الخميس ٦ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠١١
بقلم أحمد نور الدين

انفصام

أخرج إلى الشرفة في وقت ما من الليل. أقترب من الحافة بحذر شديد، ثم أقبض عليها بكلتا يدي. أنظر إلى الأسفل وأنا أميل بجسدي إلى الخلف حذر السقوط من الشرفة، لأن الخمر التي بدأت أجرعها منذ ساعات لا تزال تدور في دماغي دوراناً مسكراً تتراخى معه أطرافي بانسياب وراحة.

لست أدري كم هي الساعة، لكن الشارع في الأسفل ينعم بهدوء عميق كأنه استقر في أعماق بحار الليل. وأنسام الهواء الباردة تهفو على جبيني وتسري في شعري لتسكب على جسدي المتجاوب عطراً من روح الانتعاش. تمر في الشارع سيارة مسرعة تعترض انسياب الألحان في رأسي بزمجرة عنيفة أشعر بأنها شاذة وكريهة.

يلفتني مرور السيارة إلى القيادة كفعل، فأبتسم وأفكر جازماً أنني سأصتدم بأول عمود كهرباء يصادفني لو أنني تجرأت على قيادة السيارة في هذه الحالة من السكر. عمود الكهرباء وحده يتراءى لعيني كشيء يمكن أن أصتدم به، مع أن السيارات والشجر وحتى المشاة بما له جميعاً من انتشار وكثافة أشد هم في الواقع أوفر حظاً لهذا المصير المباغت. لكنني لا أهتم بذلك الآن، فالأفكار والصور تخطر لي بتلقائية ومرونة يعيدان تشكيل العالم وفق المزاج العالي وليس منطق الأحداث والاحتمالية. لذلك أرى زجاج السيارة الأمامي وفي الوسط، في الوسط تماماً، ينتصب عمود كهرباء أصفر يبدو نابتاً من مقدمة السيارة بعد التحامها به جراء الصدمة.
أجرع نفساً عميقاً من الهواء البارد أروم إنعاش صدري به، ثم ألقي بنظري إلى الضفة المقابلة من الشارع حيث يوجد دكان صغير يعتمر بلافتة نيون كتب عليها باللون الأزرق:" ميني ماركت هدى". يلوح لي الإسم متأرجحاً لكن بحروف كبيرة يمكن لي ربطها، فأقرأ المكتوب بتمعن. تقع عبارة:"ميني ماركت" في نفسي موقعاً طروباً لم أخبره من قبل، فهذه التسمية محلها في الحياة اليومية على رف الكلام المبتذل والباهت. لكنها تعبر أذني الآن برنة جديدة وإحساس جديد، فألتذ بها وأرددها متأملاً تأثيرها المريح في نفسي:" ميني ماركت... ميني ماركت..."
ينفخ الهواء في أذني أصوات هرج ومرج فألتفت إلى الجهة التي تأتي منها، فأرى مجموعة من الناس تترجل من سيارة تقف في الجهة المقابلة من الشارع وأمام البناية المجاورة لبناية الدكان على اليمين. أضيق عيني وأنا أحاول أن أتبين أوجه الأشخاص الذين ظهروا في وعيي بشكل مفاجئ كما يقصف الرعد فجأة في سماء الخريف الخاملة دون مقدمات. وبنفس الفجائية تنطلق بداخلي رغبة طارئة بأن أرفع يدي في السماء ملوحاً وأهتف لهم كنوع من التحية، لكنني أبلع هذا الخاطر لأنه بدا لي غريباً نافراً وسط ما يغمرني من ائتلاف ضخم يجمع بين الأصوات الوافدة إليي عبر الهواء بإيقاع منتظم كأمواج البحر، وبين ما يدور في داخلي ويتوالد من صور وأشباح وأشباه الأفكار.

يحدث بعد ذلك بوقت ما شيء لم أكن أتوقعه على الإطلاق. فأنا لا أزال واقفاً في الشرفة، ولا تزال الخمر تحرك في رأسي الدوائر وتنشر أمواج الخدر في جسدي كله. وينطلق فجأة إنذار سيارة إسعاف. لعل الصوت ارتفع تدريجياً في الهواء، لكنني لا أسمعه إلا حين يصبح قوياً وطاغياً على ما عداه من أصوات الليل. ثم ألتفت إلى يمين الشارع، مرة أخرى، لكن هذه المرة لا أرى أشباح أناس عائدين إلى بيتهم، بل هيكل ضخم لسيارة إسعاف تنطلق في الشارع بسرعة تبدو لي عالية رغم تباطئ الإحساسات في رأسي. وتمضي سيارة الإسعاف البيضاء قدماً نحو مفترق الطريق وهي ترسل إنذارات حثيثة عبر إشعاعاتها الحمراء وصوتها الذي يقلق سكان المقابر.

أركز نظري في مصدر الإشعاع على ظهر السيارة محاولاً التقاط شعلته، لكني أجدها مضطربة كثيراً ومرواغة كسراب. تبدأ سيارة الإسعاف في الانعطاف لجهة اليمين بسرعة هائلة تريد الغوص في شارع متفرع تكسوه ظلمة الليل. تريد الغوص فيه بتلك السرعة الهائلة كي تصل إلى مكان ما، لعله قريب من هنا، تقع فيه مصيبة، أو لعلها وقعت بالفعل. تريد سيارة الإسعاف أن تصل إلى ذلك المكان لكن حماسة انطلاقها تصتدم بشيء ما يعترض سبيلها داخل الشارع المظلم فيرتفع صوت اصتدامها مدوياً ناطقاً بارتطام المعادن وتناثر الزجاج...


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى