الأربعاء ١٣ تموز (يوليو) ٢٠١١
بقلم أحمد نور الدين

مدينة النحاس

رأيتها أول مرة في سوق شعبي مكتظ كنت أزوره في أوقات العصر كلما أثقلتني الوحدة. حدث ذلك قبل عام تقريباً، حيث كانت موجة الكآبة عاتية تغمر كل شيء في حياتي. فكثيراً ما كنت أجد نفسي مسلتقياً على سريري في ساعة من العصر أتأمل في صفحة السقف أشباحاً من الأفكار السوداء فيغمرني شعور باليأس والوهن. وفي بعض الأحيان كنت أستجمع ما بقي لي من نشاط لأخرج من البيت، وغالباً ما كان السوق ملاذاً جيداً لي. وهناك رأيتها، تجلس خلف منضدة أقيمت في آخر السوق، تحيط بها بسطات تعرض بضائع مختلفة: جلابيب، قمصان، مصاحف، مناديل...

لم تغب هذه المرأة عن بالي في كل المرات التي زرت فيها السوق بعد ذلك اليوم. شيء ما في مظهرها والمهنة التي أشهرتها على العالم جعلني أنجذب إليها على نحو فوري. أول ما وقع بصري عليه هو وجهها الذي أحاط به شعر مجعد له سواد تحن إليه المراهقات، رغم أنها كانت قد جاوزت الأربعين بمد من السنين. جسدها ممتلئ بعض الشيء، لكن أكثر ما لفتني في مظهرها هو نظرة عينيها. نظرة غريبة فيها طموح يتجاهل العمر والظروف، وفي العمق يأس يعاند الطموح...

ثم نظرت إلى اللافتة البيضاء التي ألصقت بواجهة المنضدة في الأسفل. حينها ابتسمت ابتسامة عريضة أظنها كانت مشعة لدرجة أنها جذبت نظر المرأة إلي. فقد التفتت فجأة نحوي لتلتقي عينانا لحظة سريعة حولت بعدها نظري باتجاه آخر هرباً مما قرأته في عيني المرأة من احتجاج مكتوم، وربما، غضب. ثم هرولت مبتعداً عنها كالهارب ولجأت إلى بسطة قريبة تعرض تماثيلاً ولوحات زينة. تظاهرت بأني أستطلع المعروضات لبعض الوقت، ثم درت إلى الخلف وابتعدت مغادراً المكان والسوق بأسره.

مساء ذلك اليوم جلست في شرفتي متلفعاً بظلمة يداعبها نسيم بارد ونثار ضجيج. وبرقت في بصري صورة المرأة كما رأيتها لحظة تبادلنا تلك النظرة السريعة. شعرت بأنه مشهد غريب مقتطع من حلم. ثم ذكرت ما قرأته في اللافتة البيضاء التي تعلن للملأ مهنة المرأة ببساطة مجردة تتجاهل كل ما يبديه مظهرها من علامات اليأس الفاضحة. بعدها ساءلت نفسي وقد شعرت بخجل وإشفاق: هل عرفت تلك المرأة ما عنته ابتسامتي العريضة؟! أستطيع الإجابة بنعم رغم جدار البرود والتماسك الذي حافظت عليه المرأة، والذي لا بد أنها أتقنت بناءه خلال سنوات من العمل والمران.

لكن أكثر الذي أدهشني هو تلك اللافتة التي لم أر مثلها من قبل، لا في ذلك السوق، ولا في أي مكان آخر. فاللافتة ومظهر المرأة معاً يشكلان مشهداً فاقعاً لا يعصى، بنظري، على العيون المبصرة إدراك معانيه.

بعد ذلك شعرت بالفضول يدفعني بقوة للتوجه إلى مكان عمل المرأة في السوق. أردت أن أعرف ما إذا كان هناك زبائن للبضاعة التي تعرض. وفعلاً طاوعت فضولي وذهبت إلى هناك بعد يومين. تخيرت مكاناً قريباً يسهل منه رصد الهدف دون أن تكشف المرأة وجودي. ورحت أتشاغل بما كان معروضاً أمامي من أغراض بيتية تهم ربات البيوت ولا تعنيني في شيء...

ومر بعض الوقت دون أن يقترب أحد من منضدة المرأة ذات الشعر الفاحم والعينين الساهمتين. ولا خصها أحد بنظرة، أو حتى بابتسامة كتلك التي جمعت بيننا منذ يومين. طال بي الوقوف حتى شعرت بالضيق وقررت المغادرة.

مر على ذلك عدة أشهر زرت خلالها السوق مرات قليلة مررت فيها من أمام المرأة كما أمر على غيرها من الباعة في تجوال شارد، كأني حبة رمل تطوف وسط جموع من الكثبان. وفي تلك الزيارات الخاطفة لم أجرؤ على النظر إلى عيني المرأة لأكثر من ثانية وامضة.

ثم طوى الزمان بعض الهموم العابرة فانحسرت عني موجة الكآبة، وأمكنني أن أعود إلى بعض هواياتي الحميمة كقراءة الكتب في الشرفة، فنسيت السوق وانقطعت عن زيارته. إلى أن جاء اليوم الذي حدث فيه ما لم أكن أتوقعه على الإطلاق. كان هذا منذ أسبوع تقريباً، حين كنت خارجاً من البناية التي أعمل موظفاً في أحد مكاتبها. فما خطوت إلى الرصيف حتى وقع لقاء الصدفة بيني وبين المرأة التي شغلتني شهوراً. رأيتها تمشي برفقة امرأة أخرى تقاربها في السن. وقد جاوزني الاثنان في غمرة حديثهما دون أن تلتفت واحدة منهما إلي، فأتبعت صاحبتي النظر وأنا غارق في صمت المفاجأة.

أما اليوم فهو يوم اللقاء الذي لا بد منه. لقد عزمت، بصورة حاسمة، على الذهاب إليها. إنه حب الاستطلاع حين يبلغ القمة فلا يتيح لصاحبه فرصة النظر إلى التفاصيل الكامنة عند السفح. قررت الذهاب إليها بعد الوظيفة، وهذه المرة لن أكون مجرد عابر سبيل، كما كنت طوال السنة الماضية، بل زبوناً يحق له الكلام والسؤال. قررت أن أقتحم عليها صومعة الرهبة المصطنعة، وليكن من أمرها ما يكون. بل شعرت بالشوق لما سأكشفه بنفسي واطلع عليه من حقيقة أمرها...

ها أنا ذا أشق طريقي وسط زحام السوق. تلوح أمامي بضائع لا حصر لها، بأشكال وألوان كثيرة كأنها هالة مهيبة لتلك البارعة التي وقعت أسير سحرها طوال عام كامل من حياتي. أنا الذي ضحكت منها ساخراً حين رأيتها أول مرة، وضحكت أكثر حين قرأت لافتتها البيضاء. لكن يبدو أنه كان مقدراً أن تضحك هي ضحكة النصر، ولو بعد عام. لقد وصلت أخيراً إلى مصيدتي. وصلت إلى مدينة النحاس التي طالما حمت حولها كالمجذوب دون أن أجرأ على تسلق سورها العالي. لكنني اليوم تسلقت السور، وما هي إلا لحظات حتى ألقي بنفسي إلى الهاوية المجهولة.

تقدمت من المنضدة بخطوات بطيئة، لكن ثابتة، وقرأت ما نقش فيها من كلمات للمرة الأخيرة:
"عرافة تجيد فك السحر، كشف الطالع، وحل جميع مشكلات الحياة"


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى