتابة تقرن بين الوقائع الفعلية والتأمل الطليق، أو بين المعرفة المحددة والتأمل الحر الذي ينقض الحدود. وقد تحيل المعرفة، ربما، إلى علم التاريخ، في حين أن التأمل، وهو ليس علماً، يحيل على الذات الإنسانية، التي تتطلع إلى الجهات جميعاً، بحثاً عن الحرية، أي بحثاً عن الذات التي تؤكد إنسانيتها في تأكيدها لوجودها الحر.

د. فيصل درَّاج

إن أروع ما أنجزه سعد الله في سنواته الأخيرة هو أنه تداوى بالمسرح من جراح النفس والجسد معاً.

هذا بالضبط ما كان يفعله سعد الله. كان يكافح الموت بالفن مستجيباً إلى النوازع الأولى التي حكمت الإنسان منذ بداياته الأولى، منذ أن استعان بالرسم على جدران الكهوف والنحت يعبر به عن خوفه من الأرواح الشريرة ورغبته في مواجهتها والقضاء عليها، كان كل ما يحوطه يدعو إلى الهزيمة، ولكنه عرف النار فعرف النور وصقل الحجر وتسلح به في مواجهة أعدائه الكثيرين واتخذ من الفن وسيلة لتحدي الفناء فبقيت ذكراه مسجلة على الصخور لا تبيد.

د. علي الراعي

إنه شاعر تأمل في شؤون الإنسان و التاريخ. ومسرحي أجاد الحوار وترتيب المشاهد والإضاءة كما التعتيم الفني، وروائي يسرد علينا من زوايا متعددة أخبار الروح والجسد بلغة متوهجة متوثبة خاصة. كل فن أدبي من هذه الفنون يستطيع سعد الله أن يدعيه ويفخر به. هو شاعر حين يقول نبيل لإيفا في مسرحية بلاد أضيق من الحب: «لجسدك رائحة أوراق التاريخ»، أو «أفصصك خلية خلية، وواقعة واقعة، وفكرة فكرة، حتى أستوعبك، وأقرأ أخفى جزيئاتك وتفاصيلك»، أو «ولمحت خضرة الفرح في عينيك. أدركت التي كنت أبحث عنها طوال عمري»، أو «هذا الجسد المتوهج كمرج من شقائق النعمان، والمخيف كدوامة بحرية بلا قرار»، أو «تصوري فقر العمر لو لم نلتقِ» وهل مجرد شعر هذا الكلام المتبادل بينهما. أم حكمة إنسانية؟

«إيفا: كيف يخافون من الحب، وهو أجمل شيء في هذه الحياة!

نبيل: الأرواح الفقيرة لا تبحث عن الجمال، بل عن النظام».

وكان شاعراً في حديثه عن فجيعته عندما اكتشف أنه مصاب بسرطان غير قابل للشفاء. التفَّ بالصمت، و«اندس فيه كأنه شرنقة وملاذ....إذن لقد انتهت الحدوته، ولم تعد يدي تقبض إلا على الرمل والماء... كانت حالتي مزيجاً من السديم والخواء... وأغوص أعمق فأعمق في الصمت والعزلة... وأفك روابطي مع الحياة». هذا وصف شعري ودقيق لحالة إنسانية لا يجيده «إلا من سكن جسده الموت» ومن أصبح طقس حياته جنائزياً واحتفالياً في الوقت ذاته.

د. حليم بركات

المراجع:

سعد الله ونوس ـ «شخصية الشهر»، نبيل سلامة، (مقال)، نشر في الموقع الالكتروني: (اكتشف سورية).

سعد الله ونّوس الإنسان، المثقف، المبدع، د. عبد الرحمن منيف، د. فيصل دراج، وآخرون. (سلسلة: قضايا وشهادات، [عدد 7]، دار كنعان، دمشق ـ شتاء 2000م).
سعد الله ونّوس، الأعمال الكاملة، دار الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق ـ 1996م.

الرد على هذا المقال

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

نلفت انتباه زوارنا الكرام الى اننا لن ننشر:
- أى مداخلات تتهجم على اشخاص لا دخل لهم بموضوع المقال وتستخدم ألفاظاً غير لائقة.
- أي مداخلة غير مكتوبة باللغة العربية الفصحى.

من أنت؟
مشاركتك
  • لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.