الأحد ١٠ تموز (يوليو) ٢٠١١
بقلم عبد الله النصر

شمسٌ أطفأها ماء

هطلتْ عليّ غايةَ الحُلُم.. قمراً مكتملَ الحسنِ.. هالةُ بياضٍ خاطفةُ البصر تحوطها.. تبثُ ضوءها إليّ / إلى زوايا غرفتي.. ابتهجُ/ تبتهجُ الأشياء..هطلتْ باتساعِ المنى.. قطرةُ ماءٍ زلالٍ ساقطةٌ من أفقٍ نقي.. تقطرُ التماعاً.. تعزفُ تقاسيمَها الآسرة على أوتارِ الليلِ/ على أوتاري، فرَقَصَ كلانا.. رأيتها أمامي..وأمامَها رأيتني.. سافرتْ عيناها المملوءتان بالقُبَلِ في عيني لحظاتٍ خجلى، فسافرتُ إلى عالمها ولم أعد !.. تداخلتْ ملامحنا في احتدامِ الشوق، فنازلتْ قلبي بالدفء.. أنصتُ إلى حروفِ صبابتها الشعريةَ الملفعةِ بالحياء، المولعةِ بالوجد، فانثنيتُ إليها.. رددتْ سَجعاتِها وقوافيها في أقاصي غرفاتِ نبضي، فارتويتُ، وارتويتُ، وارتويتُ، بلا حدود.

آه ، البارحةُ بعدَ قبْري للساعةِ السابعة.. هربتُ للنومِ لتهربَساعاتُ الليلِ التي تطولُ وتمتد.. بل لعلي ألقاها في حلمٍ يليق.. وإلى أن أشارتْ العقاربُإلى الواحدةِ والنصفِ، حين فتَّقَ صوتُها صمتَ هدأةِ الليلِ الباذخة.. وشقتْ عقاربُها المضيئةُ تراكمَ السوادِ الحالك.. قسراً استسلمتُ للنوم.. حيثُ كنتُ أحملُ حسنائي في داخلي، فيضانَ أشواقٍ لم تهدأ، وأعاصيرَ لهفةٍ لم تنطفئ.. وكم تمنيتُ لو أن العقاربَ الثقيلةَ تتبادلُ أمكنتها.. فتمخرُ سفينتي يوماً جديداً.. وأراها ماثلة أمامي؟.. إلا أني الآن رأيتُ طيفَها ـ على أثرِ الشوق ووصفِ أختي المتتالي لها - هاطلاً في خيالي، فداعبَتُهُ بدهشةٍ لا تقاوم.. حتى رسمتُها حوريةً، تتغنجُ، تتدللُ، على فلاةِ فؤادي.. طيفها عانقني بخيطٍ وئيدٍ سقطَ عبرَ شقِ النافذةِ الآتي من ضوءِ القمرِ التام.. شهاباً تلاشى في الغياب، فتقلبتُ على فراشِ الشوكِ مردداً: ( ما أثقلَ مسيرةَ هذا الليلِ البهيم؟).

إلا أني فززتُ من فراشي لا يشبهني أحدٌ في عنفوان سعادتي.. النشاطُ يملأ مجرتي، رغمَ قلةِ ساعاتِ نومي.. أوقدتُ المصابيحَ بيضاءها وصفراءها.. اتخذتُ مقعداً هرَّبتُ فيهِ كلماتِ الحبِ كقصيدةٍ عصماء.. كتبتها على موسيقى فؤادي الوالهِ المتألهِ لها بخطٍ إبداعي تغطرسَ على سطورٍ استقامتْ لهُ وأدتْ أمامهُ التحية..وزركشتُ الورقةَ بالزخارفِ والألوانِ أروعِها.. حفظتها في مغلفٍ ازدان برسومات قلبي وأزهاره.. لأهديهِ إليها - حالَمَا ألتقيها في لحظاتِ الصبحِ تملؤها الرومانسية والحياء - مع باقةِ جوريٍ فاقعٍ لهُ عبقٌ حالمٌ ولمسةٌ مخمليةٌ وادعة.. ثم هرعتُ إلى حلاقةِ وجهي واستحممتُ بعناية فائقة.. ومن خزانةِ ملابسي - ببطءٍ وعنايةٍ - ارتديتُ ثيابي الجديدة التي بالأمسِ اشتريتها خاصةً لمقابلتها وبالمواصفات التي أسدَتْها لي ذاتَ طلبٍ غيرِ مباشر.. ثوبٌ وغترةٌ أبيضانِ ناصعانِ مطرزانِ بتؤدة.. عقالٌ وحذاءٌ لامعان.. مؤكداً على تقليدِ بنصري بدُبلةِ الخطبةِ الفضية.. ثم قلبتُ هداياها الثمينةِ التي تنتجعُ على جداولي العذبة.. فارتديتُ منها: الساعةَ المرصعةَ بالأحجارِ الكريمة.. وتعطرتُ من زجاجةِ العطرِ ذاتِ الماركةِ المشهورة.. وتوجتُ بالقلمِ (الباركر) جيبي العلوي.. واستبدلتُ محفظتي بالجديدة.. وحملتُ المسبحةَ الذهبية.. كل ذلك لأبدو بمظهر هي أرادتْ أن أكونهُ أمامها.. كما كنتُ قد اخترتُ لها مظهراً أراها عليه.

