الأحد ٣٠ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠١١
بقلم محمد شداد الحراق

اللغة الشعرية وهوية النص

اهتم النقاد العرب بالكلمة الشعرية، وخصوها بكثير من العناية والدراسة والتفصيل. وذلك لأن اللغة الشعرية هي هوية الإبداع الشعري، وهي العلامة الدالة على انتمائه إلى دائرة الشعر. ولهذا وضع النقاد القدامى شروطا محددة للكلام الشعري، بحيث ليس الكلام كله يكون صالحا لينتمي إلى هذا الفن. بل لابد أن يتحرى الشاعر كثيرا في تعامله مع اللغة، حتى لا ينجرف مع لغات أخرى تبعد عمله من صفة الشعر. فـ"للشعراء ألفاظ معروفة وأمثلة مألوفة لا ينبغي للشاعر أن يعدوها، ولا أن يستعمل غيرها"#.

ولهذا طالب النقاد باختيار الألفاظ وانتقائها حتى تتميز لغة الشعر عن غيرها من اللغات المستعملة في العلوم والصنائع وكلام العامة. "فحين نتحدث عن اللغة في الشعر والأدب عامة نقصد اللغة في خصائصها الفنية التي من شأنها أن تثيرها بتعمق مدلولاتها، وتنظيم سياق ألفاظها وجملها بما يوسع نطاقاتها الصوتية والإيحائية، ويجدد قرائنها ويغني مجالاتها التعبيرية"#. وعلى هذا الاعتبار، لا يمكن أن تكون كل لغة مادة صالحة للشعر، "لأن لغة الشعر متميزة وذات خصوصية، لأنها لغة إيحاءات، إنها تقف على نقيض اللغة العادية أو لغة العلم التي هي لغة تحديدات ولغة الإيضاح"#.

والذي يجعل لغة الشعر تتميز عن غيرها، أنها أكثر من وعاء لحمل المعاني،وأكثر من وسيلة للتعبير عن الأفكار. فهي المعنى نفسه. بحيث تتحول إلى مقصد أساسي في الخطاب الشعري، وإلى هدف مركزي في العملية الإبداعية. "إنها ليست وسيلة لأداء شيء ما، وإنما هي الغاية في حد ذاتها. فالشاعر يبحث عن المعنى، وحيث يعثر عليه، يبنيه بناء شعريا من خلال اللغة"#.

وترتبط اللغة الشعرية بثقافة الشاعر وبمرجعياته الفكرية وبكل العوامل الذاتية والموضوعية التي تساهم في تجاربه الشعرية. فهي ترجمان لتصوراته وحساسياته، كما أنها صورة معبرة عن انشغالاته وهمومه الفكرية والنفسية والاجتماعية. والشاعر دائم الاختيار والانتقاء بين الألفاظ سعيا وراء ما يمكن أن يخدم مقصديته، ويقدم صورة تقريبية لما يعتمل في ذهنه وأعماقه. وهكذا تأتي اللغة الشعرية منسجمة مع السياق النفسي ومع التجربة الداخلية للمبدع. كما أنها تأتي منسجمة مع السياق الثقافي العام، ومع الاختيارات الفنية والجمالية التي أقرها المجتمع الأدبي، واستساغها الذوق الفني السائد. لأن الشاعر يبقى دائما ابنا وفيا لبيئته، ولسانا صادقا حاملا لرؤية المجتمع الثقافي الذي ينتمي إليه. ولذلك تجد التجارب الشعرية المنتمية لسياق تاريخي أو ثقافي معين، قد انطبعت بالطابع الفني الذي تميز به ذلك السياق. فتحمل آثارا بارزة وبصمات واضحة لما تم تكريسه، أو لما تم تداوله بين الطبقة المبدعة.

ومما أكد عليه النقاد هو التناسب بين اللغة الشعرية والسياق الشعري. فإذا كان للشعر أغراض وقضايا مختلفة ومتعددة فإن "كل غرض يفترض وجود ألفاظ معينة تحقق بينها، حين تركب نوعا من التماكن والانسجام، وتبعد الانفصال والتباين، وكل غرض من تلك الأغراض يتطور معجمه تطورا ما تبعا للتحولات المجتمعية"#. وقد أشار قدامة بن جعفر إلى هذا التناسب بين لغة الشعر وموضوعها بقوله "ولما كان المذهب في الغزل إنما هو الرقة واللطافة والشكل والدماثة، كان مما يحتاج إليه أن تكون الألفاظ لطيفة مستعذبة، مقبولة غير مستكرهة"#.

ولكن الواقع الشعري، من خلال التجارب الشعرية قديمها وحديثها، يجعل هذا الأمر متعذرا. لأنه ليس بالإمكان أن نقيد الشاعر ونحد من حريته في تعامله مع الألفاظ والكلمات، خصوصا إذا كان السياق التخاطبي يفرض عليه الاستعانة بمعاجم أخرى وألفاظ قد لا تكون في الظاهر متناسبة مع موضوع شعره. فغالبا ما يجد الشاعر نفسه مضطرا إلى استخدام المجاز فيستعين بألفاظ بعيدة عن موضوعه الشعري، ولكنها تخدم هذا السياق على سبيل الإيحاء والخيال والاستعارة. فيقول شيئا ليقول به شيئا آخر. ويوظف الكلمة توظيفا يوسع من دلالتها ويغني إيحاءاتها. ومثل هذه الاستعمالات كثير في لغة الشعراء. ومعاجمهم الشعرية وحقولهم الدلالية خير شاهد على ذلك.

ويعود هذا التوظيف المتنوع للغة الشعرية إلى ثقافة الشاعر، وإلى مدى إطلاعه وإدراكه لما يحيط به من قضايا ومعارف واختيارات ويعود أيضا إلى مدى قدرته على تكييف اللفظة الشعرية مع ما يتطلبه السياق التخاطبي. فحينما يجد الشاعر في نفسه المقدرة على استدعاء الكلمات من مظانها ومن مواقعها المعجمية، ويلجأ إلى توظيفها في سياقاته الشعرية المتنوعة، فإنه يعمل على إفراغ الكلمة المستعارة من دلالتها المعجمية الخالصة، ليكسبها معنى جديدا تستمده من السياق. وهكذا تخرج كثير من الكلمات عن وضعها اللغوي، وعن دلالتها القاموسية. فتجدها في حدث شعري ما تحمل دلالة معينة، ولكنها في حدث شعري آخر تحمل دلالة أخرى تقتضيها الشروط الإنتاجية للنص. وهذه من أهم خصائص اللغة الشعرية. وهذه الإمكانات التي تتميز بها الكلمة هي التي تشجع الشعراء على توليد المعاني والدلالات، وعلى تنويع الأساليب والعبارات. ولو أن كل لفظة اعتصمت بقاموسيتها وباستعمالها المعياري، ولم تنفتح على المعاني المتشابهة والدلالات المتماثلة، لنفذ الكلام، ولوقع الجفاف في منابع الشعر، ولأصاب أصحابه العجز عن التعبير عن رؤاهم ومواقفهم وأحاسيسهم. وهذا الخروج باللغة إلى غير ما وضعت له في الأصل هو ما يضفي الجمالية على العبارة الشعرية، ويحولها إلى إشارات وتعابير انزياحية فيها من التوسع والمجاز والرمزية ما يحقق الإثارة لدى المتلقي، ويدفعه إلى التحاور مع النص الشعري من أجل استنطاقه، وتفجير معانيه، وكشف دلالاته الجديدة والمتولدة.

وإذا كان العمل الشعري عبارة عن مجموعة من المستويات الفنية التي تتراكب عضويا لتنتج الصورة النهائية لهذا العمل. فإن المستوى المعجمي يعد هو الأساس الذي ينبني عليه النص#. فالحقول الدلالية عادة ما تتطلب معاجم لغوية مناسبة لتصبح هوية لهذا العمل أو ذاك. ويستند ذلك إلى العلاقة الدلالية القائمة بين اللفظ / المعجم، وبين الحقل الدلالي الذي اختير ذلك اللفظ ليشغل وظيفة فيه. وهكذا تتنوع الحقول الدلالية ومعها تتنوع المعاجم والاستعمالات اللغوية.


مشاركة منتدى

  • ... على ان يكون انزياح الكلمة عن معناها القاموسي او المتداول مفهوما من السياق وليس رمزا غامضا قائما بذاته يستعصي فهمه حتى في الخيال.. وفي شعر الحداثة كثير من هذا النوع عند من لا يحسنونه .. تقي البحارنة

  • شكرا مقالة رائعة استفدت منها كثيرا ممكن مقالة عن الشعر الصوفي المعاصر

  • مقالة رائعة باسلوب ممتاز ، كفيت ووفيت استاذنا ووفقك الله لما فيه خير للامة .
    نود ان نشير الى ان ظاهرة الغموض التي تبناها اغلب شعراء العصر في قصائدهم اليوم ،قد ادت الى تقلص عدد متذوقي الشعر و انصرفت عنه شرائح عديدة من المثقفين العرب ،خاصة في بلدان المغرب العربي ، يأتي في مقدمة هؤلاء : الطلاب الجامعيين ، ليس في التخصصات العلمية فقط بل حتى الادبية ، وصار العديد منهم يخشى ان يقترب من القصيدة المعاصرة ، ويرى فيها جبلا يصعب تسلقه .

  • مقالة رائعة ومفيدة
    جزاك الله كل خير

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى