بيكاسو في فلسطين ..

، بقلم أوس داوود يعقوب

وَصلت منذ أيام لوحة (بورتريه امرأة)، للفنّان الإسباني الشهير بابلو بيكاسو(1881 ـ 1973م)، إلى مدينة رام الله في الضفة الغربية المحتلة، في رحلة مدّتها ثلاثة أسابيع، ستحمل خلالها دلالات إنسانية وسياسية.

الحدث الذي يدفعنا لكتابة مقالنا هذا، ليس عرض لوحة أصلية للفنان العالمي (بيكاسو)، الذي اشتهر في نزعة التكعيب، ولكن (رحلة اللوحة) التي فضحت قصة حصار فلسطين وهمجية الاحتلال وفقدان الأمن وعدم تمكن الشعب الفلسطيني من التحكم في حياته اليومية بسبب سلسلة طويلة من الإجراءات التعسفية الصهيونية، وتقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية بإقامة المعابر والحواجز العسكرية.

وعلى رغم اشتهار (بيكاسو) بلوحات ذات معان سياسية، أهمها "الجورنيكا" (1937م)، التي جسّدت مأساة القرية الإسبانية التي تحمل اسمها، والتي تعرضت لقصف من الطيران النازي أدّى إلى مقتل عدد كبير من سكانها، فإنّ أكاديمية الفنون الفلسطينية في رام الله، ارتأت اختيار لوحة بلا مدلول سياسي مباشر.

تحمل اللوحة المستعارة اسم (بورتريه امرأة)، وقد رسمها (بيكاسو) عام 1943م، وهي تحمل أبعاداً رمزية عميقة، في إشارة إلى تضامن الفن مع القضية الفلسطينية العادلة، وشجبه لكل أشكال الاحتلال والظلم والتجويع والحصار. كما تعبّر أيضاً عن فكرة حضور المرأة الفلسطينية في التاريخ والفن الفلسطيني. وترتبط رحلة اللوحة، وهي إحدى أبرز الأعمال التي تمثّل الفترة التي أنجزها (بيكاسو) متأثراً بالحرب الأهلية في إسبانيا، بالقضايا المعاصرة والآليات التي تسيطر على الحقوق الثقافية والكفاح في أزمنة وأمكنة مختلفة، وهي من الفن (التكعيبي التفكيكي)، ويقدر ثمنها بنحو ستة ملايين يورو.

ووفقاً لتصريحات المدير الفني لأكاديمية الفنون خالد حوراني فإن رمزية استعارة اللوحة، منبعها الرئيس أن الفنان العالمي (بيكاسو) كان ضد الظلم، وستكون لوحته "شاهدة على بؤس حياتنا تحت الاحتلال"، مؤكداً حق الشعب الفلسطيني بالتحرر والحياة مثل سائر الشعوب، وأن يحظى بمشاهدة أعمال فنية عالمية، ويتفاعل معها، في إشارة إلى أن الاحتلال الصهيوني يعيق كل تفاعل جمالي، إذ ستكشف (رحلة بيكاسو) الآثار المدمرة للاحتلال الذي يبني جدار الفصل العنصري في فلسطين ويزج الآلاف من الفلسطينيين في السجون، علاوة على المجازر التي ارتكبها ومازال يرتكبها، ناهيك عن حصار قطاع غزة المتواصل منذ أكثر من ثلاثة سنوات، كما تكشف ـ هذه الاستعارة ـ هشاشة العملية السياسية.

إذن المشروع في رمته، من المنظور الفلسطيني "أكثر من مجرد استعارة لوحة لعرضها في فلسطين، بل استعارة للتاريخ أيضاً، ويمنح لحياتنا المعاصرة زخماً جديداً، واستعارة للأمكنة، وتكتسب معانيها من نشاط فني، وخصوصية وضع فلسطين هي التي تمنح هذا العمل طاقة المستحيل".

وستعرض اللوحة التي تعتبر أيقونة من الفن الحديث، والتي جابت أكثر من مكان في العالم على مدار الخمسين عاماً الماضية، في معرض فني، في معهد الأكاديمية الدولية للفنون في رام الله، داخل غرفة متحف صغيرة تبلغ مساحتها (16 متراً مربعاً) صممها مهندس فلسطيني، وفق المواصفات العالمية من حيث وجود أجهزة قياس درجات الحرارة والرطوبة وكاميرات التصوير الخاصة من أجل المراقبة المستمرة لعرض اللوحة الوحيدة في المعرض، لمدة 30 يوماً.

ويذكر المدير الفني لأكاديمية الفنون أن الأمر تطلب عامين من الإجراءات لنقل اللوحة إلى مدينة رام الله في صندوق خاص للحماية مر عبر العديد من نقاط التفتيش التي يقيمها العدو الصهيوني، وذلك بعد استصدار أوراق دبلوماسية للوحة ليسهل نقلها عبر المعابر والمطارات.
وقد احتاج وصول اللوحة إلى رام الله إلى "حل عبقري في كل مرة من أجل إيصالها دون ختم (إسرائيلي) وكي تحمل الرحلة اسم "من أيندنهوفن إلى فلسطين وليس إلى (إسرائيل)" خاصة أن اتفاق أوسلو لم يتطرق لأي عملية تنسيق من هذا النوع أبداً".

وحول تكلفة المشروع وتمويله، يقول (حوراني): "بلغت تكلفته نحو 170 ألف يورو (233 ألف دولار)"، مشيراً إلى أن تمويله بدعم من جهات عدة، منها متحف (فان آب) الذي اقتنى اللوحة عام 1956م، ومؤسسة (موندريان) الهولندية، وأكاديمية الفنون الفلسطينية، ومؤسسة (القطان) في رام الله، والمورد الثقافية والسلطة الفلسطينية، إضافة إلى مؤسسات أخرى أبدت رغبتها في المشاركة بتمويل المشروع".‏

وقد تم الاتفاق مع شركة تأمين هولندية (درست اتفاقية اوسلو وظروف المنطقة)، لحماية وتأمين سلامة اللوحة، كما لم يقتصر التعاون على شركة التأمين فحسب، حيث قررت حكومة السلطة الفلسطينية تخصيص كوادر خاصة لحماية اللوحة خلال فترة عرضها.

وقد تلقى إحضار اللوحة دعماً من مؤسسة (موندريان) الهولندية ومؤسسة (دوين)، التي تقول مديرتها (نينا تيلوغن): "إن مشروع بيكاسو في فلسطين يجعلنا نرى طُرقاً مختلفة لعرض الفن، ودوراً جديدا للمتاحِف، ونرى أيضاً أن العرض مُمكن في أعقد الظروف، بما في ذلك فلسطين."
يرافق عرض اللوحة سلسلة محاضرات في مدن (رام الله والقدس وغزة)، عن العقبات التي تواجه الفن في ظل هيمنة السياسة على نواحي الحياة وعن معنى حضور اللوحة، ضمن سلسلة فعاليات تحت عنوان (أحاديث بيكاسو).

ومن المقرر أن يوثق مشروع عملية استعارة ونقل اللوحة من هولندا إلى فلسطين، عبر فيلم وكتاب لرحلة لوحة (وجه امرأة)، التي تمتد نحو (7078 كيلومتراً)، ذهاباً وإياباً، من متحف «فان آب» في مدينة (آيدنهوفن) الهولندية إلى العاصمة (مستردام)، ومنها إلى مدينة رام الله الفلسطينية.


أوس داوود يعقوب

كاتب فلسطيني

من نفس المؤلف