أرقبُ الزمنَ مرةً بعدَ مرة، لمْ يزلْ سلحفائيُّ المسير.. أتجولُ في الغرفةِ تارةً، وتارةً أخرى أقلبُ نفسي أمامَ المرآة، فأسألُها بغرور:

- أتراني جميلاً؟.... فأسمعها تجيبُني بتباهٍ:

- أنتَ جميلٌ بمقدارِ ذوقها الراقي.

أغمضتُ عينيّ الشغوفتين على خمرةِ ملامحها.. مختصراً بالكأسِ نبيذَ المسافةِ الطويلة.. استحضرتُ طيفها ذا القوام الرشيق مجدداً، فرأيتُهُ أمامي كفراشةٍ أنيقة.. تحركُ ضفائرَ شعرها الأسودِ الطويلِ الناعم.. تنثرُ ابتسامتها البيضاءَ المرتبة.. تغمزني بطرفٍ مترفٍ بالخجل.. وتُسْمِعُني عباراتِ الإعجاب.. (بل أنتَ جميلٌ بمقدارِ الوصالِ والشوقِ الذيْنِ يحتدمان في كينونتنا).

حدثتني طويلاً.. كثيراً.. حتى غادرَ الجدبُ وأشارت الساعةُ إلى السادسةِ صباحاً.. وإذا بطارقٍ يطرق البابَ على وقع فؤادي الذي سرعانَ ما غدا يخفقُ بصليلِ اللحظةِ الموعودة.. فإذا بأختي.. ولجتْ بترددٍ.. بهدوءٍ.. بملامحٍ خجلة..اتخذتْ مقعداً ليس كعادتها حين تأتي بالأخبار تبادرني وهي واقفةٌ، قريبةٌ، منتشيةٌ، متدللةٌ، عجولة، يكادُ البابُ أن ينقلعَ في يديها.. وعلى وقع القشعريرةِ، واحتضاني لأشواقي وأحلامي، وانتظارِ إعلان ساعة المولد الجديدة.. ذاويةً، زَفَرَتْ بشدة.. وبادرتْ قائلةٌ بابتسامةٍ بدتْ باهتة:

- آهٍ ، كم أنتَ فائقُ الجمالِ أخي.. تستحقُـكَ كل الفتيات.

ورغمَ ارتفاعِ منسوبِ اعتدادي بنفسي.. بل رغم عدمِ ارتياحي لفعلها وقولها.. بادرتُها مبتهجاً متباهياً:

- وأنا لا أناسب إلا خطيبتي فقط .

لكنها أطفأتْ أغلبَ مصابيح الغرفة.. ووقفتْ صامتةً مطرقةً هنيهات..ثم رمقتني بعيونٍ مبللةٍ، قائلة:

- خطيبتك اضطرتْ – مرغمةً، وبأسفٍ واحتراقٍ شديدين – أن تعيدَ إليكَ هداياك .. فعليكَ أن تعيدَ إليها هداياها!.

لمْ أحتملْ وقعَ الفأسِ على جمجمتي، فاخترتُ الصمت.. إلا أني صرختُ منتزعاً زينتي وبهجتي: (لا أريدُ أن أتزوجَ نهائيًا) وذلك بعدَ أن هوى فأسٌ آخر على صدري حينما أخبرتني: ( الواقع يا أخي، لن يتمَّ عقدُ قرانكما اليومَ، ولا غدٍ.. فقط لأن البارحةُ لم يتفقْ أبوها وأبي أبدًا على مكانِ سكناكما ).


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى